أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - الانْفِلاتُ من شَرنَقة الزّمن في“ طاح الميزان“ للزجال أنس لحلو- تحليل موضوعاتي















المزيد.....


الانْفِلاتُ من شَرنَقة الزّمن في“ طاح الميزان“ للزجال أنس لحلو- تحليل موضوعاتي


ادريس الواغيش
الحوار المتمدن-العدد: 5102 - 2016 / 3 / 13 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


الانْفِلاتُ من شَرنَقة الزّمن في“ طاح الميزان“ للزجال أنس لحلو
تحليل موضوعاتي
قلم: إدريس الواغيش

تدخل هذه المقاربة النقدية في سياق رسم إستراتيجية تضبط عملية تمفصل مجموعة من القراءات: قراءة داخلية للديوان وأخرى ذاتية تقوم بها النصوص الشعرية نفسها، من خلال تطويع بعض المناهج الغربية كي تستجيب لخصوصية النص الزجلي المغربي، مع الحرص على عدم السقوط تحت أي سلطة منها.
قصيدة الزجل بين شكلها الحداثي والتقليدي:
أشكال الزجل تختلف من منطقة مغربية إلى أخرى: من الصحراء جنوبا حيث أشعار الملحون الذي ظهر في القرن ال(9) التاسع الهجري في العصرين العلوي والسعدي، إلى المنطقة الجبلية شمالا من المغرب (تاونات- الشاون- طنجة- تطوان) حيث تعشش “الطقطوقة الجبلية“ بأهازيجها وأشعارها، إضافة إلى أشكال زجلية أخرى، وهي شعرية تعبيرية مختلفة: “العيوط“ وأغاني “عبيدات الرمى“ بشقيها العصري والكلاسيكي في مناطق ( عبدة- الشاوية- الحوز)، وهي في غالبيتها شفهية في غياب دراسات حقيقية.
الديوان في مجمله يحكمه مستويان اثنان: الأول حداثي لا يختلف في شيء عن القصيدة الحديثة، والثاني زجلي عادي بالشكل المتعارف عليه في القصيدة الزجلية المغربية التي نجدها في قصائد فن الملحون.
قراءة في العنوان:
عنوان الديوان يتكون من كلمتين متناقضتين: الميزان المرادف للاتزان، و“الطيوح“ الذي هو فقدانه بشكل أو بآخر، ولكي نتعرف على صاحب برج - الميزان- مثلا علينا أن تقسم الأمور إلى النصف أي 50 %، فنجده في جانب: لطيف، ناعم، عاطفي، طيب عندما يكون متوازناً مع نفسه، أما في غير ذلك فهو متقلب الأهواء، عصبي، عنيد، عنيف، كئيب إلي حد الموت و يبقي على هذا الحال حتى يعود إلى طبيعته، حيث الهدوء و الذكاء و الطيبة و الحب و الود. وهو كما يقول عنه الناس: “هذا المخلوق شخصين في جسد واحد“.
و“الطيوح“ من فعل طاح: طاح يطوح- طح- طوحا وطيحا- فهو طائح، ونقول طاح عقله فقده- طاح درهم من يده: سقط. و“الطْيوحْ“ كما نعرف دائما ما يرتبط بالكوارث، يقال من قديم الزمان: سقطت دولة فارس- سقطت دولة المماليك- طاحت الصّْمْعَا عَلقو الحجّام) طاحْلو السُّكر...إلخ.
كما أن الميزان أيضا ذكر في القرآن الكريم وفي أكثر من منزلة:
" الله الذي أنزل الكتاب بالحق و الميزان "
ـ سورة الشورى (42) ، الآية 17
" و السماءُ رفعها و وَضَعَ الميزان ألا تطغوا في الميزان و أقيموا الوزن بالقسط و لا تخسروا الميزان
ـ سورة الرحمن (55) ، الآيات من 7 إلى 9
والمفهوم الكلي لأصل العدل هو الاعتقاد بعدالة الله و أن الله يجازي كل فرد طبقا لأعماله. وكلمة العدل بصفة عامة تعني " تساوي شيئين " في إشارة ضمنية إلى الميزان. و هي تعبّر عن فكرة المساواة و التعادل برعاية الإنصاف و عدم إهدار حقوق الأفراد. و نتيجة لهذا فإن أصل العدل هو كذلك الاعتقاد في " عدالة الله " و " عدم ضياع الأعمال و الأفعال "، " وجود المعيار الدقيق، لا زيادة فيه و لا نقصان " و " حفظ كل شيء في محلّه الصحيح" والثقة أخيرا في عدالة الإنسان في الأرض قبل عدالة الله في الآخرة وهذا أيضا مُهِمّ.
لكن لا بد أن نعلم بيقين أن الأصل الأساسي في الإسلام يشمل معنى و قيمة أعمق من هذا، ولذلك لا بد من فهم كنه هذا الأصل. نرى بدقة في الكائنات كلِها كيف أن الكرات السماوية و السيارات في المنظومة الشمسية تسير في تعادل و توازن وجودي، كل في مداره يدور حول مركزية الشمس، و كيف أن هذا التعادل و التوازن حاكِمٌ كذلك في المَجرّات. الإنسان كذلك موجود في بطن الوجود و القوانين الوجودية شاملة له، و هو في سعي لحفظ هذا التعادل. التعادل و التوازن الوجودي حاصل من وجود مركزية ثابتة، و هو الذي يؤّمن الثبات و الإستقرار في كل جوانبه. يقول تعالى:
". لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط"
سورة الحديد (57) ، الآية25
حتى في الغناء نقول"ضابط الإيقاع أو الميزان" سواء في الغناء الشعبي أو العصر( وهو غالبا ما يكون بْنادري أو دْرابكي) ي، لأن الحفاظ على الميزان يكون من أهم مرتكزات نجاح الأغنية واللحن. وأحيانا نستخدم "الطيوح" بشكل انزياحي فنقو" فلان"طْيَّح" الميزان سواء في فريق كرة القدم أو في فريق سياسي أو مسرحي وغيرها لأنه لم يكن منسجما أو في مستوى باقي أعضاء الفريق، وأحيانا نقول على سبيل البسط"ما كايْن غير الطيوح" وهي علامة لا تدل على شيء يبشر بالخير على كل حال. نحن إذن أمام عنوان مشحون بالرمزي، عنوان يتميز بخصوبة دلالته وأبعاده الواسعة ة، ويتطلب معرفة واسعة رغم ما يبدو فيه من بساطة.
قراءة في اللوحة:
رغم ما قد تبدو من الوهلة الأولى أن فيها شيئا من الخُدَع التكنولوجية (الفوتوشوب)، إلا أن الفنان محمد فيلالي فكير قد اشتغل عليها بحرفية. تُظهر الصورة تطابُقا مع ما يرمي إليه عنوان الديوان من تعادلات، فالصورة تحاول أن تظهر تعادلا في كل شيء تفادٍ لهذا "الطيُوح" السيء الذكر، الأجنحة متساوية في إشارة على قدرة التحليق، لأن ميل أحد الجناحين يعني إما هبوطا قسريا أو اضطراريا، لأن التوازن ضروري للطائر أو الطائرة على السواء، مع بياض يوحي بإشراق ليوم أو غد أو مستقبل جديد. في النص أعلى اللوحة هناك ما يوحي بشيء من الأحلام: الليل والقمر وما يرتبط بهما من مناجاة السماء أو الحبيبة، فمناجاة الله مثلا لا تكون إلا في جوف الليل، أو إلى الطيران: والطيران حسب شيخ المفسرين ابن سيرين هو سفر إذا كان طيرانا ناجحا، و الطيران لغير المسافر هو بِطالة وقد يدل على التشاؤم والتطير، والمغرور رؤياه باطلة إذا نفسه يطير.
الشمس هنا مصدر للضوء في النهار وفي الحياة، وهي أيقونة وعلامة يمكن أن ترمز إلى الأمل وإلى الحبيبة التي غالبا ما وصفت بالشمس المشرقة في الكثير من الأشعار أو إلى السلطة والجاه، كما يقول النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر:
فإنكَ شمسٌ ، والملوكُ كواكبٌ إذا طلعتْ لم يبدُ منهنّ كوكبُ
والقمر هو الآخر مصدر للضوء والمناجاة في الليل، وهذا التوازن بين الشمس والقمر ضروري للاستمرارية والنجاح، يقول سبحانه و تعالى:
“لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ-;- وَكُلٌّ في فلكٍ يسبَحون“.
حتى العنوان نفسه مكتوب بالخط المغربي في إشارة إلى الأصالة المغربية: أصالة الجنس تجتمع مع أصالة المبدع أنس لحلو ابن مدينة ذات ال1400 سنة من التاريخ.
الشاعر العراف/ من العلم إلى الشعر:
أنس لحلو كغيره من الشعراء حالم وعَرّاف يبحث عن الحقيقة، هذه الحقيقة التي إن وجدناها تعمينا أحيانا ومع ذلك نصر في البحث عنها. الفصل هنا بين الحقيقة سواء داخل نصوص ديوان“ طاح الميزان“ أو في محيطها الخارجي يبقى مستحيلا، لأنها رغم الخطابات التي تبدو متصارعة في ظاهرها، إلا أن البعد الإنساني يوحدها في داخلها ضمن قوالب تغلب عليها اللغة الإيحائية، رغم الواقعية التي قد تنزع أحيانا نحو أحادية الدلالية في ظاهر بعض النصوص، وهي بكل تأكيد نصوص تمثل وعي المبدع بالمحيط الذي عايشه: “هذا كلام ناس زمان“ (ص:17) أو من خلال الإنسان الكيميائي الساكن فيه كباحث في هذا المجال:“ ما فكروا/ ف أجيال / خنقها الاحتباس والعولمة“( ص:49) ويعيش فيه:“ أراك آوا لهاذ الزمان/ الظلم فيه طايح“(نفس الصفحة)، فهو هنا ينفتح على جميع الآفاق الممكنة.
بكل تأكيد نحن هنا أمام أمام تجربة تجمع بين البعدين الجمالي والفكري، وتلتقي فيها حقيقة العلم بصفته لغة عقل ومعادلات رياضية، مع حقيقة الشعر بصفته لغة عاطفة ووجدان، فإن كانت عصارة العلم تتجلى في التكنولوجيا فإن حقيقة الشعر جمالية بالدرجة الأولى. وهي ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها العلم والشعر ليكون العالم شاعرا، فمن الأمثلة الأقرب إلينا سنجدها مثلا في المصري يوسف إدريس، لما تجاذبته الكيمياء والعلوم أراد أن يكون طبيبا ثم قاصا وروائيا، وفي العراقي نجد الدكتور عامر هشام الصفار الذي لم يمنعه كونه طبيبا جراحا وعضوا بالأكاديمية البريطانية من أن يكون قاصا متميزا.
الشاعر وما لا يمكن للقارئ أن يتوقعه:
الانزياح في “ طاح الميزان“:
من أهم العناصر في القصيدة الحديثة كما هي عند “مالارميه مثلا أو رامبو- شاردل بودلير - جان كوهين في الغرب وفي العالم العربي محمد السرغيني وأدونيس وبشكل من الأشكال محمد بنيس نجد ما يلي: الانزياح- الاحتمال- التناقض- الفجائية، أي أن يجد القارئ ما لم يكن يتوقعه. وقد كان شارل بودلير دائما يقول:“ أتمنى أن أرى مراعي حمراء وأشجارا زرقاء“ في إشارة إلى استعمال لغة غير مألوفة في الشعر، وهي ألوان كما نعلم لا وجود لها في الطبيعة بهذا الشكل، لكن لها حضور في عالم التخييل والرؤيا. والقصيدة الحديثة سواء في الزجل أو النثر والشعر الحر تسعى إلى الكشف عن عالم جديد، عالم بكر، لأن مهمة الشاعر هي قراءة المستقبل، وفك سحر ما لا يدركه البشر العاديون. لأن الشعر يقوم على رؤية فلسفية، والمبدع لحلو حلق بنا هنا- كما سنرى- في العالمين: الواقعي والخيالي.
الحداثة الشعرية تسعى دائما إلى تشويه الحقيقة الفنية للقصيدة عن طريق البحث في عوالم التجريد، لا ترتبط بزمن معين. والشعر الحداثي في تصور رامبو مثلا ترتكز على فكرة الحلم بوصفه أحد الروافد الأساسية للرمزيين.
لأن الأوهام والأحلام الغريبة هي منبع الشاعرية الحقة، فالشاعر الذي لا يحلم ليس بشاعر. لذلك نجد أن أغلب الشعراء سرياليون وعلى رأسهم رامبو نفسه. الشاعر يحاول دائما خلق نسق جديد يغاير النسق المألوف عن واقعنا ليحرر الخيال من العقل والسفر إلى أبعد من الواقع، لأن المسألة أبعد من تفسير الأشياء والمعاني بالأشياء والمعاني نفسها.
لذلك كان جان كوهين يقول:“ إنني أبتكر لغة ترسم أثر الأشياء التي تحدثه الأشياء ذاتها“، كما أن الشعر الحداثي حسب مالا رميه“ لا ينبغي أن يتشكل من كلمات، ولكن من أحاسيس“. فالشاعر الحداثي يكتب بأحاسيسه وشعوره، وبأشكال لغوية مستحدثة، وهذا ما فعله أنس لحلو هنا تحديدا:
فزجل المبدع هنا فيه من الحداثة ما يكفي، حتى أنه مختلف عن الزجل الكلاسيكي البسيط الذي ألفته آذاننا كأشعار الملحون مثلا أو الأشعار الأخرى المُغناة. لذلك كان مالا رميه يقول في الشعر الحداثي:“ ينبغي للشعر أن يكون ألغازا دائما“ وإلا دخل في الإنشائية. فالغموض في الشعر ليس وليد الصدفة في التفكير أو التعبير، بقدر ما هو منهج معتمد في الكتابة، وهو الذي يشكل الشعرية، لأن الشعر ليس مروحة للكسالى والنائمين، فأشعار مالارميه كانت دائما تحطم الطمأنينة على القارئ، وتدفعه إلى عالم الدهشة والغرابة، وتصبح كهفا من الطلاسم، لأن شعر الحداثة ضد الوصف وصياغة الحدث أو الخبر، فهو يجعل من الماضي والمستقبل زمنا واحدا منصهرا في لحظة أبدية كما هو الحال في قصيدة :“ هي السّاكناني“، حيث تصبح القصيدة فكرة غير ظاهرة ولا محددة.
كانت الأمثال الشعبية دائما ملهمة لشعراء الزجل على الخصوص، وبكل تتميز به من إيجاز وتكثيف، من إحكام ودقة في المعنى. ففي قصيدة “هي الساكناني“ يصبح "الليل بوذنيه“
يعمد الزجال هنا إلى تركيب الكلمات، لكن بشكل مصنوع يروم الإشجاء تساوقا مع الإيقاع، والتركيب هنا جاء طبيعيا تلقائيا من دون تكليف، يروم التوضيح والإفهام، فيمارس الشاعر لعبا تركيبية كالانزياح السياقي مثل الحذف والزيادة والتبادل والتعويض والتقديم والتأخير، يقول مثلا:
الليلْ. ديجُورُو لاحْ / الصّْمتْ ب سرّو باحْ / وْانا تايَه / فْدرُوب أحلامي / عْلى غفلة / جاتني هي. ولاحت ضَيْ.
لتبدأ عملية التشويق وحيرة السؤال، وستصاحبنا هذه ال(هي) إلى نهاية القصيدة دون أن نعرف من هي؟: فكرة أم حبيبة؟ ديمقراطية أم حرية؟.
يرى "طوماشِفسكي"مثلا أن ترتيب العناصر الغرضية يتم حسب نمطين رئيسين، فإما أن تخضع لمبدأ السببية باندراجها ضمن نظام زمني معين، وإما تعرض دون اعتبار زمني كأن يكون في ذلك تعاقب لا اعتبار فيه لأية سببية، وفي نفس الاتجاه تقريبا يذهب جان كوهن حينما رأى أن الشعر يكسر التتابع المنطقي لتنامي الحدث أو إيجاد مسبب له. كما تتابع الملفوظات هنا في قصيدة لولبية “هي الساكناني“ تبدأ ب“ هي“ وتنتهي ب“هي“ وفق نسق مشوق دون أن نعرف من تكون هذه ال“ هي“"/ يقول الشاعر:
جاتني..هي / كولت ليها – أو حينما يقول الشاعر: أنت قلب الروح الدّْخلاني/ أنت بصمَة فزماني...إلى أن يقول: جمرة هي / تكوي لوراق تضوي طريق العشاق تحرق عباد الذل والنفاق / خرجات / هربت بلاموزون بلا صداق( ص: 32). قد نستسلم لعالم العشاق ونسلك دروبهم، لكن ثمة أشياء تشي بغير ذلك من قبيل: الذل- النفاق- جمرة هي تكوي لوراق. فن التبسيط في الزجل/ الغموض الواضح أو الوضوح الغامض في” طاح الميزان“:
لا شك في أن لكل جنس أدبي خاصيته الجمالية، ومؤثراته الفنية. هكذا سئل الشاعر الإنجليزي (أودن): ما هدف الشعر؟ فقال: أن يمكِّن الناس من الاستمتاع بالحياة بطريقة أفضل بعض الشيء، أو من تحملها بطريقة أفضل بعض الشيء.لذلك كان يسميه البعض أحيانا ب“ البساط" أو"البسط“.
بساطة العبارة وعمق الفكرة، فانطلاقا من مكونات النص الداخلية نخلص إلى مجموع العلاقات والدلالات الداخلية المتشابكة فيه، بعيدا عن أي سلطة منهجية أو أحكام تقويمية أو حتى مقارنة نصوص بأخرى أو هذه التجربة بتلك ، لأن من شأن ذلك أن يفقد النصوص طراوتها وجماليتها وخصوصيتها
يعترف جان بيير ريشار مثلا بأن قراءته لا يمكن أن تنتهي إلى فهم تام للأعمال المدروسة، فكل قراءة تبقى محاولة ممكنة للفهم فقط.
تيمة الحيرة:
لعل قصيدة“ هي الساكناني“ وهي من مقامات أهل التصوف (بعيدا عن التعاريف الجاهزة: لبس الصوف أو ما شابه ذلك، لأنه إحساس قبل ذلك) والذهول وأهل الفكر والفلسفة وكل ما يتعلق بالسؤال وبحرقته (حضور الذات وما يحيط بها(الله- الغيب- الحياة- الموت...).
فكلنا يتطلع إلى السماء بشكل أو بآخر وجدانيا حتى وإن كان الإفراط فيه يفسد الإبداع أو صوفيا، عشق المستحيل والممكن معا وإن كانت النتيجة أسئلة محيرة داخليا، والسؤال كما نعرف هو القارب الذي يوصلنا إلى عالم الحقيقة وإلى ما وراء الانزياحات أوكما سماها ريفاتير“ اللا مباشر الدلالية“. وظلت-هي- في قصيدة“ هي الساكناني“ بلا هوية واضحة المعالم، كل واحد يتصورها وفق خياله وحمولته الفكرية والمعرفية، تطرح على القارىء أسئلته المربكة.
شعرية الاستعارة وشعرية الإيقاع:
التقطيع الموسيقي من خلال الانسيابية، وإن لم يحصل بعد توافقا حول هذا الموضوع. لكن المسألة تتعلق بشعرية الإنشاد/ المنطوق أوبشعرية المكتوب أو الملفوظ. وهذا يحيلنا إلى جاكوبسون وتحليل الخطاب من حيث جمالية التلقي: المرسل- المرسل إليه التفاعل الحركي- النفسي –الفكري- الفني داخل فضاء القصيدة كجمل شعرية- زجلية.
الأنثروبولوجيا الاجتماعية/ النظرية الوظيفية للعلامة في” طاح الميزان“:"حضور
وككل القصائد الزجلية المغربية الشهيرة سواء في فن الملحون أو الزجل كقصيدة أقرب إلى فن النثر أو الشعر الحر، تمتحي الكثير من القصائد في هذا الديوان من الموروث الاجتماعي والثقافي المغربي ما يعطي صبغة جمالية، فنجد الكثير من المفردات والجمل المعبرة من قبيل: “ ملكا لحباب- الكلسة معاهم نزاها- كاس أتاي يدور- البراد الصينية تجمعنا- الدقة والتهضيرة- التعريجة- البندير- رياضات ومصريات- الحسد والكفوس- كيت العديان ف باب التواب- الطبلة لجواد يحطوها- قليل ولا كثير- ما منو باس- سراجم وباب...إلخ“ (ص: 41-42-43 من قصيدة ملكا لحباب) أو كما في قصيدة:“ شامة سلطانة الحكما“ حيث نجد الحكمة المغربية المتأصلة مثلا:
ولاد النحلة / يكبروا بلا عساس / والشهدة ما عندها زعما/ راه المال السايب / يعلم السرقة وقلة الشهاما“ (ص:48-49) إلى أن يصل كخبير بعالم النووي والاحتباس الحراري إلى قول:“ اللي منشاو مفكروا/ فأجيال/ خنقها الاحتباس/ والعوملة“ (ص:49)
يرجع بنا المبدع لحلو إلى عادات قديمة كادت أن تنمحي في اليمدينة كما البادية المغربية، وهي لحظات كانت تعيشها الأسرة المغربية إلى عهد قريب في “ سيدي حرازم- عين الشقف والرياضات بالنسبة للأسر الميسورة. وهي دعوة للعودة إلى زمن القناعة “ قليل ولا كثير“ حيث أصبح لا خيار الآن إلا بالكثير مع الأسف. هي دعوة صريحة من الشاعر إلى التجاور والتجانس وحب الناس.
النبش في الذاكرة الشعبية المغربية والموروث الحضاري من إيقاعات جديدة وقاموس لغوي قديمه وجديده منبعث من الذات المغربية:“ السنتير يسير نغامو على الحصير- ما هموني غير الرجال يلا ضاعوا- ما هموني غير الصبيان مرضوا وجاعوا- الحيوط يلا رابوا كلها يبني دار...“(سنوات بعد كل الدمار ‘عيد إعمارها، لكن ماذا عن الذين/ اللواتي ضعن؟.
كثيرة هي المفردات التي تعيدنا إلى عاداتنا القديمة، وقد كادت أن تضيع من حديثنا وتوحي بغنى الديون من ناحية الموروث الشعبي: ملكا لحباب- الكلسة- كاس أتي يدور- الصينية تجمعنا- الدقة والتهضيرة- التعريجة- البندير- رياضات ومصريات- الكفوس- الطيفور...إلخقصيدة: ملكا لحباب- ص:41-42-43).
تيمة الصوفية:
أنس لحلو أبحر في عالم الصوفية“ ريح ربانية“ (ص:30) والروحانيات والقيم الوطنية، وهذا ليس غريبا عليه فهو ابن العاصمة العلمية المفعمة بعَبَق التاريخ والأضرحة والأولياء والزوايا وأيضا الزعيم السياسي والنقابي أما الاحتفالية فأكيد لن نجد صعوبة من الجهة التي ابتلي بها، يقول: “أنا حكيم/ أنا مُناضل / أنا...احتفالي“.
حين نتجول في مواضيع الديوان نده يزخربمجموعة من الاقتباسات والأيقونات وفعل التناص مع القرآن الكريم أعطى للديوان مسحة صوفية، حيث يتم الوهم المرجعي أو القراءة الاسترجاعية كما هو حال في المنهج السيميوطيقي عند مايكل ريفاتير في كتابه:“ دلائليات الشعر“ أو عند بيير ريشار.
فمن خلال قراءتنا الأفقية/ الخطية للنص الشعري، وهي قراءة استكشافية عند ريفاتير، لتتم عملية التاويل والحفر بعد ذلك، انطلاقا من معارف سابقة وعلامات نصية، وهما قراءتان متلازمتات، لأن السيرورة الدلائية/ السيميائية أو ما يسميه – بورس- “السيميوز“ تنشأ في ذهن القارئ أولا.
كما أن حضور التناص وارد في قصيدة “ طاح الميزان“ أو“ يا لفاهم“: هدو قوم الذل والاستسلام/ هدو قوم الجاه والسلطان/ هدو قوم الكبر وقلت لمان/ الله ما يغير حالهم/ مادام زيدين ف عماهم.(ص: 56) تماشيا مع قوله تعالى في سورة الرعد: “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ“[الرعد:11]
- شعرية الإيقاع في“ طاح الميزان“:
الارتهان على مناهج حديثة وتطبيقها على الزجل هو مغامرة أدبية. لأن النص الأدبي كما تحدث عنه“ جاكوبسون“ في“ أدبية النص الأدبي“ في كتابه:“ قضايا الشعرية“، أي ما يجعل من عمل معين عملا أدبيا. والشعرية كما تحدث عنها كمال أبو ديب مفهوم شاسع أو كما قال عنها نزار قباني:“ لا توجد بطاقة تعريف مع صورة فتلغرافية للقصيدة الشعرية“.
الازدواج اللغوي- أو تداخل الفصحى بالعامية في الزجل:
الدارجة هي الأم التي سمعناها قبل الفصحى، والدارجة تؤدي وظيفة الإبلاغ في الأدب أحسن من الفصحى في القصة والرواية على الخصوص وحتى في قصيدة الفصحى أحيانا، فقد استعملها كبار المبدعين في جميع الأجناس وأذكر هنا على سبيل المثال نجيب محفوظ في الرواية وأحمد بوزفور في القصة. فالدارجة تستطيع الإبحار في كل المعاني كنظيرتها الفصحى أو أكثر، ودارجتنا هي الأقرب إلى اللغة العربية وأسهلها، والدليل هو أن حجة صعوبتها التي كان يتذرع بها أهلنا بالمشرق سقطت أمام أصغر أرَضَة التي ما هي إلا أغنية “انتا مْعَلّم ْ“ للفنان سعد لمجرد وأصبح الكل يتغني بها حتى في الهند.
في الحاجة إلى الزجل:
بكل تأكيد، أمام هذا الكم من الرداءة في الأغاني المغربية مقارنة مع الأمسر القريب فقط، نكون في أشد الحاجة إلى الزجل أكثر من أي وقت مضى، لكن ليس أي زجل. زجل يربط الماضي بالحاضر ويعيد لنا أيام “ صنّارة“ فتح الله المغاري و“ جريت وجاريت“ و“ وعدي أوعدي“ “ بارد وسخون“ و“ مانا إلا بشر“ التي تغنى بها العالم العربي بأكمله بالإضافة إلى أشعار أخرى خالدة للمرحوم الطيب لعلج وعلي الحداني وغيرهم.
السير الذاتي والشعري في“ طاح الميزان“:
كثيرة هي النصوص التي تتكيء على القارىء في إعادة بنائها، كونها نصوص مخادعة وتشي بغير مقصديتها وهي كما تبدو أقرب إلى السيرة الذاتية وإن كانت غير ذلك في الأثل. كما أن أغلب النصوص تنفلت بإحكامم من أي عملية تأويلية، وهذا الانفلات يدمر الحصون والأسوار التي تسيجها وتحتمي وراءها. سؤال السيرة الذاتية في الشعر لم يطرح بِقوّة إلا في الندوة النقدية التي انعقدت في مرسيليا (جنوب فرنسا) تحت عنوان: «حصّة السيرة الذاتية داخل الشعر المعاصر: أيّ تجديد؟»، وفرض على المتدخّلين من نقاد وشعراء أمثال إيف شارني، إيمانويل لوجيي، جان ميشيل مولبوا، شارل جوليي، باتريك كيشيشيان، ميشيل ديغي، دومينيك راباتي.. بحث مسألة العلاقة بين الشعر والسيرة الذاتية، والتفكير في الوشائج التي تجمع بين الذات الكتابة والذات الواقعية، ومسألة المسافات بكلّ معاني الكلمة: المسافة بين الممارسات الكتابية والأوضاع النظرية، بين الذات والنفس بحدّ ذاتها، بين الذات واللغة
وكان من جملة الأسئلة التي دعتْهُمْ إلى التأمل في وظائف الشعر وهو يواجه القول السير ذاتي، وفي حدوده أيضاً: أيّ حصةٍ من السيرة الذاتية تحتمي بها القصيدة وتحتملها؟ هل للنظام السير ذاتي من معنى في الشعر؟ . قصيدة“ حكاية سيدي محمد الزهواني“ فيها يوازي الذات الكاتبة أو ما يشابهها ومن الواقعي ما يؤكد كل ما سلف، حتى وإن بدا الأمر ملتبسا بعض الشيء:“ كريم ولد الكرماء“- درب بن حيون/ موجود ف قاع فاس البالي“(ص:63)- “ من صغري أهلي للصنعة دفعوني/ خالطت الطلبا والعلما/ مرادي ندرك لهذ الدنيا السر ولمعاني/ معروف أنا ف الصفارين وبين المدون/ ب سيدي محمد الزهواني/. معلم لمعلمين نقاش البراد والصواني“ (ص:64)- “ وهذي حكايتي رويها عني يا غريب/...أ وسال على ناظمها/ إلى أن يصل إلى الخاتمة حيث الاسم والنسب كاملا مكتملا، هل هو للتصديق أم للتمويه هنا ؟، تلك مسألة أخرى تحتاج إلى دراسة النص وفق أبعاد أخرى لرفع كل التباس بين الذاتي والشبه ذاتي مع شيء من التزوير والإسقاط: “لحلو أنس بن أحمد بن بنسالم شاعر فاس المتواضع اللبيب“ (ص: 68)
إحالات:
1- نظرية الانزياح عند جان كوهن - الوصف التفسيري لإشكالية اِنفراق الشعر عن النثر/ أيوب بن حكيم / الحوار المتمدن
2- شعرية القصيدة الزجلية المغربية الحديثة- دراسة في ديوان“مقام الطير“ للزجال إدريس أمغار
المسناوي/ المطبعة السريعة-ط1-2014
3- السيرة الذاتية والشِّعر: أن يستلهم الشاعر سيرة أناه تخييليّاً عبر تقنيّات جديدة يستوجبها السرد/ عبد اللطيف الوراري/ جريدة القدس العربي- 23 ماي 2015
4- في التلقي الأدبي- نحو تصور جديد للقراءة/ د. حسن أحمد سرحان- دار جرير للنشر – عمان الأردن





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,933,951,487
- حلقة الفكر المغربي بفاس تفتتح موسمها الثقافي بتقديم إصدار ال ...
- “الموسوعة الكبرى للشعراء العرب“ في الصحافة المغربية والعربية ...
- رُكوحٌٌ مُتعَبَة
- العدد 25 من مجلة روافد - ثقافية المغربية في محور خاص:“ما جدو ...
- قصيدة “ البحيرة-: للشاعر الفرنسي“لامارتين“
- فاطمة بوهراكة تقدِّم بفاس-المَوسوعة الكُبرى للشعراء العرب- ف ...
- لم يعد للميكروفون قداسته
- غدًا مع طلوع الفجر
- وحيدٌ كسَحابَة
- تكريم الأستاذة عائشة حيداس بمدرسة البحتري(1) بفاس
- ريحٌ تُشبهني
- الشاعر العميد محمد السرغيني: الشعر ليس عملا عاطفيًّا، الشعر ...
- قصة قصيرة جدا: في البَحث عن النصف المَخفي
- طبيعَة العوالم المَرجعيّة عند محمد العتروس في- امرأة تقرعُ ب ...
- شعر: بَطنُ هُبَل
- حسن اليملاحي يعزفُ على إيقاعات تختلف بين الخطاب والسرد في قص ...
- قصة قصيرة: لَوْ مُدَّ قليلا في زَمَني... !!
- بين التقريري والتّخْييلي في: - لا تصدقوني دائما...أكذب أحيان ...
- حتى لا أكونُ مضطرًّا لأن أودّعَها
- قصة قصيرة : ذبذبات من الضفة الأخرى...‼-;-


المزيد.....




- رئيس الحكومة يجري مباحثات مع رئيس جزر القمر
- مدراء جدد بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياس ...
- رحيل الكاتب والمفكر المصري جلال أمين
- اختتام -أيام الموسيقى العربية- في برلين
- الباحث والناقد ناجح المعموري والشاعر عادل الياسري في ستوكهو ...
- انطلاق فعاليات معرض عمان الدولى للكتاب ومصر ضيف الشرف
- ممثل أمريكي شهير قد يواجه حكما بالسجن 10 سنوات
- جنة سودانية على البحر الأحمر نفذ فيها الموساد عملية كبرى يجس ...
- تاء التأنيث.. مهرجان -سلا- المغربي يحتفي بالمرأة
- فنان فرنسي يبرز جمال الخط العربي.. وأدواته؟ جسده والضوء


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - الانْفِلاتُ من شَرنَقة الزّمن في“ طاح الميزان“ للزجال أنس لحلو- تحليل موضوعاتي