أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالحق رحيوي - التصور الهيجلي للحداثة















المزيد.....

التصور الهيجلي للحداثة


عبدالحق رحيوي

الحوار المتمدن-العدد: 4436 - 2014 / 4 / 27 - 03:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


التصور الهيجلي للحداثة
ينطلق هيجل في نظر هابرماس في محاولته منح الحداثة تصورا جديدا، من خلال تشخيص عصر الأنوار والفلسفات التي شكلت إطاره النظري وبالضبط فلسفات "كانط ،جاكوبي،فخته" فالمنعرج الفلسفي للحداثة التي وقعت فيه هذه الفلسفات في نظر هيجل يكمن أولا: في سلسلة التعارضات التي أقامتها، وثانيا: في محاولتها التخلص من العبودية مقابل التحرر دون الوعي أنها حولت العقل كقوة محررة في البداية الى معبودا يقدس، هذا ما يعبر عنه هيجل في قوله؛ "إن الأنوار ـ الذي يصل أوجهه عند كانط وفخته ـ جعل من العقل معبودا".
إن تمجيد الأنوار للعقل في نظر هيجل يجعلها غير قادرة على تجاوز الأرثوذوكسية الممجدة للدين الوضعي، بل تصبح وجهها الآخر، فكلاهما عاجزين عن جعل أوامر العقل أو الدين الوضعي أن يشكلا منطلقا للحياة العامة بمختلف تشعباتها، بالإضافة الى ذلك غير قادرين على أن ينفذا الى قلب الإنسان، فالخطاب الأنواري والدين كما هو مجسد ينطلق دائما من وضع حاضر لم يصل بعد الى مرحلة ما ينبغي أن يكون،لذلك فهو تعبيرا عن وضع عصر يعيش على ايقاع انشطار الفكر والواقع معا. تجاوز هذا الانشطار هو مهمة هيجل التي ستشكل القوة الموحدة للحداثة بتوحد العقل ذاته.
يبقى الاختلاف بين الثقافة والحمولة الفكرية لعصر الأنوار هو ما يفرض في نظر هيجل البحث عن قوة موحدة تتمثل في إعادة التأسيس" لعقل سابق على التجربة،بوصفه قوة لا تكتفي بالتمييز والفصل بين النظام والمواقف المعاشة،بل أيضا تجمع بينهما" .
أول مشكل يواجهه هيجل هو كيف يمكن أن نؤسس لعقل خارج بنية ذات؟،أم أن هذا التجاوز لي مبدأ ذاتية يبقى داخل فلسفة الذات؟. هذه الأسئلة هي من تشكل إحراجا لكل تصور يسعى جاهدا لكي يعيد الاعتبار للعقل. يعي هيجل جيدا هذا الأمر الذي يواجهه، لذلك سيسعى ليتجاوز السمة القمعية للعقل التي تجد أساسها في مبدأ الذاتية باعتباره مبدأ سيطرة، هذا ما يفسره "بؤس العصر"، بؤس بالضرورة أن يحول الإنسان الى عبد، أو أن يصرف هذا الطابع القمعي للعقل على الطبيعة، ما يخلص إليه هيجل هو أن التصور الأنواري للعقل جعل الإنسان يحمل سيده "العقل" داخله، ومن ثم أصبح عبدا لذاته. لذلك فهو مطالب بالدفاع عن وحدته مقابل الحساسية والهوى التي تشرع للاختلاف.
يتخذ هيجل من انشطارات عصر الأنوار وتمركز العقل حول الذات، وفشل التصالح الممكن بين العقل والدين الماثل في رد كانط على جاكوبي، وظهور المجتمع البرجوازي الذي ولد واقعا جديدا، وفشل الأخلاق التي تستوحي أصولها من المسيحية الأولى أو أخلاق المدينة يوناينة من تزويد الحداثة المنقسمة على ذاتها بقيم قادرة أن تشكل معيارا لها. مقدمات شكلت في نظر هابرماس إمكانية حديث هيجل عن عقل تواصلي يسمح له بتجاوز مخلفات التمركز حول الذات لولا أن طور هيجل مفهومه عن "المطلق"الذي في نظره سيستوعب هذه التناقضات والانشطارات في وحدة تشكل روح العقل ذاته مما جعل هيجل في نظر هابرماس رهين فلسفة الذات.
يعود هابرماس في سعيه إلى تقديم الحل الفلسفي الذي سيقدمه هيجل لإنقاذ الحداثة،الى هيجل الشاب المنتمي الى حلقة "يينا" المعروفة بمعاداتها للكانطية ومن ثمة للعقل، فهذه الحلقة كانت متناقضة مع روح العصر. لقد أدركت الحركة الرومانسية منذ البداية أن ما يمكن أن يؤدي اليه العقل هو الفصل ومن ثم الانشطار وتمزيق وحدة الفكر ووحدة الأرض كما هو حال ألمانيا. لذلك ستعلن عن ضرورة البحث عن قوة موحدة تضمن وحدة الشعب الألماني.
يعتقد رواد حلقة "يينا" أن الشعر بالمعنى الرومانسي، هو الكفيل بضمان هذه الوحدة الروحية، هيجل في بدايته الأولى كان رومانسيا بهذا المعنى، بل الأكثر من ذلك جل مسلماته كانت رومانسية. لكنه سرعان ما أدرك هذه الطوباوية الفنية على حد تعبير هابرماس، كما أن الشعر الرومانسي لا يسمح بتجلي الروح لأن هذا التجلي لا يمكن أن يكون إلا بالعقل وهو يدرك جيدا موقف الرومانسية من العقل،لذلك على " الفلسفة أن تفهم نفسها بوصفها المجال بحيث يمكن للعقل أن يتجلى بوصفه قوة توحيد مطلقة"
إن هذا الانتقال من الفن إلى الفلسفة في نظر هابرماس هو ما يفسر بوضوح اضطراب العصر من جهة ومن جهة أخرى معاناة هيجل في البحث عن قوة موحدة لا تفرض نفسها على العصر وهوية بدون إكراه،هذه الهوية التي يبحث عنها هيجل والتي لا يمكن أن تظهر إلا في الفلسفة تلح في البداية على ضرورة عودة الذات الى ذاتها،لكن لا ينبغي أن تفهم هذا العودة بمثابة إكراه تفرضه الذاتية على الذات، بهذا الشكل سنظل حبيس فلسفة التفكر، كما عبر عنها كانط،لكن ينبغي أن تكون هذه العودة تمنح العقل أكثر ديناميكية هكذا يمكن في نظر هيجل أن تتجاوز فلسفة الذات عقل متمركز على الذات من جهة وإقناع الحداثة بأخطائها من جهة اخرى، دون البحث عن مبدأ آخر للحداثة خارج فلسفة الذات.
يمكن القول أن مهمة هيجل تتمثل في بناء تصور يسمح بإمكانية الحديث عن كلية أخلاقية اجتماعية بمعنى أخلاق اجتماعية تسمح بانخراط الفردي في الكلي، والذات الفردية في الذات الكلية، والفرد في الدولة، سعيا منه الى توحيد المتعارضات بواسطة قوة العقل. طبعا ليس العقل الذاتي أو الفردي، لأنه لا يمكن أن يصل الى مرتبة المطلق مادام محمولا في أجساد فانية، ومن ثمة يعجز عن امكانية التوحيد،وإنما العقل الموضوعي المفارق لكل إرادة فردية،الذي يشكل الروح المطلق. بتجلي هذا الروح يتجاوز هيجل الهوة التي كانت تفصل بين الخطاب الحداثي والواقع المتأزم للعصر بمعنى آخر وبلغة هيجل "إن ما هو عقلاني سيصبح واقعيا؛وما هو واقعي سيكون واقيعا" .
ما خلص اليه هابرماس في سعيه لمعرفة كيف يمكن لهيجل أن يحل هذا الإشكال المتعلق بإيجاد الحداثة لمعاييرها الخاصة انطلاقا من ذاتها،هو أن كل ما قام به هيجل هو فهم الحداثة باعتبارها مشكلة أمام الفكر وأمام ذاتها من جهة،ومن جهة أخرى "تجميع الحداثة ووعي العصر، والعقلانية.بالأسلوب الذي يجعل العقلانية ـ المنفوخة في روح المطلق ـ تحيد الشروط التي أفسحت المجال للحداثة لبلوغ شكل من وعي ذاتها،حطم هيجل بعمله هذا التشكيل وبالتالي لم يحل المسألة التي تمثل بالنسبة للحداثة حقيقة عثورها في ذاتها على ضماناتها الخاصة" .يبقى مشكل الحداثة إذن أكبر مما تصوره هيجل لذلك سيبقى إشكالا هيجليا سيجد له صدا في فلسفات الهيجليين الشباب .
ما يمكن أن نخلص إليه من عودة هابرماس الى هيجل، هو أن الحديث عن الحداثة كمشكل ليس جديدا أي ليس خطاب القرن العشرين، لأن هذا الوعي بالحداثة كمشكل تاريخي، وكمشروع لا يمكن التخلي عنه، يعود الى هيجل، الذي تحقق له الوعي الكامل،بالانشطارات التي خلفتها الحداثة، وصعوبة ايجاد الحداثة لهويتها الخاصة،أو ما يمكن أن يعرفها مفهوميا، فالحداثة قدمت نفسها كمشكل تاريخي، وكمشروع إنساني، إنها محاولة جادة لتأسيس علاقات اجتماعية وسياسية وإدارية، تستمد معاييرها من العقل،والقانون،والأخلاق. إلا أن ما يمكن أن يؤدي إليه هذا الحلول للعقلي محل الديني في نظر هيجل هو تفكيك الرابطة الاجتماعية وتكريس الفردية.
تبقى مشكلة الحداثة كما تم فهمها في القرن العشرين باعتبارها تمركز حول الذات، يضرب بجذوره في الفلسفة الهيجلية، عندما صرح بأن الأنوار حولت العقل الى معبود يقدس. إن مشكلة الحداثة تكمن في تمركزها حول الذات وفشلها في تحقيق تصالح بين العقل والدين،والمجتمع والدولة،إن هذه الانشطارات التي تعصف بالحداثة كما سبق القول كان يسمح لهيجل في القرن التاسع عشر بتطوير نظرية في المجال التواصلي أي خروج من التمركز الذي شكل مشكل الحداثة، إلا أن هيجل بدلا من أن يجد هذا الحل للحداثة في العقل ذاته وجده في التاريخ، من خلال تصوره للتاريخ، طور مفهومه حول "المطلق"الذي يستطيع لم شتات هذا التمزق.
إن التمزق الذي أصاب كل من الفكر والواقع في القرن العشرين، لا يختلف عن القرن الثامن عشروالتاسع عشر، هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن الحداثة كمشروع تاريخي لم يتحقق بعد،وأن الخطاب الفلسفي للحداثة يظل دائما مرتبطا بالأفق،لذلك لا يمكن أن نحاكم الحداثة،كما لا يمكن تقييمها،لأنه لم ينتهي عصرها بعد،بل كل ما يمكن القيام به هو إعادة صياغة مضمون معياري للحداثة، يعيد لخطابها راهنية في فهم إشكالات العصر وتقديم حلول عملية تجمع بين القوة النظرية للعقل، والالتزام السياسي الذي يشكل دائما مدخلا للممارسة. هذه المحاولة تتجسد في فلسفة هابرماس الذي سيحاول التصفية مع التراث الألماني من خلال نقده للفلسفة الوعي،التي تقود حتما الى التمركز حول الذات،وفي نفس الوقت الاحتفاظ بأهم المبادئ التي تأسست عليها الحداثة، من أجل تجاوز المشكلات التي كانت تعترضها والتي شخصها هيجل في سلسلة من الانشطارات الناتجة عن التمركز حول الذات.
يتضح أن مشروع هابرماس الفلسفي يتمثل في محاولة الخروج من التمركز حول الذات،من أجل الوصول الى البينذاتية، حيث تختفي السلطة والتمركز والدغمائية، ويدخل الكل في عالم التواصل. فالقدرة على التواصل بدون هيمنة يبقى الحل الوحيد للخروج من كل إشكالات التي تغرق القرن العشرين وخصوصا في المجال السياسي الذي يقدم نفسه اليوم كأكبر مصدرا للمشكلات. هذا ربما ما يفسر أن جل أعمال هابرماس تخوض في عالم السياسة، بالإضافة الى الكشف عن المسار الذي قطعته الدولة الليبرالية، مسار يشكل تهديدا لمستقبل البشرية، للخروج من هذه الأزمة سيعمل هابرماس على استلهام الخطاب السياسي للحداثة، في أفق نظرية التواصل وأخلاقيات المناقشة التي قام بتطوريها، على صياغة تصور جديد للممارسة السياسية كفيلة بضمان تواصل بين مجال العمومي و الدولة، بين الدولة وبقية دول العالم. داخل مجال للتواصل فارغ من كل أشكال السلطة والهمينة والإقصاء والتمركز، من أجل الوصول الى المواطنة الكونية. وهذا أكبر ما يمكن أن يتخيله الفرد على المستوى السياسي،باعتباره كائنا سياسيا كما عرفه ارسطو.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,578,859
- الحداثة واشكالية الراهن
- الخطاب السياسي للحداثة وميلاد الدولة الحديثة
- هيجل والوعي الفلسفي بالحداثة
- الثورات العربية على ضوء كتاب -سيكولوجية الجماهير- جوستاف لوب ...
- الدرس السقراطي والمدرسة الخصوصية
- الجنس والجنسانية من وجهة نظر تاريخية


المزيد.....




- العراق يحصل على موافقة -فيفا- لخوض التصفيات الآسيوية المزدوج ...
- السودان: الجيش وتحالف المعارضة يشكلان مجلسا سياديا لقيادة ال ...
- استعدادات لنقل مومياوات ملوك مصر عن طريق التشريفة العسكرية
- مشروع أمريكي جديد لمروحية حربية فائقة السرعة (فيديو)
- رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي يزور السعودية والانفصاليون يسي ...
- ترامب يؤيد عودة روسيا إلى مجموعة الثماني
- شاهد: سالفيني يتحدى خصومه ويشهر مسبحة الصليب ويقبلها تحت قبة ...
- السودان يشكل مجلسا سياديا من 11 عضوا بقيادة الفريق أول عبد ا ...
- شاهد: سالفيني يتحدى خصومه ويشهر مسبحة الصليب ويقبلها تحت قبة ...
- السودان يشكل مجلسا سياديا من 11 عضوا بقيادة الفريق أول عبد ا ...


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبدالحق رحيوي - التصور الهيجلي للحداثة