أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد السلام أديب - الشباب والاشتراكية















المزيد.....



الشباب والاشتراكية


عبد السلام أديب
الحوار المتمدن-العدد: 4865 - 2015 / 7 / 13 - 04:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هناك الملايين من الشباب اليوم في العالم يعيشون في حالة من الفقر والبطالة وعدم الاستقرار والهجرة والتشرد. ورغم الأهمية العددية لهؤلاء الشباب وقدرتهم المعرفية فإنهم يوجدون في حالة من التشتت والضياع غير مسبوقة تاريخيا. فلم يسبق تاريخيا للشباب أن كانوا بمثل هذه السلبية التي يوجدون عليها اليوم. فما هي خلفيات هذه الوضعية؟ وما هي الاسباب التي ادت بالشباب الى نوع من الشلل التام؟ ثم هل سيبقى هذا الشلل قائما أم ان هناك مؤشرات تؤكد على اقتراب موعد انقلاب الوضع القائم الى نقيضه تماما؟ هل الرأسمالية أصبحت قدرا محتوما وتاريخا نهائيا وسجنا للبشرية وللشباب على الخصوص؟ أم ان الرأسمالية قد بلغت حدودها التاريخية وأن مرحلة الثورات الاجتماعية قد انطلقت، وأن الاشتراكية أصبحت على مرمى حجر؟

تشكل هذه الورقة محاولة لاستقراء وضع الشباب محليا وعالميا والظروف المادية الكارثية التي تعمق شلله وسلبيته. وذلك في مواجهة عربدة البرجوازية لتحقيق الارباح القصوى عبر نمطها الانتاجي الذي يخلق التقاطب بين ثراء فاحش من جهة وفقر مدقع من جهة أخرى.

1 – الوضع الكارثي للشباب على الصعيد العالمي:

تشير تقارير الأمم المتحدة الى أن سكان العالم الذين وصل تعدادهم سنة 2013 الى حوالي سبعة ملايير ومائة مليون نسمة أن هناك مليار ومائتي مليون نسمة من الشباب تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة. وأنه على الرغم من أن هؤلاء الشباب يتوفرون على مستوى من الوعي ومن الثقافة غير المسبوق تاريخيا، إلا أنهم يعيشون حالة من الفقر والعطالة أيضا غير مسبوقين فهناك حوالي 88 مليون نسمة في حالة عطالة وفقر تامين. وتدرج هذه التقارير المؤشرات التالية:

- هناك 200 مليون شاب يعيشون بدولار واحد في اليوم؛

- هناك 130 مليون شاب أمي؛

- هناك 10 مليون شاب مصاب بالسيدا؛

ويشكل الشباب حسب الأمم المتحدة 18 في المائة من سكان العالم، كما يشكلون مصدرا أساسيا لاغتناء أممهم. وهذا ما يجعل التحدي الرئيسي لأية سياسة عمومية هو خلق الانسجام بين حاجيات واكراهات وواقع هذه الشريحة الأساسية من سكان العالم.

ان ظاهرة العطالة التي يصطدم بها الشباب اليوم عالميا في ظل تحكم نمط الانتاج الرأسمالي بدون شريك لم تكن مسبوقة في تاريخ النظام الرأسمالي، فهي تتجاوز ظاهرة العطالة الدورية المعهودة لدى العمال في الماضي، والتي كانت تتزايد في زمن الكساد، ثم تختفي عندما يعود الاقتصاد نحو التوسع. ولم تعد البطالة مجرد تشكيل للجيش الصناعي الاحتياطي للعمل التي تحدث عنها كارل ماركس والتي كانت تلعب في ما مضى دورا مفيدا من وجهة نظر رأسمالية، والتي كانت تعني "... مجموعة من العمال العاطلين الذين يستعملون للحفاظ على الأجور في مستوى منخفض وبالتالي لكي تلعب كاحتياط عندما ينتعش الاقتصاد من كساده".

إن العطالة التي يواجهها الشباب اليوم هي عطالة متزايدة باستمرار، بنيوية، عضوية، لا تتراجع أبدا حتى عندما ينتعش الاقتصاد او تحدث طفرة اقتصادية. العطالة اليوم أصبحت كحمل المجتمع الرأسمالي لجثت ضخمة تموت يوميا مع ما يمثله ذلك من عراقيل تتضخم باستمرار وتفرمل بقوة الانشطة الانتاجية، انها احدى العلامات على ان النظام بلغ نهايته التاريخية.

ان الشباب اليوم هو في مواجهة هذا التحدي أو الاختيار بين انتحار الانسانية على مذبح الأرباح الرأسماليةالتي لا تفيذ سوى البرجوازية المهيمنة أم المبادرة الى اسقاط النظام الرأسمالي وبناء نظام اشتراكي انساني ديموقراطي يتعايش فيه الجميع بسلام.

لقد سبق لكارل ماركس وفريدريك انجلز ان اشارا في البيان الشيوعي منذ سنة 1848 الى ما يلي: " يصبح العامل فقيرا وينمو الإفقار بسرعة أكثر من سرعة نمو السكان والثروة. فمن الواضح إذن أن البرجوازية لا تعود قادرة على أن تظل، لوقت أطول، الطبقة المهيمنة على المجتمع وأن تفرض عليه شروط وجود طبقتها كقانون أعلى. فهي لم تعد قادرة على أن تحكم، لأنها عاجزة عن تأمين العيش لعبدها (العمال المأجورون) حتى في إطار استعباده، لأنها مرغمة على أن تتركه ينحط إلى وضع يصبح عليها فيه أن تعيله بدلا من أن يعيلها. ولم يعد المجتمع قادرا على أن يعيش تحت سيطرة البرجوازية، وبعبارة أخرى لم يعد بقاء البرجوازية ملائما لبقاء المجتمع".

إن الشباب العالمي اليوم، لا يعد قادرا امام التقاطب الرأسمالي الذي يقود بشكل ميكانيكي الى تركيز رؤوس الاموال والقوة في يد الاقلية البرجوازية من جهة وافقار وعطالة واسعتين ومتزايدة من جهة أخرى، اختيار هذا الجانب او ذاك، لانه محكوم عليه في ظل الرأسمالية أن يفني زهرة شبابه في الجانب الثاني الى جانب البروليتاريا، وأن تتحطم جميع أحلامه وابداعاته أمام دكتاتورية السوق وهيمنة الطبقة لاالبرجوازية.

الشباب يجد نفسه اليوم أمام العديد من التحديات الشبابية الوجودية الأخرى والمرتبطة بالتعليم والصحة والشغل وحقوق الانسان ... الخ. لكن، بالنظر الى الدوامة المتنازلة المتسارعة التي تنحدر اليها الرأسمالية اليوم، فإن هذه المتطلبات والتحديات اصبحت شبه مستحيلة. كما أن التنظيمات السياسية بكامل عناوينها اليمينية أو اليسراوية أو الاسلاموية والمتهافتة على الانتخابات البرجوازية الدورية للامساك بسلطة الدولة الطبقية ستنفذ دائما السياسات التقشفية في كل مكان لخدمة مصالح التحالف الطبقي البرجوازي الحاكم. لقد اصبحت كافة هذه الأحزاب وايضا المركزيات النقابية لا تمارس سوى خداع الطبقة العاملة وفي مقدمتهم الشباب، لكنها في الواقع تقمصت كلها شخصية الملك الاسطوري اليوناني بروكست والذي كان يستقبل زواره فوق سريره، الذي يكون في الغالب اصغر من قامة الضيف فيعمد الملك بروكست الى قطع رأسه او رجليه حتى يتلائم مع السرير. فالحكومات المتعاقبة ضلت تقطع الاعانات الاجتماعية وترفع الاسعار وتعدم صندوق المقاصة بحجج واهية غايتها هي ملائمة الطبقات الشعبية المسحوقة مع امكانيات برجوازيتها لكي تحافض لهم على ارباحهم.

2 – الوضع الكارثي للشباب المغربي:

الوضع الكارثي للشباب المغربي مشهد يومي مألوف في كل مدينة أو قرية. فيكفي زيارة شارع محمد الخامس بالعاصمة الرباط، أيام العمل من الاثنين الى يوم الجمعة لمشاهدة المئات من الشباب حاملي الشهادات المعطلين الذين يرددون شعاراتهم الثورية المطالبة بالشغل والمنددة بالسياسات الحكومية التي حرمتهم من حقهم في الشغل. انهم شباب نجد من بينهم من قضى عقدين من الزمن وهو يناضل في صفوف جمعيات المعطلين مطالبا بالشغل دون جدوى.

الوضع الكارثي للشباب نقرأه أيضا في الجرائد اليومية ونشاهده على شاشات التلفزة عندم تغرق احدى مراكب الموت في البوغاز اثناء محاولاتهم العبور الى الجنة الأوروبية لايجاد عمل محتمل وكرامة إنسانية أفضل مما هو موجود في المغرب.

الوضع الكارثي للشباب نقرأه ايضا في الجرائد عندما نسمع بتلك الأحكام القضائية الخيالية (قرن و11 سنة) التي تم الحكم بها على عدد من طلبة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لمجرد أنهم عبروا في اطار نقابتهم الطلابية العتيدة عن طموحاتهم في دراسة جامعية ملائمة تتوفر فيها كافة شروط الكرامة الانسانية. أو عبروا عن انتقاداتهم اللاذعة للسياسات الحكومية التي تخدم مصالح التحالف الطبقي الحاكم على حساب مصالح جماهير العمال والفلاحين الفقراء.

كما يبرز حجم هذا الوضع الكارثي للشباب المغربي، بقوة من خلال تدني أوضاعهم المادية والمعنوية، وهو ما يفرز العديد من النتائج والآثار على الصحة الجسدية والذهنية في غياب التغذية الملائمة والقدرة على العلاج من الامراض الخطيرة المرتبطة بالإفقار الذي تم وضعهم فيه.

إن الوضعية الكارثية التي يعيشها الشباب المغربي لا يمكنها ان تنتج سوى التخلف والامية وغياب الابداع والانحطاط في الاخلاق وتفشي الامراض الجنسية الفتاكة والتعاطي للمخدرات وسهولة السقوط في شراك المنظمات الظلامية الارهابية والانخراط في برامجها المغامراتية.

الوضعية الكارثية للشباب المغربي ليست قضاء وقدر، بل هي نتيجة سيرورة ترتبت عبر عدة سنوات من تطبيق السياسات "الليبرالية" للتحالف الطبقي الحاكم والتي تعتمد نمط الانتاج الرأسمالي في ظل شروط التراكم البدائي لرأس المال. فمنذ خروج الاستعمار المباشر والتحالف الطبقي الحاكم يمارس نفس التراكم البدائي لرأس المال من خلال عدة آليات استغلالية لا تحترم الحقوق الشغلية التي أقرتها المواثيق الدولية للعمل ولحقوق الانسان. ففي ظل عدم احترام هذه الشروط الشغلية يتم تشديد الاستغلال ولا يتم احترام الحد الادنى للأجور وممارسة التسريحات التعسفية للعمال دون حسيب ولا رقيب. وهذا عدا ما يحدث من نهب لأراضي الفلاحين الفقراء ونهب مصادر المياه لري اراضيهم. إلى جانب نهب المال العام وتهريب الأموال نحو الخارج حيث أشارت احدى الاحصائيات الاخيرة أنها بلغت 41 مليار دولار.
إن تركيز رؤوس الأموال المتراكمة بين أيدي أقلية من كبار الرأسماليين، يؤدي بحد ذاته الى افقار فاحش لجماهير العمال والفلاحين الفقراء وابنائهم من الشباب العاطل عن العمل.

ورغم أنه خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، كانت تشهد مظاهر صارخة من النهب والاستغلال والتراكم البدائي لرأس المال، كانت تشهد مع ذلك في المقابل، تنازلا نسبيا للتحالف الطبقي الحاكم عن جزء من فائض القيمة المنهوب لفائدة العناية بالمرافق العمومية، مثل ضمان مرفقي الصحة والتعليم العموميين بالمجان وبجودة نسبيا مقبولة وأيضا مواصلة صندوق المقاصة لدعم أسعار المواد الاساسية الموجهة للاستهلاك الواسع... إلا أنه مع تراكم المديونية الخارجية التي يتم اللجوء اليها لتمويل تكاليف مشاريع عمومية مبالغ فيها، وتفاقم عجز الميزانية العامة عن الوفاء بأقساط المديونية، ثمت دعوة المؤسستين الامبرياليتين، صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، لانقاد التحالف البرجوازي الحاكم من ورطته اواخر عقد السبعينات. في هذه اللحظة ابتدأت عملية وضع مصير الجماهير الشعبية المسحوقة فوق سرير بروكست البرجوازي وابتدأت عملية تقطيع اطرافه حتى تتلائم مع شروط التراكم الرأسمالي. وهنا تم توقيف التوظيف العمومي وتمت خوصصة المرافق العمومية كما تم اطلاق العنان للتغطية على تسريح العمال، من جهة أخرى تم رفع أسعار المنتجات والخدمات ومعدلات الضرائب. ولقد كان الملايين من الشباب المغربي هم المتضررون من هذه السياسات. ومع استمرار تبني هذه السياسات بدأت تتعمق الوضعية الكارثية للشباب المغربي.

على المستويين السياسي والنقابي فيبدوا أن التآمر كان محكما، فالجميع متواطئ بشكل أو بآخر من أجل تطبيق نفس السياسات. فالأحزاب التي كانت تنتقد بالأمس سياسات التقويم الهيكلي خلال عقدي الثمانينات والتسعينات اصبحت تطبق نفس السياسات عندما وصلت الى الحكومة بل اعتبرها صندوق النقد الدولي تلميذا نجيبا له. وعندما اتسخت سمعة هذه الاحزاب، وبدأت الحركات الاحتجاجية تتصاعد وانخرط الشباب بقوة في حركة 20 فبراير بشعارات سياسية تطالب بالحرية والديموقراطية وبإسقاط الفساد والاستبداد، وبالتالي تخوف التحالف الطبقي الحاكم من حدوث انفجارات شبيهة بما حدث في تونس ومصر. تم اللجوء الى حزب فشستي ظلامي لقيادة نفس السياسات البرجوازية السابقة "الليبرالية المتطرفة"، والتي عمدت في وقت وجيز الى رفع اسعار المحروقات وتحريرها لتطبيق ما يسمى بالمقايسة، ورفع اسعار جميع المنتجات والخدمات الاساسية حيث تم رفع اسعار بعضها اربع مرات. كما تم رفع معدلات الضريبة على القيمة المضافة. والامعان في تعطيل الشباب حاملي الشهادات العليا بل والغاء حتى قرارات تعيين اربعة آلاف منهم. هذا بالإضافة الى ممارسة القمع والتنكيل بالمعطلين والمكفوفين والطلبة حيث وصلت الاحكام المفبركة لبعضهم الى قرن و11 سنة بفاس.

كما بلغت معاداة هذه الحكومة لمنظومة حقوق الانسان الكونية درجة منع العديد من الانشطة الهادفة الى الارتقاء بوعي الشباب الحقوقي في مجال التربية على حقوق الانسان.

تؤكد الدراسات الرسمية على أن الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة يشكلون حوالي 60 في المائة من مجموع سكان المغرب الذين بلغ تعداده خلال الاحصاء العام للسكان حوالي 33 مليون و800 الف نسمة، أي ان الشباب المغربي الذي يمارس عليه التحالف الطبقي الحاكم سياساته الاقصائية العدوانية بكل وقاحة، يصل تعداده الى أزيد من 20 مليون نسمة. لكن مع الاسف ان هذه الاعداد الهائلة من الشباب لا زالت تمارس عليها بشكل منهجي مختلف اشكال الاغتراب الايديولوجي والانقسام المذهبي والتصفوية والفوضوية والقمع والتنكيل بشتى الوانه. وهي الممارسات التي تظهر نتائجها في التشتت وفي غياب اي افق سياسي واضح يتم الاجماع عليه من اجل التغيير والتحرر والديموقراطية واسقاط الفساد والاستبداد، كأول خطوة نحو التحرر الاستراتيجي الذي تسعى اليه الطبقة العاملة.

من مظاهر المعاناة التي يتعرض لها الشباب العامل عروض الشغل الهشة خاصة عبر شركات الوساطة التي لا تضمن استقرار الشغل او الضمان الاجتماعي والتي غالبا ما تدفع شركات الوساطة العمال الشباب الى التوقيع على استقالتهم قبل الشروع في العمل، حتى يضمن رب العمل عدم قدرة العامل على الاحتجاج او تكوين نقابة والنضال من أجل تحقيق حقوقه. وقد لوحظت هذه الظاهرة على الخصوص في عقود العمال المشتغلون في الامن الخاص الذين يوضعون امام المؤسسات العمومية والوزارات والذين يتقاضون اجورا زهيدة جدا، بينما رب العمل يستخلص من عرق جبينهم فائض قيمة خيالي دون القيام بأي مجهود.

في مجال التعليم هناك شريحة واسعة من الشباب لا زالت تعاني من الأمية بسبب تراجع برامج محاربة الامية وأيضا بسبب افراغ التعليم العمومي من محتواه وتوقف وتراجع انتشار المدارس العمومية في البوادي المغربية. كما ان المتابعين لتعليمهم في المدارس العمومية فيصطدمون بتردي مستوى التعليم وفراغه من أي محتوى لفائدة التعليم الخصوصي الطبقي.

ثم ان جميع المخططات السياسية للحكومات المتعاقبة لا تنظر في هذا العدد الهائل من جماهير الشباب سوى جيش احتياطي للعمل قابل للاستغلال بأجور دنيا وحيث يمكث بعضهم عقودا في جحيم البطالة الى ان يصلوا مرحلة الشيخوخة او يغامروا بحياتهم في قوارب الموت او أن تعرض عليهم بعض المنظمات المتطرفة الانخراط فيها من اجل مشاريع ارهابية ظلامية.


3 – دور الشباب في تاريخ المغرب

تؤكد عدة شواهد تاريخية على أن الشباب المغربي شباب ثائر بطبعه، قد يخضع للهيمنة عندما يتعرض لغزو قوة غاشمة تتفوق عليه عددا وقوة، وتكسر شوكة مقاومته، لكنه سرعان ما يتعود على طبيعة العدو ويسترجع الثقة في نفسه، ومن تم يبدأ في تحضير طريقة تخلصه من ذلك العدو وبالتالي فرض تحرره واستقلاله.

لقد ظلت تسمية بنو مازيغ تعني عبر التاريخ "الرجل الحر"، لكون أمازيغ المغرب تعرضوا مرارا للغزوات الاجنبية منذ الفنيقيين والرومان والوندال والعرب، وكانوا يمارسون عند تعرضهم لأي هجوم تاكتيك الكر والفر، فكانوا يلجؤون الى الجبال الى حين تقوية صفوفهم وبالتالي رصد حركات عدوهم ثم ينزلون بشكل مفاجئ لسحق هذا العدو وطرده من اراضيهم. ولم يكن الزمن معيقا لطرد الأعداء حتى وان دام الغزو قرونا، فدائما كان ينتهي ذلك الغزو بالهزيمة.

الخلاصة هي ان الشباب المغربي يحمل في جيناته اندفاع "أبناء مازيغ الاحرار" في اطار جدلية الاستعباد والتحرر. ولقد ظل شباب الامازيغ الاحرار يتحصنون في جبالهم للدفاع عن انفسهم لمدى خمسة قرون الاخيرة، وكانت حركاتهم السياسية (الزوايا) تهدد السلطة المركزية، وحيث ظل المغرب منقسما بين ما يسمى بقائل السيبة وبلاد المخزن الى ان لجأت السلطة المركزية الى ابرام عقد حماية مع الامبريالية الفرنسية التي لم تستطع فرض سلطتها على كامل المغرب الا بصعوبة بسبب المقاومة الشرسة لشباب امازيغي تحت قيادة كل من عبد الكريم الخطابي في منطقة الريف وموحا أو حمو الزياني في الاطلس وعسوا أوبسلام في السفوح الشرقية والهبة ماء العينين في الصحراء.

حتى الحركة السياسية السلمية التي قادتها البرجوازية المدينية الوطنية منذ عقد الثلاثينات كان الشباب المغربي هم من يقف خلفها ويكفي الاطلاع على تواريخ ازدياد الموقعين على عريضة الاستقلال سنة 1944، للتعرف على دور الشباب في المقاومة السياسية السلمية للمستعمر. ولا ننسى ان كافة عمليات المقاومة المسلحة في المدن كان الشباب هو من يقودها مثل الزرقطوني وشباب الهلال الاسود والعديد من المقاومين الشباب الآخرون.

حتى بعد خروج المستعمر بعد التوقيع على معاهدة ايكس ليبان الخيانية، برز الى الواجهة شبابا مقاومين لاستمرار الاستعمار غير المباشر واستمرار الاستغلال والتراكم البدائي لرأس المال ونهب الاراضي. وهناك العديد من الشباب سقطوا شهداء ضحية لنضالهم القوي ضد الاستبداد والفساد، وهناك قائمة طويلة منهم مثل عباس مساعدية رئيس جيش التحرير وشيخ العرب ورفاقه والمهدي بنبركة وآخرون. معارضة عقد السبعينات والثمانينات القوية حملها شباب الحركة الماركسية اللينينية مثل عبد اللطيف زروال (24 سنة) وسعيدة لمنبهي (22 سنة) وآخرون من منظمة الى الأمام خلال عقد الثمانينات مثل مصطفى بالهواري وعبد الحق شباضة والدريدي بوبكر.

إذن فقد مرت على الشباب المغربي ظروفا عصيبة من الادلال والاستعباد والظلم والعجرفة قد تكون أكثر كارثية من الظروف الحالية، لكنهم كانوا دائما يفرزون أذاتهم السياسية وتنظيماتهم المقاومة ولدينا اليوم تاريخ طويل من تجارب مقاومة الفساد والاستبداد حقق بعضها انتصارات تمثلت في تنازل التحالف الطبقي الحاكم عن بعض المكتسبات بينما تعرض بعضها الآخر للتنكيل والقمع اسقطت العديد من الشهداء، ومن الامثلة الشاهدة على ذلك في العصر الحديث الانتفاضات المجيدة لسنوات 1965 و1981 و1984، و1990.

4 – الجماهير الشعبية المسحوقة تتكون في غالبيتها من الشباب:

كان النمو الديموغرافي قبل الحماية يخضع من جهة للتقلبات المناخية والجفاف والقحط والأمراض الفتاكة والتي كانت تظهر اساسا مع تقهقر النظام السياسي والتدهور الاقتصادي كما حدث ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر حينما تظافرت الازمتين السياسية والاقتصادية مع ظهور القحط والمجاعات ومرض الجذري والطاعون...، وحيث تراجع النمو الديموغرافي من حوالي عشرة ملايين خلال القرن السادس عشر الى حوالي خمسة ملايين نسمة فقط في اواسط القرن التاسع عشر.

نفس التقلبات الديموغرافية الطبيعية حدثت خلال فترة الحماية نتيجة انعكاسات الحربين العالميتين على نقص المواد الغذائية وانتشار المجاعات والجرائم وقطاع الطرق بالإضافة الى جبروت قواد الاستعمار واستهتارهم بالفلاحين الفقراء في البوادي والصناع التقليديين في المدن.

وبعد خروج الاستعمار، عرف المغرب خلال عقدي الستينات والسبعينات اعلى نسب للنمو الديموغرافي قبل ان تبدأ هذه المعدلات بالتراجع مع زحف ظاهرة التمدن وانتشار الازمات الاقتصادية. لكن الهرم العمري ظل على العموم يتسم بقاعدة عريضة في الاسفل مع تقلصه في رأس الهرم.


ان تقدم الطب والوقاية والمعرفة وانتشارها وسط الجماهير الشعبية ساعد على تراجع نسبة الوفيات والامراض الفتاكة، حيث انتقل الامل في الحياة من 67,9 % إلى 72 %. كما أن نسبة المتعلمين انتقلت فيما بين 1994 و2009 من 45 % الى 60,3 %. وقد مكن هذا التحسن من ارتقاء المعرفة بالشروط الوقائية ضد امراض الاطفال ومتطلبات التغذية السليمة من اجل المحافظة على الوضع الصحي للأحفاد.

كما ترافق مع هذا التحسن بالتقدم الذي عرفته التجهيزات الطبية في المدن على الخصوص وخاصة المركبات الاستشفائية الجامعية. كما يمكن ان نظيف تراجع عدد السكان لكل طبيب ما بين سنة 1994 و2008 منتقلا من 2933 الى 1611 ساكن لكل طبيب. رغم ان هذه المجهودات تظل دون الطموحات الممكنة. وقد تراجع نتيجة لذلك معدل وفيات الاطفال عند الولادة من 57 % الى 32,2 % ما بين 1991 و2009.

أن مجموع هذه العناصر المركب بعضها مع بعض، شكلت بيئة مناسبة لتزايد جماهير الشباب، والتي تحتاج اليوم الى عناية بليغة نتيجة معاناتها من العديد من المشاكل والمرتبطة بالشغل والفقر والبطالة وانتشار الامراض الجنسية ... الخ.
إن الشباب المغربي اليوم يشكل في نفس الوقت غاية ووسيلة، فهو يشكل غاية يجب ان تتظافر كافة السياسات الهادفة الى تفجير طاقاته الابداعية الكفيلة بتحقيق القفزة النوعية التي تحتاجها الطبقات الشعبية المسحوقة لاخراجها من دوامة التخلف والتبعية وتخليصها من الافساد والاستبداد. ويشكل أيضا في نفس الاطار الوسيلة الحاسمة في ظل الصراع الطبقي القائم من أجل الانتقال من اطار هيمنة نمط الانتاج الرأسمالي المتهالك والذي سيؤدي في حالة استمراره الى البربرية والظلامية وهلاك الجميع، نحو مجتمع اشتراكي ديموقراطي بدون طبقات ويمكن للجميع ان يتساكن ويتعايش فيه بدون تمييز.

5 – الشباب المغربي في مواجهة الاقتصاد الرأسمالي:

قبل عقد من الزمن على الازمة الاقتصادية العالمية لسنة 2008، وحسب تقارير الامم المتحدة، كان عدد العاطلين عن العمل في العالم يصل الى حوالي 120 مليون نسمة. وفي سنة 2009، أعلنت المنظمة الدولية للشغل عن رقم 198 مليون نسمة، وتوقعت بلوغ عدد العاطلين في العالم 202 مليون نسمة سنة 2013. ومع ذلك فان هذه الأرقام مثلها مثل جميع الاحصائيات الرسمية حول العطالة تمثل ارقاما مفبركة بعيدة عن الحقيقة المرة. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار العدد الهائل من الشباب والشابات المضطرين الى القبول بأي عمل هامشي ، فان الرقم الحقيقي للعطالة العالمية وسوء التشغيل سيتجاوز المليار نسمة.

ورغم كافة الخطابات التي تمطرنا بها الحكومات البرجوازية للدول الرأسمالية الصناعية الكبرى سواء في المانيا أو فرنسا أو اليابان أو الولايات المتحدة الأمريكية حول تحكمها في الازمة وقدرتها على تجاوزها بواسطة سياساتها التقشفية، فان العطالة لم تتراجع أبدا بل تسجل المزيد من التزايد والتوسع. فعلى عكس تلك الاوهام التي تنشرها حكومتنا واحزابها حول اللجوء الى التقشف من اجل تحقيق الانتعاش مستقبلا، الا انهم في الواقع يمارسون الكذب على الجماهير الشعبية المسحوقة لسلبها المزيد من قوتها اليومي وتخفيض المزيد من أجورها لضخ تلك الاموال في صناديقهم دون أن يحصل مستقبلا اي تعويض عن ذلك او أي تحسن في مستقبل. كما ان البطالة الجماهيرية ستواصل امتدادها وتوسعها وتنتشر في كل مكان مثل السرطان الذي ينخر جسد المجتمع مع ما ينتج عن ذلك من المزيد من التفكك والتعفن المجتمعي.

إن أزمة النظام الرأسمالي تضرب على الخصوص الشباب. فعطالة الشباب منتشرة في كل مكان. وهذه العطالة هي التي تقف وراء الاحتجاجات العنيفة في بلادنا كما في البلدان الأخرى. وقد شاهدنا ذلك في احتجاجات الطلبة الانجليز في نهاية سنة 2012، وأيضا لدى شباب الاسبان ومحتلي المدارس في اليونان وايضا كانت تقف وراء الانتفاضات الجماهيرية الحاسمة في تونس ومصر حيث ان 75 % من الشباب بدون عمل.

عدد العاطلين في أوروبا في تزايد مستمر، وقد بلغ معدل العطالة في اسبانيا 27 % ، وحيث يصل معدل عطالة الشباب الى 55 %، وفي اليونان يصل معدل عطالة الشباب الى 62 % ونجد ان كل اثنين من الشباب على ثلاثة عاطلين. وهناك جيل كامل تمت التضحية به على مذبح تحقيق الارباح لفائدة الشركات العملاقة. الكثيرون حاولوا ايجاد خلاص لهم عن طريق متابعة دراستهم الجامعية، لكن سواء في بريطانيا أو في المغرب في عهد الحسين الداودي تم القضاء على مجانية التعليم وعلى هذا الحلم ، وأصبح على الطلبة الاستدانة لسنوات طويلة في بريطانيا لمتابعة دراستهم وهو الامر الذي لا يتأتى لأبناء الطبقات الشعبية المسحوقة. أما الداودي فلإنجاح جامعاته الخاصة، دمر كافة المواقع الجامعية العمومية بل دمر احيائهم الجامعية أيضا وارسل الطلبة الى السجون (قرن و11 سنة) وافرغ التعليم الجامعي من محتواه وقرر فرض 2000 دهم على كل طالب جامعي. ان كافة الحكومات البرجوازية تطبق نفس السياسات والتي لا تخدم سوى الارباح الرأسمالية.

على الطرف النقيض الآخر للشباب، أي الموظفون والعمال الكهول الذين أصبح عليهم العمل الآن طويلا الى بلوغ سن متقدمة، لكي يتم الحصول على رواتب تقاعد هزيلة لفترة قصيرة قبل الوفاة. وسواء تعلق الأمر بالشباب أو بالكهول فانهما معا يقعان اليوم تحت نيران مدفعية البرجوازية الجشعة التي لا يهمها سوى مراكمة الارباح. لقد ظهر ان نفاق الحكومات البرجوازية اليمينية واليسارية والاسلاموية حول القيم العائلية والاخلاق بدأت تظهر فارغة، وانتشرت عدوى العطالة، وغياب السكن اللائق، وتراكم الديون وغياب المساواة الاجتماعية، وتفكيك الاسر وخلق كابوس من الفقر والتهميش والاهانة واليأس.

البرجوازية اليوم تدمر بشكل متواصل ومنهجي وسائل الانتاج (قوى الانتاج) بهدف جعلها متلائمة مع الامكانيات الضيقة المحدودة للنظام الرأسمالي، تماما مثلما كان يفعل الملك الاسطوري بروكست بضيوفه فوق سريره المرعب. ويبدوا أن هذا النهب والتخريب الذي تقوم به الامبريالية اليوم في العالم وخاصة في الشرق الاوسط عبر حروب الاسلام السياسي وداعش الى غير ذلك، يدخل ضمن "رؤية بروكست" وبمثابة الارض المحروقة على المستوى العالمي.

تعمل الامبريالية اليوم عبر الحروب والفتن التي تتسبب فيها على تدمير اقتصاديات ودول بكاملها: العراق افغانستان تونس مصر ليبيا سوريا اليمن ... الخ، عبر الحروب، كما تعمل على تخريب دول اخرى مثل اليونان وايطاليا واسبانيا والمغرب ... الخ عبر مطالبة المؤسسات الامبريالية الدولية لها بفرض سياسات التقشف وتفكيك المرافق العمومية وتقليص الاجور ومباشرة التسريحات الجماعية والتنقيل التعسفي للموظفين والعمال وضرب نظام المعاشات ومستوى المعيشة ... الخ.

شعار الحكومات البرجوازية اليوم أصبح موحدا يدعوا الى: "التقليص اكثر فأكثر من النفقات العمومية" كما أن جميع الحكومات البرجوازية اليوم سواء كانت يمينية أو يسارية أو اسلاموية فاشية تتبع في الواقع نفس السياسات. وليس ذلك نتيجة للجشع الفردي للتحالف الطبقي الحاكم فقط او لجهله وسوء نيته المعهودة فيهم، وإنما أيضا تعبيرا وصول الرأسمالية الى تلك المرحلة التي تحدث عنها كارل ماركس في البيان الشيوعي. وفسرها بوضوح أكثر في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي لسنة 1859. فقد أوضح في هذه المقدمة أن "قوى الانتاج عندما تدخل في تناقض حاد مع علاقات الانتاج ويصبح أي مجهود جديد في اطاره مدمر لقوى الانتاج ولعلاقات الانتاج لذلك تبزغ مرحلة جديدة من الثورة الاجتماعية". ونحن اليوم على مشارف هذه الازمة الثورية التي يذهب ضحيتها كل يوم الملايين من الشباب، فهل يستطيع اليوم الشباب العامل ان يقود الثورة لانهاء عهد الرأسمالية المدمر والمتلاشي، وفرض الاشتراكية النظام الانساني الوحيد الممكن؟

ان العطالة في المغرب تطال اليوم على الخصوص الجماهير الشابة والنساء بنسبة 70,7 %. ويمكن تفسير ذلك بأن النساء الشابات لا يندمجن بسهولة في أغلبية الوظائف مثل الرجال الذين يميلون للقبول بأية وظيفة كانت طبيعتها أو درجة صعوبتها أو موقعها الجغرافي. كما ان النساء الشابات يشكلن الشريحة الأكثر توفرا على الدبلومات بنسبة 14,4 % مقارنة بالرجال 10,3 %. وتوجد المئات من الشابات حاملات الدبلومات العليا ضمن جمعيات المعطلين المرابطات منذ سنوات في شوارع مدينة الرباط لمطالبة الحكومات المتعاقبة بحقهن في الشغل دون جدوى.
إن نسبة الشباب المعطل حاملي الدبلومات العليا المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة تصل الى 57,9 %، متبوعين بالشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 25 و34 سنة (32,6 %) نظرا لأن الأمر يتعلق بالشبيبة الأكثر عددا، وهي الشبيبة التي تعتبر انتظاراتها اكثر ملحاحية فيما يتعلق بمناصب الشغل التي يستهدفونها.

وبشكل عام فإن تتبع تطور معدل العطالة منذ سنة 2007 الى سنة 2013، حسب الشكل الموالي يبرز ميلا عاما نحو الاستقرار او التراجع النسبي سنة 2009 و2010، لكن هذا الميل سيتغير نحو الارتفاع انطلاقا من سنة 2011 ولكي يصل سنة 2014 حسب الارقام الرسمية لبنك المغرب الى معدل 9,9 %. ويفيدنا الشكل التالي ايضا ان نسب البطالة المرتفعة تهم على الخصوص فئات الشباب بين 15 و34 سنة.


6 - الشباب في مواجهة تدهور التعليم:

يفترض أن يشكل التعليم معيارا لتطور الأمم، وذلك من حيث قوته الدافعة للشباب من أجل تحسين ظروف معيشتهم واستقرارهم كشرط ضروري لبناء أية حضارة انسانية على اسس متينة. فمن خلال التعليم والمعرفة يتمكن الشباب من ولوج اية وظيفة أو مهنة بثقة نفس كبيرة لتحقيق ارتقائهم المادي والاجتماعي. كما يشكل التعليم أحد المعايير الثلاثة من بين مؤشرات التنمية البشرية المعتمدة أمميا لترتيب الدول في سلم التنمية البشرية. لكن المغرب ظل منذ سنة 2006 يحتل المراتب المتخلفة في هذا السلم (130 من بين 182 دولة) ويستحق المغرب هذه المرتبة المتخلفة التي يحتلها نتيجة الوضع الكارثي لقطاع التعليم. ولذلك فالمغرب يعتبر أحد الدول الضعيفة في ما يخص مستوى التنمية البشرية والشريحة الأكثر تحملا لعواقب هذا الوضع هي شريحة الشباب. بل ان الشعب المغربي بكامله يصبح متحملا لوزر هذه الوضعية الشاذة لتحمله تكاليفها.

فالنظام التعليمي في المغرب بجميع مستوياته يصطدم بتحجر سياساته وبرامجه وفراغهما (الميثاق الوطني للتربية والتكوين - البرنامج الاستعجالي). ويعتبر المغرب من الدول النادرة التي لم تعتمد نظام تقييم فعال لمنظومته التعليمية وذلك بشهادة منظمات دولية كاليونسكو والبنك العالمي. وقد صنف البنك الدولي المغرب في المراتب الاخيرة الى جانب دجيبوتي واليمن والعراق.

على مستوى الارقام فان نسبة حاملي الدبلومات العليا انتقلت من 30,4 % سنة 1999، الى 36,6 % سنة 2009. كما ان معدل تدريس الشريحة العمرية ما بين 15 و24 سنة انتقلت من 62 % الى 79,5 % في نفس الفترة. على مستوى التمدرس نلاحظ انه بينما بلغ معدل التمدرس في التعليم الابتدائي للشريحة العمرية ما بين 6 و12 سنة نسبة 90,5 %، فإن التعليم الاعدادي والثانوي بلغ معدل 44 في المائة. ويفضح هذا التناقض نسبة الهدر المدرسي والأعداد الهائلة من الشباب التي تغادر المنظومة التعليمية لأسباب اقتصادية محضة يعجز فيها الآباء عن ضمان استمرار تدريس ابنائهم أو لحاجة الاسر الفقيرة لمن يعيلها، فيلج هؤلاء الشباب سوق العمل الهش الذي يعيدون فيه انتاج نفس الطبقات العاملة الرثة التي لا أفق تنموي امامها. وبينما يلج الذكور الى مهن من قبيل الميكانيك او النجارة او الخياطة، فان الفتيات يلجأن الى مهن وضيعة أخرى كخادمات البيوت. وتبدو الوضعية الكارثية لهؤلاء الشباب في مدى تدني الاجور التي يتقاضونها وايضا في تفشي الاستغلال بكافة اشكاله خاصة الاستغلال الجنسي للفتيات مع ما يرتبط بذلك من مآسي اجتماعية وانتشار الامراض الجنسية الفتاكة.
أما بالنسبة للتكوين المهني، فقد تحققت نتائج مهمة، حيث ان عدد الشباب المستفيد من التكوين المهني تضاعف تقريبا ما بين 1999 و2009، منتقلا من 130 ألف الى 250 ألف متدرب. وتجدر الاشارة هنا إلى أن الحديث يتم هنا دائما على المستوى الكمي دون الاشارة أو الحديث عن التطور النوعي للمنظومة التعليمية في المغرب والتي تظل جد متخلفة، وهذا بالضبط ما يقود نحو تلك المراتب المخجلة من حيث تصنيف المغرب على المستوى العالمي في مجال التعليم. ان المشاكل المرتبطة بتدهور التعليم تكرس انتشار الفقر في كل مكان وتشجع على هجرة الشباب من البوادي نحو المدن ومن المغرب نحو الخارج وهي احدى المستويات الدفاعية الاساسية التي اصبح يلجأ اليها الشباب المغربي بقوة.

7 – الفقر وبرامج التقويم الهيكلي

لقد أصبح الفقر يشكل مكونا هيكليا للوضع الاقتصادي والاجتماعي الكارثي للمغرب بسبب سيرورة نظام التراكم البدائي لرأس المال، على حساب الجماهير الكادحة. فارتباطا بوضعية التخلف الموروثة عن عهد الاستعمار عقب سنة 1956 ونتيجة لنظام التراكم البدائي لرأس المال وتشديد الاستغلال للطبقة العاملة طيلة عقدي الستينات والسبعينات الى جانب المديونية المفرطة التي تم اللجوء اليها دون مراعاة قدرة الطبقات الشعبية المسحوقة تحملها لمدى اجيال مقبلة، اصطدم التحالف الطبقي الحاكم بثقل المديونية وعدم قدرته على سدادها دون المساس برؤوس الأموال التي تمت مراكمتها طيلة العقدين السابقين من الاستغلال. من هنا تم اللجوء الى مساعدة المؤسستين الامبرياليتين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي فرض على المغرب منذ سنة 1983 سياسات التقويم الهيكلي، التي ركزت على تخلي الدولة عن خدماتها العمومية السابقة التي كانت تقدمها عبر القطاع العمومي وتوقيف التوظيف في القطاع العام وخوصصة كافة المركبات الاقتصادية للدولة مما ادى أوتوماتيكيا الى ارتفاع كافة اسعارها السابقة كما تم تمكين الباطرونات من اجراء تسريحات جماعية للعمال في غالب الاحيان دون تعويض وحتى وان تم اللجوء الى المحاكم لا يتم تنفيذ الاحكام.

إذن فالعملية التي باشرتها سياسات التقويم الهيكلي لمواجهة المديونية والكساد كانت تتم على اساس تدمير المكتسبات السابقة على شاكلة "سرير بروكست"، وعبر الضغط على الاجور للتمكن من تحقيق الارباح وادخارات مالية كبرى دون ان تكون هناك آفاق استثمارية واعدة. لذلك فإن ازمة الكساد المزمنة لم تجد لها الحكومات المتعاقبة أي حل نظرا للتناقض الحاد التي تحدثه باستمرار بين قوى الانتاج التي تحقق انتاج زائد متراكم في الاسواق من جهة وعلاقات الانتاج المتدهورة باستمرار والتي تجعل الملايين من افراد الطبقات الشعبية المسحوقة والمعطلة غير قادرة على امتصاص ذلك الانتاج الزائد المتراكم في الاسواق من جهة أخرى.

وكلما تفاقمت الأزمة، ازمة الانتاج الزائد، مع ما يرتبط بها من تدهور معدل الارباح وتوقيف الالة الانتاجية والتسريحات الجماعية والمزيد من العاطلين في صفوف الشباب، كلما لجأت الحكومات البرجوازية المتعاقبة بكافة الوانها اليمينية والاشتراكية والاسلاموية الى اخضاع الشعب المغربي مرة أخرى لسرير بروكست وتقطيع اوصاله وضرب مكتسباته.

8 – الفقر المتفشي وسط الشباب:

منذ بداية عقد التسعينيات من القرن العشرين، اصطدم المغرب بنتائج التقاطب الرأسمالي التي انطلق مع سياسات التراكم البدائي لرأس المال والتي انطلقت مع بداية عقد الستينات متجلية من جهة في حالات الفقر المدقع وسط الآلاف من الاسر والشباب، ومن جهة أخرى في حالات الثراء الفاحش لعائلات وأسر وأفراد التحالف الطبقي البرجوازي الحاكم، والذين أصبحوا يشكلون أقلية قليلة وسط جيوش من الفقراء. وقد بلغت نسبة الطبقات الشعبية المسحوقة التي توجد تحت السقف الوطني للفقر 19 % سنة 2003، مقابل 13 % سنة 1997.
وبحسب تقرير لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE، حول آفاق التنمية الاقتصادية في افريقيا سنة 2002، فإن 10 في المائة من الجماهير الشعبية الاكثر فقرا تتوفر على 2,6 % من الثروات الوطنية، بينما تستحوذ ال 10 في المائة من الطبقة الغنية على 30,9 % من هذه الثروات.
وتشير الارقام الرسمية الى ان معدل الفقر المطلق في المغرب تراجع ما بين 2001 و2008 من 6,7 % إلى 3,6 % على المستوى الوطني، ومن 2,3 % الى 1,3 % في الوسط الحضري ومن 12,3 % الى 6,7 % في الوسط القروي. لكن في سنة 2014 تتحدث الارقام الرسمية كذلك عن أن هناك مليوني نسمة من الطبقات الشعبية المسحوقة أصبحت تعيش ب 12 درهم في اليوم.

لقد أصبح الفقر المدقع يشكل مكونا هيكليا وسط الطبقات الشعبية المسحوقة، وأصبح يطال الشباب ويؤدي الى نتائج وخيمة متعددة من بينها هجرة الادمغة نحو الخارج. فهناك شبابا يحملون دبلومات وتخصصات غير مطلوبة في المغرب نتيجة التخلف، ويجدون انفسهم مضطرين حين توفر الفرصة الى الهجرة نحو بلدان أخرى تقدر كفاءاتهم حق قدرها.

هناك عواقب كارثية أخرى تتمثل في انتشار ظاهرة الدعارة التي تلجأ اليها فتيات في عمر الزهور عندما تجدن انفسهن محاصرات بالفقر وبالبطالة. وتجدر الاشارة هنا الى ان نسبة الأمراض المتنقلة جنسيا اصبحت منتشرة ومخيفة 77 % وسط فتيات تصل اعمارهن ما بين 15 و25 سنة، بينما انتشار هذه الامراض وسط الشباب الذكور فيصل الى نسبة 23 % فقط.

9 – من الفقر إلى الهجرة السرية:

هناك اليوم حوالي مليوني نسمة من المغاربة يعيشون ويعملون في أوروبا. ويتجه المغاربة أساسا الى أوروبا، ليس فقط لأسباب اقتصادية، ولكن أيضا لأسباب نفسية. وتجدر الاشارة الى أن المغرب يعتبر من بين الدول الافريقية الأوائل التي لها جالية كبيرة هاجرت منه بطرق سرية، كما ظل المغرب يشكل معبرا رئيسيا لهجرة مواطني بلدان جنوب الصحراء. في كل يوم هناك العشرات من الشباب يغامرون في مراكب خطرة من اجل بلوغ السواحل الاسبانية أو جزر الكناري. لكن في الغالب فإن هذه الهجرات السرية لا تبلغ هدفها مخلفة كوارث انسانية مهمة بسبب هشاشة قوارب الموت المستعملة، والتي لا تستجيب لمعايير الملاحة البحرية.

في استطلاع للرأي عبر 90 في المائة من الشباب المغربي عن رغبته في الهجرة والعيش في الخارج، لأن المغرب لم يعد يشكل مكانا ملائما للعيش بكرامة، كما أعرب 89 في المائة من الشباب بين 20 و29 سنة عن طموحاتهم الى الهجرة نحو الخارج. كما عبرت حوالي 60 في المائة من الشابات عن عدم ترددهن لمغادرة المغرب للعيش في أوروبا. إن الملاحظة الاساسية هنا هي مستوى احباط الشباب واغترابهم في مواجهة الهشاشة المطلقة التي وضعوا فيها، حيث فقدوا ثقتهم بشكل كامل اتجاه سياسات التحالف الطبقي البرجوازي الحاكم وأيضا في المؤسسات التمثيلية من برلمان وأحزاب سياسية ومنظمات نقابية وجمعيات المجتمع المدني، والتي تستغل أصواتهم فقط للوصول الى السلطة ومن ذلك الموقع تبدأ عملية خدمة المصالح الطبقية البرجوازية المتناقضة تماما مع طموحاتهم.

10 – الشباب والسياسة:

في المغرب تبقى علاقات الشباب بالسياسة عملية معقدة، فرغم المظاهر الخادعة "لليبرالية السياسية"، فان التحقيقات التي اجريت لحد الآن تؤكد ارتفاع نسبة العزوف والمقاطعة الارادية للشباب للانتخابات وللاحزاب السياسية وللمركزيات النقابية ولجمعيات المجتمع المدني، فحتى الانخراط في كافة المركزيات النقابية التي يصل تعدادها الى حوالي 32 نقابة لا يتعدى 7 في المائة، وهو ما يشكل رقما يتراوح ما بين 550000 ومليون نسمة من بين شغيلة مغربية يصل تعدادها الاجمالي الى حوالي 11 مليون نسمة. ومع هذا العزوف والمقاطعة الواسعين، فإن الخطاب السياسي للشباب يميل أكثر نحو الراديكالية في المواقف، وهو ما لا يتلاءم مع كافة الطيف السياسي القائم في بلادنا.

ومن المؤكد أن هناك تجاهل متزايد للشباب اتجاه السياسة كما أن هناك نزوعا متزايدا للانخراط في منظمات سياسية سرية يرون في مواقفها الراديكالية خلاصهم، وغالبا ما تنجح التنظيمات الظلامية الارهابية في استقطاب العديد من الشباب نحو مشاريعها الارهابية، وقد سمعنا عن الاعداد المخيفة من الشباب الذين تم تجنيدهم في منظمة داعش.

كما تجدر الاشارة هنا الى التحاق الشباب الجامعي بكثافة بحركات احتجاجية كالاتحاد الوطني لطلبة المغرب وجمعيات المعطلين وتنسيقيات مناهضة الغلاء. ومنذ سنة 2011 انخرط الشباب المغربي بكثافة، في حركة 20 فبراير ضد الاستبداد والفساد ومن أجل الحرية والديموقراطية.
وتشير نتائج احدى التحقيقات الى ان نسبة الطلبة الشباب المنخرطين في الاحزاب السياسية لا يتجاوز 7 في المائة وأن 32 في المائة فقط من الشباب من يعرفون ما تعنيه الجمعية، 48 في المائة منهم في الوسط الحضري و10 في المائة في الوسط القروي، كما أن 4 في المائة فقط منخرطون فعلا في جمعيات (0,7 في المائة منهم في الوسط القروي) وحيث أن 80 في المائة من الجمعيات المعنية بهذا الانخراط ذات طابع رياضي أو ثقافي أو تربوي. وهناك فقط 18 في المائة منها ذات طابع سياسي.
في مجال العلاقة بين السياسة والدين ابرز تحقيق اجرته احدى الجرائد ان الشباب لا يقبلون باستعمال الاحزاب السياسية للدين. فمن ضمن عينة تصل الى 1020 من الشباب من مختلف المدن عبر 37 في المائة منهم عن رفضهم للتداخل بين الدين والسياسة بينما 29 في المائة يحبذون ذلك وهناك 35 في المائة لا يعلمون شيئا عن الموضوع.

لكن مثل هذه الاستطلاعات للرأي، تظل ضعيفة جدا وغير تمثيلية وتأخذ فقط للاستئناس.

بدلا من الخاتمة

لقد كان الشباب ثوريا دائما ويجب ان يبقى كذلك، وعالم اليوم يئن تحت هيمنة الامبريالية ونمط الانتاج الرأسمالي الذي بلغ حدوده التاريخية وأصبح لا ينتج شيئا آخر سوى الخراب وتدمير قوى الانتاج بمسميات عديدة لكن هدفها الاساسي هو ملائمة علاقات الانتاج المختلة مع قوى الانتاج المحدودة، دون مراعاة ما لهذا التدمير العنيف من آثار وانعكاسات لمستقبل الملايين من الشباب.

في ظل هذا الوضع يصبح الشباب أمام خياران لا ثالث لخما، إما الاشتراكية أو البربرية، علما أن أولى ضحايا هذه البربرية هم الشباب أنفسهم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ازمة الامبريالية وتفكك الدولة الوطنية
- الحصيلة الحكومية
- المسألة النقابية في المغرب والنضال العمالي
- اشكالية مطلب الزيادة في أجور العمال
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ...
- الارهاب كمؤشر على انحطاط نمط الانتاج الرأسمالي
- ذكرى مرور مائة سنة على جريمة ابادة العنصر البشري في حق الشعب ...
- ماذا بعد اضراب 29 اكتوبر؟
- دلالات التناقض السياسي في المغرب في مواجهة منظومة حقوق الانس ...
- معضلة البطالة و السياسة التشغيلية للحكومة
- البطالة افراز مباشر للسياسات الحكومية البرجوازية
- حصيلة سنة 2014 بالمغرب اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا
- سياسة الميزانية في ظل القانون المالي لسنة 2015
- مأزق الأداء الحكومي في المغرب سنة 2014
- تجربة التدبير المفوض في المغرب تحت المجهر
- التصريح الختامي لملتقى الاحزاب والمنظمات الثورية حول الشرق ا ...
- الاقتصاد المغربي لا يتماشى مع البنوك الإسلامية
- مؤامرة خطيرة ضد الجمعية المغربية لحقوق الانسان
- بين استباق”حذر” لمواجهة الارهاب.. وإلزامية “الحذر” من الغضب ...
- التوجهات العامة لمشروع ميزانية 2015


المزيد.....




- بعد تمثال -عدو- لأتاتورك وأردوغان بتدريب للناتو.. تركيا: أكب ...
- وزير خارجية البحرين: فقط إيران وأعوانها "يولولون" ...
- الرئيس الألماني يعترض على إجراء انتخابات برلمانية مبكرة
- -روسكوسموس- تعرض -سبوتنيك 60- في أوروبا
- خامنئي في -سربل ذهاب- عقب الزلزال المدمر
- شركة روسية تعجب أوروبا بمعداتها الزراعية
- حقيقة أحدث شائعات نهاية العالم
- أربيل تتهم بغداد بسياسة العقاب الجماعي وتطالب المجتمع الدولي ...
- فيديو.. تحطم طائرة صغيرة على طريق في فلوريدا!
- ستاندارد أند بورز: الإصلاحات السعودية في صالح المواطن


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد السلام أديب - الشباب والاشتراكية