أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - السيد نصر الدين السيد - العصا والجزرة ورفيقتهما الناعمة: من القوة المحتملة الى القوة المتحققة (2/2)















المزيد.....

العصا والجزرة ورفيقتهما الناعمة: من القوة المحتملة الى القوة المتحققة (2/2)


السيد نصر الدين السيد

الحوار المتمدن-العدد: 4405 - 2014 / 3 / 26 - 19:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمولُ
طرفة بن العبد

كانت "القوة الناعمة"Soft Power هي موضوع الجزء الأول من هذا المقال (السيد, 2014). هذه القوة التي تُعتبر "الثقافة الجذابة" اهم مواردها هذا بالإضافة الى كل من "القيم السياسية الجديرة بالثقة" و"السياسة الخارجية المشروعة والاخلاقية". وهي كلها موارد غير ملموسة لا يمكنك الإمساك بها ولكن اثارها الظاهرة لا تخفى عن الأنظار. انها القوة التي ساعد التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات على تعاظم الدور الذي تلعبه في العلاقات الدولية المعاصرة. الا ان امتلاك دولة ما لتلك الموارد لا يعني بالضرورة قدرة هذه الدولة على استخدام القوة الناعمة لتحقيق مصالحها. فالموارد هي المادة الخام التي يمكن تشكيلها ومعالجتها لتتحول من "قوة محتملة" الى "قوة متحققة" في الواقع ومؤثرة على ما يدور فيه من احداث. الا انه، وقبل الحديث عن عملية التحويل هذه، سيكون من الضروري التعرف على الخصائص التي تميز "القوة الناعمة" ومواردها عن مكونات وموارد "القوة الخشنة"، سواء كانت "عنفا ماديا" او "اغواء".

وأول هذه الخصائص هو ارتباط نجاح القوة الناعمة في تحقيق النتائج المرجوة من استخدامها بطبيعة الكيان المستَهدف وبالظروف التي يوجد فيها (السياق). وهو الامر الذي تعبر عبارة "لكل مقام مقال" أفضل تعبير. فالأسلوب الذي نتبناه لإقناع مراهق بالكف عن التدخين يختلف عن ذلك الذي نتبناه لإقناع رجل في الاربعينات. كما تلعب الظروف هي الاخرى دورا لا يمكن اهماله في نجاح عملية الاقناع هذه وذلك من قبيل سعر علبة السجائر، الدعاية المضادة للتدخين، التطبيق الصارم لمنع التدخين في الأماكن العامة. وثاني تلك الخصائص هي تباطؤ النتيجة المرجوة من ممارسة هذه القوة على الكيان المستهدف. اذ يتطلب تحقيق المطلوب مرور فترة زمنية تطول او تقصر حسب طبيعة الكيان المستهدف وطبقا للظروف السائدة. وتتضح هاتين الخاصيتين أكثر بمقارنتهما مع ما يحدث في حالة استخدام العنف المادي. فالرصاصة الموجهة نحو شخص ما لا تأخذ في اعتبارها طبيعته (جنسه، سنه، ديانته، انتماءه السياسي، ...)، ولا تهتم بمكان تواجده او بزمان اطلاقها (السياق)، ونتيجة اصابته بها هي نتيجة فورية.

اما الخاصيتين الثالثة والرابعة فتتعلقا بموارد القوة الناعمة. فأهم ما يميز هذه الموارد هو تعدد وتنوع مصادرها. فـ "الثقافة الجذابة"، على سبيل المثال، هي نتاج عمل افراد ومنظمات غير حكومية. وهي قد تأخذ صورة تراث ادبي وفني موروث او معاصر، او تتبدى على هيئة سلوكيات مجتمعية، او تتمثل في منظومة القيم السائدة. اما الخاصية الرابعة فهي نتيجة طبيعية للخاصية الثالثة اذ يؤدي تعدد وتنوع المصادر الى صعوبة السيطرة والتحكم في هذه الموارد. وتتضح الصورة أكثر إذا قارنا هذه الخصائص بخصائص موارد العنف المادي المتمثلة في الأسلحة بشتى اشكالها. فحيازة الأسلحة تقتصر، في اغلب المجتمعات، على القوات المسلحة والشرطة. واقتصار حق ملكية أدوات العنف المادي على المؤسسات الرسمية فقط يجعل من السيطرة عليها والتحكم فيها ليس فقط امرا ممكنا بل هو أيضا امر مطلوب.


والان وبعد ان تعرفنا على الخصائص التي تميز القوة الناعمة ومواردها يمكنا الحديث عن أسس اعداد استراتيجيات التحويل. تحويل موارد القوة الناعمة، بمختلف اشكالها، الى أفعال تؤثر على سلوك الكيانات الأخرى وتعيد تشكيل أولوياتهم وذلك لصالح الكيان الذي يمارس قوته الناعمة.


وتبدأ عملية اعداد استراتيجية تحويل الموارد المتوفرة الى قوة فاعلة بـ "تحديد الهدف من استخدام القوة الناعمة". وتتعدد الأهداف التي يمكن تحقيقها باستخدام القوة الناعمة وذلك من قبيل "تحسين صورة الدولة في المجتمع الدولي" او "حشد الرأي العام العالمي الداعم لعمل ما" تقوم به الدولة. وتلي هذه الخطوة خطوة "التعرف على خصائص الكيان المستهدف، او الكيانات المستهدفة". فمعرفة من ترغب في تغيير سلوكه واولوياته ليتفقا مع مصالحك امر لا غنى عنه. فنجاح وفعالية القوة الناعمة في تحقيق الهدف من استخدامها يتوقف على فهمنا لطبيعة الكيان المستهدف وللسياق الموجود فيه (الخاصية الأولى). وبتوفر هذه المعرفة يمكن تحديد نوع الموارد المطلوبة والأدوات المناسبة لتنفيذ المهمة. و"اختيار الموارد والادوات المناسبة" هو الخطوة الثالثة من خطوات عملية إعداد استراتيجية التحويل. وبالطبع يتوقف انجاز هذه الخطوة على ما اسفرت عنه الخطوتين الاولي والثانية. ولتوضيح هذه الخطوة نفترض ان الهدف من ممارسة القوة الناعمة هو "تحسين الصورة الذهنية لمجتمع الدولة (ا) لدى افراد مجتمع الدولة (ب)"، وكان مجتمع الدولة (ب) مجتمع منفتح على الآخر وعقلاني في احكامه. في هذه الحالة تصبح العناصر الجاذبة في ثقافة المجتمع (ا) هي المورد و"الدبلوماسية الشعبية" هي الأداة الملائمة. و"الدبلوماسية الشعبية" في هذا السياق هي "مجموعة الأنشطة التي ترعاها حكومة دولة ما، وتشارك فيها الكيانات غير الحكومية (مثل الأحزاب السياسية، المؤسسات التعليمية، المؤسسات الدينية، الاتحادات العمالية، ونجوم المجتمع، ...) لمخاطبة جمهور دول أخرى عبر كافة الوسائل الممكنة (مطبوعات، اعلام مرئي ومسموع، ندوات، ...) بهدف تحسين صورتها لديهم ومن ثم التأثير على صانعي السياسة في هذه الدول وعلى قراراتهم".

وبالطبع لا تقتصر أدوات تحويل الموارد الى أفعال على "الدبلوماسية الشعبية" فقط بل تشمل أدوات أخرى مثل: المساعدات الإنسانية، برامج التبادل بشتى صورها (الثقافية، التعليمية، ...)، الاحداث الثقافية (مهرجانات، مؤتمرات، ندوات، محاضرات، ...)، الاشتراك في المهام الدولية مثل قوات حفظ السلام.

نَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ
لا يمكنني الحديث عن القوة الناعمة دون الإشارة لقوة الامة المصرية الناعمة. هذه القوة التي لا تتناسب مع ما تملكه هذه الامة من موارد ثقافية متنوعة. موارد ثقافية تتمثل في منتجات ثقافية من أهمها تراث سنيمائي ودرامي وغنائي بالغ الثراء أسهمت مجتمعة في نشر اللغة المصرية الحديثة (او العامية كما يسميها بعضهم) في المنطقة. وهي موارد لا تنشئ فقط قوة ناعمة لمن يحسن استخدامها بل هي أيضا ذات مردود اقتصادي لمن يعرف استغلالها. ومن عجائب الأمور ان لا يدرك أصحاب هذه الموارد، افرادا كانوا او مؤسسات، قيمة ما يمتلكوه فيبيعوه! وهكذا، على سبيل المثال، تم بيع أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة فيلم تقريباً من جملة تراث السينما والذي يبلغ أربعة آلاف، فيلم بدأت السينما المصرية في إنتاجها منذ عام 1927. ولم يسلم التراث الغنائي المصري من عملية النهب الممنهج فيتم بيع ما يزيد على 11 ألف دقيقة من الحفلات الغنائية لكبار المطربين المصريين.

ان الموارد الثقافية المصرية بتكوينها الفريد وبعمقها التاريخي وبكل ابعادها، البحر-متوسطية والمسيحية والإسلامية والعربية، لا تزال في انتظار من يحولها من "قوة محتملة" الى "قوة متحققة".
وهنا اردد مع المتنبي "وَلم أرَ في عُيُوبِ النّاسِ شَيْئاً ... كَنَقصِ القادِرِينَ على التّمَامِ".

المراجع

السيد, ا. ن. ا. 2014. العصا والجزرة ورفيقتهما الناعمة (1-2). الحوار المتمدن, 4396(17 مارس): http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=405934.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,469,987,817
- العصا والجزرة ورفيقتهما الناعمة (1-2)
- الاساطير الثقافية: (2) الغزو الثقافي (او حكاية -الناس اللي ف ...
- الثروة الخفية
- من يخاف من العولمة؟
- علمنة المجتمع وشكة الدبوس
- العلم من بارادايم البساطة الى بارادايم التعقد
- الاساطير الثقافية: (1) اسطورة العروبة
- الحل برة الصندوق
- تانجو الفوضى والانتظام
- أزمة العقل البسيط
- جاليليو الذي تجاهلناه
- الة الزمن المعكوس
- جاءنا البيان التالي
- زمن الهوجة
- عن الثورة الثقافية ... معالم على الطريق (3/3)
- عن الثورة الثقافية ... عشان ايه وليه؟ (2/3)
- عن الثورة الثقافية ... ترويض المفاهيم (1/3)
- نظرية رأس السمكة
- تحديث الثقافة المصرية .... المشروع القومى المنتظر
- سلام مربع ل -جهادية- بلدنا


المزيد.....




- #إغلاق_النوادي_الليلية.. الأردنيون يتجادلون والإخوان يتدخلو ...
- نيوزيلندا بعد المذبحة.. لماذا البطء في محاكمة منفذ جريمة الم ...
- نائب أردني: أوصينا بطرد السفير الإسرائيلي ردا على اعتداءات ا ...
- بعد نصف قرن من الغياب..عودة الأقباط إلى السياسة السودانية عب ...
- بعد رحيل الأب الروحي.. هل حققت تفريعة قناة السويس أحلام مميش ...
- إسلاميو السودان أمام اختبار مراجعة تجربتهم
- رئيس الوزراء الفلسطيني: الاحتلال الإسرائيلي يعمل على تغيير ا ...
- القبض على رجل -هدد بإطلاق نار- على مركز يهودي في ولاية أوهاي ...
- ترامب: نعقد مفاوضات جيدة جداً مع حركة طالبان
- الخارجية الأردنية تستدعي السفير الإسرائيلي لإدانة انتهاكات ا ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - السيد نصر الدين السيد - العصا والجزرة ورفيقتهما الناعمة: من القوة المحتملة الى القوة المتحققة (2/2)