أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - محمد محمود - في عيد المرأة العالمي: التحية لصمود أميرة عثمان














المزيد.....

في عيد المرأة العالمي: التحية لصمود أميرة عثمان


محمد محمود

الحوار المتمدن-العدد: 4386 - 2014 / 3 / 7 - 21:33
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


في عيد المرأة العالمي: التحية لصمود أميرة عثمان

محمد محمود

(1)
كانت وقفة أميرة عثمان ومواجهتها الصلبة لقوات نظام الإسلاميين وقضاته في العام الماضي من أميز مظاهر مقاومة المرأة السودانية وأشرفها للمادة 152 من القانون الجنائي لعام 1991. وتتعلّق هذه المادة بـ "الأفعال الفاضحة والمخلّة بالآداب العامة" وتنصّ على أن "من يأتى في مكان عام فعلا أو سلوكا فاضحا أو مخلا بالآداب العامة أو يتزيا بزي فاضح أو مخلّ بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز أربعين جلدة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معا." وفي تعريف الفعل المخلّ بالآداب تقول المادة "يعد الفعل مخلا بالآداب العامة إذا كان كذلك في معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل."
بدأت الهجمة الشرسة للمادة 152 على أميرة عثمان يوم 27 أغسطس 2013 عندما أوقفتها عناصر النظام العام لأنها كانت تسير من غير أن تغطي شعرها. ووجدت أميرة عثمان نفسها منذ تلك اللحظة في قلب عاصفة هوجاء --- اعتقال، استجواب، معاملة سيئة، تقديم لمحاكمة، إشانة للسمعة عبر صحف النظام. اعتبر النظام وإعلامه أن عدم تغطيتها لرأسها وهي تسير في أمور حياتها العامة تزيِّيا بـ "زي فاضح" وسلوكا فاضحا يخلّ بالآداب العامة ويسبب مضايقة للشعور العام. واصطدمت محكمة النظام بتمسّك أميرة عثمان بموقفها وعدم تراجعها عن حقّها في أن تكون سافرة، إذ أن السفور ليس بأمر فاضح يصطدم بالآداب العامة في أي مجتمع يحفظ كرامة المرأة ويحترم حقّها الشخصي في أن تختار ملبسها (سفورا كان أم حجابا). وعلاوة على ذلك، اصطدم النظام نفسه بالحملة العالمية ضد تقديم أميرة عثمان للمحاكمة. وكانت منظمة العفو الدولية في طليعة من تصدّوا للمحاكمة وأصدرت يوم 17 سبتمبر 2013 بيانا دعت فيه للضغط على السلطات السودانية لحضّها على "إسقاط التهمة الموجهة لأميرة عثمان فورا وبلا قيد أو شرط"، وعلى إلغاء عقوبة الجلد التي تشكّل انتهاكا للحظر التام على التعذيب وعلى المعاملة أو العقوبات القاسية أو اللإنسانية أو المهينة، وعلى إلغاء المادة 152 من القانون الجنائي تمشّيا مع التزام حكومة السودان المعلن بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. وبإزاء كل ذلك لم تستطع المحكمة معاقبة أميرة عثمان.

(2)
كانت أميرة عثمان طفلة عندما انقلب الإسلاميون على النظام الديمقراطي وأشعلوا الحريق الذي لا زال الوطن يعاني ويلاته. ورغم أنها خضعت مثل غيرها من الأطفال لغسيل الأدمغة الذي فرضه الإسلاميون عبر هيمنتهم الكاملة على النظام التعليمي ووسائل الإعلام، إلا أنها كانت من المحظوظات اللاتي انفلتن من مصير الخنوع الأنثوي الذي كان ينتظرهن. انفتح وعيها (كما انفتح وعي الكثيرات حولها) على عالم بديل تستند قيمه على رؤية مختلفة تحترم إنسانيتها ولا تنظر لها كناقصة عقل وكتابع وموضوع لقَوامة الرجل.

(3)
ورغم أن كافة السودانيين من رجال ونساء حملوا أثقل عبء في تاريخهم المعاصر منذ لحظة انقلاب الإسلاميين على الديمقراطية في يونيو 1989، إلا أن النساء حملن عبئا مضاعفا. ففي ظل هيمنة الإسلاميين أصبح جسد المرأة ميدان معركة شرسة ورمزا خارجيا بارزا ومحكّ اختبار لفعالية هذه الهيمنة ومقياسا حاسما من مقاييس نجاح ما أطلق عليه الإسلاميون اسم "المشروع الحضاري". وهذا الهوس الإسلامي بالسيطرة على جسد المرأة وتغييبه وحجبه انصب بشكل خاص على شَعْر المرأة وعلى ارتدائها للبنطلون. وأصبح هذا العداء الخاص لشَعْر المرأة وللبنطلون على المرأة عنصرا عضويا من عناصر "الهندسة الاجتماعية" للمشروع الإسلامي، ولم يكن غريبا أن ينتقل من حيز الخطاب لحيز الإدانة الجنائية. ورغم أن المادة 152 لا تذكر شيئا عن شَعْر المرأة أو ارتدائها للبنطلون إلا أن قضاة النظام يستطيعون بالطبع الاستناد على الصيغة المطّاطة التي وضعها المشرّع عندما نصَّ على "معيار الدين الذي يعتنقه الفاعل". وهكذا وعلى ضوء واقع صياغة المادة 152 وممارسة قضاة النظام فإن المرأة السودانية (المسلمة) التي لا تغطي شَعْرها أو ترتدي البنطلون تجد اليوم نفسَها قد ارتكبت إثما دينيا وجريمة جنائية تستوجب الاعتقال والاستجواب والمحاكمة وتؤدي في حالة الإدانة للمعاقبة بالجلد أربعين جلدة أو للغرامة أو للعقوبتين معا.

(4)
ورغم أن صياغة المادة 152 كمادة موضوعها "الأفعال الفاضحة والمخلّة بالآداب العامة" تشمل نظريا النساء والرجال، إلا أن تطبيقاتها قلّما مسّت الرجال. فبينما أن "أسلمة" المظهر النسائي بمقتضى برنامج "الهندسة الاجتماعية" للإسلاميين في السودان تلازمت مع العقوبة الجنائية، إلا أن ذلك لم يمتدّ لموقفهم من المظهر الرجالي. تساهل الإسلاميون السودانيون مع الرجال ولم يثقلوهم مثلا بمثل ما أثقلت به حركة طالبان وحركة حزب الإسلام الصومالية الرجالَ عندما فرضوا عليهم أن يُطيلوا اللحى ويَحُفُّوا الشوارب (ولا نشكّ أن الإسلاميين السودانيين قد اعتمدوا بتساهلهم هذا على الأثر الناعم والتدريجي الذي من الممكن أن تحدثه هيمنة خطابهم وتقاليدهم، وهكذا نلحظ كيف انتشرت اللحى وانتشر ارتداء الجلاليب). إن هذه المعاملة التمييزية قد جعلت المادة 152 همّا أنثويا بالدرجة الأولى، إذ أن هذه المادة أصبحت فعليا مادة سوط النظام المسلّط على ظهور النساء، وهو إذلال تسرّبت بعض فديوهاته البشعة لتهزّ ضمير العالم.

(5)
إن وقفة أميرة عثمان الشجاعة ووقفة لبنى حسين وأخريات قبلها ستنضاف لتراث مقاومة المرأة السودانية وهي تكافح من أجل تحقيق عالم تتهاوى فيه كل أشكال التمييز والقهر ضد المرأة. هذا نضال يلهم النساء والرجال على السواء ويجعلهم يمتلئون ثقة بقدرتهم على التغيير.


محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,473,489,159
- معاداة فكرة
- نبي لكل حاكم ومعضلة خاتم المرسلين
- مانديلا والمسيرة المستمرة
- سبب البحث عن إله
- قراءة فكرية في كتبهم 4
- قراءة فكرية في كتبهم 3
- قراءة فكرية في كتبهم 2
- قراءة فكرية في كتبهم 1
- ما الذي صنعه الإله؟ وما الذي يستطيع ان يصنعه؟
- هكذا يقيم عزيز عقاوي 20 فبراير بعد سنتين !
- في عيد المرأة العالمي: المرأة كاملة عقل
- ارفعوا أيديكم عن نهلة وأسرتها
- الترابي في الثمانين - من إكتوبر إلى يونيو : إفلاس الرؤية وبؤ ...
- بيان ذكرى الشهيدة - سعيدة المنبهي -
- في انتهازية - الإشتراكي الموحد -
- التوظيف السياسي للمساجد ومأزق العدل والإحسان
- مئوية يوم المرأة العاملة الأممي
- حول مشاركة أطاك طنجة في احتجاجات 20 فبراير
- نجاح مهرجان التضامن مع ساكنة سيدي بوزيد بطنجة
- طنجة ليلة العاشر من دجنبر : حصار قمعي و أطاك تمنع المنع


المزيد.....




- الصدفة تقود امرأة للعثور على ألماس
- الشرطة الإسبانية تنجح في ضبط رجل صور سرا 555 امرأة -تحت التن ...
- بالفيديو... أسانسير يكاد يقتل امرأة قفزت أثناء تحركه
- العفو الدولية: الطريق لا يزال طويلا أمام المرأة السعودية
- معرض فني عن مايكل جاكسون في فنلندا لا يسعى لتمجيد الفنان الم ...
- الحجاب أو الهجاء
- تقرير حقوقي أردني يربط ما بين الفقر وعقوبة الإعدام بحق النسا ...
- ضبط 23 امرأة في دولة خليجية يمارسن أعمالا منافية للأخلاق!
- شاهد: لحظة إلقاء القبض على رجل يقوم بتصوير النساء في مترو مد ...
- شاهد: لحظة إلقاء القبض على رجل يقوم بتصوير النساء في مترو مد ...


المزيد.....

- -تمكين النساء-، الإمبرياليّة، وقاعدة كمّ الأفواه العالمية / أريان شاهفيسي
- تحدي الإنتاج المعرفي، مرتين: بحث العمل التشاركي النسوي وفعال ... / تاله حسن
- تدريس الجندر والعرق والجنسانية: تأملات في البيداغوجيا النسوي ... / أكانكشا ميهتا
- وثيقة:في تنظير قمع المرأة: العمل المنزلي واضطهاد النساء / شارون سميث
- رحله المرأة من التقديس الى التبخيس / هشام حتاته
- النسوية الدستورية: مؤسّسات الحركة النسائية في إيران – مر ... / عباس علي موسى
- المقاربة النسوية لدراسة الرجولة حالة نوال السعداوي / عزة شرارة بيضون
- كيف أصبحت النسوية تخدم الرأسمالية وكيف نستعيدها / نانسي فريجر
- الجزءالأول (محطات من تاريخ الحركة النسائية في العراق ودور را ... / خانم زهدي
- حول مسألة النسوية الراديكالية والنساء ك-طبقة- مسحوقة / سارة سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - محمد محمود - في عيد المرأة العالمي: التحية لصمود أميرة عثمان