أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الثقافة واللغة والدين والشخصية القومية















المزيد.....


الثقافة واللغة والدين والشخصية القومية


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 4762 - 2015 / 3 / 29 - 00:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



يرى غالبية المُـتعلمين المحسوبين على الثقافة المصرية السائدة، أنّ مصر- ثقافيًا – عربية. وحجتهم فى ذلك اللغة والدين (بصيغ إنشائية دون أى سند من علم الأنثروبولوجيا) أما عن الثقافة فإنهم يتجنـّـبون ضرب أى مثال يؤكد زعمهم أنّ الثقافة المصرية عربية، حتى (مُرشدهم) الأعلى (د. جمال حمدان) اكتفى بالصيغ الإنشائية فكتب أنّ ((العرب عرّبوا مصر ثقافيًا)) وأنّ مصر أخذتْ الشخصية العربية كاملة فى اللغة والثقافة والدين)) (شخصية مصر- هيئة الكتاب المصرية- عام 2000- ص30، 187) ولأنّ هؤلاء المُـتعلمين لم يتعرّضوا للتعريف العلمى للثقافة واللغة والدين ، لذلك فمن المهم التعرض للتعريف العلمى لكل من الكلمات الثلاث :
التعريف العلمى لمصطلح ثقافة :
التعريف الشائع هو انتاج الكتب فى مجالات الرواية والشعر والدراسات فى العلوم الاجتماعية والسياسية.. إلخ، وهذا التعريف لا علاقة له فى الدراسات التى تتناول (الشخصية القومية) لأى شعب، خاصة دراسات علم الأنثروبولوجيا ، وهو العلم الذى أكــّـد علماؤه أنّ لكل شعب خصائص ثقافية تـُميّزه عن غيره، وأنّ الشعوب لا تتطابق فى خصائصها الثقافية، وبصفة خاصة فى (مجال أنساق القيم) حيث أنّ لكل شعب أنساقه الخاصة ، من خلال نظرته للمرأة : هل يعتبرها مثل الرجل أم أقل منه ؟ هل اعتمد على انتاجه المادى من محاصيل زراعية ، أم اعتمد على غزو الشعوب الآمنة ونهب ثرواتها ؟ وهل له تاريخ حضارى أسهم فى الحضارة الإنسانية، من فن وطب وهندسة وعمارة وفلسفة أم لا؟ وما تقييم ذلك الإسهام الحضارى مقارنة بحضارات أخرى؟ ولكن أهم محور فى دراسات علم الأنثروبولوجيا هو التأكيد على خصوصية كل شعب ، وعلى احترام التنوع الثقافى القومى (والذى يشمل اللغة) وفى هذا المجال كتب (مارشال ساليز) ((هناك قدر كبير من الخلط ينشأ فى الخطاب الأكاديمى والسياسى، حين لا يتم التمييز بين الثقافة بمعناها الإنسانى ومعناها الأنثروبولوجى بإعتبارها نهجـًا كاملا ومتميزًا لحياة أى شعب. إنّ ثقافة أى بلد تعكس تاريخه وأخلاقياته)) وكتب (كلود ليفى شتراوس) ((إنّ الإسهام الحقيقى لأية ثقافة لا يتكوّن من قائمة الاختراعات التى أنتجتها ، بل من اختلافها عن غيرها ، فالإحساس بالعرفان والاحترام لدى كل فرد فى أية ثقافة تجاه الآخرين، لا يقوم إلاّ على اقتناع بأنّ الثقافات الأخرى تختلف عن ثقافته فى جوانب عديدة))
ومن بين المُـدافعين عن الثقافة القومية لكل شعب العالِم (جاك ديلور) الذى كتب ((لابد أنْ تؤخذ رغبات الأقليات الثقافية فى التأكيد على هويتها الثقافية، والتعبير عنها سياسيًا بصورة من صور الحكم الذاتى مأخذ الجد)) وكان (ألفا أوما كونارى) رئيس جمهورية مالى عام 93 أكثر وضوحًا فى مسألة الدفاع عن الخصوصية الثقافية لكل شعب حيث قال ((إنّ إنكار الخصائص الثقافية لشعب من الشعوب، يُعد نفيًا لكرامته)) وكتب (كونور كروزاوبريان) أنّ ((تنوع الجنس البشرى هو الذى يضرب بجذوره فى هذه الإنسانية المُـشتركة)) أما (كارلوس فوينتيس) فكتب إنّ ((أية محاولة لفرض سياسة موحدة على التنوع الثقافى ستكون بداية النهاية))
أما الأب الروحى للشعب الهندى (المهاتما غاندى) فقد لخـّص العلاقة الجدلية بين الانفتاح على ثقافات العالم وبين الاعتزاز بثقافته القومية، فى تلك المجلة شديدة الكثافة حيث قال ((إننى أرغب أنْ تهب على بيتى جميع ثقافات العالم.. ولكننى أرفض أنْ تقتلعنى إحدى هذه الثقافات من جذورى))
ولأنّ العروبيين وعلى رأسهم (مرشدهم) وهاديهم (د. جمال حمدان) تغافلوا عن تلك المعانى التى تحترم خصوصية كل شعب، لذلك حاول العروبيون القضاء على خصوصية شعبنا عندما روّجوا لأكذوبة أننا (عرب) وكان دفاعهم الدائم أنّ العروبة تعنى (الوحدة) وأنّ (الإقليمية) تعنى (العزلة) واشترك معهم معظم الماركسيين، ولكنهم تعمّدوا الصمت إزاء خطورة تزييف الواقع ، وإلصاق ثقافة أجنبية غازية (الثقافة العربية) على الشخصية المصرية. ولم يتوقف واحد (واحد فقط) ليسأل نفسه : هل ثقافة راعى الغنم ، مثل ثقافة الزارع ؟ هل ابن الرمل مثل ابن الطمى؟ وحتى د. حمدان الذى وعى هذه التفرقة حيث كتب عن (الصراع بين الرعاة والزراع) وكتب عن الصراع بين (الرمل والطين) وصراع بين (فلاحين ورعاة) ولكنه - على طريقته فى الضليل- أضاف أنه ((فى النهاية صراع أشباه أكثر منه صراع أضداد)) (استرتيجية الاستعمار والتحرير- دار الشروق- عام83- ص13، 14) لقد تصوّر د. حمدان أنّ قرّاءه من العروبيين فقط ، لأنّ العقل الحر لابد أنْ يسأل : كيف يكون راعى الغنم شبيه بالزارع ؟ وكيف يتشابه ابن مجتمع الرمل بابن مجتمع الطين؟ وكيف يتشابه المجتمع الذى وهبته الطبيعة النيل بمجتمع كان يتصارع أبناؤه على الماء العذب ؟ وكيف يتشابه مجتمع (الاستقرار) بسبب الزراعة ، بمجتمع (الترحال والغزو) ؟ كل هذه الأسئلة تغافل عنها د. حمدان وأتباعه من العروبيين ، رغم أنّ د. حمدان كتب ((وتحت تأثير طرد البيئة الرعوية الفقيرة وما قد يعتريها من نوبات من الجفاف ، مع إغراء المناطق الغنية الرخية ، كانت جحافل الرعاة تخرج كالطوفان لتنتشر كالمروحة. وكانت هذه الموجات تزحف آلاف الأميال لتهوى عاتية كالمطرقة على مناطق الاستقرار.. ومن هذا جميعًا نفهم كيف أمكن (لتراب الرعاة) المُخلخل- كما يسميه برون- أنْ يُسيطر ويتغلــّب على (الارسابات البشرية) الكثيفة المُستقرة فى تضاعيف الغابة أو أودية الأنهار)) (ص14، 15) ولم يسأل نفسه وهو يكتب هذا الكلام: أليس العرب رعاة غنم؟ وأليستْ الطبيعة الجغرافية فى جزيرة العرب رملية وليستْ طينية ؟ ولأنه لم يُـفكــّر فى هذيْن السؤاليْن - بسبب توجّهه الأيديولوجى العروبى، وقع فى التناقض عندما اعتبر أنّ العرب أسّسوا (امبراطورية تحررية) لينفى عنهم صفتهم الحقيقة وهى أنهم (غزاة) مثل كل الغزاة الذين أدانهم (من الفرس إلى الإنجليز) واعتبر دولهم ((دول استعمارية)) (ص26، 27)
ولأنّ الراحل الجليل خليل عبد الكريم كان يحترم لغة العلم (رغم تخصصه فى التراث العربى/ الإسلامى) لذلك قرأ ذاك التاريخ قراءة موضوعية، ورفض التوجه الأيديولوجى العروبى ، فسمى الأشياء بأسمائها الحقيقية ، فكتب كثيرًا (فى كل كتبه) عن (الغزو العربى) ورفض استخدام تعبير (الفتح العربى) أو تعبير (الفتح الإسلامى) وكمثال واحد كتب عن العاص بن وائل ((أليس من مهازل التاريخ أنّ هذا الديوث الذى عاش على دخل الإماء ، هو والد عمرو الذى غزا مصر وفعل هو وجنوده فيها الأفاعيل؟ كم باحثــًا وكاتبًا ومؤلفـًا، سواء من القدامى أو المُـحدثين كتب فى سيرة هذا ال (عمرو) دراسة وذكر أنّ والده رباه من عرق فخذ أمه ؟ وهل يُمكن أنْ نـُرجع أعمال ابن الديوث التى ارتكبها فى مصر نتيجة لعقدة نفسية ترسّبتْ فى أعماقه منذ الصغر، وهو يرى أنه نشأ مما تكسبه الجارية التى دفعها أبوه لاحتراف الدعارة؟)) (النص المؤسس ومجتمعه- السِفر الثانى- دار مصر المحروسة- عام 2002- ص70) وكتب ((مُنيتْ مصر بالعديد من الغزو والاحتلال ولكن لم يقم أى من الغزاة والمحتلين بمثل ما قام به العرب (حيث) نهبوا خيراتها واستوطنوا أراضيها وشمخوا بأنوفهم السامية على شعبها. أعرق شعوب الأرض قاطبة وصاحب أقدم وأزهى حضارة عرفتها البشرية، ولم يكتفوا (بالنهب) وإنما أقدموا على ما هو أعور: أجبروهم على التخلى عن لغتهم وأكرهوهم على تعلم لسانهم والأخذ بثقافتهم. وأطلقوا على الفلاحين (العلوج) (مقلوب العجول جمع عجل) وفى معاجم اللغة العربية : العلج = الرجل الضخم من كفار العجم (الإصباح المنير للفيومى) أى أنّ مجرد رفض إنسان الدخول فى دينهم يحوله إلى حيوان : عجل)) (ص68)
أما الفرق الثانى بين د. حمدان وأ. خليل عبد الكريم، فبينما الأول اتهم الشخصية المصرية بأنّ ثقافتها عربية، فإنّ الثانى كتب ((يُشكــّـل الزرع والحصد والرى وجمع المحصول والتشييد والبناء والإعمار، عناصر ومقوّمات شخصية المصري القدديم، ومن ثمّ ترك حضارة باذخة لا ضروب لها حتى الآن. فى حين خلــّـف العرب الأجلاف قصصًا أليمة عن شن الغارات ونوازل فواجع عن القتل والاغتيال، وروايات دامية عن أسر الرجال وسبى النسوة والفتيات ، إما لبيعهنّ فى أسواق الرقيق إماءً وجوارى ، وإما لاتخاذهنّ محظيات وسرارى)) (المصدر السابق- السِفر الأول- ص80) وأنّ الأخذ ((بالثأر عُـرف مستقر لدى العرب وعادة مركوزة فى نفوسهم وتقليد راسخ فى وجدانهم، حتى إنهم عندما دعسوا أرض الكنانة بخيولهم (المبروكة) وغزوها واستوطنوها واستعمروها ونهبوها بقيادة عمرو بن العاص- ذلك الذى فعل الأفاعيل فى مصر هو وجنوده العرب - جلبوا معهم هذه العادة (الحضارية الرائعة) وما زالتْ رغم ذهاب أكثر من 14 قرنـًا معشـّشة فى الأقاليم التى استوطنوها بحد السيف. وهؤلاء العرب الأجلاف يُخبرنا تاريخهم (المجيد) بل ويؤكد أنّ الجبن طبيعة فيهم والخسة غائرة فى حنايا نفوسهم والنذالة من مقوّمات تكوينهم ولا تردعهم إلاّ القوة ، ولا يعملون حسابًا إلاّ للغلبة ، فهم لا يستأسدون إلاّ على النحيف الأعجف المهزول ، أما إذا لاحتْ لهم أى بارقة منعة فإنهم يولون الأدبار. وعندما تمّ الانتصار على يهود خيبر بعد الغزوة المشهورة ضدهم بقيادة محمد، كان من بين الأسرى صفية بنت حيى بن أخطب أحد زعماء يهود خيبر، وقد قــُـتل زوجها كنانة بن الربيع فاصطفاها محمد لنفسه ، ثمّ سلــّمها للماشطة أم خادمه أنس بن مالك كى تـُزينها له. وأنس بن مالك تحوّل بعد الغزو الاستيطانى النهبوى لدول الجوار من كبار الأثرياء)) (من 91- 96) وذكر أنّ العرب ((كانوا لا يعرفون الصناعة بل ويحتقرون من يُزاولها ويُسمونه (قيْنـًا) أى عبدًا. وبذات القدر سخروا من الزراعة والزراع . ولما غزوا العراق والشام ومصر، وداسوا بخيولهم (المباركة) أراضيها واستعمروها واستوطنوها ونزحوا خيراتها ، تعالوا على أهلها وسموهم (العلوج) لأنّ عملهم الأصيل الزراعة. ولم يستحوا من أنّ الأموال الطائلة بكافة صنوفها التى كسحوها من هذه البلاد ونقلوها إلى واديهم القفر الغير ذى زرع ، هى نتاج جهود وعرق الفلاحين (العلوج) كما أطلقوا عليهم.. والعرب واليهود من عادتهم أنّ الرجال لا يأكلون مع النساء، بينما المصرى القديم لم يعرف هذه العادة طوال تاريخه الطويل)) وذكر العديد من الأمثلة عن الاغتيالات (التصفية الجسدية) بأوامر محمد ضد خصومه أمثال كعب بن الأشرف وسلام بن أبى الحقيق وأسير بن رزام إلخ، أما ما حدث مع (أم قرفة) الفزازية، فكان قمة القسوة والوحشية كما ورد فى (المحبرلابن حبيب) وابن الجوزى فى (التلقيح) حيث تمّ ربطها بين بعيريْن حتى ماتتْ . وذكر المقريزى أنّ أم قرفة قتلها قيس بن المجسر اليعمرى قتلا عنيفـًا حيث ربط بين رجليها حبلا ثم ربط بين بعيريْن ثم زجرهما فقطعاها وهى عجوز كبيرة. وأمر الرسول برأسها فدير بها ليعلم أهل قريش بقتلها. وقد حرص محمد على الطواف برأسها فى دروب وأزقة يثرب ، والغرض من ذلك إعلام الكافة أنّ قوة الدولة (العربية/ الإسلامية) بلغتْ شأوًا بعيدًا لأنّ هذه القتيلة طفق العرب على ضرب المثل بعزها. وقال محمد لأهالى قريش : أرأيتم إنْ قتلتُ أم قرفة ؟ فقالوا : أيكون ذلك ؟ وأكــّـد شيخ المؤرخين (الطبرى) الخبر فكتب أنّ (النبى محمد) أمر زيد بن حارثة أنْ يقتل أم قرفة فقتلها قتلا عنيفـًا وربط برجليها حبليْن ثم ربطهما إلى بعيريْن حتى شقاها. وتم سبى ابنتها هند (تاريخ الطبرى- ج2- ص643)
فهل د. حمدان (وهو موسوعى الثقافة) لم يقرأ تلك المراجع التى ذكرها أ. خليل عبد الكريم؟ وإذا كان قد قرأها فكيف سمح ضميره أنْ يكتب أنّ العرب أسّسوا (امبراطورية تحررية) ؟ ولم يكتب حرفـًا واحدًا عن (الغزو العربى) رغم أنّ كتب التراث العربى/ الإسلامى أفاضتْ فى شرح تفاصيل تلك الغزوات، بل إنّ بعض تلك الكتب (وهى من الأصول) كان عنوانها (غزوات الرسول) وكيف تكون الدولة العربية/ الإسلامية التى أسّسها محمد (امبرالطورية تحررية) والدخول فى الإسلام كان بالإجبار والقهر وبحد السيف ؟ وهو المعنى الذى عبّر عنه حديث محمد الشهير ((أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله)) (صحيح البخارى- رقم 25) وأى (حضارة عربية وإسلامية) مع حديث محمد ((ولولا أنْ أشق على أمتى ما قعدتُ خلف سرية. ولوددتُ أنى أقتل فى سبيل الله ثمّ أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل)) (صحيح البخارى- رقم36) أم أنّ د. حمدان انضم لفريق (تبييض) وجه الإسلام بمقولة أنّ أمثال تلك الأحاديث ضعيفة العنعنة وليس لها سند إلخ مع تجاهلهم أنّ راوى الحديث (عربى) بغض النظر عن اسمه. وهل يُمكن أنْ يكتب ابن من أبناء الحضارة الزراعية الأحاديث المُـعادية للزراعة، مثلما ذكر البخارى أنّ النبى أمر بقبور المُـشركين فنـُبشتْ ثمّ بالخرب فسًويتْ وبالنخل فقــُـطع، فصفوا النخل قِبلة المسجد، وذلك عندما قال النبى لبنى النجار ((ثامنونى)) (حديث رقم 1868) وتحت عنوان (باب ما يُحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع ، ذكر البخارى حدثنا فلان عن فلان أنّ (النبى) قال عن الذى يُدخل بيته آلة الزرع والحرث إلاّ أدخله الذل (صحيح البخارى – رقم 2321) وقال أيضًا لأتباعه ((إذا تبايعتم بالنسيئة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)) (رواه أحمد وصححه الحاكم) ولو قال أى شخص من العروبيين أو من الإسلاميين ، أنّ هذه الأحاديث ضعيفة العنعنة ، وليس فيها (تواتر) إلخ ، فإنّ السؤال هو: وهل يُمكن تصور أنْ (يؤلف) أى إنسان من أبناء المجتمع الزراعى حديثــًا ضد الزراعة ؟ وبالتالى فإنّ النتيجة المنطقية أنّ من قال هذه الأحاديث المُـعادية للزراعة، شخص عربى/ مسلم ، وليس المهم البحث عن اسمه.
فهل الأستاذ الدكتور جمال حمدان لم يقرأ هذه الأحاديث؟ وإذا كان قد قرأها فلماذا تغاضى عنها؟ وهل هناك إجابة غير أنه تجاهلها فى محاولة بائسة منه ، ليُرسّخ فى ذهن قارئه مشروعه العروبى ، والنفخ فى جثة اسمها (القومية العربية) فى مواجهة (القومية المصرية) وكان سبيله إلى ذلك التغافل التام عن التعربف العلمى لمعنى تعبير (الثقافة القومية) التى تشمل إبداع الأميين المصريين من أمثال ومواويل ونكت (جمع نكتة وهى صحيحة لغويًا) ولم يلتفتْ إلى أنّ شعبنا المصرى له ثقافة قومية مختلفة عن الثقافة القومية العربية، والدليل على ذلك أنّ الأمثال الشعبية التى أبدعها جدودنا المصريون القدماء، استمرّتْ وعاشتْ فى وجدان شعبنا آلاف السنين وحتى عصرنا الحديث ، فقد اكتشف علماء علمىْ المصريات والآثار برديات فيها الحكمة التالية ((إعمل الخير وإرميه فى البحر)) وتحوّل إلى مثل يُردّده شعبنا فى العصر الحديث، مع اختلاف فى اللغة. فهل كان بوسع العربى/ البدوى/ الرحـّـال أنْ يُنتج مثل هذه الحكمة ، وهو يُعانى من نقص الموارد الطبيعية من ماء وزرع ؟ أم الشىء الطبيعى أنّ مُـنتج هذه الحكمة ابن مجتمع النهر والزرع ؟ وهناك عشرات الأمثلة التى تؤكد ما أذهب إليه ، عن الاختلاف الجذرى بين الثقافة القومية المصرية والثقافة القومية العربية. ولأنّ د. عزة عزت احترمتْ لغة العلم ، ولم ترضخ لأية أيديولوجية سياسية ، لذلك ذكرتْ فى كتابها (الشخصية المصرية فى الأمثال الشعبية- كتاب الهلال- سبتمبر97) العديد من النماذج عن الأمثال التى كانت موجودة فى مصر القديمة وما زالت موجودة فى العصر الحديث (ص68، 174، 175، 178، 417) كما عقدتْ مقارنة بين الأمثال المصرية والعربية، لتوضّح الفرق بين الثقافتيْن من حيث البنية اللغوية لكل من العرب وشعبنا المصرى، فرغم أنّ المعنى واحد إلاّ أنّ تركيب الجملة والبساطة والدخول فى الموضوع مباشرة ، من خصائص المثل المصرى ، عكس المثل العربى كثير الكلمات والتعقيد (من ص439- 443) ولذلك كتبتْ ((يـُمكننا القول بأنّ هناك صفات مُـتميّزة للشعب المصرى ، ينفرد بها عن غيره من الشعوب ولا يُمكن لأحد إنكارها)) (ص32) وكتبتْ ((ولا أتصور وجود خلاف بين الباحثين – أو حتى بين العامة من الناس – على خاصية مصر فى الجذب والانصهار، فقد جذبتْ مصر عبر الأجيال العديد من البشر من كل جنس ولون، جاءوها غزاة فاتحين، أو تجارًا أو مغامرين أو مهاجرين ، واستقروا فيها ، فتكلموا عاميتها وبرعوا فيها كأهلها وتمسكوا بها ، كأنها عاداتهم الأصلية، وعاشوا مصر حتى النخاع ، حتى لا يكادون يُميزون عن أهلها ، ولا يستطيعون أنْ يُميزوا أنفسهم عن المصريين)) (36، 37) وبعد أنْ استعرضتْ العديد من الدراسات التى اتفقتْ حول تميز الشخصية المصرية، نقلت عن د. سيد عويس الذى رأى أنّ المجتمع المصرى فريد ومتميز عمن حوله ، وهو أصل حضارة الإنسان منذ وجد ومصدر للقيم الاجتماعية ، وهو مجتمع لم يفن ، رغم الحكام والطغاة ، وسنوات المعاناة والقهر. وأنّ الإنسان المصرى يُـقـدّس الأم ويقدس بيئته ويدعو إلى صلة الرحم.. إلخ)) (ص45) وذكرتْ أنّ المصرى لم يعرف سمة الفخر، لأنها سمة عربية وغير سائدة لدى المصريين، وانتقلتْ إلى البعض بعد الغزو العربى (109) ونقلتْ عن يوسف إدريس قوله ((الصدر المصرى ينفتح على مصراعيه لأى غريب، فينسى الغريب غربته ويجد نفسه فى ثانية قد دخل الصدر وأصبح قريبًا من القلب. ومن القلب للقلب يمضى الحديث ويدور، وما هكذا أى شعب آخر، ولهذا ننفرد ونسمو نحن المصريين)) (194) وبعد أنْ ذكرتْ العديد من الأمثال المصرية عن التسامح كتبتْ ((ومما سبق يتضح أنّ المصرى يُحبـّـذ التسامح استكمالا لسمة الطيبة التى اختصّ بها دون شعوب الأرض.. فبعد الخصام تجد على لسان المتخاصمين تعبير ((سمن على عسل)) و ((الميه رجعتْ لمجاريها)) (204) وكتبتْ أنّ المصرى ((فنان بطبعه وفطرته ، بحكم الاستقرار بجوار النهر والتأمل فى الطبيعة. وبحكم الوراثة ، وبفضل المخزون الأثرى الذى تركه له جدوده الفراعنة ، فالمصرى عاشق للجمال كقيمة ويُـفرّق بين الجميل والقبيح بدقة)) (349) والأمى عندما يرى لوحة جميلة أو (فازه) صنعها الخزاف يقول ((تفانيو عجب)) (285) وبعد دخول العرب مصر، وبعد انتشار الإسلام ، فلا العرب ولا الإسلام خلقا المصرى من عدم ولم يهباه من الحكمة والقيم ما لم يكن يتمتع به من قبل (412) ولأنّ المصرى القديم عمل فى البناء والزراعة ، لذلك لم يحتقر العمل اليدوى، وعبّر عن ذلك فى أمثاله القديمة والحديثة ((العمل عباده)) ، (الإيد البطالة نجسه)) وهى أمثال لا يُمكن أنْ تخطر على ذهنية العربى، لأنه تعوّد على (ريع الغنم) ثمّ على (ريع البترول) وكل هذا لم يلتفتْ إليه العروبيون وعلى رأسهم كبيرهم (د. حمدان) لأنه كان غائصًا فى (وحل العروبة) فلم ير (خصوصية مصر) الثقافية. أما كلامه عن اللغة والدين فلهما حديث لاحق.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,139,235
- الجثة : قصة قصيرة
- العروبيون والحضارة المصرية
- التواصل الحضارة : الموسيقى المصرية نموذجًا
- أخناتون : الفرعون المارق
- بورتريه لحفيد جدتى (ص. م)
- أدونيس من شاعر إلى داعية إسلامى
- الاستشراق والاستشراق معكوسًا
- الدكتور مُصدّق وعبد الناصر والمخابرات الأمريكية
- الصهيونية وسرقة التراث المصرى
- هوس الأصوليين الإسلاميين بحكم العالم
- ذهنية التحريم
- هل يمكن التخلص من كابوس يوليو1952
- الإبداع والتراث العبرى / العربى
- مدرسة سيد قطب والإسلاميون الإرهابيون
- العداء الرعوى ومجتمع الزراع
- ثقافات الشعوب القديمة والديانة العبرية
- إعدام فرعون سينمايًا
- نماذج من عجائب التراث العبرى
- الإخوان والاستعمار: تاريخ الخزى والعار
- أول سيدة تُمنح وسامًا عسكرًا


المزيد.....




- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الثقافة واللغة والدين والشخصية القومية