أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جواد بشارة - دروس في الإخراج السينمائي






















المزيد.....

دروس في الإخراج السينمائي



جواد بشارة
الحوار المتمدن-العدد: 1259 - 2005 / 7 / 18 - 09:48
المحور: الادب والفن
    


دروس في الإخراج السينمائي
سيرغي آيزنشتين
الفصل الأول

مقدمة بقلم فلاديمير نيجني

إنحفر لقاؤنا الأول في الذاكرة ولن يمحى أبداً. كان ذلك عام 1928 حيث كان الفغيك [ معهد الدولة للسينما ] موجوداً في تلك الفترة في مبنى في المطعم القديم [ بار ] المطل على شارع لينينغراد .
رنّ الجرس ودخل طلاب السنة الأولى في قسم الإخراج بسرعة متلهفين إلى صالة المحاضرات، وهي صالة المرايا الزجاجية في المطعم القديم في الطبقة الواقعة بين المرايا الكبيرة التي تغطي الجدران والأعمدة البيضاء البراقة الناصعة برقة. وكان شباب تلك الفترة متأنقين بأقمصتهم المخططة ومن بينها سواد قمصان الروسي الساتان أو الستر الجلدية الصقيلة تمشياً مع الموضات المشهورة عند ذلك الجيل، جيل الخطة الخمسية الأولى.
كان الطلاب ينتظرون مجيء أستاذهم بفارغ الصبر، فاسمه هنا في روسيا وفي الخارج يُنْطَق بفخر واعتزاز وإعجاب. كلنا يعرفه من الصور ولكن لم يكن من بيننا من سبق له أن قابله أو رآه شخصياً. واليوم يلقي علينا أولى محاضراته.
دخل آيزنشتين إلى صالة المحاضرات، قمنا جميعاً دفعة واحدة احتراما له ونظرنا إليه بانتباه ولكن نظرتنا لم تتركز لا على هيئة القادم ولا إشاراته وتعبيرات وجهه ولا على ما يحيطه.
هنالك شيء واحد ثبت في وعينا وأذهاننا في لقطة كبيرة ثابتة ألا وهو ارتفاع جبهته المتوجة أو المقببة بشعر كثيف ومعقد وتحت هذه الجبهة تبرق عينيه ألنافذتي البصر والثاقبتين.
لقطة كبيرة تعكسها مرايا صالة المحاضرات. وفي عيني آيزنشتين هناك نظرة ماكرة، وفي هذه اللحظة سمعنا صوته وتحيته – صباح الخير... أجلسوا. ثم رسم صورته داخل المرايا الجدارية " أنتم محظوظون جداً كما يبدو فكما ترون سوف لن يكون لديكم أستاذ واحد بل سلسلة أساتذة " . وفجأة تراخى انتباهنا وتوترنا. كان هذا هو انطباعي عن أول لقاء لي مع آيزنشتين .
إن ذاكرتي تعيد بعث وإحياء هذه الذكرى بلا انقطاع رغم أن سنيناً عديدة كانت قد انقضت وتطرّزت فيها شعرات آيزنشتين أكثر فأكثر بالشيب وبرزت في وجهه تجاعيد وأخاديد أكثر فأكثر وبرز انحناء جبهته الصافي وزوايا عينيه.
وإذا كان هذه اللقاء الأول متجذراً في ذكرياتي بهذه القوة فذلك لأنه وخلال سنوات عديدة أخرى شعرت الأجيال المتعاقبة المتتلمذة على يديه بنفس هذه الشعور عند لقاءها الأول به . وهو لقاء مع رجل تدفعه قوة فكره الخلاقة المبدعة بلا توقف وبشغف إلى الأمام.
فلا تدع عينيه أي خطأ يزوغ عنها أو يفلت ويهرب من مراقبتها فيما يتعلق بالعمل الفني تلك الأخطاء التي اعتقدنا أو فكرنا قبل لحظات بأنها نجاحات فنية كبيرة. وأمامي الآن كراسات دوّنت فيها وقائع وتفاصيل المحاضرات والواجبات والدروس والتمارين التي تعود فقط لسنوات عديد تشهد على الاهتمام المنظّم الذي يبني ويحضّر فيه آيزنشتين دروسه وحاضراته في الإخراج في معهد الفغيك والتي يمكننا أن نملأ بها مجلدات دون أن نعطي من خلالها سوى فكرة أولية أو الخطوط الأولى لهذا التدريس . ولهذا سوف أحاول أن أختار من بين هذه المواد مقتطفات خاصة ومهمة وممتعة ومقنعة في آن .
لكن هذه الاختيار صعب . ففي كل تمرين وكل درس هناك مساءل أساسية وجوهرية عن فن الإخراج كان قد تطرق إليها وعولجت ودُرّسَتْ وحللت باستفاضة وتفصيل .
سوف أتناول بصورة عشوائية وعلى غير هدى وبلا تنظيم متعمد أو مقصود ملفاً يضم الملاحظات التي دونتها بصفتي مساعد لآيزنشتين للدروس والمحاضرات التي ألقاها في أواسط سنوات الثلاثينات.












مفهوم الإخراج


إن درس اليوم ليس درساً تقليدياً ، ولا هو تمرين عملي يقوم خلاله مجموعة من الطلبة و " المخرج ذو العشرون رأساً " بإخراج مقاطع درامية تحت إدارة وإشراف آيزنشتين، فاليوم على الطلبة أن يعبروا عن أعمالهم الشخصية التي حضّروها.
فالمقصود اليوم هو التحضير والإعداد لإخراج الفترة المركزية من رواية الأب غوريو لبلزاك ، وعلى وجه الدقة ، مشهد إعتقال فوتران .
كان الطالب ف هو الأول الذي عرض أفكاره وراح يحلل بناء الرواية ويوضح أو يحدد مكان ومعنى هذا القسم بالنسبة لإخراج مجمل رواية الأب غوريو . وحاول تحديد وتعيين الخصائص الاجتماعية المؤثرة ،الجوهرية أو الرئيسية والأساسية لسلوك ولطبائع ولأنماط العلاقات المتبادلة للشخصيات الرئيسية ، راستنباك ، فوتران ، غوريو ، الخ ...
كان آزنشتين مسروراً ، فالتحقيق كان دقيقاً وواضحاً ، والبراهين والحجج الختامية كان قوية ، وأفكار الطالب حول الأثر الروائي ممتعة وملموسة ودقيقة ، ولكن سرعان ما عبّر وجه آيزنشتين عن الشك . فتارة تبدو نظراته وكأنها تريد التغلغل إلى أعماق المتحدث واختراق دواخله ، وتارة تراقب بانتباه بقية الطلاب لتلاحظ ماا ستكون ردود فعلهم وماا سيقولون..
إستمر الطالب ف يعرض محاضرته ويقول :" إن قامة شخصية فوتران أكبر من المتوسطة وشعره أشقر أو أصهب لامع ومتموج مجعد ومنفوش لكنه يخفيه تحت باروكة شعر اصطناعي ، يلبس بدلة سوداء ، وبدلاً من ربطة العنق ، يضع عقدة بيضاء . ولا وجود للصبغة الوسطية في المظهر الخارجي لأبطال بلزاك .. فهي نماذج إما أن تكون إيجابية كلياً أو سلبية كلياً ..حتى أن نفس الشخصية توصف بأنها إيجابية في بداية الرواية وسلبية في نهايتها. وفي أثناء مراسم دفن غوريو ، يتحدى راستينباك باريس ويذهب لتناول العشاء عند فوسنجين . وفي هذا الوسط الاجتماعي لم يبق بيد راستينباك بديل آخر سوى أن يصبح بدوره سلبياً في سلوكه أو أن يختفي . وإذا كان فوتران قد واصل كفاحه بعد انتحار لوسيان فقد كان عليه أن يختفي هو الآخر لكنه يستسلم ويصبح رئيساً للبوليس.لكن بلزاك يصبغ أو يلوّن كل شيء بطريقة متباينة ومتناقضة جداً. ويعارض بين الأبيض والأسود أو يواجه بين المتناقضات . ولهذا السبب أود أن أخصّ فوتران باللونين الأبيض والأسود فقط ..." يقاطع آيزنشتين الطالب ف ويردف قائلاً : " إذا أردنا أن نعبر بطريقة متواطئة عن شخصية أو عن عمل غالباًَ ما نقول [ نريد أن نظهر ذلك سواداً على بياض ]ومن البديهي أن نجمع بين الأبيض والأسود ونلصقهما بنماذج ووجوه وصور واضحة ذات محيط أو حدود محددة جداً ولكن هل فوتران ينطبق عليه مثل هذا التحديد والتعريف ؟ هل تعرف يا ف الوجه الحقيقي لفوتران قبل اعتقاله وتوقيفه ؟ ..
الطالب ف : " نعم نعرفه إذ تم وصفه وتعريفه في الرواية" .
أما آيزنشتين ، الذي كان حتى هذه اللحظة جالساً على المنصة المؤقتة الصغيرة في صالة المحاضرات كعادته عند الاستماع إلى مناقشات الطلبة حيث يتنحى جانباً ، فقد نهض دفعة واحدة وصرخ كلا .. فقط في لحظة اعتقاله أو توقيفه وما يتبعها من ملفات بكشف القناع عن شخصيته . ولكن فوتران في البداية يبدو محاطاً بالغموض وبالسرية والتكتم ويبدو كأنه يضع قناعاً وشخصيته غير واضحة جداً وغير مبيّنة وعلى القاريء أو المشاهد أن يخمّن فيما إذا كان محتالاً أو مغامراً. فإلى أن تحين اللحظة التي ينزع فيها باروكته وينزع قناعه عن وجهه، تبقى كثير من ملامح وجوانب هذه الشخصية في حالة بديات أو مقدمات أولية. لهذا السبب فأنا أشك أن يكون ملائماً تقديمه تحت ألوان واضحة ومفروزة إلى هذا الحد من التشديد وربما سيكون من المناسب والملائم أكثر جعلها غير محددة لصالح تقدير الهيئة والتجسيد أو التفسير الأنسب للصفات العامة الأمر الذي نصبوا إليه في إخراجنا ؟ " ..
ساد صمت مطلق وسكت الطلاب ينتظرون بفارغ الصبر أن يجيب آيزنشتين نفسه على السؤال. إن انتباههم مدعم لأنهم يعرفون أنهم سيشهدون مرة أخرى على ما يميز عظمة تدريس آيزنشتين لهم. فانطلاقاً من تفصيل معين أو ملاحظة صغيرة، يطوّر هذا الأستاذ الفذ مبدءاً فنياً عاماً ومثيراً.
نزل آيزنشتين إلى وسط الصالة وبدأ يتكلم:" لندرس مثلاً مجرى الحدث أو العقل في روايات [ الكوميديات الإنسانية ] حيث تظهر شخصية المحكوم بالأشغال الشاقة / جاك كولان / إن بلزاك لا يُلْبس كولان جبّة أو ثوب الكاهن إلاّ في آخر الروايات. أما في الأولى فإن الأب غوريو كولان مازال يختفي وراء مظهر البرجوازي فوتران. إنه مجرما يختفي عن أنظار الشرطة. لكنه يختفي أيضاً أمام القاري خلف قناع. وسواء أخرجنا سلسلة الروايات كاملة أم فقط رواية الأب غوريو فعلينا في كل الأحوال أن نظهره مختفياً خلف قناع. ولكن بالتأكيد ليس خلف قناع أسود. إن بلزاك يفعل ما هو أهم وأمتع من ذلك إن فوتران يتقنع عن طريق سلوكه وتصرفه الشخصي. إن بلزاك يقدمه ويجسده بهيئة رجل شاب ظرف وجذاب، مرح وسعيد، صريح وسكير، يشرب كثيراً ، وراقص لا يتعب. ويبدو أنه يمتلك طبع استثنائي محبوب. وهنا بالضبط تكمن طريقته بالتقنع والتخفي. ومع ذلك فإن هذه القناع لن يُنْزَعَ عنه إلاّ في مشهد التوقيف أو الاعتقال في حين إن المشاهد أصلاً لم يعد لديه أي شك بشأن طبيعة فوتران الحقيقية .
ويظهر كولان من جديد في رواية [ الأوهام الضائعة ] وبالضبط في المشهد الذي يريد فيه لوسيان الانتحار. فهو يلبس السواد وله شعر لم يغزه الشيب بعد ، وحذاء ذو حلقات فضية ووجه أكثر إسمراراً تغطيه آثار الجروح ... ومرة أخرى يعطي بلزاك قناعاً لكولان . ولايمكن للقاريء إلاّ أن يخمن بصورة غائمة ومشوشة من الذي يختفي خلف شخصية الراهب الأب دون كارلوس هيريرا . ففي هذه اللحظة يضع كولان قناعاً وأيضاً أسود . وعلى العكس في الأب غوريو حيث يظهر المحكوم بالأشغال الشاقة تحت إسم فوتران. ومن الضروري تلطيف هذا التباين والتناقض الحاد قليلاً .. على أية حال من الصعب جداً أن نوافق على شروحات وتفسيرات أو طروحات " ف " حول الأبيض والأسود في شخصيات بلزاك .. "
وفي هذه اللحظة يحلل آيزنشتين الطريقة افبداعية والفنية لبلزاك ويدرس أسلوبه في مراحله الإبداعية المختلفة، ويقارن الأب غوريو في [ عظمة وشقاء المومسات ] : " فبالقدر الذي يُجَسّد فيه أو يُقَدّم الإنسان في الأب غريو ككائن إنساني بكافة وجوهه وجوانبه وملامحه ، نجد ا، الملامح الأكثر صفاءاً ونقاوة للرواية البوليسية هي التي تطغي وتهيمن في عظمة وشقاء المومسات . فيقل اعتبار الشخصيات من زاوية الطبع أو السلوك فهي بالأحرى تشبه قطع أو بيادق رقعة الشطرنج . فالسيكولوجيا أستبدلت بحبكة أو موضوع معقد يستند إلى عوامل خارجية وأحياناً محتملة أو ممكنة كلياً إذا ما حاولنا تعريف وظيفة الحبكة في الأب غوريو للاحظنا أن موضوع الرواية قد تحدد تماماً واساساً بسيكولوجية الشخصيات .
إن قلب الرواية مكوّن عن طريق تمثيل وتجسيد الخراب أو الدمار الأخلاقي والمعنوي لراستينياك . والذي صوّر أو رسم ووصف في البداية كرجل مقبول نسبياً لكنه سرعان ما خسر سحره وجاذبيته وسقط في ملامح شخص وصولي حيث يقع في الوصولية المبالغ بها أو المجنونة والمحتدة .إن لوسيان شاردون – روبوميريه – الذي وصف بلزاك مصيره في الرواية المقبلة [ الأوهام الضائعة ] يحاول هو كذلك اتباع نفس الطريق.لكنه يضيع ويغرق .في الروايتين [ الأب غوريو والأوهام الضائعة ] نجد الشخصيات معقدة وقد قدّمت في اشكال وتحت ملامح متنوعة لماذا يبدو كولان [ في الأوهام الضائعة ] كخائن في أثر ميلودرامي؟ ماهي أسباب هذه التغير في الطريقة التمثيلية représentative لبلزاك ؟ لأن العمل حول [ الكوميديات الإنسانية ] يمتد ويستع ليشمل الحياة بأكملها . فهناك فترة من الزمن بلغت سبعة عشر عاماً بين [ الأب غوريو ] و [ عظمة وشقاء الموممسات ] ، وفي هذه الفترة الفاصلة المذكورة بين الروايتين ظهر " أوجين سو " وحققت روايته [ أسرار وألغاز باريس ] نجاحاً لا مثيل له في الأوساط الأدبية في تلك الفترة . وفي الملاحظات التي تركها بلزاك عن " أوجين سو " يمكننا أن نرى أن بلزاك معجب به لكنه يحسده بقوة على نجاحه.. لذا فإن تأثير " أوجين سو " على مرحلته الإبداعية الأخيرة أمر بديهي. وبهذا يمكننا أن نميّز في رواية [ عظمة وشقاء المومسات ] عناصر أسلوبية واضحة جداً لرواية المغامرات . فالشخصيات تتمحور هنا بشدة وبدقة وصرامة حول مخطط الأبيض والأسود . ففي هذه الرواية نفسها نجد مشاهد مليئة بالسلطة الإجتماعية الرائعة العظيمة، التي ترتفع وتفوق كثيراً مستوى " أوجين سو " تذكروا فقط مشاهد الاستجواب حيث يظهر جاك كولان ، سابقاً الأب أو القس هيريرا ، قوة إرادة خارقة تقريباً. فالمدعي العام يستدعي هذا السجين المحكوم بالأشقال الشاقة المؤيدة ويطلب منه أن يقدم نفسه مر أخرى مرتدياً زي أو ثوب الراهب عند السيدة سمريزي ، ثم يعرض عليه منصب رئيس البوليس إن هذا الأمر ينبغي أن يملأ القاريء رعباً عند رؤيته هذه المجرم بعد كشف شخصيته الحقيقية أو إزالة القناع عنه ورؤيته يطلب منه الذهاب عند سيدات الطبقة الراقية والمجتمع المخملي بعد تزويده بوثائق مدنية ثبوتية يتعذر دحضها . إن هذه المشاهد تستعرض بانوراما مجتمع تسمح للقاريء أن يضع على نفس المستوى المحكومين والسجناء السابقين والقتلة والمجرمين ورجال العصابات الذين يملئون صالونات المجتمع الراقي وصالات البورصة. عندئذ يصبح من الواضح أنه ليس هناك أي اختلاف بين من هو زعيم للسجناء ومن يدير مصرفاً . " إذن لو تلائم مفهوم مستوحى من مخطط الأبيض والأسود مع إخراج [ عظمة وشقاء المومسات ] لتوجب مقابل ذلك أن يتم عرض وتقديم فوتران " الأب غوريو " بوسائل ذات طبيعة أخرى مختلفة. علاوة على ذلك هل أن اللونين الأبيض والأسود اللذين اقترحهما " ف " للبدلة السوداء وربطة العنق البيضاء ، قادرين على الإيحاء بالصورة المقبولة عموماً والمتعارف عليها عن رجل شاب ومحبوب ومرح ، أي صورة البرجوازي الناجح ؟ إسمحوا لي أن أشك في ذلك . إن البدلة السوداء و ربطة العنق البيضاء يربطها المشاهد بشخصية طبيب أو محامي أو قاضي أو أستاذ أو راهب لأنها تعكس بعض القسوة أو الصرامة للشخصية التي تحدد أو تعلّم هذه النمط الخارجي . علينا على العكس أن نختار ألوانوتباينات وتنويعات تساعدنا على خلق الوهم أو الإيهام ببويهيمية فوتران. ومع ذلك علينا في معالجتنا أن نجعل الطبيعة المزدوجة التعقيد لهذه الشخصية ظاهرة وجلية . إقرأوا بانتباه شديد الكلام ذو المعاني المزدوجة والمبطنة الذي يقوله أو ينطقه فوتران من حين لآخر عندما يجعلنا كلامه بالصدفة نخمّن رغماً عنه شيئاً من تفكيره الحقيقي، أو نواياه الحقيقية ، ويغدو محدّثه منتبه وشكاك أو مرتاب كما هو على سبيل المثال حال رايستينياك حيث يسعى فوتران جاهداً أن يضفي على الفور على كلامه مظهر أو طابع المزاح . ويستغل فوتران نوعاً ما الـ SABORHOMIE الظاهرة أو البادية كأنها الدرع الواقي . وتصبح نكاته تدريجياً أكثر فأكثر مثيرة للقلق ولكن لايمكننا تشكيل هذه الغرابة المقلقة في المظهر أو الهيئة الخارجية لشخصية فوتران ، بل علينا تحديدها أو إيجادها من خلال سلوكه وتصرفه " .
ينطلق صوت من داخل الصالة مقاطعاً وهو صوت و نبرة مسرحية : " سيرغي ميخائيلوفيتش ، ليس الزي أو الملبس هو الي يُمَثّل أو يلعب الدور بل الممثل نفسه " . ..
مرت فترة صمت قصيرة أجاب بعدها آيزنشتين موجهاً كلامه إلينا : " آمل أنكم تفكرون مثلي بأن الاستشهاد بالجملة التي ذكرها الطالب " م " لايمكن أن تكون قد جاءت نتيجة تفكير أو تأمل علمي وفني خصوصاً فيما يتعلق بشخصية فوتران . فما يسميه " م " بالزي الموحد هو بالضبط الشيء أو الأمر البالغ الأهمية هنا . فعندما نجعل فوتران يلعب دور البرجوازي الحقيقي الجيد يتوجب علينا أن نخفي عن طريق أسلوب التمثيل وبعناية تامة قدر الإمكان الجوهر القلق لسلوكه وطبعه ، بنفس العناية التي يقدم فيها كولان تصرفه وسلوكه . وفي الحقيقة كلما قدمنا في البداية فوتران وبلا غموض أو إبهام أو التباس بأنه رجل عادي مثلي ومثلك ، كلما كانت اللحظة التي نكشف فيا سره وإزالة قناعه أكثر رعباً . يجب علينا استخدام كافة السبل والوسائل والإمكانيات المتاحة حتى يكون سر أو لغز الشخصية قابع في أعماقها الداخلية. ويتخفى فوتران باتّقان لدرجة أن البوليس ، وحتى لحظة اكتشاف علامة مشينة أو معيبة وفاضحة على ظهره، لايملك أي دليل ولايحصل على أي تأكّد أو إثبات لشيخصيته الحقيقية. ولكن عندما يظهر فوتران من تحت باروكة [ الشعر المستعار ] البرجوازي النبيل [ الطيب ] شعره الأصهب détrempe la mort فإن قناعه ينتزع منه أو يسقط منه في نفس الوقت الذي يسقط فيه شعره المستعار. يجب أن نكون لحظة الكشف عن شخصيته الحقيقية بالنمسبة للمتفرج لحظة اكتشاف وتعرّف على هذه الشخصية " .
يحاول " ف " الدفاع عن مفهومه عن الإخراج قائلاً : " ولكن يوجد إن الأبيض والأسود في شخصية فوتران ففي النهاية أو في الختام يصبح رجلاً أحادي اللون [ الأسود " .
ينتصب جسد آيزنشتين كالطود وبقوة ويقفز إلى المنصة ببضعة خطوات خفيفة وعندما يبدأ الكلام يصبح صوته رخامياً رناناً : " بالضبط .. أنت قلت .. يصبح .. وليس هو في الأصل . إن تمكّن أو قدرة بلزاك تكمن بالنسبة لنا بالضبط يما يلي : إن فوتران في العمل ذاته يقوم باستمرار بتطوير سلوكه وتصرفاته وطباعه الشخصية . وهكذا فراستينباك يمكن تماماً ا، نعتبره شخصية إيجابية . ولكن هل يمكنكم أن تؤكدون بنفس الدرجة بأنه بطل " ذو نقاوة خالية من التلوث " كلا بكل تأكيد . فعلى الرغم من نزاهته واستقامته وشرفه وكرامته كرجل شاب مهذب ومؤدب وجيد التربية فإن بعض خطوط وملامح سلوكه تشير أساساً بصورة مسبقة إلى أنه يمكن أن يصبح شخصية أكثر خطورة مما نتصوره ونتوقعه من فوتران . وتصبح هذه المؤثرات أو الخطوط والملامح أكثر تماسكاً ومتانة خلال الرواية . لنأخذ في النهاية شكلاً في الصورة السالفة لرواية " الحياة الباريسية " وبعد هذا كله ، من الذي ستكون لديه الرغبة لأن يذكر بأن بلزاك يصف ويرسم أبطال رواياته بعبارات وصيغ الأبيض والأسود ويعرضهم أو يقدمهم ببنيات بيانية مبسّطة , " بالتأكيد يحتفظ بلزاك لنفسه بإمكانية استخدام التناقض والتباين لزيادة التوتر أو رفع كثافة الشكل والتعبير لكنه يفعل ذلك بكثير من الدقة وحدة الذهن والمهارة. فمثلاً يلعب بلزاك في رواية الأب غوريو ، بموضوع السر على مستويين يتعارضان ويتباينان بقوة. فما عليكم سوى مقارنة فوتران والب الطيب غوريو . فعندما تدخل شخصية غوريو في الأحداث فإنها تبدو تقريباً وكأنها واحدة من شخصيات مسرح الفودفيل ، ويبدو كرجل عجوز مبكي و مثير للأسى والدموع . وهو كذلك يضع قناعاً . وبتكثيف السر فيما بعد وتركيزه حول شخصية غوريو ، يحيد بلزاك الأنظار ويحول انتباه القاريء بعيداً عن السر الذي يخفيه فوتران . وهو يربط بتفوق ومهارة واتقان بين هذين العنصرين.
الغموض البادي ـ والشك الذي يردده بسخرية زبائن منزل السيدة فوكير ـ بأن الأب غوريو الطيب تبتلعه الشهوات الفضائحية ومطاردته لبائعات الهوى والنساء الغانيات أو عديمات الفضيلة ، أما سر فوتران الحقيقي فلا يشك فيه أحد من النزلاء في منزل فوكيه أبداً .
يعلن الطالب " ف " عن اتفاقه مع تحليل آيزنشتين : " أفهم ماتريد أن تقول يا سيرغي ميخائيلوفيتش . ولكن مع ذلك يصف بلزاك ملابس فوتران بهذه الكلمات: "هناك شيء كريه ومزعج في ملبسه ".
يشرح آيزنشتين بصبر الآن كيفية الحصول على التأثير المطلوب لشخصية ومظهر فوتران . وبهذا ينصح بعدم اختيار لون بني فاتح أو محايد لبدلته على سبيل المثال. واختيار ألوان حادة وصارخة لربطة عنقه أو قماشة ملبسه ، وأن يعطى لبدلته أو ملبسه عموماً الأسلوب أو النمط الذي يتخذه الموظف التجاري أو التاجر المتجول الذي يصبح فجأة رجلاً ثرياً . إن رجلاً من هذا النوع والمستوى يتجه مباشرة إلى أغلى وأبرز الأشياء والبضائع ليقتنيها . وإن افتقاد الذوق السليم لديه يمر بالضبط من خلال الوسط الاجتماعي الذي يضمه منزل السيدة فوكير كدليل على الجاه والثروة والحكم من خلال المظاهر .
:" كيف ستجسدون مظهر الآنسة ميشونو؟ هذا ما تساءل به آيزنشتين فجأة ... لقد شدد شدد بصورة صريحة ومباشرة حول حقيقة أنها تحمل أباجورة." فكيف ستقدون هذه الأباجورة ؟ " ويسأل آيزنشتين من الذي تخلى أو أهمل الأباجورة في معالجته الإخراجية ؟ .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,524,544,965
- العراق بين الآمال والقلق
- نشاط اللوبي الصدامي ـ الفرنسي في باريس ودمشق
- الإسلام والغرب وفن صناعة العدو
- مقابلة مع د. جواد بشارة
- إيران وسورية في مرمى الإصابة الأمريكية
- الخرائط الأمريكية للعراق والشرق الأوسط
- يوميات عراقية من مدينة بغداد الجريحة
- السينما العراقية بين الممكن والمستحيل
- الخرائط الأمريكية اللعينة للعراق والشرق الأوسط
- من أجل معالجة وانهاض النشاط السينمائي في العراق
- رأيت نهاية العالم القديم
- مراجعات في ما بعد الحداثة السينمائية من المفاهيم النظرية الي ...
- - فقه العنف المسلح في الاسلام
- التشكيلة الهلامية للميليشيات المسلحة في العراق
- محاولات التجديد للأثر الفيلمي ضوئياً
- رؤية تحليلية للسياسة الفرنسية إزاء الاستراتيجية الأمريكية -ا ...
- مراجعات في السينما التاريخية - التحول من نصوص التاريخ الي ال ...
- حوار مع جواد بشارة
- التيار الديني معضلة واشنطن في العراق
- جدلية القوة والضعف في أعمال المخرج الألماني فيرنر هيرزوغ


المزيد.....


- آلهة الحرب / حميد كشكولي
- الكرامة ... / مريم نجمه
- ماهية الحياة في الرؤية السيكولوجية للأدب / سعاد جبر
- اقرعي! اقرعي! ياطبول! / حميد كشكولي
- صعودٌ مخيفٌ في رحابِ الانحطاط / صبري يوسف
- في سماء عبد الكريم قاسم / عبد الستار نورعلي
- الموسيقار روبرت شومان والعصر الرومانتيكي / مازن المنصور
- القص عند أكرم إبراهيم / خليل الشيخة
- هــادي الـعَــلَــويّ / سعدي يوسف
- عبد الكريم قاسم / كريم عبد


المزيد.....

- أحمد سمير فرج ينتظر قرار اللجنة الفنية للعودة للإسماعيلي
- 2014-07-28 كاريكاتير
- مبدعون كبار يؤكدون أهمية الاستيقاظ في ساعة مبكرة من الصباح ...
- الفيفا يطالب الاتحاد الإيطالي بالتحقيق في تعليقات عنصرية
- »لوسي« و«هرقل» يتصدران إيرادات السينما الأمريكية
- إقالة مبرمجة ل 4 وزراء في حكومة بن كيران
- بالصور: فنان ألماني يلعب البيانو في الهواء
- 1000 قتيل فلسطيني: مجلس الأمن يدعو إلى وقف النار حالا
- المتحف الحربي البريطاني يعيد فتح أبوابه
- ياسمين عبدالعزيز تواصل مغامراتها فى «جوازة ميرى»


المزيد.....

- يوميات اللاجئين / أزدشير جلال أحمد
- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى
- التيمة: إشكالية المصطلح وامتداداته / ليلى احمياني
- الضحك والحرية لميخائيل باختين / سعدي عبد اللطيف
- مالفن ؟ / رمضان الصباغ
- رواية نيس وميس / ضياء فتحي موسى
- (الصيدلاني ( عقاقير -الصمت والحلم والنسيان - شعر و فوتوغراف ... / ناصر مؤنس
- رواية فؤاد المدينة / كرم صابر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جواد بشارة - دروس في الإخراج السينمائي