أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - جدلية العلاقة بين الشمال والجنوب من خلال مسرحيات كاتب إسباني















المزيد.....

جدلية العلاقة بين الشمال والجنوب من خلال مسرحيات كاتب إسباني


خالد سالم

الحوار المتمدن-العدد: 4357 - 2014 / 2 / 6 - 11:18
المحور: الادب والفن
    



لا جدل في أن المسرح لا يغير الواقع مباشرةً، لكنه يثير جدلاً، يفتح العيون على المشكلات القائمة والكامنة، ينبه، يلفت النظر، كإحدى مفردات التغيير الناعمة. لهذا فهو قوى التأثير رغم ضعفه الظاهري الذي يحمل المشاهد على الاعتقاد بأنه ينتهي بانتهاء العرض. إنه الفن الذي يتمحور حول الهوية منذ نشأته، ويسمح بتقديم التناقضات، يكشف عورات المجتمع، يشخصها، دون مطالبته بتقديم وصفة العلاج.
وبما أننا أمام عمل مسرحي سجل نجاحات محلية وعالمية واسعة، يطرح أسئلة ذات آفاق عالمية، رغم محلية موضوعاته، فالسؤال الذي يُطرح في هذا السياق هو: هل لا تزال هناك حاجة لشجب الوفرة، التخمة، التي يرفل بها الشمال لتلامس المرض، العوز والتضور الذي يعيشه الجنوب؟ هل من جدوى من طرح جدلية العلاقة بين الشمال والجنوب؟ هذا هو ما يريده الكاتب المسرحي الإسباني خوان مايورغا، الذي لا يزال يصر على فضح علاقة الشمال بالجنوب، ما تسببه سياسة الأول للثاني من إيذاء وضرر. وهو ما يكشف عنه في مسرحيته "كلمات القرد الأبيض الأخيرة" Ultimas palabras de Copito de Nieve (1).
المسرحية استعارة للكثير من قضايا العالم المعاصر، الوضع الحالي. إنها مجاز للكثير من الخيوط التي تتلاقى في رسالة هوية واحدة، الغير، اكتشاف الآخر، معرفته. فاشارة البداية التي يقدمها شخوص المسرحية: القرد الأبيض تجاه القرد الأسود ووضعه بالنسبة للحارس وموقف هذا الأخير من القرد نفسه، تتحدث عن الإنسان المعاصر، عن عزلته ووحدانيته.
شخصية القرد الأبيض، العجائبية، فهو إفريقي ومثقف، يعرف الفلسفة ويقتبس من الفلاسفة، يتأمل في مسألة الموت ومعناه، أمام حارس بلا طموحات وبلا قيم كبيرة، ما يلغي القرد الأسود. فالقرد الأبيض يفكر، يقرأ، يفلسف، في حين أن القرد الأسود تقتصر حياته كلها على البحث عن الطعام، بل إنه يضطر إلى أن يأكل بقايا طعام البطل، القرد الأبيض. سيميائية علاقة الطرفين جلية، وانعكاسها على العلاقة بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها، شمال المتوسط وجنوبه، لا يخفى على المشاهد أو القارئ الجسور، فقلائل هم الذين يقرأون أعمالاً مسرحية. والقرد الأبيض رمز للمدينة، وهو فريد في لونه، يتقاسم القفص مع قرد أسود.
ما يطرحه خوان مايورغا يمثل جزءًا من الحقيقة، وهو طرح سهل وصحيح سياسيًا في عالم اليوم. إنها قراءة للواقع وللإنسان تكشف النقاب عن التعقيد القائم، دون أن يحملنا هذا على التفكير في أن المسرحية كتاب حول الإنسان المعاصر، وهو ما يدركه المؤلف.
وهذا القرد الفيلسوف والمفكر يعود إلى التكوين العلمي للكاتب خوان مايورغا إذ يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة، وهو من مواليد مدريد عام 1965، ويعمل حاليًا في تدريس فن كتابة المسرح وتاريخ الفكر وعلم الاجتماع في المدرسة الملكية العليا للفن المسرحي Resad في العاصمة الإسبانية، أي ما يعادل معهد الفنون المسرحية في عالمنا العربي. حاز الكثير من الجوائز المحلية والعالمية، ولم يفت إسرائيل أن تهتم به من منظور مستقبلي.
وَلَجَ خوان مايورغا في عالم المسرح عام 1989 بالحصول على المركز الثاني في جائزة ماركيز برادومين عن مسرحية "سبعة رجال طيبون". ونشر أكثر من عشرين مسرحية بعدها، نال العديد منها نجاحات واسعة في أوروبا والأمريكتين. ويعد من أكثر كتاب المسرح الإسبان المعاصرين انتشارًا في العالم.
ومسرحية "كلمات القرد الأبيض الأخيرة" كوميديا فلسفية عن الموت، ليست عن الموت الرحيم، بل عن الموت المجرد والملموس دون مواربة، بطلها غوريلا بيضاء، فريد في لونه وطبيعته، فهو يتعاطى الفلسفة. إنه تأكيد لحيوان في مواجهة مجتمع شره، يلهث وراء امتلاك الأيقونات المختلفة. وتقوم الهوية الشخصية لهذا القرد البطل على إخفاء كراهيته للبشر، وهو ممثل عظيم يخفي شكوكه ليلقي بها في اللحظة المناسبة، اللحظة التي لا يجرؤ أحد على حسابها، اللحظة السابقة للرحيل عن هذا العالم، إذ يقرر تعرية ذاته والكشف عن النتائج التي توصل إليها بعد طول تأمل خلال سنوات مديدة. إنه يموت، لكنه يقرر التوصل إلى سعادة عدمية بعد أن دمر الأيقونة، الرمز الذي ميز مدينة برشلونة طوال عقود.
إنها حكاية ساخرة وبراقة، تحمل القارئ أو المشاهد بالضرورة على التأمل في الموت، كشئ مجرد. غير أنه بقدر ما يخيف الإنسان يحرره –حسب القرد الفيلسوف- ويمنحه الحق في التفوه بما يفكر فيه وما يروقه، دون أن يسيء لأحد، فهو مثقف ومؤدب، إذ يتكلم الفرنسية واللاتينية والقطالونية. يدعو، من خلال نصائحه، إلى تعلم الموت وعدم الخوف منه، دائمًا حسب مونتين، الفيلسوف الذي يعجبه ويكرر أفكاره بمهارة وحذق، إلى جانب إطلاعه على سقراط وكيركغرد. لم ينسِ هذا البطل، القرد، أن يسخر من خطاب عمدة برشلونة الذي ألقاه على إثر احتضاره، ومن المنافسة الدائمة بين مدريد وبرشلونة، ومن عجرفة كل من يعتقد أنه يمتلك السلطة.
ورغم هذه السخرية، الفكاهة الظاهرية، هناك معنى ضمني ذو لوذعية والتزام مع مشكلات الواقع، فالمؤلف ينتقل إلى حديقة الحيوان حيث أقيم قفص كبير حوله منطقة مسورة اصطف أمامها سكان برشلونة ليلقوا نظرة الوداع على القرد الأبيض، رمز المدينة لسنوات طويلة، ووضع على لسانه نصائح، ذات مسحة إنسانية، تتعلق بالموت ومعناه والخوف منه.
قد يكون الموت على رأس المواضيع التي شغلت الإنسان منذ أن خُلق على وجه الأرض، وجاءت الأديان، الوضعية والسماوية، في صلبها لتعالج هذا الأمر في وعدها بالخلود أو وعيدها بالجحيم، من خلال الثواب والعقاب يوم الحساب، الفكرة التي نُسخت عن قدماء المصريين من خلال الإلهة ماعت وميزانها. وهذا الموضوع ولد داخل الإنسان تناقضات، فبينما هو يرجو الخلود لا يغلق الطريق الذي من شأنه أن يحمله إلى الجحيم. الأمر الذي يتسق مع وظائف المسرح، ومن بينها وضع المجتمع، الإنسان، أمام تناقضاته، وهو ما نجح فيه مؤلف "كلمات القرد الأبيض الأخيرة" بتوقفه أمام هذه المعضلة، رغم الفكاهة والسخرية التي جاءت على لسان القرد-الطوطم.
في هذا السياق يبرز التوتر بين جسم القرد، الغليظ، وروحه المثقفة، المرهفة في لحظة الاحتضار، في مواجهة الموت، رغم أنه يقبل عليه راضيًا وساخرًا من الإنسان بصفة عامة ويقدم النصيحة بكيفية مواجهته. وفي الوقت ذاته نشهد تصفية حساب يضطلع بها القرد تجاه أناس كانوا يعتقدون أنه يبادلهم الحب، ما يكشف عن نفاق وتدليس، تظاهر وتصنع. وهذا يحملنا على تأمل فكرة، موضوع مركزي في المسرحية، موضوع العنف الذي يمارسه بعض البشر على آخرين، ما يحمل هؤلاء الأخيرين على إزاحة القناع، الكشف عن حياتهم الحقيقية، من أجل البقاء على قيد الحياة.
ويعود اهتمام الكاتب خوان مايورغا بهذه القرد العجائبي إلى زمن بعيد رغم، بينما كان بين حيوانات حديقة برشلونة، رغم أنه لم يزره قط. ازداد هذا الاهتمام مع مشاهدته أحدهم على شاشة التلفزيون يذكر أنه أهم من تشولين Cholin، الدب باندا رمز حديقة حيوان مدريد. تواردت أخباره، من بينها فشل هذا القرد في إنجاب آخر، أبيض مثله. وفي يوم من الأيام علم الكاتب من الصحافة باحتضار هذا القرد الأبيض واصطفاف سكان برشلونة أمام قفصه ليلقوا عليه نظرة الوداع الأخيرة. نقلت وسائل الإعلام مقابلات مع الجمهور حول مستقبل جثمان كوبيتو دي نيبي، ماذا يفعلون به؟ هل يحنطونه؟ هل يدفنونه؟ هل يقام له تمثال؟ وبأي حجم؟ لقد أثار جدلاً.
وفي تلك الأثناء قام عمدة مدريد، ببراءة تميز الأطفال وبعض السياسيين غير المحترفين، بوصف القرد الأبيض بأنه الأكثر الأهمية في برشلونة، وهنا يطغى اللاوعي. وهذا الحيوان الواقع في الأسر، محور المسرحية، جابته شهرته آفاق البلاد.
اللحظات الأخيرة من حياته هي ساعة الحرية، فاقتراب الموت، حسب المسرحية، يمنحنا حريتنا: فبأي شيء يمكن أن يهددونا في هذه اللحظة؟ إنه على علم بأنه سيموت، لهذا قرر أن يسخر من العالم ومن نفسه، يتحرر من الخوف، فجسمه مصاب بمرض الموت، ومع ذلك فهي سليم من مرض الخوف، الذي أشار إليه نيتشه. يشعر بالحرية كي يقول ما يفكر فيه، كي يتكلم عن المجتمع الذي أتى به من إفريقيا وحبسه في قفص من ذهب، وينظر إلى عيني حارسه و سجانه في الوقت نفسه.
وأمام ضخامة الإهتمام الإعلامي والشعبي والسياسي بهذا القرد العجائبي تحدث خوان مايورغا مع صديق قطالوني، كاتب مسرحي أيضًا، وسأله خوان: لماذا لا تكتب عملاً عن القرد الأبيض، كوبيتو دي نيبي؟ فمن الممكن أن تكون مسرحية ساخرة حول مدينة برشلونة... تعبر عن حب لها. لم يعره اهتمامًا، فمكا كان من خوان مايورغ إلا أن أخذ زمام المبادرة، وشرع في هذه المهمة. غير أن هذا يتطلب معرفة بالمدينة، برشلونة، فهو من مدريد. يضاف إلى ذلك الحساسية التاريخية بين مدينتي مدريد وبرشلونة، فقد يتساءل سكان برشلونة: ماذا وكيف يكتب لنا كاتب من مدريد؟ غير أن خوان مايورغا قرر قبول التحدي. ولاقت المسرحية قبولاً واسعًا من برشلونة، إذ رأوا أنه عالج القضية باحترام. إننا، في هذه المسرحية، أمام الموت، أمام رأي القرد الأبيض في الموت وهو يحتضر.
وحسب المؤلف فقد عالج شخصية حارس الغوريلا البيضاء في هذه المسرحية وهو يفكر في حرس الفاتيكان، مظهرهم الجيد، أناقتهم... وقال إن باببا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني، كان ماثلاً في ذهنه وهو يكتب هذا العمل. ومن هناك كانت الإرشادة التي تقول إن الكرسي يشبه الكرسي البابوي. غير أنه عند الإخراج تقرر أن يكون مرتدياً على طريقة المكتشفين، في إفريقيا، بملابس من علامة "جنرال تابيوكا" التجارية المعروفة، بغرض إثارة سخرية المشاهد. وقد أدى هذا إلى وجود موازاة مع احتضار هذا البابا.
اقتباس مونتين على لسان القرد الأبيض سمح للمؤلف الاستفادة من الفلسفة، وضع فلسفة حية، من منطلق تكوينه الأكاديمي في عالم الفلسفة. فوضع هذه المفاهيم الفلسفية على لسان أستاذ أو كاتب أو شخص آخر قد يبدو للمشاهد تحذلقًا. إلا أنه عندما يجئ على لسان قرد يستقبله المشاهد باستحسان دون أن يدغدغ المزاح مشاعره، مسلية.
ويتضح من المسرحية أن القرد الأبيض مطلع، يقرأ مونتين ثم ينقل أراءه للمشاهد. أراء مونتين حول الموت في كتابه "التفلسف حول الموت"، وهو ما هضمه مايورغا وأخرجه بهذا الشكل المقبول إذ كانت لديه رغبة قديمة في الحديث عن مونتين، وهو ما أحسن استخدامه في هذه المسرحية، مستفيدًا من أراء كتاب آخرين حول مشاعر الحيوانات. من خلال هذا الطرح قام القرد الأبيض يقوم "ببروفة" على الموت قبل أن يموت.
وفي هذا السياق تحضرني مقولة لنيتشه، مفادها أن من يعرف ما يحدث في بيوت الوحوش، حدائق الحيوانات، يشكك في أن الوحش قد تحسن، فقد ضعف، أصبح أقل ضررًا، تحول تحت تأثير الخوف والاكتئاب والألم والجراح والجوع إلى وحش عرضة للمرض". أي أن حيوانًا في الأسر حيوان مريض، مصاب بمرض خطير، الخوف. ولهذا أعتقد أن كوبيتو، ككل الحيوانات المحبوسة، حيوان مريض، مريض بالخوف في قفص من ذهب.

وعنوان المسرحية مثير وملفت للانتباه، إذ يعلن على المشاهد أن هناك قردًا سيتكلم، ثم يكتشف أنه لا يتكلم فقط، بل يتفلسف مقلدًا للفيلسوف مونتين، وهو في هذا نص بناء، مسرح. البطل حيوان مؤنسن، على عكس الإنسان المتحيون، وهذا موضوع يشغل المؤلف وسبق أن عالجه في مسرحية "حيوانات ليلية" Animales nocturnos حيث يتصرف الشخوص، البشر، كحيوانات، إذ يحولهم قانون الهجرة والأجانب إلى حيوانات، يحيونهم، بعضهم يُعامَل كحيوانات ضارية، والبعض الآخر كحيوانات مستأنسة. وهذا الحيوان المؤنسن عكس الإنسان المحيون، يتعرض لعملية تحول، metamorfosis وهذا موضوع طرحه مسبقًا كتاب آخرون، على رأسهم فرانز كافكا.
هناك مسرحية أخرى لخوان مايورغا عن الحيوان المؤنسن عنوانها "كلمة كلب Palabra de perro " وهو معالجة حرة، بتصرف واضح، لمسرحية ثربانتيس –مؤلف العالمية دون كيخوته- "حوار الكلاب El coloquio de los perros". تدور حبكة هذه المسرحية المقتبسة حول كلبين، ليسا بالضبط كلبين، بل شخصين، رجلين، ممن يطلق عليهم"مهاجرين بلا أوراق"، مستعبدين، يتلقيان معاملة كلاب، ما اضطرهما إلى التخلي عن الكلام، فقدان الذاكرة، فمعاملتهما بهذا الشكل سلبتهما ملكة الكلام. وفي النهاية يحدث تمرد، فينما يكتشفان أنهما في نوع من معسكرات الاعتقال، يتشاوران حول مستقبلهما. اقترح أحدهما عدم الاستسلام والكفاح من أجل الهرب، فسأله الآخر: إلى أين؟ فرد عليه: إلى مكان حيث نكون فيه بشرًا، وهو ما يمثل نهاية المسرحية.
في مسرحية "السلام الدائم" La paz perpetua تظهر الحيوانات مجددًا. وهي نتاج تكليف من المركز المسرحي الوطني، إذ كان قد كلفه، منذ قبل نشرها بعام، بكتابة مسرحية عن الإرهاب، هاجس الغرب في علاقته مع الجنوب العربي الإسلامي، وظل يبحث عن الموضوع طوال عام تقريبًا، وعثر على ضالته في كلاب تكشف عن المتفجرات. ثلاثة كلاب في مسابقة للحصول على وظيفة في مجموعة منتقاة "ك.7". امتحنهم كلب مخضرم، يقترح عليهم سؤالاً نفسيًا وآخر عمليًا، ويقترح عليهم الإجابة عن سؤال حول تعريف الإرهاب في خمس وعشرين كلمة. العمل ينتهي باختبار سري... هناك شخص رابع، يشبه حارس "القرد الأبيض"، يقوم على رعاية الكلام، وهو نوع من وزير الداخلية أو قائد الشرطة.
لكن هل القضاء على الإرهاب يسمح أو يرخص للتعذيب؟ هل من حق الديمقراطية أن تلجأ إلى التعذيب من أجل تحقيق هذا الهدف؟ الإجابة بالطبع بالنفي حسب هذا الكاتب من منظور غربي. وادعاء أن الإرهاب لا علاقة له بمشكلات سياسية واجتماعية متجذرة فرضية خطأ، إذ يجب البحث عن أسبابه من أجل معالجته هذه المعضلة.
ويعالج في المسرحية ذاتها، "السلام الدائم"، قضية الإرهاب من منظور مختلف عما تثيره وسائل الإعلام. فالكلاب في هذه المسرحية تسمح له بإدخال أصوات مختلفة. هناك كلب معدل وراثيًا لمكافحة الإرهاب، الثاني كلب مرتزق، يمكنه أن يعمل بأجر، والثالث صاحبه ينفذ عملية إرهابية. وسمح له هذا بالحديث عن ألم الضحايا وفي الوقت نفسه استخدام الإرهاب لأي سبب غير مقبول. غير أن هذا لا يعني تبرئة الآخر.
لماذا هذا الخيار، خيار كلام الكلاب؟ مما لا شك فيه أن جعل الكلاب تتكلم عن الإرهاب يسمح برؤية الأشياء من القاع، من جانب آخر، إظهار الواقع على حالته، ووضع خطاب على لسانهم لا يسمح به سياق آخر. إنها جدلية العلاقة بين القوي والضعيف، الثري والفقير.
عنوان المسرحية، "السلام الدائم"، مستلهم من شاهد قبر رآه في قرية ألمانية، ويريد من خلاله الإشارة إلى أن السلام الدائم لا وجود له إلا في المقابر، في عالم الأموات.
في لقاء مع المهتمين بالمسرح والترجمة، ضمن فعاليات الدورة الثالثة عشرة لمهرجان الكتاب المسرحيين الإسبان المعاصرين، أكد خوان مايورغا أن غييرمو إراس، الكاتب المسرحي ومدير المهرجان سنتئذ، كان له دور كبير في الأخذ بيده، في تقديمه للجمهور، بينما لم يكن هناك من يمنحه هذه الثقة في بداياته. كنا قد شاهدنا، في الليلة السابقة، عرض مسرحيته "كلمات القرد الأبيض الأخيرة". في هذا اللقاء أكد خوان أنه كتب القرد الأبيض كتبه في ربيع 2004. وكان إخراج المسرحية إخراجًا رائعًا، يتسق مع نص استحق نقله إلى لغات أخرى، من بينها لغة الضاد.
حري أن نذكر هنا أن خوان مايورغا أكد في ذلك اللقاء على أن المسرح يبالغ في معالجة القضايا. فعندما نرى الساتر الحديدي الذي يحيط بمدينتي سبتة ومليلة، المستعمرتان الإسبانيتان شمالي المغرب، لمنع تسرب المهاجرين الأفارقة، ندرك أننا لسنا أمام فيلم من أفلام الخيال العلمي. فالمهاجرون الأفارقة يسيرون ألفي كيلو متر على الأقدام في الصحراء وعندما يصلون إلى هذا السور الحديدي الشائك المدبب، ويحاولون اختراقه تطلق عليهم النار، فيعودون أدراجهم إلى الصحراء.
وعند سؤاله في اللقاء الذي جمع بيننا حول موقفه وما إذا كان سيفتح السور ليعبر المهاجرون، قال الكاتب: "دوري ليس هذا، بل فضح هذا المأساة من خلال معالجتها مسرحيًا". وهذا من منطلق مقولة كافكا بأن الأدب يجب أن يكون مرآة تستبق الواقع، لا تكتفي بعكسه. وماذا عن سجن غوانتانامو والسجون السرية في أوروبا الشرقية؟ وقال إنه لا يمكنه أن يشعر بالأمان على مستقبل أبنائه، فقد أصبح من السهل اتهام أي شخص بالإرهاب والقبض عليه.
حري بالإشارة هنا إلى أن هذه المسرحية، مسرحية القرد الأبيض، تقبع ضمن ملف لمسرحيات أخرى، ترجمتها عن الإسبانية والبرتغالية، وآمل أن أنشرها قريبًا. لهذا وددت أن أشير إلى أنني حافظت على الجمل اللاتينية واليونانية كما جاءت في النص الأصلي، بلا ترجمة إلى العربية، بعد أن أخذت برأي المؤلف الذي آثر ألا تترجم. والغريب أن النص عُرض على أساتذة معهد الفنون المسرحية، ولاقى استحسانهم، إلا أنه لم يُنشر ضمن إصدارات أكاديمية الفنون.

د. خالد سالم

هامش:
(1) النص الأصلي بالإسبانية:
Juan Mayorga, Ultimas palabras de Copito de Nieve, Naque editora, Ciudad Real. Españ-;-a,
2004





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,496,386
- طارق بن زياد غزا الأندلس من أجل الخيل والنساء حسب المستعرب ا ...
- فتح أم غزو الأندلس؟!
- ملحمة إلسِيد: تكوينها وتأليفها العربي
- إداورد سعيد رمزًا للتسامح الأندلسي - في ذكرى رحيله
- من أدب الصعاليك الإسباني (حياة لاثاريّو دي تورمس، حظوظه السع ...
- لن تتحرر المرأة إلا إذا كانت قوة ضاغطة تغير القوانين والفكر ...
- في ذكرى رحيل خوسيه ثيلا خامس وأخر نوبل إسباني للآداب
- حضارة الفرجة: صناعة الرموز الرخيصة وشيطنة الآخر
- زمن الفرجة: صناعة الرموز الرخيصة وشيطة الآخر البرادعي نموذجً ...
- نطاق خشبة المسرح بين التقليد والتجديد
- تطور حركة الإستعراب الإسباني
- الكاتب الإسباني أنطونيو غالا: الأندلس تتملكني، فهي الهواء ال ...
- تأثير نوبل نجيب محفوظ على الترجمة من العربية إلى الإسبانية
- عالم الأندلسيات محمود مكي يترجل إلى الآخرة من بلاد الأندلس
- الغيطاني وجدلية المجرد والمحسوس في -متون الأهرام- *
- الشاعر رفائيل ألبرتي : تأثرت بالشعر العربي الاندلسي وغارثيا ...
- الإسلاميون والديمقراطية في مفترق طرق
- سورية في قلب أم الدنيا
- الرؤيا في شعر البياتي
- لا تجبروا جيش الشعب المصري على أن يكون فاعلاً على غرار جيوش ...


المزيد.....




- بنيوب يقدم تقرير الحسيمة أمام لجنة برلمانية بمجلس المستشارين ...
- مجلس الحكومة يبحث مشاريع مراسيم المخالفات في البناء والتعمير ...
- شاعر وإعلامي عراقي يشارك بمهرجان دولي للرومانيين في منطقة ال ...
- اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي يعقد اجت ...
- كارول سماحة تقاوم الوجع بالموسيقى في “ليالي قلعة دمشق”
- جدل بين بووانو والطاهري حول المنطقة الصناعية سيدي بوزكري
- لماذا يعد -عندما التقي هاري بسالي- أفضل فيلم كوميدي رومانسي؟ ...
- مصر تفتتح متحفا لمنارة الأدب و الإبداع نجيب محفوظ
- مصر تفتتح متحفا لمنارة الأدب و الإبداع نجيب محفوظ
- صيانة خط غاز حقل الشاعر وعودته للخدمة بعد استهدافه من قبل إر ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - جدلية العلاقة بين الشمال والجنوب من خلال مسرحيات كاتب إسباني