أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد الحيدر - بهنام وديع اوغسطين الأديب والتربوي المنسي - محاولة لترميم الذاكرة















المزيد.....

بهنام وديع اوغسطين الأديب والتربوي المنسي - محاولة لترميم الذاكرة


ماجد الحيدر

الحوار المتمدن-العدد: 4580 - 2014 / 9 / 20 - 15:57
المحور: الادب والفن
    


في سماء العلم والأدب ثمة كواكب منيرة تحترق لتضيء ما حولها وتمنحه النور والجمال، ثم يشاء لها سوء الطالع أو رداءة الزمن أن تنطفئ سريعاً ويطويها النسيان بقسوته المعهودة، ثم لا يُذكَرُ عنها غير التماعات متباعدة لا تكفي لرسم صورة، ولو تقريبية، لشخصياتهم أو تاريخهم أو عطائهم. من هؤلاء أستاذي القاص والروائي والمسرحي والمربي الجليل بهنام وديع أوغسطين (1935-1996)

في ذلك الصباح من أواخر صيف 1977، وفور دخوله علينا غرفة الدرس في تلك البناية القديمة المهيبة (إعدادية النضال-الملك غازي سابقاً) أدركنا أننا بإزاء أستاذ من نوع مختلف، استاذ أكثر تميزا بين نخبة من اساتذة ذلك الزمن وتلك الاعدادية الذين كانوا ينتخبون انتخاباً من بين أفضل المدرسين: علما وحنكة وخبرة. كان هذا الرجل المتورد الوسيم الذي تجاوز منتصف العمر بقليل يملك سحراً خاصاً يحيل دقائق درسه الأربعين الى رحلةٍ، أو قُل بعثةً لاختراق عالم جميل هو الانكليزية وآدابها، رحلة تحفل بالإثارة والتشويق والعمل الجماعي، شكلت بالنسبة لي على الأقل، الشرارة الأولى لحبي تلك اللغة والاستزادة منها والإقدام فيما بعد على ولوج عالم الترجمة منها وإليها.
لم نكن نعرف في البداية أن هذا الرجل قادم الى عالم التربية من عالم الأدب والفن حاملاً معه تاريخاً من الانجازات فيهما، حتى تكشف لنا ذلك شيئاً فشيئاً. وكان هذا خبراً سعيداً لنا نحن الصبية الذين انغمسوا مبكراً في القراءة والطواف بالمكتبات القريبة من تلك المدرسة: مكتبات شارع الرشيد وساحة التحرير والسعدون العامرة وارتياد المعارض الفنية ودور السينما والمسرح والذين كانوا يحمّلون أدمغتهم الغضة فوق طاقتها من هموم "الكبار" ومشاغلهم الفكرية والسياسية. رغم جديته وصرامته وحرصه على كل إفادتنا من كل دقيقة من محاضراته، إلا أنه كان يخرج في بعض الأحيان من أجواء الدرس ليتبادل معنا الحديث في أمور أخرى فكان أن كشف لنا في إحدى تلك المرات عن أنه قد نال نصيبه من الاعتقال والنفي والملاحقة، وعندما سأله أحدنا عن السبب أجاب بذكاء وبلهجته الموصلية المحببة: أَنَه كنت بلشفي!
لم يستعمل المرادف الأكثر شيوعاً لتلك الكلمة لأنه لم يكن يريد أن يشارك هذه الحقيقة إلا من يملك من طلبته حظاً من الوعي أو الإطلاع. ولهذا حين همس أحد زملائنا (وكان رئيساً لاتحاد طلبة السلطة آنذاك) الى زميل ثانٍ ممن يملكون حظاً مما ذكرت ليسأله:
-يعني شنو بلشفي؟
أجابه على الفور:
-يعني ضد الاستعمار!
فاكتفى ذلك القائد الطلابي العتيد بهز رأسه دلالة على الفهم العميق!
مع ذلك الطالب بالذات، وكان (سامحه الله) آيةً في البلاهة والخبث وكثرة كتابة التقارير الكيدية، جرى الحادث التالي الذي حفر عميقاً في ذاكرتي:
كنا –لمن يتذكر مناهج اللغة الانكليزية القديمة- قد بلغنا النص الخامس عشر والأخير من كتاب القراءة الانكليزية للمرحلة السادسة، وهو قصة قصيرة للكاتب الايرلندي الشهير أوسكار وايلد (Oscar Wilde) عنوانها العندليب والوردة (The Nightingale and the Rose) تتحدث عن تلميذ عاشق تشترط عليه معشوقته العابثة أن يأتي لها بوردة حمراء كي تراقصه في الحفلة التي سيقيمها الأمير، فيبكي التلميذ ويندب حظه ليأسه من العثور على وردة حمراء في هذا البرد القاسي. وعندما يسمعه العندليب يتعاطف معه ويذهب الى شجيرة الورد اليابسة ويسألها وردة حمراء فتجيبه بأن هناك طريقة واحدة لتزهر عنها وهي أن يغرس إحدى أشواكها في صدره ليرويها بدمه وهو يغني حتى الصباح. وعندما يقدم العندليب على هذه التضحية العظيمة ويكتشف التلميذ تلك الوردة الحمراء تحت شباكه ظهيرة اليوم التالي يقتطفها دون أن يكلف نفسه عناء النظر الى الطائر المتجمد الملقى على الأرض، ويسارع الى محبوبته التي تقابله بالسخرية وتخبرها أنها ستراقص ابن حاجب الملك الذي أهداها جواهر نفيسة ستزين ثوب سهرتها فما كان من التلميذ إلا أن يعود خائبا الى غرفة دروسه الفلسفية الباردة بعد أن يرمي الوردة أرضاً كي تدوسها العربات!
ولأن بهنام وديع أوغسطين فنان مسرحي مرهف الحس ومتمكن من فن الإلقاء فقد حلق في سماء الإبداع وهو يقرأ النص فقرة إثر فقرة، تارة نقلاً عن الكتاب، وتارة وهو يرتجل ترجمة عربية أقرب ما تكون الى الشعر.
كان بعضنا قد بدأ يمسح دموعه حتى قبل أن تصل القصة الى ذروتها، وران على الغرفة صمت عميق لا يقطعه إلا ترتيل الأستاذ. وفجأة أطلق ذلك الطالب الشقي ضحكةً ساخرة وتعليقاً سخيفاً أفسد كل شيء. وحدث أمر غريب: اختفت الابتسامة المعبرة من وجه أستاذنا، وامتقع لونه، وصار يرتجف من الغضب، وأومأ اليه أن قُمْ، واقترب.. ورفع يده ثم هوى بها على وجهه بصفعة مدوية هزته هزاً وتدفقت الكلمات الغضبى ومعها أمر بالخروج من الصف.
وتمتم الشقي ببضع كلمات متحدية محاولاً الرد لكنه استدار منخذلاً حين رأى كف الأستاذ ترتفع ثانيةً لإخراسه, وخرج من الحجرة ووقف في الساحة وهو يردد: شيوعيين، جبناء، يتصور أننا لا نعرفه هو والطلبة الملتفين حوله. بسيطة.. إحنه نعلمكم!
وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي نرى فيها أستاذنا غاضباً وخارجاً عن هدوئه وابتسامته المعهودة. فقد كان في الحق أنموذجا في الطيبة والتواضع والتعامل الأبوي مع طلبته. وهل أبلغ –للدلالة على ذلك- من وقوفه على رصيف مركز الامتحان الوزاري لطلبته منذ الفجر ليستقبلهم ويشجعهم ويجيب على أي سؤال قد يخطر ببالهم قبيل ولوج قاعات الامتحان ثم انتظاره لهم حتى خروج آخر واحد منهم ليطمئن على اجاباتهم؟ وهل أبلغ –للدلالة على تواضعه- من تلك المناسبة التي ما زلت أتذكرها حين اعترض أحد الطلبة-ولم يكن من المعروفين بتفوقهم- على تلفظه -أي الأستاذ- لكلمة (vein) وتعني الوريد وقد وردت في درس عن الاسعافات الأولية، فما كان من الأستاذ إلا أن يؤكد بأنه لم يسمعها إلا بهذا اللفظ لكنه احتراماً لرأي تلميذه (الذي أصر على صحة تلفظه لها) طلب منه أن يذهب الى مكتبة المدرسة ويجلب أكبر قاموس فيها لنتأكد جميعا من الأمر. وعندما تبين للأستاذ أنه كان على خطأ وأن تلفظ التلميذ كان الأصح بادر بالاعتذار اليه والإشادة بشجاعته وأضاف درجات عديدة الى سعيه السنوي بل وطلب منه ومن جميع التلاميذ أن لا يترددوا مستقبلاً في تصحيح أي سهو أو خطأ يصدر عنه.
بعد تخرجنا من تلك الإعدادية لم أر أستاذي إلا في مناسبات قليلة عندما كان يأتي لاصطحاب ابنته من الكلية التي صادف أنها التحق بها بعدنا ببضعة أعوام، أو عندما أشاهده وهو يقدم في التلفزيون دروساً تعليمية في المنهج الجديد للغة الانكليزية الذي كان واحداً من واضعيه والمتحمسين له، والذي عد في حينها ثورة على الأساليب التقليدية في تعليم الانكليزية؛ تلك التي كانت تعتمد على تلقين الطالب كماً كبيراً من المفردات والقواعد الجافة دون الاهتمام بالجانب التطبيقي والمحادثة والنطق الصحيح.
وبعد تخرجنا من الجامعة وتشتت جيلنا في خنادق الحروب والمنافي ونفق الحصار المظلم انقطعت أخبار الأستاذ بهنام وديع أوغسطين ولم أستطع أن أعرف عنه شيئاً سوى انه ترك التعليم نهائياً ولا شيء غير ذلك.
لكنني لم أكف عن ذكره بالخير في كل حين ومحاولة معرفة أية تفاصيل عن أوضاعه أو الحصول على شيء من مؤلفاته المنسية قلم أحصل من سؤالي للأصدقاء القدامى وتنقلي في صفحات الانترنت الا على النزر اليسير من المعلومات منها انه غادر دنيانا مأسوفا عليه عام 1996 بعد أن اعتزل العمل والحياة العامة قبل ذلك بسنوات. فرحت أستعين بالذاكرة وبقايا الصور المحفورة فيها لأحاول أن أرسم من خلالها صورة ولو تقريبية لهذا الأديب والمربي النبيل في أيامه الأخيرة وقد استبد به الحزن واليأس والمرض مما آل اليه حال بلاده من حروب ورعب وظلم وانحدار في كل مجالات الحياة بدءاً من لقمة الخبز ومروراً بالثقافة والفن وليس انتهاءً بوضع التعليم الذي كان شاهداً على بوادر تدهوره التي بدأت مع قرارات تبعيث التعليم سيئة الصيت أواخر السبعينات ولم تتوقف للساعة، والتي كانت من الأسباب التي جعلته يترك التعليم وهو في أوج عطائه.

واستكمالاً لهذه الذكريات رأيت أن أجمع كل ما عثرت عليه، على قلته، مما يخص هذا الرجل وهو ما يبين مقدار الاجحاف الذي لاقاه حيا وميتاً:

1) جاء في موسوعة أعلام الموصل لعمر محمد الطالب وفي حرف الباء منها:
"بهنام وديع اوغسطين 1935-1996
ولد في الموصل وانهى فيها دراسته الاولية، تخرج في دار المعلمين العالية/قسم اللغات الاوربية (الانكليزية) عام 1958. مارس التدريس في اعدادية الموصل واستقر في بغداد عام 1959. نشر دراساته اللغوية في مجال اصوات اللغة الانكليزية في مجلة معهد تطوير اللغات. واسهم في تأليف المنهاج المدرسي لتعليم وتدريب المرحلة الاعدادية في القطر على اللغة الانكليزية. وكتب عدداً من البحوث نشرها في صحف ومجلات محلية، واضطلع في بداية الثمانينات بتقديم الدروس النموذجية للغة الانكليزية في التلفاز. وكتب مقالات في الرواية والمسرح نشرها في مجلة الرقيب البغدادية واحال نفسه على التقاعد عام 1986.
من مؤلفاته:- 1-الايام العمياء والناس الحمقى 1963 (رواية) 2-بين القصر والصريفة 1968 (رواية). وله عدد من الروايات ما زالت مخطوطة. (انتهى)

2) وفي قراءة نقدية في الموسوعة أعلاه نشرها في موقعه الشخصي يسجل الدكتور سيار الجَميل عدة مآخذ عليها ومنها قوله (في الفقرة 38 من الحلقة الثانية من القراءة تلك) أن المؤلف "في ترجمته بهنام وديع اوغسطين لم يعتن.. ابدا بقصصه كما اهتم بقصص غيره . لقد ذكر عناوينها فقط ! ولا ندري لماذا لم يقدّم المؤلف شرحا انشائيا لقصص هذا القاص على غرار عنايته الانشائية بالقصاصين الاخرين "

3) في موضوع بعنوان (في رثاء مهدي الساعدي خمسة واربعون عاما في صحبة ابي صلاح) للسيد غازي المشعل، نشر في موقع (ميسان أونلاين) جاء فيها:
(وكانت مسارح مدينتنا تتنافس على تقديم روائع الاعمال المسرحية والاوبريتات والمسرحيات الغنائية التي كان من اروعها واشهرها : يولدون من جديد وشموع المحلة والسدرة والصيادين .. التي قدمها الجيل الذهبي من المؤلفين والمخرجين والملحنين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر المخرجون : بهنام وديع اوغسطين وعلي حسين عباس وفاضل السوداني..الخ)

4) وفي موقع اسمه منتديات باقوف نقرأ في أوائل عام 2011 عرضا كتبه السيد (حسين كاكه يي) لكتاب صدر مؤخراً للصحفي لؤي فرنسيس تحت عنوان الرموز الصحفية في مسيرة الصحافة السريانية من 1849 الى 2010، ويذكر فيه أن المؤلَّف المذكور وخلال المبحث الرابع منه تناول الصحفيين السريان منذ عام 1951 إلى العام 1990وذكر منهم بهنام وديع أوغسطين. ولم أتمكن من معرفة تفاصيل ذلك التناول لعدم حصولي على نسخة من الكتاب المذكور. إلا أن العدد الكبير من الشخصيات التي يعرض لها بين دفتيه لا تترك مجالا للاعتقاد بوجود تفاصيل كثيرة أو سيرة وافية لحياة أستاذنا.

5) ويقدم الزميل يوسف المحمداوي في مقالة له عنوانها (مسرحيات شكسبير في ضيافتهم عام 1914..فنانو ميسان يستذكرون ماضيهم المترف في حاضر مقرف! ) نشرت في العدد (2727) من جريدة المدى الصادر بتاريخ 16 شباط 2013 بعض التفاصيل عن فترة وجود استاذنا في مدينة العمارة خلال إبعاده الوظيفي اليها، فينقل عن نائب رئيس نقابة الفنانين في ميسان المخرج المسرحي جميل جبار التميميي أنه:"في ستينيات القرن الماضي كان موجوداً كمدرس للغة الانكليزية في اعدادية العمارة استاذ بهنام وديع اوغسطين الذي قدم اروع المسرحيات العالمية على مسارح العمارة كمسرحية هوراس للشاعر الفرنسي كورنييه،ومسرحية مولير ومعظم مسرحيات شكسبير ،ولأستاذ بهنام الذي جاء من محافظة الموصل بصمته وفضله الذي لا يُنسى على المسرح والمسرحيين في محافظتنا"

6) وفي حوار أجراه معه سامر ألياس حول روايته (يوم غابت الشمس) يوضح الروائي الموصلي غانم جليل أن أحد الأسباب التي دفعته الى كتابتها هو أنه لمس فراغاً كبيرا في الحديث عن تلك الفترة المنسية من تاريخ الموصل ويعني أواخر الدولة العثمانية ويشير الى:
"ان فترة المجاعة التي مرت بها مدينة الموصل ماتزال غضة من حيث التطرق اليها فلم يؤلف حولها أي عمل روائي جاد بمعنى توظيف تلك الحقبة القاسية بشكل ادبي يوازي ما عاناه ابناء هذه المدينة حيث ظهرت في فترة الستينيات من القرن المنصرم رواية وضعها بهنام وديع أوغسطين حملت عنوان الأيام العمياء والناس الحمقى التي تناولت فترة الحرب العالمية الاولى وما عاشه الموصليون بوجه الخصوص في تلك الحقبة"
7) أما الزميل هيثم بهنام بردى فقد خص بهنام وديع أوغسطين بجانب من كتابه التوثيقي "روائيون عراقيون سريان في مسيرة الرواية العراقية" الصادر حديثاً عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق ضمن سلسلة (مبدعون عراقيون سريان) التي لم يتسن لي الاطلاع عليها مع الأسف.

8) أما مقالة الزميل الشاعر ريسان الخزعلي المعنونة "من الذاكرة المسرحية: العمارة.. طبيب على الرغم منه.. وبهنام وديع" والمنشورة في جريدة الاتحاد البغدادية فتكاد –رغم قصرها- تكون أطول المواضيع التي تسنى لي الاطلاع عليها والتي تتحدث عن الراحل، ولهذا آثرت أن أوردها كما هي إتماماً للقائدة:
"من الذاكرة المسرحية: العمارة.. طبيب على الرغم منه.. وبهنام وديع
ريسان الخزعلي

1 / في العام الدراسي 1964/1965م.. جاء الى مدينة العمارة مبعدا من مدينة الموصل مدرس اللغة الانكليزية (بهنام وديع اوغسطين)..، وقد كنا طلاب متوسطتي (المركزية والمرتضى) متوجسين من هذا القادم الذي اشاع طريقة جديدة في تهجي وقراءة اللغة الانكليزية. وكم كنا خائفين كذلك؟.. فالرجل ممتلئ الجسم ووجهه يقطر حمرة، ولهجته الموصلية المحببة تثير فينا التندر..، يدفعنا الفضول ان نشاكسه..، ما الذي جاء به الى هذه المدينة؟..، كان يرد (ستكبرون وتعرفون).

وقد عرفنا ولو بعد حين، ان الرجل مبعد عن مدينته لأسباب سياسية، وانه (يساري) الهوى!. ألفناه، وألف المدينة، ناسها واماكنها وعاداتها، وروض فينا المشاكسة، عندما كان يردد قوله.. (تجمعني بكم (دجلة) واشياء اخرى، ولكم في ما تطمحون، وما طمح به آباؤكم.. ايها الصبية الجاهلون (الان) والعارفون (غدا))..، لم تكن تلك الكلمات الجديدة سوى بوابة اولى للتعارف والمعرفة.
2 / في معرفة اخرى، يقطع الدرس علينا دخول الاستاذ (مالك المطلبي) ــ الذي كان مدرسا للغة العربية في المتوسطتين، يثير فينا نخوة ــ نحن الصغار على القراءة ــ بان نشتري رواية (بين القصر والصريفة)..، وقد قال ما معناه (من العيب ان لا تشتروا هذه الرواية ــ ماذا نقول للرجل؟)..، وقد كان الرجل هو (بهنام وديع اوغسطين)..، روائيا هذه المرة..، وكثرت علامات استفهامنا..، كيف يكون مدرسا وروائيا؟...
3 / في معرفة جديدة، بل دهشة جديدة.. ان نرى اللافتات تعلق على الجدران (موعدكم مع مسرحية (طبيب على الرغم منه ــ لمولير، اخراج بهنام وديع اوغسطين)..، وبعدها هاملت/لشكسبير..، وهكذا تزاحمنا مع اندفاع جمهور مدينة العمارة كي ندخل قاعة العرض ــ نحن (الصغار)، لنرى ونعرف (طبيب على الرغم منه وهاملت)..، هل عرفنا؟..، نعم، لقد علق مولير وشكسبير وبهنام في ذاكرة الصغار.
ان الشيء اللافت للنظر، هو هذا الاقبال الكبير على المسرحيتين (رجال، نساء، صبية)؟!..، في مدينة تأنس للحس والتناغم الشعبيين كم تحسسنا اجسادنا يومذاك ؟ وكم اتعبنا صاحب المكتبة العصرية في العمارة اسئلة عن كتب المسرح..، وكم سرقنا من كتبه؟!. لقد دخل علينا شيء اسمه (المسرح الجديد)..، واستحوذ على حواراتنا ويومياتنا نحن الصغار..، وقد شب الكثير منا لاحقا، واصبح من رجالات المسرح العراقي، وعدنا الى (بهنام وديع اوغسطين) نقدم الاعتذار عن البراءة الاولى..، وطفنا معه عوالم (تاجر البندقية) ــ التي كانت تدرس في منهج اللغة الانكليزية..، ولم نستسغ درسا لا يكون فيه الحوار اساسا، (لقد تمسرحنا)..، وكم شغلنا عن دروس (التاريخ والجغرافيا والرياضيات وغيرها) لأنا في دهشة المسرح الجديد الذي اقتحم علينا هدوءنا، واخترق ما كان يقدمه مسرحيو المدينة في (ابداع) في المسرح الشعبي وغيره، في تلك السنوات، ساهم في تشكيل الوعي الثقافي، المسرحي (وهذا له وقفة اخرى)..
4/ العمارة.. مدينة الماء والاهوار والثقافة والغناء والطيبة والبراءة والكثير من الاوصاف النبيلة..، في عام 1965م ترى (طبيب على الرغم منه وهاملت) ــ رغم انها رأت قبل ذلك الكثير من الوقائع المسرحية ــ ويتدافع اهلوها امام بوابة العرض بكل حماس وصدق..، يشاهدون ويستمتعون ويعلقون، وينظرون الى السماء، وانا الصبي منهم، بينهم، انظرهم واغبطهم!.
كم نحن إذن بحاجة الى المسرح؟!..، وكم نحن بحاجة لأندفاعة جديدة، كتلك التي اقدم عليها (بهنام وديع اوغسطين) ــ رحمه الله..، وكم يكون الخجل كبيرا، حين لا نذكر ذلك المدرس (الروائي) المسرحي؟!.
في مدن الجنوب..
يكون النهار اوضح..
والليل اعمق..
والذكريات لها صولة في العظام.."

9) أما فيما يتعلق بالكتب المنشورة لبهنام وديع اوغسطين فيؤكد موقع مكتبة غوغل (google books) على أنها ثلاثة وهي:
1-جرذان جائعة-1968-الجامعة الأمريكية-قسم النشر
2-الايام العمياء و الناس الحمقى-مطبعة النجف-1965
3-بين القصر و الصريفة-1968-الجامعة الأمريكية-قسم النشر
لكنه، أي موقع المكتبة، لم ينشر نصوص تلك الكتب أو مقتطقات أو عروضا لها ولا حتى صورا لأغلفتها!
أما أعماله الأخرى غير المنشورة فلا تتوفر معلومات عن طبيعتها أو عناوينها.


هذا علاوة على مواقع قليلة أخرى تضم إشارات عابرة لا تغني ولا تسمن عن أستاذنا الراحل أو أعماله.
من كل ما تقدم يتبين لنا ضرورة إزاحة الغبار الذي تراكم على سيرة هذا المربي الفاضل والأديب والفنان المبدع عن طباعة أعماله غير المنشورة أو إعادة طبع المنشور منها والاتصال بمن تبقى من أهله ومعارفه لتقديم كل ما من شأنه إلقاء الضوء على أعماله وسيرته الإبداعية، وهي مهمة نبيلة أحسب أنها تقع بالدرجة الأساس على عاتق هذه المؤسسة المعطاء ورجالها المخلصين.
(ورقة شارك بها الكاتب في ملتقى الثقافة السريانية في عنكاوه 2013)


د. ماجد الحيدر





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,794,533
- ملل في بغداد الجديدة - شعر
- تنويمة الحفيدة - شعر
- من أوراق المحرقة -8- يهود عراقيون ، يهود كرد
- من أوراق المحرقة -7- حوار خاص عن إنزال القصاص
- من أوراق المحرقة - 5 - حوار قصير عن تقرير المصير
- كيف تهرب من الحقيقة، كيف تتملص من النقد؟
- نشيد في هجاء النفس
- من أوراق المحرقة - 5 - الى فيسبوكي حامي الدم
- من أوراق المحرقة - 4 - حواران عن المادة 140
- من أوراق المحرقة - 3- إعلان
- من أوراق المحرقة - 2 - ما تشاؤون فاصنعوا
- من أوراق المحرقة - 1
- عاجل عاجل - تصريح لملك الحرب
- مقطوعتان عن زيوس والتبغ الرديء وحديقة الحيوانات
- الى أحمد الجزيري - شعر
- قصيدة حفلة النصر الراقصة للشاعر الإنكليزي ألفريد نويس
- قصيدة قاطع الطريق للشاعر الإنكليزي ألفريد نويس
- تلك هي المسألة-شعر
- لو كان لي أن أختار جنتي
- قتل رحيم - قصة قصيرة جدا


المزيد.....




- فرقة الموسيقى العسكرية التابعة للجيش المصري تشارك في مهرجان ...
- بنعبد القادر يمر للسرعة القصوى لتنزيل ميثاق اللاتمركز الادار ...
- أفلام -أكشن- عن -مدن الفضيلة- والنوادي الليلية في عمّان
- بالفيديو.. مفاجأة أمل عرفة لجمهورها بعد قرار اعتزالها!
- عرض مسرحي عن -الهولوكوست- يثير جدلا في مصر
- بعد 20 عاما من أول أفلامه.. ماتريكس يعود بجزء رابع
- -عندما يغني لوبستر المستنقعات الأحمر- تتصدر نيويورك تايمز
- من هو الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ؟
- كيف يواجه الآباء استخدام الأطفال المفرط للشاشات؟
- مستشرق روسي يحوز جائزة أدبية صينية


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماجد الحيدر - بهنام وديع اوغسطين الأديب والتربوي المنسي - محاولة لترميم الذاكرة