أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبا مطر - تقويم بلا نيسان















المزيد.....

تقويم بلا نيسان


صبا مطر
الحوار المتمدن-العدد: 4962 - 2015 / 10 / 21 - 02:08
المحور: الادب والفن
    



لم اكن ابالي بشمس اب اللاذعة وهي تحرق بسياطها الملتهبة اخر ما تبقى من مسامي السمراء وانا اواصل التحديق في عينيه المتصلبتين كبلورتين قادمتين من بلدان الصقيع المبهر. ناولني زهرة كاردينيا مثل وفر الثلج تغزو برائحتها المميزة رئتي والمكان .قال لي بصوت متوتر بانها ستكون ربما اخر هداياه لي لان عليه الالتحاق بالحرب التي دقت طبولها هذا الصيف . قال ان عليه القتال لا لشيء بل لأجل ان لا يموت مقتولا على ايدي من لا يعرفهم ولا يعرف لما يحاربهم. امسك يدي بيديه المرتعشتين وصمت لبرهة وتلعثمت بعدها الحروف في محاولة لاستحضار جملة ما راحت تدور في متاهات خوفه وتوتره من غد ستبصره عينه وقلبه عن قريب. لم يتفوه بشيء غير كلمة الحرب سألتحق بها غدا ... سأعود .. او ربما لا .
كان وقع الصيف عنيفا مع بداية الحرب الثانية في بلدي الذي لم يتعافّ بعد من جراح حربه الأولى, حيث صدرت أوامر القيادة العسكرية بضرورة التجهيز لغزو دولة الكويت المجاورة ليلا والهبوط على سكانها الآمنين مثل كوابيس الظلام , مثل الامراض الوبائية العصية على الشفاء, او مثل اقدار تحفر في ذاكرة الزمن قصصاً عصية على النسيان. لم يكن من السهل معرفة السبب والدافع الحقيقي وراء قرار اتخذ في لحظة غضب وتهور من قائد مجنون مصاب بداء العظمة وحب الدماء.
كانت طفولتنا مشحونة بقصص حربنا الأولى مع الجارة ايران والتي لم نعرف سبب اندلاعها حينها الا انني اذكر جيدا اننا صحونا ذات يوم على صوت صفارات الإنذار وهي تنعق مثل غربان تصطلي بالجحيم. لم افهم حينها وانا ابنة الأربعة أعوام لماذا ركضت بنا امي وجدتي كالمجانين في البيت وخارجه وهم يبحثون عن ماؤى ما يحمينا من مجهول قادم . كانت فرصتي في طرح الأسئلة كعادتي شبه معدومة وسط هذا الرعب, فلم اجرؤ الا على اطاعة جدتي وهي ترميني في احدى زوايا الحديقة تحت شجرة زيتون وارفة الظلال واذا بها هي الأخرى تستلقي بلا وعي الى جانبي وتطوقني بذراعيها, شادة اياي بقوة الى صدرها لتغطيني بالكامل . كدت اموت من شدة الخوف والذهول وانا اتحسس الطين يغطيني من الأسفل , برودته تخللت مسامي الغضة وغاصت الى أعماق جسدي الصغير المستلقي باستسلام لجدتي والأرض ! كانت انفاس جدتي وكلماتها المضطربة وهي تخبرني باننا سنكون بخير بعد انتهاء الغارة الجوية هي الوحيدة من حاولت التشبث بها وانا في اول تجربة لي مع كابوس استمر ثمانية أعوام.
مرت الأيام وابصرت عيني صورا واحداثا لم اكن افهمها الا انني كنت ادرك بانها مؤلمة للغاية بدليل توالي أصوات العويل والنحيب في حينا وكل الاحياء المجاورة, وان هناك أناسا لم اعد اشاهدهم كما اعتدت. كبرت وبدأت افهم ان الصناديق الكبيرة المحاطة بعلم البلد والمحملة على ظهور سيارات الأجرة قد سكنها الذين لم اعد اراهم وسافروا مع الريح الى اللاعودة.
اليوم وانا ابنة العشرين يتكرر معي الكابوس نفسه ولكن بسيناريو اكثر اثارة . انها ثقافة جديدة تطرأ على ساحة المفاجآت التي لا يمكن لعراقيتنا التبرء منها.
لا ادري كيف سيكون شكل أيامنا القادمة؟
هل ستعود صناديق الوداع تلك تطير في اتجاهات المدينة دون حساب؟
هل ستحلق طائرات الموت في سمائنا و ترشقنا بالنار من كل صوب؟
كان علي ان افكر في مخبأ ليس لجسدي هذه المرة بل لزهرة الكاردينيا ذات العطر المميز الذي يشغل حيزا باتساع الكون ومجراته وباتساع روحي القابلة على استيعاب الاتي بكل قسوته, فانا اعرف باننا مقدمون على فوضى عارمة ودمار بلون الجحيم وهو يصطلي واب اليوم هو بداية الإشارة.
فتحت حقيبتي علني اجد ما أخبيء فيه زهرتي اليانعة بعد ان رحل هو الى حيث لا يدري وترك في القلب غصة. لم اجد غير كتاب كنت قد استعرته صباح اليوم من مكتبة الجامعة لأقرأه, انه الحب في زمن الكوليرا لماركيز كان مستلقيا بحرية في قاع حقيبتي السوداء. انتشلته من عتمته وتصفحته باستغراب, ترى أي قدر هذا الذي يجمع بين ماركيز في رائعته وبين زهرتي الجميلة في فوران شذاها وبين حرب بدأت للتو ولا نعرف الى أي منعطف ستصل بنا؟؟
حل المساء كئيبا تنيره أعمدة الكهرباء الهزيلة في الشارع الذي بدا خاليا من المارة الا من بعض الوجوه التي تمر على عجل من امرها. يأتي صوت جدتي من أعماق خوفها وسنواتها الثمانين قائلا باننا يجب ان نبحث عن أماكن آمنة عند سماع صفارة الإنذار فأنها لم تعد تقوى على حملنا كما كانت في السابق وان شجرة الزيتون قد احترقت في الحرب الماضية فلا زيتون نستلقي تحت ظلاله ولا جسدها النحيل سيكون درعا لنا هذه المرة.
تناولت الكتاب من حقيبتي واستنشقت عطر الزهرة, تلمستها اناملي وكأنني اتلمس وجنة طفل حديث الولادة, و بدأت الغوص في فصول الرواية وهي تنقلني من ملحمة الى أخرى ومن تفصيل الى اخر والعطر والخوف يخدران روحي. تذكرت وجهه اليوم, تذكرت لحظات صمته الطويلة وارتجاف شفتيه وهو يحاول قول شيء ما الا انه لم يقوَ على البوح. تذكرت التفاتاتي الخائفة وانا اعاند التقاليد لأحبه علنا رغم يقيني بانني ممنوعة من الاقتراب.
كنت انتظر وابلا من كلمات الشوق التي كان يمطرني بها في كل لقاء, الا انه لم يفعل هذه المرة !! .لأنه سيخوض الحرب بكل تفاصيلها وسيترك العشق مسكونا في عطر زهرة أراد ان تكون اخر ذكراه في الغياب. ياله من مجنون يهديني زهرة !.
كم وددت ان يهديني ساعة لأحسب من خلالها الثواني في انتظار عودته. او ربما وددت ان يهديني احدى قصائده لأكرر قراءتها الى حين عودته. لكنه اختار زهرة رائعة الجمال .. سريعة الموت رغم ان رائحتها ابدية كما النقش في الحجر.
مرت الأيام وانا انتقل من فصل الى اخر في روايتي التي لم انو اكمالها لحين عودته, فلقد اخبرني ان انتظره في نيسان القادم. مرات كثيرة كنت اعيد صفحات الرواية وانا اتنقل من بيت العاشق المنسي الى بيت زوجة الدكتور وهي تمارس حياتها الرتيبة بتفاصيلها الدقيقة مع زوجها الكلاسيكي المظهر. كنت أحيانا كثيرة اغرق معهم في تفاصيل يومياتهم واراقب العاشق يختلس النظر الى معشوقته من خلف الاسوار وهي تجلس في حديقتها الوارفة الظلال وتحيك كنزة صوفية الى لا احد . كنت استفيق مرارا من حلم يقظتي على أصوات العويل التي بدأت تلتهم المدينة مع كل صندوق موت محمل على احد سيارات الأجرة .
ماتت زهرة الكاردينا وامتلاء حينا بالسواد . وانا لا زلت انتظر, اراقب نافذة غرفته المقابلة لغرفتي بتوق, اسال زهرته المسجاة في روحي والكتاب عن نيسان الذي تأخر كثيرا هذا العام .
اتى نيسان بعد طول انتظار محملا بالأمطار والامل وانهيت بقدومه اخر فصول الرواية بعد ان رفع ابطالها راية الكوليرا رمز الموت ليواصلوا رحلة الحب العصية على المرافئ, واذا بي اذبح بلقطة قدومه من الحرب محمولا على اكف المارة حيث صندوق موته بدا مختلفا عن كل الصناديق الأخرى. ملفوفا بعلم يقطر منه الدم والبارود ويمتلئ الكون بعطره القادم من الصيف الماضي. يتعالى صوته مرددا كل فصول روايتي التي انهيتها للتو ويخبرني بانه راحل الى حيث ابعد بكثير من مسار المركب الذي تعتليه راية الكوليرا وان دربه مسكون برفاقه القادمين من فوهة بركان الحرب المشتعلة وان نيسان هذا العام اتى مضرجا بعطر الكاردينيا وانه سيرحل عن التقويم هذا المساء فلا داعي للانتظار.

صبا مطر





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,866,958,892
- كلكامش المعذّب
- سجون
- تاريخ معطل بالاحزان
- نشرة الاخبار
- حكاية حرب وموسيقى
- الى وطن في القلب يمشي بخطى من نور
- حقائب سفر
- امنيه العام الجديد
- هذيانات نثريه
- اشتياق


المزيد.....




- مفتي تترستان يتحدث إلى الصحفيين عن حجاج روسيا
- وفاة الفنان المصري ناجي شاكر مصمم عرائس -الليلة الكبيرة-
- الترجمة في الحج.. 80% لا يتحدثون العربية
- صدور العدد الجديد من مجلة -إبداع- عن الهيئة العامة للكتاب
- الممثل الكوميدي الأمريكي جيم كيري يعلق على هجوم الحافلة المد ...
- قصيدة( ستالين) الساخره للشاعر الروسي الكبير- أوسيب ماندلشتام ...
- نيك جوناس وبريانكا شوبرا يؤكدان خطوبتهما
- شاهد.. بوتين يرسم على سيارة الوزيرة العروس النمساوية تهنئة ب ...
- الصور الأولى من خطوبة الممثلة الهندية بريانكا شوبرا
- مهرجان سينما الشرق العربي في روسيا


المزيد.....

- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبا مطر - تقويم بلا نيسان