أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - تحالُف جراثيم الوباء وأمراض الدهماء وأحكام القضاء















المزيد.....


تحالُف جراثيم الوباء وأمراض الدهماء وأحكام القضاء


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 4919 - 2015 / 9 / 8 - 12:00
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نظرة في قضية الشاب محمد الشيخ بن محمد ولد امخيطي

إن قضية هذا الشاب تذكرني ببرنامج وحيد كنت أحرص، بقدر ما يسمح لي الوقت، على مشاهدته شهريا على القناة الألمانية التليفزيونية الثانية (ZDF) والذي استمر لمدة 26 عاما ( من 1974 حتى 2000) هذا البرنامج هو : كيف ستقرر؟
Wie würden Sie entscheiden?
ونظرا لدلالته البالغة قامت قنوات أوروبية عديدة ببث برامج مشابهة مثل برنامج: "De Rijdende Rechter" في هولندا عام 1975.

كانت فكرة البرنامج تقوم على إعداد فيلم تمثيلي لإحدى أهم القضايا المختلفة التي تم البَتُّ فيها من قِبَل المحاكم الألمانية، وعرضه على جمهور كبير من عامة الشعب الحاضرين في القاعة والمشاهدين المتواجدين أمام شاشات التليفزيون في بيوتهم.

وبعد الانتهاء من عرض الفيلم، وقبل تقديم الحكم الحقيقي الذي صدر في المحكمة، يجري أخذ أحكام الحاضرين والمشاهدين على المتهم عبر التصويت بـالضغط على زر: "(1) مذنب أو (2) غـير مذنب" ثم أخذ آراء عينة عشوائية من الطرفين ومعرفة ماذا قرروه ولماذا. ثم يعرض عليهم الحكم الأصلي الصادر من القضاء ومن ثم تجري مناقشته مع أحد المتخصصين لمعرفة لماذا صدر الحكم بهذا الشكل وما حيثياته القانونية.

ومن الدلائل العجيبة لهذا البرنامج أن الأغلبية العظمى من الآراء كانت دائما لا تتفق مع الحكم الحقيقي الصادر من القضاء، وحتى القلة الذين اتفقت آراؤهم معه، قدموا حيثيات مخالفة تماما لحيثيات الحكم الحقيقي. الجميع غلبت عليهم العاطفة أكثر من الموضوعية، فتضامنوا مع الجاني وحاولوا تبرير ارتكابه الجريمة نتيجة لضغوط نفسية، أو لم يتضامنوا معه، ومن ثم اتخذوا موقفًا مناهضًا له ...

هذا عن أفراد من عامة شعب معروف بموضوعيته وذكائه وثقافته العالية، وهم لا تربطهم أية صلة ببعضهم البعض، ولا بالقانون في بلدهم، ولا بالجريمة نفسها، فماذا عن الرعاع والدهماء الذين يندفعون كأفواج الجراد في شوارع المدن وقد ربطتهم عاطفة غوغائية بعقيدة مُمْرِضة بشكل وبائي، تملى عليهم ليلًا ونهارًا، حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من هويتهم الشخصية؟. وكيف أن القضاء المفتروض نزاهته أن يرضخ لرغبات جمهور أرعن، ضاربا بالحق والحقيقة عرض الحائط؟؟!!

الشاب الموريتاني المهندس محمد الشيخ بن محمد ولد امخيطير تم القبض عليه في 2 يناير 2014، ومنذ ذلك الوقت دأب الرعاع والدهماء على الخروج إلى الشوارع بالآلاف لتدمِّر كل ما تطوله أيديهم، مطالبين بتوقيع عقوبة القصاص حدًّا عليه. وتحت هذا الضغط الغوغائي العنيف والمدمِّر، حَكمت عليه المحكمة الجنائية بمدينة نواذيبوفي في موريتانيا، مساء يوم الأربعاء 24 ديسمبر 2014 بالإعدام رميا بالرصاص، الغوغاء فرضوا حكمهم على القضاء، والتهمة التي وجهت إلى الشاب، وقرأها أحد أحد القضاة في بداية الجلسة هي أنه: “تحدث باستخفاف عن النبي محمد في مقال نشر على مواقع إلكترونية موريتانية أعرب فيه عن رفضه لقرارات اتخذها النبي محمد والصحابة أثناء غزواتهم”. وهي تهمة جاهزة دائما وتتضمن حدَّ الردة والزندقة والتجديف على الإسلام. لقد تم ترسيخها في أذهان الرعاع، بحيث قوبل الحكم بين أوساط الحاضرين في المحكمة بالزغاريد والارتياح. وبين أولاد الشوارع بالرضى والاطمئنان.

كيف تمكن الرعاع من السيطرة على القضاء بعواطفهم الرعناء وتهورهم المدمٍّر وتوجيهه تبعا لرغباتهم الحمقاء. وما هي الصور النمطية الكامنة في أذهانهم، التي تأسست بناءً على عواطفهم، ومن الذي غرسها، ولماذا؟

كان الشاب قد نشر في 27 ديسمبر 2014 مقالا تحت عنوان "الدين والتدين - ولمعلمين" على مواقع إليكترونية موريتانية وتم نشره على هذا الموقع بتاريخ 30.12.2014 قبل إلقاء القبض عليه بثلاث أيام:
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=394812&r=0

تحدث فيه عن التفرقة بين الدين والتدين، حيث قسم مقاله لفترتين واحدة فترة حياة النبي محمد وأسماها بفترة "الدين"، أما بعدها فأسماها بفترة "التدين"، ثم تطرق إلى موقع الأنساب والطبقية والعنصرية في الدين الإسلامي، ولم يأتِ بشيء من عنده، وضرب بالأمثلة المتعددة الثابتة والمتفق على وجودها في كتب السيرة والتراث.

على أثر نشر المقال انفجر في وطنه جدل واسع حول المقال وجهوم كاسحٌ على شخصه، مما أجبر موقع "موريتانيا الآن" على حذف المقال بتاريخ 31 ديسمبر 2013“، وجعل الشاب يقول عبر حسابه الشخصي بالفيس بوك:
«وأنا أقول كل ما كتبته قد كتبته عن وعي، في مقالي الأخير “الدين والتدين” أثار البعض منهم، وقال البعض بأنه لا يمثله.. أرسل لي البعض حفنة من سيء الكلام.. كفرني البعض.. يمثله كلامي فليعلم أنه الحقيقة شاء ذلك أم أبى.. كل ما أعرفه أن جميع اللقطات التي استحضرتها في المقال هي وقائع تاريخية لا يمكن نكرانها ومن يرى فيها كذبا أو تلفيقا فليشعرني بذلك.. وإذا كانت كلها حقيقة فما الضير من الحق».

كما نشر مقالا له في مركز الصحراء للدراسات والاستشارات نفي فيه أنه أساء إلى نبي الأسلمة، وأكد على أن من أساء إليه هم واضعي السيرة والأحاديث، ومن يُوَثِّقون لهم ويؤكدون على صدق أقوالهم.
أنظر:
http://essahraa.net/archive/index.php/kjflkjhgfhjjk/39-2011-03-30-23-23-00/14093--q-q-.html

وفي الأول من يناير 2014، قام محمد الشيخ بنشر مقال آخر بعنوان «توضيح حول مقال: الدين والتدين ولمعلمين»، وقال في بداية مقاله التوضيحي إنه تابع ردات الفعل المختلفة حول مقاله «الدين والتدين و لمعلمين»، وأن ردود الفعل كانت في أغلبها ردات فعل “تكفيرية وعنصرية إلى حد بعيد واتصالات هاتفية مشحونة بالتهديد والوعيد”.

وأكد مرة أخرى على: "أن جميع الأحداث و الوقائع التي ذكرتها في مقالي السابق هي أحداث حقيقية و تاريخية".
راجع التوضيح على موقع "الشاهد الموريتاني"
http://www.echahed.net/?p=10608

على أثر القبض عليه في اليوم التالي، بدأت حملات التضامن معه ونشر مقالاته، فدعا الدكتور على مبروك، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، إلى دعمه وأكد أنه يجب العمل على مطالبة السلطات فى موريتانيا بالإفراج الفورى عنه وأضاف الدكتور مبروك، في صفحته الخاصة على الفيس بوك، "أن المقال الذى تسبب فى الحكم بالإعدام على "ولد الشيخ"، ليس به أى ردة ولا خروج من الدين، وليس فى المقال من شىء إلا أنه قد أورد وقائع معلومة وترك للناس أن يصلوا بها إلى نهاياتها".

وأضاف أيضا: "لا نتعرّض للمسألة من حيث الدفاع عن حرّية التعبير فحسب، ولا من حيث حرّية التفكير وحرّية التديّن، ولا حتّى من حيث اعتبار حكم الإعدام حكما شنيعا ينبغي حذفه من القوانين، بل وأساسا من حيث الطبيعة الاجتماعية لهذه القضيّة وجوانبها السياسية، وباعتبار هذا الحكم يسعى إلى ترسيخ تخلّف المجتمع وزيادة تأجيل الحكم الرشيد والمواطنة في هذا اللبلد..".

لم يتم إعدام الشاب الموريتاني حتى الآن، ومازال قابعا في زنزانته. ينتظر رأي أصحاب السلطة والنفوذ والهيبة. فالقضية برمتها تدخل تحت بند الأهواء السياسية، واتجاهاتها.

إذن الطبيعة الاجتماعية لهذه القضايا وجوانبها السياسية هي التي تودي بحياة أولئك الأذكياء في كافة البلدان الموبوءة بمرض التأسلم، لأنها قائمة على التحالف القوي والغير مُعْلَن بين ثلاث محاور هي: جراثيم الوباء وأمراض الدهماء وأحكام القضاء، هذه المحاور الثلاث تسعى متضامنة وبكل إمكانياتها الهائلة، إلى ترسيخ تخلف المجتمعات وإبعادها عن الحكم الرشيد والمواطنة، ليس في هذا البلد وحده بل أيضا في جميع الدول المصابة بنفس الوباء.
كيف تشكلت هذه المحاور الثلاثة وتضامنت مع بعضها البعض، ولماذا؟

أولا: جراثيم الوباء
لا ريب في أن الديانة الإسلاموية، من دون الديانات الأخرى، سواء كانت أرضية أو سماوية، كانت ولا زالت وباءً لم يحل بالمنطقة المتأسلمة وحدها بل تعداها إلى العديد من دول العالم. أصبحت هذه الديانة وباءً معديًا، ينتشر بين الأمم عابرا للحدود، مجتازا للسدود. إنه الوباء الذي لا يدمر العقل فحسب، بل يدمر أبضا إنسانية الإنسان ويحوله إلى آلة شاملة الدمار للوجود بأسره. وبالتأكيد لا يوجد وباء لينتشر مالم تكن له جراثيم متخصصة تحمله إلى أي إنسان في أي مكان. فالجراثيم كما هو ثابت عنها، لا يمكنها أن تعيش وتتكاثر على نقل الخير للكائنات الحية، ولكن على نشر الأوبئة والأمراض.

كان هذا الوباء معروفا منذ زمن بعيد ومسكوتا عليه، وربما كان يتم تداوله والتعامل معه في أضيق نطاق علمي أكاديمي، ولكن قائد الحركة التركية الوطنية مصطفى كمال أتاتورك (Mustafa Kemal Atatürk) (1938 - 1881) كان أول زعيم تصدى له بقوة، فأمر بقتل من يظهر من جراثيمه أمام العوام، وحول الأماكن التي يترددون عليها إلى متاحف، وألغى الحضَّانات المؤسساتية التي تفرِّخهم وتدعمهم، ومنع رحلات الحج والعمرة الوثنية، وألغى الحجاب والحروف العربية، وألزم الأتراك بالتعبد بلغتهم الأم، وفرض أشياء أخرى عظيمة ومفيدة لشعبه ولمكانته بين البشر، ولكن الكثير من هذه الأشياء لم يدم طويلا، بسبب تجزّر الوباء في عقول الأشقياء ورسوخ الهراء في نفوس البلهاء.

الآن تولى هذه المهمة الجليلة عصر المعلومات الفضائية التي لا تحدها حدود ولا تقف أمامها سدود، فانكشف الوباء لعموم البشر وباللغة التي يتكلمونها وبالأساليب التي يفهمونها. وبعد تفشيه في كافة بقاع الأرض، ظهرت جراثيمه المؤذية على حقيقتها وأصبحت مكشوفة في عراء الربع الخالي. لم يعد المرض ومسبباته يخفيان حتى على المرضى أنفسهم.

مازال التأكيد مستمرًّا على أن من صنع هذا البلاء مجموعة من أخبث وأردأ الفرس لأسيادهم الجدد الأغبياء، وكان لابد من إيجاد طابور كبير من الجراثيم البشرية لنشرة والاسترزاق والثكاثر من ترويجه في بقاع المعمورة، والعمل بلا هوادة على إصابة البشر به.

ولأنهم يعرفون نوعية البضاعة التي يروّجونها، ويشعرون بقيمتهم الجرثومية الدنيئة، فإنهم يبحثون دائما عن ميكانزمات التعويض لتحل محل معرفتهم وإحساسهم .. وهي:
-1 تقمص شخصية نبي الأسلمة بسلبياتها وإيجابياتها،
-2 تمقص دور المنقذ للبشرية من الضلال،
-3 التعلق بالوهم الشعوري بإمتلاكهم الحقيقة المطلقة، والإيمان،
-4 فرض هذه الميكانيزمات على كافة البشر بالإرهاب والعنف المميت أسوة بنبيهم "الكريم" دائما وأبدًا.

وتطورت هذه الميكانيزمات، لتأخذ شكل إحتقار للبشر المخالفين لهم والمختلفين عنهم، والتعالي عليهم، تحت ذريعة إنهم كفرة وهمج وعصاة لله تعالى ورسوله الكريم، ولا يدينون بدين الحق، أو لا يدينون به على الوجه الصحيح. وعلى الجميع أن يقبلوا أيديهم ليستمتعوا بتعظيمهم، ويستمروا في لعبة إذلالهم.

وعندما يواجهون معارضة من قبل العقلانيين لاسلوب خطابهم وطريقة نهجهم ونشر بلائهم، يلجأون مع داعميهم من الحكام الجهلة الى ما يصفه جان كلاكستون وبيل لوكا في كتابهما "كن مبدعا"، "بالغطرسة الالهية". فيحولون اسلوبهم في الخطاب الى شكل من اشكال التواضع المزيف، وكأنهم يستمعون الى إله يسكن داخلهم او قوة نبي تسيطر على ألسنتهم، إنهم يخدعون أنفسهم وينظرون إلى قيمتهم في المجتمع بشكل مغاير تمامًا لما هي عليه.

إن اكتساب المرء للقناعة بشيء لا يمكنه تحقيقه، تكون وسيلة أكيدة لتحويله إلى أداة صماء أو قنبلة عمياء. وأن قوة الكلمات تكون مرتبطة بالصور التي تتكون نتيجة لتلك القناعات، وأنها يجب أن تكون كلمات مستقلة تماماً عن معانيها الحقيقية، ويصعب تحديد معانيها بشكل دقيق، حتى تمتلك قدرة أكبر على التأثير والفعل وتكوين الصور النمطية في أذهان الدهماء، كلمات مثل الجماعة والولاء والتقوى والإيمان والجهاد والجنة والحور العين والغلمان المخلدين وآلاف الكلمات الآخرى المطاطة.
إنهم إذن يستمدون هيبتهم من الاقتناع بتلك الكلمات الفارغة، لذلك ينحصر دورهم في بث الإيمان في قلوب المؤمنين من خلال التأكيد عليها وتكرارها والعدوى بها.

كما أن هيبتهم لا يجب أن تكون عرضة للنقاش حتى تظل هيبة. إنهم كالآلهة والأنبياء وأصحاب السلطة والنفوذ يجيدون الحفاظ على هيبتهم بعدم السماح أبداً بالنقاش معهم، وهذا يخلق مسافة بينهم وبين الآخرين، حتى وإن تواجدوا بالجسد بينهم. وقرآن محمد ساعدهم على ذلك بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة:101].

الآن بدأت التساؤلات واحتدمت المناقشات في كل شيء وفي كل الأماكن وبكل الوسائل، وبدأت الصور تهتز والإيمان يتصدّع، وبدأ وقت الاحتضار، ومن ثم يصبح ضيق العقل وقصر النظر وتضخم العاطفة لدي الرعاع والغوغاء هو الملاذ الأخير لإنقاذ الجراثيم من الفناء.

إنه لمن المرعب أن نفكر و لو للحظة واحدة بتلك السلطة التي يخلعها الاقتناع القوي برجل محاط بهالة المكانة والهيبة الشخصية، إذا ما اقترن هذا الاقتناع بضيق العقل و قصر النظر وتضخم العاطفة لدي الملايين المؤيدين له.

إن دورة الحياة الخاصة بالشعوب المتخلفة لا بد وأن تأخذ مكانها بهدف الانتقال من حالة البربرية إلى حالة الإنسانية من خلال ملاحقة الصور النمطية الحالمة أو الواهمة، وعندما تهتز تلك الصور وتفقد سطوتها، ينخرط المرء تلقائيا في حالة الانحطاط الإنساني والانتحار لفترة من الزمن، حتى تحل الواقعية والعقلانية في أعماق نفسه.

ثانيا: أمراض الدهماء
حين يعيش شعب من الشعوب تحت أنظمة استبدادية مدعومة بثقافة دينية فاشية تجبره على طاعة الله ورسوله وإلي الأمر منه لفترات طويلة من الزمن دون أن يتمكن من تغيير هذه الأنظمة فإن أفراد هذا الشعب يكتسبون صفات العبيد، فيتعاملون مع كل صاحب سلطة أو نفوذ أو هيبة بالخضوع والخنوع والاستسلام، ويرون أنفسهم غير جديرين بالحياة الكريمة، ويرضون بالفتات الذي يلقى إليهم من أيدي الأسياد ألي الأمر منهم. وشيئا فشيئا تذوب الكرامة وتنمحي النخوة والعزة والرجولة وتسود صفات الانتهازية والنذالة والجبن والتسول المهين، فيكون من الصعب جدًا إعادتهم إلى الحياة الحرة والعيش الكريم، وينطبق عليهم في هذه الحالة ما قاله الشاعر:
خمسون عاما أنحني - مذ كنت يوما سيدي طفلا رضيعا
واليوم تأمرني لأرفع هامتي - فبكل أسفي سيدي لا استطيعا

ومع الوقت يتعود الرعاع على القهر والإذلال، بل ويصبح مطلبا نفسيا لهم، إذ يستعذبون الشعور بالظلم وخاصة حين تسود بينهم ثقافة "يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم"، فيختار أغلبهم موقع المظلوم الذي ينتظر إنصافه في الآخرة من الظالم، وهذه هي المازوشية في سلوك الدهماء.

الدهماء مصابون بداء المازوشية الإسلاموية، والجراثيم تتكالب عليهم، إنهم الفريسة العاجزة عن الحركة إلَّا في الاتجاه الذي تحدده الجراثيم. ويراودهم الحلم في جنات عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

إنهم هم البيئة الحاضنة لجراثيم المرض، والتي تجسم مكانتها وهيبتها، وترعى سطوتها. وبدونها لا تنشط وبغيرها لا تبقي على قيد الحياة.

إن هذيان الخطاب الذي تقدمه الجراثيم يؤثر بشدة على الدهماء، وقد يدهشنا أحياناً عند سماعه. لكننا ننسى أنه صيغ لخداعهم وتخديرهم وتعبئتهم لمصالحهم، لا ليسمعه العقلاء.

يقول غوستاف لوبون في كتاب سيكولوجية الجماهير: "في الوقت الذي راحت فيه عقائدنا القديمة تترنح و تتهاوى، نجد أن نضال الجماهير هو القوة الوحيدة التي لا يستطيع أن يهددها أي شيء"

فالجماهير الغوغائية لا تميل للتأمل، و غير مؤهلة للمحاكمة العقلية، ولكنها مؤهلة جداً للانخراط في الممارسة و العمل تبعا لما يكمن في أذهانها من صور. ولا يمكن أن تكون حيادية أو نزيهة، لأنها تجد نفسها دائما في حالة من الترقب المهيأ لقبول أول اقتراح. وأول اقتراح يظهر ويفرض نفسه عن طريق عدوى الوباء وانتشار جراثيمه، هي الإساءة إلى النبي "الكريم"، مع أن أحدًا لا يعرف القليل عن هذا الكرم المزعوم، إنه لا شيء غير الوهم.

يقول غوستاف لوبون أيضا: "إن بساطة عواطف الجماهير و تضخيمها يحميها من عذاب الشكوك و عدم اليقين. فالجماهير كالنساء تذهب مباشرة نحو التطرف (على حد قوله!)، و ما إن يبدر خاطر ما حتى يغدو يقيناً لا يقبل الشك"
ويقول: "وتتضاعف عواطف الجماهير بعنف وتزداد تضخماً إذا كانت غير متجانسة بسبب انعدام المسؤولية، و تصبح الثقة بالنفس و الاطمئنان إلى عدم العقاب أقوى مع تزايد عدد الغوغاء".

لم يكن الغوغائيين أبداً ظمأى للخطأ، ولكنهم أمام الحقائق التي تزعجهم، يحولون أنظارهم باتجاه آخر، ويفضلون تأليه الخطأ، إذا ما جذبهم الخطأ، وسيطرت الأوهام على عيونهم، ومن يحاول كشف الخطأ وقشع الأوهام عن عيونهم يصبح ضحية لهم. حاول محمد بن الشيخ أن يفعل هذا فأسقطوه تحت سنان سيوفهم مثل غيره. حاول الشاب أن يخرج عن القطيع، فأصابوه في مقتل.

أنّ الفرد، المنخرط في الجماهير الغوغائية البدائية، يتعرّض تحت تأثيرها لتغيّرات عميقة تطال نشاطه النّفسيّ. فعاطفيّته الشّوفينيّة والعنصريّة تتضخّم تضخّما مسرفا، بينما يتقلّص نشاطه الفكريّ وينكمش، باتّجاه تماثل كلّ فرد في غوغائية الجمهور مع سائر الأفراد. إنها بالطبع مفاعيل غير مرغوب فيها دائمًا، وأنها قابلة للتجميد جزئيا على الأقل عن طريق تنظيم الجماهير ووضعها تحت سيطرة قيادة محكمة. لكنّنا مع التأكيد على هذا الإمكانية لا نمسّ من قريب أو بعيد الواقع الأساسيّ المتمثّل في تضخّم العاطفيّة وانخفاض المستوى الفكريّ لدى الأفراد المنخرطين في الجمهور البدائيّ، وإمكانية انفلات زمامها لأتفه الأسباب.

ويقول سيجموند فرويد: "في حالة الجمهور تتلاشى الشخصية الواعية للفرد وتصبح شخصيته اللاواعية في حالة من الهياج، ويخضع الجميع لقوة التحريض وتصيبهم عدوى انفلات العواطف، بحيث تلغى شخصية الفرد المستقل ويصبح عبارة عن انسان آلي ابتعدت ارادته عن القدرة على قيادته، فيتحول المرء إلى حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياح على هواها".

راجع "سيكولوجيا الجماهير" لغستاف لو بو، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي 1991.
و“علم نفس الجماهير وتحليل الأنا” لسيغموند فرويد، تقديم وترجمة جورج طرابيشي منشورات رابطة العقلانيّين العرب، بالتّعاون مع دار الطّليعة 2006


ثالثا: حكم القضاء
تقول كتب التراثية الصفراء أن أول صفة يجب أن يتحلى بها القاضي هي: أن يكون عالماً بالكتاب والسنة بالغاً درجة الاجتهاد.
الحقيقة لا أدري كيف ولماذ؟ إن الذين يعرفون أنفسهم بأنهم "علماء"، لا يقتصر علمهم إلا في التلفيق والدجل والحث على الإرهاب.

والصفة الثانية هي: أن يترفع عما في أيدي الناس بعيداً عن المداهنة والرياء قال عمر رضي الله عنه :( لا يقيم أمر الله إلا من لا يصانع ولا يتبع المطامع).

كلام نظري لا يمت للواقع بأية صلة، شأنه شأن هذه الديانة بكاملها. إن رجال القضاء في أي مكان وزمان بشرٌ أولا وأخيرًا، ولهم حاجاتهم الفسيولوجية (الأساسية) مثلهم مثل باقي الكائنات الحية في أي مكان وزمان.
أيدري عمر هذا أن القضاة في بلده (مملكة آل سعود حاليا) هم أساتذة في المصانعة والمداهنه والملاينه والمداراة والمخادعة؟!!، وهم الذين يدعمون القضاة بمال نفطهم الأسود، طالما بقوا على شاكلتهم في جميع الدول الموبوءة بوبائهم والملوثة بجراثيمهم، وليست أقلهم موريتانيا.

القُضاة في تلك البلدان جزء أساسي من منظومة مصابة بداء المازوشية الإسلاموة الفاشية، وعلى علم بالكتاب والسنة، وبالغون درجة اجتهاد اليانصيب، إلى حد الخضوع لعواطف الغوغاء ورغبة الدهماء المخدرين. إن غريزة القطيع تفرض نوعا هائلا من الضغط الجماعي عليهم.

إن كل من يخضع لهذا البلاء ويستسلم لجراثيمه الفتاكة يصبح على الفور صانعا ومداهنا وملاينا ومداريا ومخادعا، فإلهُهُ قال لنبيه المزعوم موسى: في سورة طه الآية 41: {واصطنعتك لنفسي} أي : اصطفيتك واجتبيتك رسولا لنفسي ، أي : كما أريد وأشاء. (تفسير ابن كثير).
http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura20-
aya41.html

المشكلة إن إرادة الله أو مشيئته المزعومة هذه غير معروفة على الإطلاق لأحد غير ألى الأمر منا، وهم يأمروننا أو ينهوننا، حسب أهوائهم وتبعا لمصالحهم، إنهم الجراثيم التي علينا أن نستكين لها ولإرادتها وليذهب العقل والذكاء والقيم الإنسانية جميعها إلى الجحيم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,479,034,741
- كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/1 -
- كيف يتحقق الذكاء الجمعي لشعب ما؟ - 2/2 -
- الذكاء الجمعي والغباء الجمعي مرة أخرى
- لماذا يحب المتأسلمون الكذب ويكرهون الصدق؟!
- مصر المتعوسة بحكامها
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/2-
- محمد مازال يحكم من قبره!!! لماذا؟ -2/1-
- شوفينية الديانة الإسلاموية
- هل يمكن قيام ثورة دينية إسلاموية
- الإسلام والأصنام
- العبث الديني والتاريخي
- العبث الديني والتاريخي
- المتأسلمون يَرَوْن مجدهم في خذيهم ... مثال: عائشة
- وجهة نظر - العسكر والأفنديات في مصر
- الآن عادت إيران
- الكذب الإسلاموي المقدَّس
- الدواعش والذئاب في زي حملان
- قراءة للأحداث الجارية في الشرق الأوسط
- المتأسلمون ومرض الزينوفوبيا
- تفكير المتأسلمين والديانة الربانية


المزيد.....




- إتهامات وفضائح خطيرة تلاحق حفيد حسن البنا مؤسس “جماعة الإخوا ...
- مصر.. اعتقال ناشط حقوقي دأب على انتقاد الحكومة وشيخ الأزهر
- إسرائيل تصادر مساحات واسعة من أراضي سلفيت وقلقيلية لبناء مست ...
- أبو القاسم الزهراوي.. ماذا تعرف عن أعظم جراحي الحضارة الإسلا ...
- هيئة الانتخابات التونسية تحذر من استغلال المساجد ودور العباد ...
- ترامبي مهاجما: أنا لم أعتبر نفسي المسيح المخلص.. والـ CNN كا ...
- -قامر بأموال الفلسطينيين لصالح الإخوان-.. حبس نجل نبيل شعث 1 ...
- مقتل 12 شخصا في هجوم لـ -بوكو حرام- استهدف قرية في النيجر
- إعلامية لبنانية تثير الجدل بعد مطالبتها باستقدام اليهود إلى ...
- اليوم في مقر “التجمع” : الأمانة العامة تجتمع برئاسة سيد عبدا ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - تحالُف جراثيم الوباء وأمراض الدهماء وأحكام القضاء