أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - تزوير مسيحية يسوع - 10















المزيد.....

تزوير مسيحية يسوع - 10


حسن محسن رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 4295 - 2013 / 12 / 4 - 16:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



ملاحظة: هذه المقالة تُعتبر كتكملة لسلسلة المقالات السابقة تحت عنوان (تزوير مسيحية يسوع – 1 إلى 9)، ويجب أن تُقرأ المقالات السابقة كمقدمة أساسية وضرورية لهذه المقالة.


في كتابه المسمى (يسوع)، كتب تشارلز غايغنبيرت (Charles Guignebert) عن إنجيل لوقا وما ورد فيه عن حوادث ولادة يسوع، وبعد أن أدى النقد التاريخي إلى بيان مناقضتها للتاريخ الروماني بل وحتى للمنطق التاريخي لأي سياق منطقي طبيعي: "إن الاشتباه، أو بالأحرى الحكم النهائي الذي يفرض نفسه علينا من النظرة الأولى على كاتب إنجيل لوقا هو أنه كان يبحث عن أية وسيلة حتى يُصوّر يوسف ومريم بأنهم ذهبوا لبيت لحم لولادة يسوع. إن هذا النوع من المؤرخين الدينيين لا يهتمون إطلاقاً حتى للمنطق السليم البسيط في اختراع أي ظرف هم يرغبون فيه" [انظر: Charles Guignebert, Jesus, London: Kegan Paul, 1935, pp. 99]. والحقيقة هي أن إنجيل لوقا بالذات ضمن الأناجيل الثلاثة الأولى، التي تُعرف بـ (Synoptic Gospels) بسبب تماثلها في الإطار العام، يُمثل إشكالية خطيرة فيما يتعلق بسرده للحوادث وتسلسلها الزمني. هذه المشكلة هي من الشهرة بحيث أصبح لها اسماً يُشار لها به في المراجع المتعددة (مشكلة التاريخ عند لوقا) (The History Problem of Luke). إذ كاتب إنجيل لوقا يعتمد على إنجيل مرقس في نقله للحوادث تماماً مثله مثل كاتب إنجيل متّى، ولكنه في نفس الوقت (يتعمد) تغيير التسلسل الزمني للحوادث بشكل كلي وشامل وتقريباً من دون استثناء في نفس الوقت الذي يتعمد فيه (تحوير) القصص الواردة في مرقس وذلك بواسطة (الإضافة والتعديل والإلغاء)، وكأنه بذلك (يطعن ضمناً في مصداقية إنجيل مرقس) الذي ينقل عنه، هذا إذا صدقنا تسلسل لوقا للأحداث وتفاصيلها، أو أنه كان يملك (هدفاً محدداً) يريد أن يؤثر من خلاله على قرائه حتى ولو اضطره ذلك (للتزوير والاختراع). فـ (إنجيل لوقا) من أسهل كتب الأناجيل الأربعة المُعترف بها من الكنيسة الذي يُمكن للباحث أن يُثبت تزويرها واختراعها للأحداث والتلاعب في تسلسلها وتفاصيلها. وإنْ كان نقد إنجيل لوقا ينتمي في كلياته لِما يُعرف بـ (النقد الأكاديمي) [انظر على سبيل المثال: New Testament History and Literature, Dale Martin, Yale university press] وليس لـ (النقد اليهودي) واللاهوت المصاحب له، إلا أن النقاد اليهود استخدموا تلك المادة الأكاديمية بدون شك، وأضافوا لها في بعض الأحيان، ولذلك لا أرى بأساً من التطرق لبعض جوانب هذا النقد هنا. ولكنني لن أتطرق لـ (المشكلة التاريخية للوقا)، فهذه المشكلة هي من الشهرة، سواء عند الأكاديميين أو عند اللاهوتيين المسيحيين المُحرَجين الذين يبحثون من دون جدوى حتى هذه اللحظة عن تفسير مقنع ويفشلون في ذلك، بحيث لا أرى فائدة حقيقية من إعادتها هنا، وبإمكان القارئ الكريم الرجوع لأي مصدر أكاديمي يشاءه في هذا الموضوع للاطلاع الكامل على تفاصيل ما فعله كاتب إنجيل لوقا وأسبابه الخفية في ذلك، ولكنني سوف أركز هذه المقالة على ما تطرق له النقد اليهودي من إشكالات مضافاً لها إسهابات توليتها أنا في جزئيات متعددة.

قبل البدء في المقالة، لابد من إشارة تعريفية مهمة فيما يخص إنجيل لوقا. كاتب إنجيل لوقا هو، بالطبع، شخص مجهول الهوية، اسمه ليس "لوقا"، على عكس ما يصر عليه اللاهوت المسيحي من إنه "رفيق" بولس في أسفاره. ولم يتم تسمية هذا الإنجيل بـ (لوقا) إلا في نهاية القرن الثاني الميلادي، وكان قبل هذا التاريخ يتم تداوله من دون نسبة لأحد. وهو بالتأكيد لم يكن شاهد على الأحداث التي كتبها كما يعترف هو في بداية إنجيله. وكاتب (إنجيل لوقا) المجهول هو (نفس الشخص) الذي كتب سفر (أعمال الرسل). والحقيقة هي أن إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل كان يتم تداولهما كمادة واحدة متصلة ذات سياق واحد، وإنما تم الفصل بعد استقرار الكنيسة على الكتب المعترف بها كنصوص مسيحية مقدسة. فبالتالي سفر (أعمال الرسل) يُمثل أيضاً قلم ورأي وممارسات ومشكلات نفس الشخص الذي كتب (إنجيل لوقا). وأيضاً، كاتب إنجيل لوقا مثله مثل كاتب إنجيل متّى، كان أمامهما نسخة مكتوبة من إنجيل مرقس وكانا ينقلان من هذه النسخة حرفياً في معظم الأحيان مع تحويرات وتبديلات وحذف وإضافة. وأخيراً، هذا الشخص كان يملك هدفاً محدداً وواضحاً وهو ابراز (أممية) دعوة يسوع وبأي ثمن، على عكس باقي الأناجيل، وإن اضطره ذلك للتزوير والاختراع والتلاعب في السياق والأحداث.

أهم ما يُميز كاتب إنجيل لوقا هو (جهله المطلق) بتفاصيل نصوص العهد القديم وبصورة تلفت النظر. فمثلاً هو يضع على لسان إستفانوس بأنه يقول لرئيس كهنة اليهود عن إبراهيم: (فخرج حينئذ من أرض الكلدانيين وسكن في حاران. ومن هناك نقله، بعد ما مات أبوه) [أعمال الرسل 7: 4]، أي أن إبراهيم خرج من حاران (بعد) موت أبيه (تارح)، بينما سفر التكوين يقول صراحة بأنه عندما كان عمر تارح سبعين سنة وُلِدَ له إبراهيم [تكوين 11: 26]، وأن عمر تارح عند موته هو (مئتين وخمس سنين) [تكوين 11: 33]، بينما كان عمر إبراهيم عند خروجه من حاران كان (خمسٍ وسبعين سنة) [تكوين 12: 4]. أي عند هجرة إبراهيم من حاران كان عمر أبيه تارح، على حسب نصوص العهد القديم، مئة وخمسٌ وأربعين (145) سنة وكان لا يزال أمامه ستين سنة أخرى ليعيشها بعد خروج ابنه إبراهيم. وأيضاً، نصوص العهد القديم، وفي ثلاثة مواضع مختلفة [تكوين 46: 26-27] و [خروج 1: 5] و [تثنية 10: 22]، تؤكد أن يعقوب أتى لمصر بعدد إجمالي هو (سبعين نفساً)، إلا أن كاتب إنجيل لوقا يضع على لسان إستفانوس أيضاً في سفر أعمال الرسل بأن العدد الإجمالي هو (خمسة وسبعين نفساً) [أعمال الرسل 7: 14]. وكمثال ثالث، وأيضاً على لسان إستفانوس [في الحقيقة أنا أشفق على إستفانوس هذا، فلقد صوره كاتب إنجيل لوقا وكأنه جاهل تماماً ولا يدري ما يقول. تخيل فقط نظرات كهنة اليهود له وابتسامات شفاههم وهو يتفوه أمامهم بهذه الأخطاء الساذجة]، فهو يقول لكهنة اليهود بأن (يعقوب) مات بمصر ونُقِلَ إلى (شكيم) ودفن في القبر الذي اشتراه (إبراهيم) من (بني حمور أبي شكيم) [أعمال الرسل 7: 15-16]، إلا أن كاتب إنجيل لوقا قد اختلط عليه الأمر تماماً وبصورة تدعو للسخرية. فالعهد القديم يقول صراحة بأن إبراهيم اشترى (المغارة) كمدفن من (عفرون بن صوحر) [تكوين 23: 8 و 16] وليس من (بني حمور أبي شكيم) ويعقوب دفن فيها [تكوين 50: 13]. (بني حمور أبي شكيم) هذا قصته مختلفة تماماً مع يعقوب، إذ يعقوب (ابتاع قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من يد بني حمور أبي شكيم بمئة قسيطة. وأقام هناك مذبحاً ودعاه إيل إله إسرائيل) [تكوين 33: 19-20]، فكاتب إنجيل لوقا خلط الرجلين (عفرون) وأبناء (حمور) مع بعضهما البعض من دون أن يعي ذلك، وهو يدل بالضرورة على جهل مدقع في تفاصيل العهد القديم، والأنكى من ذلك والمثير للسخرية أنه يضع هذا (الجهل الفاضح) على لسان أحد (قديسي المسيحية وشهداؤهم الأوائل) وهو يتم استجوابه من جانب المحكمة اليهودية (السنهدرين) والتي تتكون من إحدى وسبعين عضواً من أحبار اليهود وعلمائهم، والأكثر عجباً أن هذا الذي كتبه كاتب إنجيل لوقا يُعتبر (نص مقدس). هذا الاستعراض المختصر يُبيّنُ بوضوح (نوعية التزوير) الذي يمارسه كتبة الأناجيل والنصوص المقدسة المسيحية ويَصِمهُ بأنه (تزوير ساذج) من أسوأ معيار.

تُمثل حادثة استهلال "كرازة" يسوع، على حسب رواية كاتب إنجيل لوقا بالذات في تسلسل الأحداث، في مدينته "الناصرة"، وفشله الكامل في إقناع أهلها، وذلك بعد استهزائهم بنسبه (أليس هذا ابن يوسف؟!) [لوقا 4: 22] و [مرقس 6: 3-4] و [متى 13: 55-56]، ومعرفة يسوع القاطعة بذلك الاستهزاء في شخصه بالذات (فقال لهم: على كل حالٍ تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب اشفِ نفسك) [لوقا 4: 23]، وتحديهم له بعمل معجزات وفشله الكامل في ذلك [لوقا 4: 23-27] (لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة، غير أنه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم) [مرقس 6: 5]، ثم إلقاء القبض عليه وإخراجه بالقوة [الترجمة الحرفية للكلمة اليونانية التي يترجمها المترجم العربي بـ (وأخرجوه) هي (thrust him) أي (دفعوه بقوة)، وفي ترجمة (World English Bible) يتم ترجمتها (threw him out of the city) (ألقوه)] إلى (خارج المدينة، وجاءوا به [الترجمة الحرفية للكلمة اليونانية: (واقتادوه)] إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه حتى يطرحوه إلى أسفل) [لوقا 4: 29]، ثم هرب يسوع منهم بطريقة ما لا توضحها الأناجيل المختلفة وإنما تتعمد إباهمها وتغطيتها [لوقا 4: 30]، تُمثل هذه الأحداث كلها نقطة فارقة في تاريخ المسيحية المسكوت عنه. تلك الأحداث، في إطارها العام، تُمثل إشكالية (شهيرة) ومُحرجة جداً في الضمير الجمعي للمسيحيين الأوائل وكان (لابد) لهم من ذكرها بسبب شهرتها و (تبريرها) بطريقة ما. إذ لابد أن قصة إخراج يسوع بطريقة (مُهينة جداً) من جانب أهل مدينته التي تربى فيها ونشأ، والتي جميع أفراد سكانها يعرفونه حق المعرفة الشخصية ولسنوات طويلة جداً منذ طفولته وبجميع تفاصيل حياته الشخصية الدقيقة التي تلخصها مقولة (اشفِ نفسك)، وبعد فشله الذريع أمامهم، كانت هذه التفاصيل من الانتشار الواسع بين معارضي العقيدة المسيحية الأوائل إلى درجة أن كتبة الأناجيل لم يكن مُتاحاً لهم إطلاقاً أن يغضّوا النظر عنها، ولكن كان يجب عليهم أن يتولوا (تلطيف) القصة و (تبريرها) بواسطة (اختراع) تفاصيل متعددة للأحداث حتى تتسق مع اللاهوت المخترع الجديد آنذاك للمسيحية. ولابد أيضاً أن أهل مدينة (الناصرة) كانوا من الانتشار، أو على الأقل روايتهم لِما حدث ليسوع عندهم كانت من الانتشار، ضمن مناطق متعددة في الإمبراطورية الرومانية بحيث كانوا يؤكدون لمستمعيهم بأنهم (لم يروا إطلاقاً من يسوع ما يقوله المسيحيون الأوائل عن إلههم الجديد هذا)، وبالتالي كان لابد لكتبة الأناجيل مِنْ أن يبرروا (الغياب الكامل للمعجزات في الناصرة مع وجود الشهود المباشرين على هذا الغياب والفشل ورفض أهلها الإيمان بيسوع "المولود من عذراء")، فكان الحل أنهم وضعوا على لسان يسوع مقولته (فقال لهم يسوع: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته) [مرقس 6: 4] و [متى 13: 57] و [لوقا 4: 24 – مع ملاحظة أن لوقا تعمد إلغاء كلمات مرقس (وبين أقربائه وفي بيته) وذلك لأسباب قد تكون موضوعاً لمقالة قادمة]، وبالتالي تعمد كتبة الأناجيل (إلغاء) شهادة ليس فقط أهل (الناصرة) ولكن أيضاً شهادة (أقرباء يسوع وأهل بيته) ولم يعي هؤلاء الكتبة إطلاقاً بأنهم أكدّوا الحقيقة التاريخية البارزة وهي أن (أهل بيت يسوع ذاته قد كذّبوه ورفضوه ولم يعرفوا إطلاقاً أنه "مولود من عذراء")، ومن هنا نفهم ما ورد في مرقس عن يسوع (ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا: إنه مختل) [مرقس 3: 21] أي "مجنون"، ونفهم إشارة يسوع (التحقيرية) لأمه وأخوته في الإنجيل [متى 12: 46-50] وفي [يوحنا 2: 4]. ويمكننا هنا الإشارة إلى ملاحظة أن الأغلبية الساحقة لمعجزات يسوع هي (بناء على المجهول)، أي أن الشخص موضوع هذه المعجزة لا يتم تعريف هويته إطلاقاً، وإنما يتم إبهامه بتعمد واضح، وذلك حتى لا يتم التعرف عليه أو على أقاربه أو أبنائه من بعده. إذ حتى وإن ذُكر الاسم، فهو أيضاً (بناء على المجهول)، لأن لك أن تتخيل نفسك وأنت تكتب لجمهور كبير ثم تذكر اسم شخص ما باسمه الأول (فلان)، ثم اسأل نفسك هذا السؤال: كم فلان موجود في هذه المنطقة وكيف يمكنهم أن يتعرفوا عليه تحديداً؟ لا شيء (بريئ) إطلاقاً في تلك النصوص المقدسة، تلك هي الحقيقة، وإنما كلها نتاج تزوير واختراع. إلا أن مشكلة أي (اختراع) للروايات التاريخية هي أنها في تفاصيلها (غير واقعية)، وبالتالي من الممكن للباحث الناقد أن يستدل على التناقضات الضمنية بين (الرواية) وبين (العقيدة)، ليُثبت إما تزوير الرواية أو تزوير العقيدة أو تزويرهما معاً.

لنبقى مع جزئية بدء دعوة (كرازة) يسوع عند كاتب إنجيل لوقا التي تطرقنا لها أعلاه، ونشير إلى ملاحظة تدعو للابتسام والسخرية بحق. ففي إنجيل لوقا الذي كان يريد أن يُثبت (أممية) دعوة يسوع، يَرِد بدء الدعوة في (الناصرة) هكذا: (وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه سفر إشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه: روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم، وجلس، وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة إليه. فابتدأ يقول لهم: إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم) [لوقا 4: 16-21]. سوف نتجاوز هنا النقد اللغوي، ربما لمقالة قادمة، ونركز انتباهنا على ما قرأه يسوع كما قال لنا إنجيل لوقا. كان ذلك اقتباس، محوّر قليلاً، من سفر إشعياء [إشعياء 61]، ولكننا سوف نتجاوز هذا. إلا أن الطريف المضحك هو أن هذا الأصحاح من سفر إشعياء كان يُبشر اليهود بأن (الأمم) عند قدوم المسيح اليهودي سيكونون (خدماً) لهم. إذ كاتب إنجيل لوقا عزل (متعمداً) النص عن سياقه، كعادة الاستدلال المسيحي بصفة عامة، ولم يُكمل الاقتباس. إذ الأصحاح في سفر إشعياء يسترسل بعد ذلك ليقول لليهود: (ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حراثيكم وكرّاميكم. أما أنتم فتدعون كهنة الرب، تسمون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون) [إشعياء 61: 5-6].

ودفعاً للإطالة في هذه المقالة، سوف اتطرق باختصار لـ (شخصية) يسوع عند كاتب إنجيل لوقا الذي أراد تصويره على أنه ذو دعوة أممية وذلك مقارنة بكاتب إنجيل متّى الذي أراد تصويره على أنه يهودي ذو دعوة يهودية. إذ بينما كاتب إنجيل متّى يُصوّر يسوع على أنه ملتزم بالشريعة اليهودية ويضع على لسانه قوله (لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل) [متى 5: 17-18]، ونرى يسوع في إنجيل متّى يحرص على وصية تلامذته (إلى طريق أمم، لا تمضوا) [متى 10: 5]، ويؤكد يسوع لمستمعيه بأنه لم يُرسل (إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) [متّى 15: 24]، ويصف يسوع الأمم بأنهم (كلاب) [متى 15: 26]، فإنه على عكس كاتب إنجيل متّى تماماً نرى كاتب إنجيل لوقا يصوّر (روح القدس) يوحي إلى رجل اسمه سمعان ليقول عن يسوع وهو طفل بأنه الذي أعدّهُ (قدام وجه جميع الشعوب، نور إعلان للأمم) [لوقا 2: 31-32]، ويقول كاتب إنجيل لوقا على لسان بطرس بأن الشريعة اليهودية هي قيد في العنق (لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله) [أعمال الرسل 15: 10] [الطريف والمضحك هنا أن بولس في رسائله يُصوّر بطرس على العكس تماماً، فبولس كتب أنه (قاوم) بطرس وقال له (لماذا تُلزم الأمم أن يتهوّدوا؟) (رسالة بولس إلى أهل غلاطية 2: 7-15)، وهذا أحد الدلائل المُسلّم بها في مسألة التزوير الذي تولاه كاتب إنجيل لوقا]. بل كاتب إنجيل لوقا يذهب إلى أبعد من ذلك، فهو (يُضيف متعمداً) كلمات للقصص التي ينقلها مباشرة من إنجيل مرقس من دون أن ينتبه إلى أنه قد وقع في خطأ منطقي في عملية (تزويره المتعمد) هذا. فمثلاً، في إنجيل مرقس نقرأ قصة الأبرص الذي شفاه يسوع من برصه، ثم ليقول له يسوع (لا تقل لأحد شيئاً، بل اذهب أرِ نفسك للكاهن وقدّم عن تطهيرك ما أمر به موسى) [مرقس 1: 44]، إذ الأبرص (نجس) في الناموس اليهودي وبالتالي كل (يهودي) محتاج لأن يقدّم تطهيراً له في الهيكل عند شفائه. إلا أن كاتب إنجيل لوقا عندما نقل هذه القصة من مرقس، أراد أن يُظهر لقراءه أن يسوع فعل ذلك للأمميين (تطوعاً)، على عكس يسوع في إنجيل مرقس ومتّى، فأعاد صياغة القصة (متعمداً) ليجعلهم عشرة أشخاص بدلاً من واحد (فنظر وقال لهم [أي يسوع]: اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة. وفيما هم منطلقون طهروا. فواحد منهم لما رأى أنه شفي، رجع يمجد الله بصوت عظيم) [لوقا 17: 14-15] ثم أضاف هذه الكلمات في نهاية القصة عن الأبرص الذي بقي يمجد الله (وكان سامرياً) [لوقا 17: 16]، أي من أبناء الأمم وليس يهودياً. ولكن كاتب إنجيل لوقا في نقله المباشر من إنجيل مرقس وتعديله (المتعمد) على تلك القصص التي كان أفرادها من اليهود فقط نسيّ أن يسأل نفسه هذا السؤال: ولماذا يذهب أممي أصلاً لكهنة اليهود؟ ولأي غرض يُقدّم تطهيراً له في معبد اليهود وهو وثني ابتداءً؟ هذا مثال آخر على مقدار (السذاجة المعرفية) عند كاتب إنجيل لوقا والتي في سبيل هدفه الخفي، أي إثبات (أممية) دعوة يسوع، لم يتورع عن (التزوير) المتعمد. إلا أن هذا الوضوح في (شخصية كاتب إنجيل لوقا) لم تكن تهم حتى اللاهوتيين المسيحيين عندما قرروا إدراج مثل تلك النصوص على أنها (مقدسة) و (مؤَّيَدة بالإلهام الإلهي) ومعترف بها وذلك في سبيل تتويج (إله جديد) اسمه يسوع.


...يتبع





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- تزوير مسيحية يسوع - 9
- تزوير مسيحية يسوع - 8
- تزوير مسيحية يسوع - 7
- تزوير مسيحية يسوع - 6
- تزوير مسيحية يسوع - 5
- تزوير مسيحية يسوع - 4
- تزوير مسيحية يسوع - 3
- تزوير مسيحية يسوع - 2
- تزوير مسيحية يسوع -1
- العلم الطاهر
- الرواية الإباضية للإسلام - 2
- الرواية الإباضية للإسلام - 1
- ابن خلدون يقول لكم - أنتم أمة وحشية
- أهذه معارك تستحق اسم الله؟
- التشخيص النفسي كأداة لنقد الإنجيل
- إشكالية ذهنية التخوين في الوطن العربي
- خاطرة - لا تصلح كمقالة
- معلولا ... والدونية الإنسانية المتطرفة
- في مبدأ احترام النفس البشرية
- في مشكلة الفشل الحضاري العربي


المزيد.....




- بابا الفاتيكان يناشد الشرطة الرحمة تجاه مخالفي قواعد المرور ...
- ضياع الإسلام السياسي – ادهم ابراهيم
- المرجعية الدينية تتدخل لإعادة نازحي صلاح الدين إلى مناطقهم
- بالصورة...رسالة من السعودية إلى بابا الأقباط في مصر
- هل انتهى تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا؟
- “بن صهيون”.. صحفي إسرائيلي يزور السعودية ويدخل المسجد النبوي ...
- إيران تعلن نهاية تنظيم الدولة الإسلامية
- البابا فرانسيس يدعو للترفق بمخالفي قواعد المرور
- ما صحة وجود مدوّن إسرائيلي في المسجد النبوي؟
- مدون إسرائيلي مشهور ينشر صورا له في المسجد النبوي!


المزيد.....

- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي
- بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان… / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- الإسلام/ الإرهاب…..أية علاقة؟ / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - تزوير مسيحية يسوع - 10