أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - جودة التعليم في مقدمة ابن خلدون















المزيد.....



جودة التعليم في مقدمة ابن خلدون


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 5065 - 2016 / 2 / 4 - 10:43
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تمهيد
تُعتبر الجودة وضمانها في التعليم من مواضيع الساعة في المجتمعات المعاصرة، حيث أضحت محط أنظار وتفكير العديد من المهتمين والباحثين في قضايا التعليم، وأكدت أهميته عشرات المؤتمرات والندوات الدولية التي تبحث عن المفاهيم والآليات والإجراءات التي يتم من خلالها تأصيل الجودة في العملية التعليمية، كما يتضح أيضاً أهمية هذا الاهتمام من حجم الدعم المادي والتقني والفني الذي تقدمه الدول والمنظمات والهيئات لبرامج جودة التعليم وضمانها.
كما يمكن القول بأن نجاح نماذج جودة التعليم في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية هو الذي أدى إلى شيوع مفهوم الجودة بين الأوساط الأكاديمية، كما تشير جل الأدبيات إلى كون هذا المفهوم نشأ وتطور مع قطاع الصناعة والإنتاج الصناعي، ومن ثم أخذت المؤسسات التعليمية في إرساء نظام الجودة استناداً إلى نجاحات الصناعة في تبني مفهوم الجودة وضمانها من خلال مجموعة من المعايير المؤسسية والبرامجية ، وبالرغم من تبني معظم الدول العربية نظام الجودة وضمانها في المؤسسات التعليمية ، إلا أن تلك التجارب لا يزال يشوبها بعض الضعف والتأخير، فعلى سبيل المثال : تفتقر بعض التجارب العربية إلى وجود معاجم توضح وتفسر بعض المفاهيم المستخدمة في أنظمة الجودة وضمانها، كما أن بعض تلك المفاهيم هي في حقيقتها ترجمة حرفية لمفاهيم ومصطلحات أجنبية، فمثلاً: هناك عدم تناغم في تفسير مفهومي التقييم والتقويم في بعض أنظمة الجودة وضمانها في المنطقة العربية، كما أن تلك التجارب استندت في مجملها إلى معايير مستوردة ، كما أن اتكال بعض تجارب الجودة العربية على الخبرات الأجنبية دون إخضاعها لخصائص وواقع المنطقة بأصولها وقيمها ربما يؤدي إلى فساد تلك التجارب التعليمية، وإن كان التعليم في أساسه صناعة بشرية، يستفيد من خبرات الحضارات المتعاقبة لتحسين الإنتاج الوطني، وليس لغرسها لكي تنتج صناعة جديدة في بيئة غير مواتية ( حامد عمار، 1998- ص7 ).
وبالرغم من قيام بعض الأكاديمين العرب بالتركيز على جانب التأصيل الشرعي للدين الإسلامي للجودة الذي يدعو إلى ضرورة الإتقان في العمل بشكل عام، إلا أن الأمر كان يتطلب أيضاً البحث عن نماذج وتجارب واقعية قامت بتطبيق وتأصيل مبادئ الجودة الإسلامية خاصة فيما يتعلق منها بقضايا التعليم ، وبمعنى آخر البحث عمّا طرحته الحضارة العربية – الإسلامية من مفاهيم وآليات لتطبيق أنظمة جودة التعليم، ولعل هذا ما دفعني إلى تناول موضوع جودة التعليم في مقدمة ابن خلدون، فابن خلدون واحد من أولئك الذين سجلوا لنا حقبة من التاريخ تشهد على نوعية التعليم وطرقه ،وفي بيئات مختلفة ، حيث يبدو فيها التفكير العربي الإسلامي سبّاقاً إلى بعض المفاهيم والاصطلاحات التي يزعم المهتمون بالتعليم في عصرنا الحالي إبداعها بما نظّروا له في هذا الميدان، فلقد دعا ابن خلدون في مقدمته إلى ضرورة إعمال العقل والنقد والإبداع في النظر إلى الأشياء كمخرج وحيد لنهضة المجتمع، والغريب أن أحداً من المهتمين بجودة التعليم لم ينتبهوا إلى استخدام ابن خلدون مفهوم الجودة في التعليم وبالشكل المتعارف عليه حالياً، حيث عرض المبادىء الأساسية لجودة التعليم وفقاً لمنهجية خاصة به في النظر والتفكير والتحليل، عُدت تميزاً كبيراً في زمانه، حيث يقول: " وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته"، بالتالي تنبع أهمية هذه الورقة كونها ترسم لنا صورة واضحة المعالم عن دور ابن خلدون في وضع مفاهيم وشروط ومعايير الجودة في التعليم، حيث يرى ابن خلدون كون التعليم صناعة بما للعبارة من دلالة وجود الشروط والمتطلبات والمعايير لهذه المهنة، وهنا يقفز ابن خلدون قفزات كبيرة ليصل بتفكيره إلى عصرنا الحالي، لقد أكد ابن خلدون على ضرورة وجود معايير خاصة لمهنة التعليم كونها صناعة لابد من الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله ( ابن خلدون :274:1983).
ولذلك فإن هذه الورقة تهدف بشكل عام إلى تحديد النقاط التالية :
-;- تحديد معالم رؤية ابن خلدون ، ودوها في جودة التعليم.
-;- تحديد أهم المعايير التى انتهجها ابن خلدون نحو تصفير مشكلات التعليم.
-;- توضح علاقة التعليم بالمجتمع عند ابن خلدون وذلك من الباب السوسيولوجي الواعي بأهمية التعليم في البناء الحضاري.
-;- محاولة الربط بين ما دعا إليه ابن خلدون من ضرورة اتباع معايير واضحة ومحددة في التعليم لتحقيق الجودة، وبين ما تدعو إليه معايير الجودة وضمانها حديثاً.
في حين يطرح الباحث عدة تساؤلات عن جودة التعليم عند ابن خلدون، والآليات والمعايير التى اتبعها للحافظ على تلك الجودة ، وبالتالي تحاول الورقة الإجابة عن التساؤلات التالية :
-;- ماهية التعليم عند ابن خلدون ؟
-;- ما مفهوم الجودة في التعليم عند ابن خلدون؟
-;- كيف ينظر ابن خلدون إلى العملية التعليمية من حيث الوظائف والغاية ؟
-;- ما المعايير التي ترتكز عليها الجودة في التعليم عند ابن خلدون ؟
-;- ما الذي نريده من أفكار ابن خلدون؟
-;- هل يمكن الاستفادة من أفكار ابن خلدون في تحسين وتطوير التعليم ؟
ماهية التعليم عند ابن خلدون ؟
يمثل التعليم الحجر الأساس للبناء المجتمعي في أبعاد واتجاهات هذا البناء المختلفة : سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وإدارياً ودينياً، كما يكمن دور التعليم في تحقيق المشروع التنموي الذي يجب أن يمتلكه المجتمع – من خلال تزامن دور التعليم مع التنمية البشرية اللازمة للوصول إلى الغد الأفضل ( محمد صبري الحوت : 2008: 7) ، كما يمثل التعليم عملية إكساب مهارات عقلية أو يدوية أو بدنية (قمبر وآخرون، : 1989: 7 )، في حين يرى البعض بأن التعليم يُعد الأسلوب الأساس للتقدم الحضاري للمجتمعات الإنسانية ( مصطفي حسن الباهي وآخرون : 2009: 80). كما يُعرف التعليم بأنه نقل المعارف والقيم والمثل العليا والعلوم وإعادة بناء الخبرات إلى المتعلمين ( منصور شيته: 2007: 373) .
أما فيما يتعلق بتحديد ابن خلدون لماهية التعليم فينطلق من كون أن الله ميز الإنسان عن سائر المخلوقات واختصه بالعقل الذي جعله دائم التفكير، وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون : " واختلاج الفكر أسرع من لمح البصر"( ابن خلدون :273:1983). بالتالي يرى ابن خلدون" في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري" ( ابن خلدون :273:1983). وعنه تنشأ العلوم والصنائع ، وهذه الأخيرة أوجدها الإنسان لخدمته، وهو بين تداول، يأخذه المتأخر عن المتقدم ،ويمهد المتقدم للمتأخر، وجلها لغايات هي أسباب قيام تلك العلوم " ( ابن خلدون :273:1983) .
كما يرى ابن خلدون أن التعليم صناعة من الصناعات كما يذكر عنواناً بذلك "في أن تعليم العلم من جملة الصنائع." ( ابن خلدون :274:1983) ويفهم من ذلك أن مهنة التعليم لا يمكن أن تكون من زاوية نظرية مجردة، وإنما تقوم على التجريب والتدريب والخبرة العملية ، إذ لا يمكن أن تتعلم الصناعة إلا بالممارسة والمران الطويل. وفي نظره أن التعليم فن من الفنون المكتسبة بالجهد المتواصل والخبرة المستمرة. إن ابن خلدون لا يقتصر في التعليم على إيصال الفكرة فحسب، لأن العملية التعليمية عنده تحتاج إلماماً وتفنناً وإتقاناً. إن الحذق في العلم -كما يقول- هو: "التفنُّن فيه، والاستيلاء عليه، وإنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلاً " ( ابن خلدون :274:1983) . كما بين أيضا أن تعليم العلم صناعة اختلف الاصطلاحات فيه "( ابن خلدون :274:1983). كما يرى ابن خلدون إلى كون المعلمين هم سند التعليم ، وأخيراً يربط ابن خلدون بين التعليم والعمران ، حيث يقول " في أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة" ( ابن خلدون :276:1983). وبالتالي يرى ابن خلدون بأن البناء العمران هو أيضاً سند مهم لصناعة التعليم.
إذن يمكن القول بأن مفاهيم التعليم الحديثة لم تخرج عن مفهوم ابن خلدون للتعليم ، حيث يري أن التعليم صناعة شريفة راقية، لا كباقي الصناعات التي يمتهنها الإنسان، كما أوضح بأن النفس البشرية الناطقة توجد فيها قوة ، وأن خروجها إلى الفعل إنما هو بتحديد العلوم والإدراكات عن المحسوسات ( ابن خلدون :272:1983) . كما أكد بأنه لا يمكن تحديد اصطلاح جامع ومحدد للتعليم.
ما مفهوم الجودة في التعليم عند ابن خلدون؟
قبل التطرق إلى مفهوم ابن خلدون لماهية الجودة في التعليم نود طرح بعض التعريفات التى تناولت مفهوم جودة التعليم ، ومن ثم سنقوم بمقارنة ما بين تلك التعريفات بمفهوم ابن خلدون لجودة التعليم.
ففي أحد تعريفات الجودة في التعليم جاءت بأنها عبارة عن " قدرة الإدارة التعليمية في مستوياتها ومواقعها المختلفة على أداء أعمالها بالدرجة التي تمكنها من إعداد خريجين يمتلكون من المواصفات ما يمكنهم من تلبية احتياجات التنمية في مجتمعهم طبقاً لما تم تحديده من أهداف ومواصفات لهؤلاء الخريجين " (الشافعي وآخرون ، 2003) .في حين جاء في معجم مصطلحات ضمان الجودة في التعليم العالي الصادر عن الشبكة العربية لضمان الجودة في التعليم العالي مجموعة من الخصائص أو السمات التي تعبر بدقة وشمولية عن جوهر العملية التعليمية وحالتها بما في ذلك كل أبعادها من مدخلات وعمليات ومخرجات وتغذية راجعة ، والتفاعلات المتواصلة التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف المنشودة لمصلحة الجميع ( الشبكة العربية لضمان الجودة في التعليم العالي ،2009، ص15). كما يمكن تحديد أهم المفاهيم المرتبطة بجودة التعليم في التالي :
-;- إصلاح ذات البين بين المعلم والمتعلم.
-;- فهم إمكانات المتعلم وحاجاته النفسية.
-;- المتابعة والتقييم والتقويم.
-;- المحاسبية .
-;- تعزيز دور المعلم وتأهليه ودعمه مادياً ومعنوياً.
-;- جعل الجميع يتحلى بالمواطنة والمسؤولية.
-;- مناخ نفسي وروح معنوية تسود فضاء المؤسسة التعليمية، تجعل فريقها ينخرط بروح من الإيمان والتضحية والتعاون في تحقيق غد أفضل للمجتمع.
-;- كيف نرى أنفسنا بشكل أفضل كما يرانا الآخرون ، وليس كما نرى نحن أنفسنا.
إذن ليس هناك تعريف شامل ومحدد متفق عليه لجودة التعليم، لأن جل تلك المفاهيم تصب في اتجاه واحد هو ضرورة تحسين وتطوير العملية التعليمية.
في حين انطلق ابن خلدون في تعريفه لجودة التعليم من خلال نظرته إلى التعليم كونه صناعة؛ بمعنى أن له من الشروط والمعايير التى يتوجب توفرها وامتلاك كفاياتها النظرية والتطبيقية عبر التمرن والمراس والبحث والدراسة. وبهذا فابن خلدون ينفي العشوائية والارتجال عن العملية التعليمية ، حيث يقول :
" ذلك أن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله ، واستنباط فروعه من أصوله. وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك الفن المتناول حاصلا. وهذه الملكة هي في غير الفهم والوعي. لأنّا نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها، مشتركاً بين من شدا في ذلك الفن، وبين من هو مبتدئ فيه؛ وبين العامي الذي لم يُحصِّل علما" ( ابن خلدون :274:1983).
إذن يربط ابن خلدون جودة نظام التعليم بتكويـن الأستاذ، بمعنى تعلم المتعلم يتوقف على جودة التعليم وكفاية الأستاذ، فهما مرتبطان ارتباط طرديا نزولاً وصعوداً، حيث يقول ابن خلدون: " وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته"( ابن خلدون :274:1983)
أذن يمكن تحديد أهم مفاهيم جودة التعليم عند ابن خلدون في النقاط التالية :
-;- التعليم حرفة وصناعة، لها معايير وأساليب وشروط.
-;- حصول الكفايات اللازمة للأستاذ.
-;- الحرية للمتعلم لاختيار ما يريده.
-;- جودة التعليم تعني إعطاء الفرصة للفكر كي ينشط.
-;- جودة التعليم هي تقليل الفجوة بين الطالب وأستاذه، فالتعليم قبل كل شيئ علاقات إنسانية بين المعلم والمتعلم، إشعار بأن من دقائق جودة التعليم أن يزجُرَ المعلم المتعلم عن سوء الأخلاق، باللطف والتعريض ما أمكن ، من غير تصريح ، وبطريق الرحمة من غير توبيخ ، فإن التصريح يهتك بحجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيِّج الحرص على الإصرار" .
مــا وظــائــف التعليــم عــند ابن خـلــدون ؟
حدد ابن خلدون جملة من الوظائف المناطة بالتعليم أهمها :
1- وظيفة تقوية العقل:
يبيّن ابن خلدون أثر العلم في تقوية الذكاء عند الإنسان، فيقول: "وحسن الملكات في التعليم والصنائع وسائر الأحوال العادية تزيد الإنسان ذكاءً في عقله، وإضاءة في فكره، بكثرة الملكات الحاصلة للنفس، ... وأن النفس إنما تنشأ بالإدراكات وما يرجع إليها من الملكات، فيزدادون بذلك كَيْساً؛ لما يرجع إلى النفس من الآثار العلمية." ( ابن خلدون :274:1983).
2. وظيفة رسوخ الحضارة:
يربط ابن خلدون بين التعليم والحضارة برابط متين، عندما يؤكد أن العلم إنما يزهو ويزدهر كلما كانت حضارة ذلك البلد مزدهرة، فالعلم والمعرفة وشتّى الصنائع مرتبطة بقوة الحضارة وتجذّرها في المجتمع. وعلى قدر عمران البلد تكون جودة الصنائع للتأنق فيها يومئذ، واستجادة ما يطلب منها بحيث تتوفر دواعي الترف والثروة. فيقول: "وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات، كان من جملتها التأنق في الصنائع واستجادتها، فكملت بجميع متمماتها، وتزايدت صنائع أخرى معها مما تدعو إليه عوائد الترف وأحواله، وقد تنتهي هذه الأصناف إذا استبحر العمران إلى أن يوجد فيها كثير من الكمالات، ويتأنق فيها في الغاية، وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها. بل تكون فائدتها من أعظم فوائد الأعمال؛ لما يدعو إليه الترف في المدينة." ( ابن خلدون :274:1983).
بل إن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو برسوخ الحضارة وطول أمدها. والسبب في ذلك ظاهر كما يقول، وهو أن هذه كلها عوائد للعمران. والعوائد إنما ترسخ بكثرة التكرار وطول الأمد، فتستحكم صبغة ذلك وترسخ في الأجيال. وإذا استحكمت الصبغة عسر نزعها. ولهذا فإنّا نجد في الأمصار التي كانت استبحرت في الحضارة، لما تراجع عمرانها وتناقص، بقيت فيها آثار من هذه الصنائع ليست في غيرها من الأمصار المستحدثة العمران، ولو بلغت مبالغها في الوفور والكثرة، وما ذاك إلا لأن أحوال تلك القديمة العمران مستحكمة راسخة بطول الأحقاب، وتداول الأحوال وتكررها، وهذه لم تبلغ بعد. ( ابن خلدون :274:1983)
3. وظيفة كسب المعاش :
إن العلم عند ابن خلدون مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعمل والحياة التطبيقية، "والعلم الحاصل عن الاتصاف ضرورة، هو أوثق مبنى من العلم الحاصل قبل الاتصاف. وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم، حتى يقع العمل ويتكرر مراراً غير منحصرة، فترسخ الملكة، ويحصل الاتصاف والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة. فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع، وهذا علم أكثر النُّظَّار، والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة." ( ابن خلدون :274:1983)
وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون "في أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها" ( ابن خلدون :274:1983) كما يشير ابن خلدون إلى أن طالب الصناعة في العموم، والعلم والمعارف في الخصوص، لا بد له من أن يتصف ببذل الجهد الكبير في طلبها، وتقديم أقصى طاقة يقدر عليها للوصول إلى الهدف المرجوِّ. والسبب في ذلك ظاهرٌ كما يقول: "وهو أن الإنسان لا يسمح بعمله أن يقع مجاناً؛ لأنه كسبه ومنه معاشه؛ إذ لا فائدة له في جميع عمره في شيء مما سواه، فلا يصرفه إلا فيما له قيمة في مصره ليعود عليه بالنفع. وإن كانت الصناعة مطلوبة وتوجه إليها النَفَاق، كانت- حينئذٍ- الصناعة بمثابة السلعة التي تنفق سوقها وتجلب للبيع، فيجتهد الناس في المدينة لتعلُّم تلك الصناعة؛ ليكون منها معاشهم. وإذا لم تكن الصناعة مطلوبة لم تنفق سوقها، ولا يوجه قصد إلى تعلمها، فاختُّصَتْ بالتَّرْك، وفُقِدَت للإهمال." ( ابن خلدون :274:1983).
-;- ما هي غاية التعليم عند ابن خلدون؟
يحدد ابن خلدون الغاية الأهم في العملية لتعليمية في كونها تتمثل في تعميق التوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى؛ إذ إن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس، ينشأ عنها علمٌ اضطراريٌّ للنفس هو التوحيد، وهو العقيدة الإيمانية، وهو الذي تحصل به السعادة، وأن ذلك سواء في التكاليف القلبية والبدنية. ويُفضل في الإيمان بعد ذلك أنه أصل التكاليف كلها وينبوعها، وأنه ذو مراتب: أولها التصديق القلبي الموافق للسان، وأعلاها حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي، وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح. ( ابن خلدون :274:1983).
-;- ما هي المعايير التي ترتكز عليها الجودة في التعليم عند ابن خلدون ؟
تركز معظم معايير الجودة وضمانها في التعليم في الوقت الراهن على مجموعة من المعايير الواجب توفرها، وهي مجموعة من المواصفات اللازمة للتعليم الذي يمكن قبوله لضمان جودته وزيادة فعاليته وقدرته على المنافسة ،وهو مقياس مرجعي يمكن الاسترشاد به عند تقييم الأداء، وذلك من خلال مقارنته مع المستويات القياسية المنشودة. ( دليل ضمان جودة واعتماد مؤسسات التعليم العالي :2012: 9). ولقد حدد ابن خلدون مجموعة من المعايير، إضافة إلى الممارسات الجيدة التى يتوجب توفرها لتجويد العملية التعليمية ، وأهم تلك المعايير هي:
-;- معيار جودة المُعلِّم.
-;- معيار جودة المتعلم.
-;- معيار جودة البيئة السليمة الداعمة .
-;- معيار جودة التحصيل .
-;- معيار جودة طريقة التدريس .
-;- معيار جودة المنهاج.
أولاً- معيار جودة المعلم:
يرى ابن خلدون أن كون المعلم يمثل ضرورة من الضرورات العملية التعليمية ، فبدونه لا تتم عملية التعلم أبداً بالطريقة الصحيحة، فهو الذي يشرف على إيصال المعلومة إلى طالبها، بقوله: "إلا أن حصول المَلَكات عن المباشرة والتلقين أشدُّ استحكاماً، وأقوى رسوخاً." ( ابن خلدون :274:1983). فملكة التعلّم لا يمكن أن ترسخ بغير وجود فعال للمعلم أمام المتعلم. ( ابن خلدون :274:1983). وفي مقام آخر يؤكد أن المتعلم لا تصح لديه المعارف والعلوم إلا بتلقي العلم عن المشيخة، التي هي بمقام المعلِّمين "ويصحح معارفه ويميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم." ( ابن خلدون :274:1983).
كما أكد ابن خلدون على أن التعليم صناعة، نجاحها وفشلها مرتبطان بالقائمين بها، وأن المعلمين هم سند هذه الصناعة. لذا لابد من أن تتوفر فيهم شروط وآداب وقوانين حيث لا يتحدث هنا عن أي نوع من أنواع المعلِّمين، إنما يتحدث عن الماهر والمتقن منهم، والقادر على صنع ملكة العلم في طلبته، وفي هذا الشأن يقول ابن خلدون:" وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته" ( ابن خلدون :274:1983)
وبشكل عام يمكن تحديد أهم الممارسات الجيدة لهذا المعيار في التالي :
-;- القدرات الذهنية والبدنية التي تتطلبها طبيعة العمل.
-;- النمو المهني، فالمعلم يفترض ألا ينقطع عن التعلم والمداومة على الاطلاع في فروع العلم والمعرفة التي يقوم بتدريسها ويتطلب ذلك منه.
-;- تنوع المعلمين، حيث يقول: فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول المَلَكات ورسوخها ( ابن خلدون :274:1983).
-;- تنوع مناهجهم وطرق تدريسهم، حيث يرى أن بعض المعلمين " يجهلون طرق التعليم وإفاداته" ( ابن خلدون :274:1983).
-;- التعاون والعمل بروح الفريق ومدى رسوخ ملكة التعلم لديهم، في هذا الصدد يقول ابن خلدون " فلقاء أهل العلوم، وتعدد المشايخ، يفيده تمييز الاصطلاحات، بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها ، ويعلم أنها أنحاء تعليم، وطرق توصيل، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات." ( ابن خلدون :274:1983).
-;- معرفة الفروق الفردية للمتعلمين حيث يشير ( إلى ضرورة إدراك المربي لمراحل النمو عند المتعلمين، بحيث لا يتحمل المتعلمون أعباءً تزيد عن احتمال قدراتهم العقلية في الفهم والاستيعاب ،فلكل مرحلة سنيّة قدراتها.
ثانياً - معيار جودة المتعلم:
ركز ابن خلدون على المتعلم متلقي العلوم ، وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون "في أن الصنائع إنما تستجاد وتكثر إذا كثر طالبها" ( ابن خلدون :274:1983)، كما يشير ابن خلدون إلى أن طالب الصناعة في العموم، والعلم والمعارف في الخصوص، لا بد له من أن يتصف ببذل الجهد الكبير في طلبها، وتقديم أقصى طاقة يقدر عليها للوصول إلى الهدف المرجو.
ومن الممارسات الجيدة التى ركز عليها ابن خلدون في هذا الشأن هي :
• مراعاة السن وعامل الاستعداد: حيث يؤكد ابن خلدون على أهمية النمو العقل في تسهيل عملية التعلم عن الفرد ، لذا عده أحد عوامل التعلم التي لا استغناء عنها في تأهيل المتعلم لعملية التعلم، كالنمو الجسدي والنفسي يقول:" ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه" ، ويزيد في موضع آخر:" ( ابن خلدون :274:1983) وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي وبعيد عن الاستعداد له كَلَّ ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه تتكاسل عنه ،وانحرف عن قبوله وتمادى في هجرانه ،وإنما ذلك من سوء التعليم" ( ابن خلدون :274:1983).
• مراعاة طاقة المتعلم، يؤكد ابن خلدون على مفهوم طاقة المتعلم بقوله: "ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلِّمه على فهم كتابه الذي أكبّ على التعلم منه بحسب طاقته حتى يعيَه من أوَّله إلى آخره." ( ابن خلدون :274:1983).
ثالثاً - معيار جودة المنهاج
حدد ابن خلدون مجموعة من الممارسات الجيدة الواجب توفرها في المنهاج أهمها :
• كثرة الاختصارات الموضوعة في المنهاج مخلة بالتعليم: يرفض ابن خلدون الاختصارات المؤدية إلى قصور فهم أو قلة علم، وذلك لا يمكن أن يخدم الغاية من العلم. فهي إما أن تخلق خللاً في التطبيق وخرقاً في الإنجاز، أو أنها- على الأقل- ستنتج علماً ناقصاً يؤدي إلى جهالة مؤذية؛ لذلك نجده ينتقد كثيراً بعض المتأخرين الذين أخذوا يختصرون الطرق والأنحاء في العلوم، يولعون بها كما يقول: "ويُدوِّنون منها برنامجاً مختصراً في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ، وحشو قليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن، فصار ذلك مخلاً بالبلاغة، وعسيراً على الفهم." ( ابن خلدون :331:1983).
• كثرة التآليف في العلوم عائقة عن التحصيل: يري ابن خلدون أن المناهج ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق الغايات التعليمية المتمثلة بالفهم الدقيق لتفصيلات مختلف المعارف والعلوم، والعمل بمقتضاها؛ لذلك لا يرى ضرورة للإكثار من المؤلفات في العلم الواحد، إلا إذا اقتضت تفصيلاته ذلك. بل يؤكد أن في ذلك مضرة للمتعلِّم؛ لما تستجلب له من صعوبات في الفهم وربط المعاني والأفكار، يقول في ذلك: "إنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته، كثرة التآليف واختلاف الاصطلاحات في التعليم، وتعدد طرقها، ثم مطالبة المتعلم باستحضار ذلك، وحينئذٍ يسلم له منصب التحصيل، فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلّها، أو أكثرها، ومراعاة طرقها." ( ابن خلدون :274:1983) . ويسوغ ذلك أنه لا يمكن أن يفي عمر المتعلِّم بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها، فيقع القصور- ولا بد- دون رتبة التحصيل ( ابن خلدون :274:1983). ويمكن أن تُفهم فكرة ابن خلدون هذه على أن اهتمامه الرئيس هو في الإلمام بالعلم الواحد بأقل القراءات؛ وذلك لاهتمامه الأكبر بالغاية من ذلك، وهي التمثل بما تمَّ تعلمه، ثم ضرورة توظيفه لخدمة فكرته المحورية حول القيام بمهمة العمران البشريّ، بوصفها غاية عظمى للحياة الإنسانية.
• يجب استيفاء الموضوع فى الفصل الواحد : حيث يرى ابن خلدون عدم تقطيع الموضوع الواحد إلى عناصر متناثرة فى فصول متفرقة، لأن فى هذا مدعاة للنسيان، يقول ابن خلدون: " كذلك ينبغي لك أن لا تطوّل على المتعلّم فى الفن الواحد بتعريف المجالس وتقطيع ما بينها، لأنه ذريعة إلى النسيان ،وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض ". وعيب هذا المنهج تقطيع المجالس وتفريق ما بينها، الشيء الذي يغلب النسيان، وانقطاع مسائل الفن عن بعضها فيصعب معه التحصيل، يقول:" وإذا كانت أوائل العلم ،وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان كانت الملكة أيسر حصولاً، وأحكم ارتباطاً،وأقرب صنعةً، لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره، وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه"( ابن خلدون :332:1983).
• الاهتمام بالناحية التطبيقية فى العملية التعليمية: يرى ابن خلدون أنه ليس من المهم معرفة القواعد و القوانين والاصطلاحات في حد ذاتها، وإنما المهم المقدرة على استخداماتها والاستفادة منها علمياً . فقد فرق بين صناعة اللغة التي تكون قواعدها وقوانينها واصطلاحاتها، وبين ملكة اللغة ،والشخص الذي يستوعب هذه القواعد والمصطلحات دون أن يطبقها يكون مثل الشخص الذي يتقن صناعة من الصناعات علمياً، ولا يكون له أي دراية بهذه الصناعة عملياً.
• التدرج في المحتوي، حيث يقول : "أعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً ، يُلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ، ويقرّب له فى شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى فى ذلك قوة عقله ،واستعداده لقبول ما يرد عليه ،حتّى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة فى ذلك العلم، إلا أنّها جزئية وضعيفة وغايتها أنّها هيّأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله ،ثم يرجع به إلى الفن ثانية ،فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ،ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته ثم يرجع به وقد شدّ فلا يترك عويصاً ولا مهماً ولا مغلقاً إلاّ وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته " ( ابن خلدون :331:1983).
• الانتقال من المحسوس إلى المجرد: يرى ابن خلدون أن إشراك الحواس في عملية التعليم أمر لازم ، يساعد المتعلم على إدراك المواضيع التي يهدف تعليمها له بصورة أكثر وضوحاً لأن ما يقع تحت حواسه يكون أكثر قابلية للإدراك ، فيسهل تعلمه ومعرفته، حيث يقول: " والأحوال المحسوسة ، نقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل، لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة، والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكرر، مرة بعد أخرى، حتى ترسخ صورته ، وعلى نسبة الأصل تكون الملكة، ونقل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخبر والعلم ، فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة على الخبر"( ابن خلدون :331:1983).
• تقديم البسيط على المركب والمعقد، يرى ابن خلدون أن طبيعة التطور تقتضي التدرج من العام إلى الخاص ، كما قد يكون من البسيط إلى المعقد وفي هذا الصدد يقول :" ثم إن الصنائع منها البسيط ومنها المركب، والبسيط هو الذي يختص بالضروريات، والمركب الذي للكماليات، والمتقدم منها في التعليم هو البسيط لبساطته أولاً، ولأنه مختص بالضروري الذي تتوفر الدواعي على نقله، فيكون سابقاً في التعليم ،ويكون تعليمه لذلك ناقصاً، ولا يزال الفكر يخرج أصنافها ومركباتها من القوة إلى الفعل بالاستنباط شيئاً فشيئاً على التدريج حتى تكمل" ( ابن خلدون :331:1983).
رابعاً- معيار جودة طريقة التدريس :
يوضح ابن خلدون أهم الممارسات الجيدة في طرق التدريس في النقاط التالية :
• أهم أساليب التدريس عند ابن خلدون، التلقين المباشر بين المعلم والمتعلِّم؛ لما في التلقي من استفادة سريعة للمسألة، ولما فيها من سهولة في إيصال المعلومة. أما طريقة ذلك فيرى أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج، شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً، يُلقى عليه أولاً مسائلُ من كلِّ باب من الفن هي أصول ذلك الباب ( ابن خلدون :331:1983). لكن ابن خلدون لم يقصد أبداً التلقين غير الواعي، بل المبنيّ على الشرح والتوضيح؛ لذلك نجده يؤكد أنَّ على المعلم أن يقرب للمتعلم في شرح المسائل المتقدمة الذكر على سبيل الإجمال، بل ويراعي في ذلك قوة عقله، واستعداده لقبول ما يورد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم ( ابن خلدون :331:1983).
• كما يؤكد على ضرورة أن لا يُترَك المتعلم دون توضيح وشرح إلى مستوى عالٍ، يؤهله للوصول إلى مرتبة الحصول على ملكة العلم في ذاك الفن. وهنا يرى ابن خلدون أن على المعلم أن يرجع بالمتعلم إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، "ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجود ملكته. ثم يرجع به وقد شدا، فلا يترك عويصاً ولا مبهماً ولا منغلقاً إلا وضَّحَه، وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته. هذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاثة تكرارات." ( ابن خلدون :274:1983).
• لم يقتصر ابن خلدون على هذا الأسلوب من أساليب التدريس، بل ركز على أهمية المحاورة والمناظرة والمفاوضة، وعدم الاقتصار على عملية التلقين في الشرح، يقول في هذا المقام: "وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرِّب شأنها، ويحصِّل مرامها، فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتاً لا ينطقون، ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة." ( ابن خلدون :274:1983).
خامساً- معايير البيئة الداعمة السليمة
أكد ابن خلدون على ضرورة توفير البيئة الداعمة السليمة التى تدفع بالمتعلم نحو تلقي العلم بشكل
سليم، حيث ركز على أهم الممارسات الجيدة التالية :
• ضرورة الابتعاد عن العنف والشّدة ،فيؤكد بأن " الشّدة على المتعلمين مضّرة بهم " كما يقول:" أن إرهاف الحدِّ في التعليم مضر بالمتعلم، سيّما في أصاغر الولد لأنه من سوء الملكة" ( ابن خلدون :274:1983). ويراه ابن خلدون عائقاً لما ستؤول إليه شخصية المتعلم:"و من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين سطا به القهر وضيّق عن النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك". ( ابن خلدون :274:1983). ومن عومل بتلك المعاملة من المتعلمين :" فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن، وهي الحميّة والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك ، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل، والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها،و مدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين" ( ابن خلدون :274:1983). لذا يطلب من المعلم أن يتفاعل بشكل إيجابي وإنساني مع المتعلمين.
• لا تقتصر وظيفة المعلم على نقل المعارف ، بل تمتد إلى الطريقة الخلاقة التي يحصل فيها النقل ، وإلى العلاقات الشخصية التي ترتكز على الاحترام المتبادل .بذلك ينصح ابن خلدون يقول :" فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب"( ابن خلدون :274:1983).
سادساً- معيار جودة المقرر الدراسي :
تطرق ابن خلدون إلى أهم الممارسات الجيدة المتعلقة بجودة المقرر الدراسي ،وهي :
-;- التدرج في العملية التعليمية ، حيث أشار ابن خلدون إلى ذلك يقول :" اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً،يلقى عليه أولاً المسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال" ( ابن خلدون :331:1983).، تكون تمهيدا لما سيأتي بعدها من عمق في تلقي العلوم : " ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتـبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال،... إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته، ثم يرجع به وقد شدا فلا يترك عويصاً ولا مبهما ولا متعلقا إلا وضحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استوفى على ملكته" ( ابن خلدون :331:1983). .هذا وجه التعليم المفيد.
-;- لا يجوز خلط علمين معاً فى موضوع واحد، حيث يقول:" ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يُخلط على المتعلّم علمان معاً ، فإنه حينئذ قلّ أن يظفر بواحد منهما، لما فيه تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهّم الآخر، فيستغلقان معاً، ويستصعبان ، ويعود منهما بالخيبة" ( ابن خلدون :332:1983). كما يؤكد ابن خلدون: " ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته... ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره يحصل أغراضه ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره" ( ابن خلدون :332:1983). ، فتكون العلوم خادمة لبعضها البعض، ودرجاً يرتقي بها المتعلم من علم إلى علم، فتكون كالملزمة لبعضها البعض كالقرآن الملزم لتعلم العربية، وفي هذا الصدد يقول:" لأن المتعلم إذا حصَّل ملكة ما في علم من العلوم استعدّ بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق ، حتى يستولي على غايات العلم" ( ابن خلدون :332:1983). حيث يري أن كل خلط يؤدي إلى العجز عن الفهم، والتعب، والفتور واليئس عن التحصيل، وهجر العلم والتعليم ( ابن خلدون :332:1983).
إذن حظيت عملية تحسين وتطوير التعليم باهتمام كبير في فكر ابن خلدون، وكان من أهم أدوات
التحسين والتطوير وضع معاييرالجودة، إضافة إلى تحديد أهم الممارسات الجيدة من خلال منهجية
سوسيولوجية، حيث استطاع ابن خلدون أن يحدد أهم مشاكل التعليم ، فلقد أمعن في تحليل تلك المشاكل متجاوزاً السطوح إلى الجذور المتغلغة في الأعماق ليصل إلى المفاهيم والآليات الكفلية بالانتقال من حالات الضعف والتأخير إلى القوة والتطور.
ما الذي نريده من أفكار ابن خلدون في المجال التعليمي ؟
في الحقيقة عكست أفكار ابن خلدون عالم الاجتماع مرحلة مهمة من مراحل الحضارة العربية الإسلامية، حيث طرح مشاكل تلك المرحلة من خلال تحليل مواطن فساد المجتمع ومواطن إصلاحه، فكان التعليم أهمها، لذا خصه بقسم كبير من مقدمته لتعظم الفائدة به، حيث واجه مشاكل التعليم بوعي ومنهجية المدرك والمجرب وهو في كل ما حدد من ضوابط للعملية التعليمية إنما أثرى الفكر العربي – الإسلامي برؤية - يتعامل من خلالها مع القيم التاريخية التي أودعها الإسلام عبر العصور، حيث سلط عليها أضواء كاشفة بغية توضيح نقاط القوة والتطور من ناحية والضعف والتأخر والتي أسماها عسر التعليم من ناحية أخرى( ابن خلدون :331:1983).
كما استخدام ابن خلدون مفهوم الجودة في التعليم من خلال تأصيل الفكر التعليمي بمجموعة مفاهيم ومعايير محددة تساعد في عملية تقييم وتقويم التعليم، التي تساهم بدورها في إرساء الجودة بغية تحقيق أهداف المجتمع التنموية، كما قدم ابن خلدون التوصيات لمعالجة عوامل الضعف والتأخير في جودة التعليم بغية دعم وتقوية التعليم ، ليتسنى للمخرجات أن تتوافق مع متطلبات مجتمع وسوق العمل ، وبهذا انتقل ابن خلدون في تحليله للتعليم من مرحلة العلاج النظري إلى العلاج العملي .

الخلاصة :
بشكــل عــام يمكــن تحديد أهم ما نحتاجه من فكر ابن خلدون في التالي :
o تناول موضوع التعليم من خلال الإجابة عن تساؤل مهم، وهو: ماذا نريد من التعليم ؟ بعد ذلك بدأ بتحديد المفاهيم والآليات والإجراءات التي يمكن من خلالها تحقيق تلك الأهداف، مع تركيزه على ضرورة أن تكون تلك المفاهيم والآليات ممزوجة بتاريخ أصحابها ،كونها تفسر واقعهم المعاش.
o التأكيد بأنه لايمكن تحقيق جودة التعليم إذا لم نتمكن من تحقيق شروط التخلص من الاتباع والتقليد، والبدء في عملية الإبداع والتجديد.
o بأنه لا يمكن حل مشاكلنا تعليمية من خلال إحالتها إلى غيرنا كي ترد إلينا جاهزة ومبوبة،و بالتالي لابد من قيامنا نحن بالتحليل ووضع الحلول ،مع الأخذ في الحسبان عند تحليل الواقع التعليمي الإرث التاريخي والأبعاد والاتجاهات السياسية والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، إضافة إلى مطالب الحاضر وتحديات المستقبل ،كي يحقق التعليم دوره في إرساء المشروع التنموي الذي يجب أن يمتلكه المجتمع.
o التأكيد بأن شروط جودة التعليم الناجعة تكمن في الاستناد إلى سند المعلم، والعمران البشري، وبالتالي انتفاء أحد العاملين سيكون هناك عسر في التعليم.
o مواجهة مشاكل التعليم بوعي ومنهجية، وتحديد ضوابط العملية التعليمية من خلال دراسة وتحليل معطيات الواقع وتحليل عناصرها من قوة وتطور، إضافة إلى ضعفٍ وتأخرٍ، إضافة إلى طرح الأمثلة والأدلة والشواهد في سبيل التوضيح والمناقشة والتقريب والإجمال.
o الاهتمام بالعملية التعليمية برمتها وذلك بالنظر إلى الدور الأساس المناط بها في تحقيق التنمية المجتمعية ، من خلال إعمال العقل والنقد والإبداع في النظر إلى الأشياء كمخرج وحيد لنهضة المجتمع.
وأخيراً نحن في حاجة لاستخدام أدوات التفكير الخلدوني بوعي ومنهجية من أجل نظام تعليمي يلبي احتياجات المجتمع بشكل أفضل، من خلال رصد العملية التعليمية وطرح المبادرات المستقبلية، وتحديد المفاهيم وآليات التطبيق ،بحيث لا تستمر العملية التعليمية في ظل مفاهيم وآليات مستوردة.
التوصيات :
هل يمكن الاستفادة من أفكار ابن خلدون في تحسين وتطوير التعليم ؟
يمكن تحديد مجموعة من التوصيات التى يمكن الاستفادة منها ،وهي:
1- الحاجة إلى إعادة صياغة منظومة التعليم من خلال إخضاعها لخصائص وواقع المنطقة بأصولها وقيمها مع الاستفادة من خبرات الاجنبية، لتحسين الإنتاج الوطني، لكي تنتج صناعة جديدة في بيئتها.
2- لا يمكن معالجة منظومة التعليم بمعزل عن أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
3- تعميم وصفات العلاج الناجعة فيما يتعلق بتجارب جودة التعليم في المنطقة العربية ، خاصة تلك التى استعانت بخبراء أجانب.
4- وضع معجم لمفاهيم ومصطلحات الجودة وضمانها لتفادي التضارب في استخدامها بين أنظمة الجودة العربية ،وزيادة التناغم، بحيث تكون واضحة ومحددة.
5- دعم جهود اتحاد الجامعات العربية فيما يتعلق بإعداد المعايير الأكاديمية المرجعية لبعض التخصصات التي تمنحها الجامعات العربية
6- الاهتمام بالمعلم معنوياً ومادياً ،كونه سند العملية التعليمية.
7- التعليم الذي لا يترجم مخرجاته إلى عمل سيظل ترفاً في ظل بلدان هي في حاجة ماسة لكل الكوادر والأطر.
8- الحاجة إلى الاهتمام بالجانب النفسي في العملية التعليمية بالحرص على الجانب النفسي للمتعلم.
9- يمكن اعتبار أن الغاية الأسمى في التحليل الخلدوني هي حسب رأينا تحديد غاية التعليم وهي التقرب إلى الله.
أهم المراجع
1- عبدالرحمن بن خلدون ، مقدمة ابن خلدون ،منشورات دار مكتبة الهلال ، بيروت ، 1983.
2- الشافعي ، أحمد ونّاس ، السيد محمد (2003) " ثقافة الجودة في الفكر الإداري التربوي الياباني وإمكانية الاستفادة منه في مصر " ، مجلة أبحاث اليرموك ، العدد(1) ، الأردن.
3- حامد عمار، شيخ التربويين العرب في لقاء هموم التعليم في الوطن ، مجلة المعرفة، العدد 41، بتاريخ شعبان 1419هـ 1998 م، ص7.
4- محمد صبري الحوت ، إصلاح التعليم بين واقع الداخل وضغوطات الخارج ، مكتبة الأنجلو مصرية ، الطبعة الأولى ، 2008م.
5- مصطفي حسن الباهي ‘ ناهد خيري فياض ، اتجاهات التعليم العالي في ضوء الجودة الشاملة ،مكتبة الأنجلو مصرية ، الطبعة الأولي ، 2009م.
6- منصور الصيد شيته ، الآفاق المستقبلية للتعليم العالي وتحديات التنمية في المجتمع الليبي ، في ندوة التعليم العالي والتنمية في ليبيا، تحرير محمد الأعور، دار الكتب الوطنية ، بنغازي – ليبيا ، 2007م.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,715,213,864
- مكاتب الجودة وتقييم الأداء في الجامعات الليبية الواقع والمست ...


المزيد.....




- الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل فلسطيني حاول زرع عبوة قرب الحدود ...
- مصر: إعادة حبس طبيب ومحاكمته بعد إجرائه عملية ختان لطفلة أدت ...
- الأردن.. القضاء يرفع عقوبة شاب اغتصب والدته إلى السجن لمدة 2 ...
- جرافة إسرائيلية تنكل بجثمان شاب فلسطيني في قطاع غزة
- بعد اختطاف دام 27 عاما.. استقبال -أسطوري- لنايف قرادي في جاز ...
- الرئيس الصيني: ثغرات في جهود الاستجابة لفيروس كورونا والوباء ...
- الأردن يمنع دخول الصينيين والإيرانيين والكوريين الجنوبيين بس ...
- ساندرز يتقدم على منافسيه الديمقراطيين في الانتخابات التمهيدي ...
- باكستان وأفغانستان وتركيا تغلق حدودها مع إيران لمنع انتشار ف ...
- قبر أبو مهدي المهندس في النجف يتحول إلى مزار زواره ينتظرون ا ...


المزيد.....

- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسين سالم مرجين - جودة التعليم في مقدمة ابن خلدون