أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المجيد السخيري - الدرس السياسي للفلسفة كاستورياديس نموذجا.















المزيد.....



الدرس السياسي للفلسفة كاستورياديس نموذجا.


عبد المجيد السخيري

الحوار المتمدن-العدد: 4229 - 2013 / 9 / 28 - 18:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقدر ما يبدو صعبا رصد المسار الفلسفي-السياسي لمفكر من طينة "كورنيليوس كاستورياديس"، المتشعب و المتوغل في ذاكرة قرن فائر بالثورات والاضطرابات العظيمة التي لا يزال وعينا الراهن مشدودا بقوة لنتائجها،بقدر ما أن أصالته و حيويته الفكرية التي تواصلت على مدى نصف قرن تسمح برسم صورة واضحة لذلك المفكر المقاتل،المتعدد/ المتوحد في جبهاته الثلاث:الفلسفة،السياسة والتحليل النفسي.صورة نستعيد من خلالها ملامح مقاتل مقدام،خاض حروبا كثيرة بشجاعة نادرة و كفاحية عالية،إنما أيضا بحكمة بليغة و عميقة تنتصر للحقيقة في وضوح الفكر و رهان الفعل من موقع سياسي مكشوف: لم توجد الفلسفة لتحايد و لا أن تسلم الأسلحة، لا في زمن الحرب و لا في زمن التسوية. لنتذكر زمن"الاشتراكية أو البربرية"،"لبير liber"،ماي68 الفجوة!؛ثم أخيرا "ملتقيات المتاهة"؛مدونة نصوص المقاومة،حيث تتداخل الجبهات الثلاث في فكر مرصع بروح الاختلاف الذي لا يفسد للمقاتل قضية.إنما لا ننسى كذلك"المؤسسة الخيالية للمجتمع"،العمل الأساسي للفيلسوف المفكر والمحلل،حيث ثمة "فلسفة مرصعة بروح كلاسيكية ومهيكلة بشكل قوي"(1).
إن ما يؤشر على أصالة إسهام "كاستورياديس" في تاريخ الفلسفة المعاصرة هو بلا شك دلك التداخل و التكامل الذي طبع تفكيره و نشاطه في حقول لا تخفى أهميتها و رهاناتها الإستراتيجية في الفكر و الحياة المعاصرين:حقول المقاومة/النضال من أجل نيل الاستقلالية؛كرهان للفكر والسياسة،وأفق لفردانية ديمقراطية ممكنة تؤسس لمواطنة جماعية، ايجابية،فاعلة،متدخلة ويقظة،هي ما يليق بالحياة الديمقراطية.لم يكافح كاستورياديس من أجل تعميم الوعي بهذه الاستقلالية فحسب،بل إنه تمثلها فكرا وسلوكا،من حيث هي إبداع خيالي متميز يفترض على مستوى البعد الاجتماعي-التاريخي للاستقلالية،القدرة على المساءلة (التفكير) اللامحدود للمبادئ. و لذلك فان اختيار التفكير و العمل على الجبهات الثلاث: الفلسفة، السياسة، و التحليل النفسي،لم يكن سوى لأن الأدوات التي تمنحها إياها هذه الحقول المعرفية،هي ما يتكفل بتعميق مشروع الاستقلالية ذاك،لأجل دفعه نحو تحقق أقصى في المجال العمومي...
الراديكالية السياسية:
كان كاستورياديس في السنوات الأخيرة من حياته يحرص كثيرا على تأكيد حاجة الفكر إلى نوع من الراديكالية كسبيل لإحراز خيال الاستقلالية التي بدونها لا يكون لتدخل المفكر/المثقف في المجال العمومي من جدوى و فاعلية، بل إنه بدونها ليس ثمة فكر.ولذلك سعى فيلسوفنا في البحث عن راديكالية تكون كذلك بالنسبة للفكر،إنما كذلك للسياسة كبديل لما رآه مخرجا ممكنا من بؤس الخيارين الذي حملتهما التجربة الغربية في تاريخها،والتي تواصل اليوم الليبرالية الجديدة التنظير/التأسيس لهما بسخافة لا نظير لها:الليبرالية أو البربرية (2).وفي هذا السياق،لم يتردد كاستورياديس في تعرية و إدانة الخواء الفكري الذي قامت عليه مشاريع النخبة السياسية الحاكمة في الغرب،وفي الوقت نفسه،تأكيد مسؤولية "المواطن"الأعزل الذي لم يعد قادرا على الانخراط في النشاط المدني بذات الفعالية والمقاومة التي دشن بها أسلافه ميلاد المجتمع المدني.لكن ماذا تعني الراديكالية تحديدا في سياق التجربة الغربية الراهنة؟
يقول كاستورياديس:"أنا ثوري متحمس لتغييرات جذرية.لا أعتقد أنه بإمكاننا دفع النظام الرأسمالي(الفرنسي) للسير قدما بشكل حر ومتكافئ كما هو عليه حاله الآن".وأن تكون ثوريا متحمسا لتغييرات جذرية، معناه أن تكرس كل حياتك لتعميق مشروع الاستقلالية داخل وعيك الفردي و نشاطك العمومي، باعتباره السبيل الوحيد و الممكن لدفع الجمود و الخواء عن الحياة الاجتماعية و السياسية.وهذا هو معنى الراديكالية السياسية الذي أخلص له كاستورياديس على امتداد مساره الفكري-السياسي.فقد ناضل هذا الأخير بشجاعة ضد كل أصناف القبح الفكري و السياسي اللذين تجليا بشكل مروع في مسارات النخب السياسية الحاكمة في المجتمعات الرأسمالية الغربية وتلك التي سميت بالاشتراكية.وبعد دراسات معمقة لتجاربها،انتهى إلى الاقتناع بأن لا أمل في تحريك تلك المجتمعات،التي أُبتليت بجمود تعمقت أسبابه بعجز النخب الحاكمة على بلورة إصلاح كان مستحيلا بقيادة فكر بائس وغارق في السخافة و البلادة. فهذا "الفكر" أبان عن خواءه بمراهنته السخيفة على التغير التلقائي للمجتمعات التي ساد بها،إذ سرعان ما ستكتشف النخب المستقوية به سراب رهانها.ذلك أنه بدلا من أن تتغير مجتمعاتها نحو الأحسن وتصير أكثر إنسانية كما روّجت لذلك في خطابها، رأى الناس ميلادا مروعا لمجتمع استهلاكي يختزل الفرد إلى مجرد مستهلك،ويتنكر لكل وعوده بتحقيق الرخاء الاقتصادي القائم على تدبير سليم لآليات الإنتاج و توزيع عادل للثروات...؛فكان من نتائج هذا النمو المجنون لمجتمع الاستهلاك،تعميم شامل لقيم الأنانية والاستهلاكية المفرطة وخوصصة الإنسان،وانحسار الاهتمام بالشأن العام،مع كل ما يعنيه ذلك من ضرب صريح للروح الحضارية على حد تعبير كاستورياديس.هذا وقد دفعت الليبرالية المتطرفة هذا النمو المجنون إلى أقصاه مع صعود نجم سياسات التحرير للاقتصاد وإطلاق اليد الطولى للرأسمال الكبير المتعدد الجنسية على يد "ريغان" "تاتشر"وأيضا "فرانسوا ميتران"...وحتى الأمل الوحيد، يقول كاستورياديس،الذي ارتسم في أفق قيام نظام اشتراكي بعد ثورة فبراير 1917،ضاع بسبب"الانقلاب البلشفي"لأكتوبر 1917،الذي حوّل الإمبراطورية القيصرية إلى نظام شمولي قائم على الرعب والأكاذيب والعبث،استمر لمدة خمسين سنة لينهار في الأخير تحت تأثير تناقضاته،وتنكشف حقيقته بعد نصف قرن من سياسة الإخفاء والتستر وراء شعار المصالح الإيديولوجية...وحتى الصين في نظر فيلسوفنا، كواحدة من بقايا اليوتوبيا الاشتراكية،صارت دكتاتورية رأسمالية:الخيبة الكبرى؟‍‍‍
والحال أن الفشل أصبح حقيقة قائمة في وجه ما كان يبدو من بعيد أملا ممكنا للخروج من نفق البربرية "الغربية".بل إنه صار خلفية تسند حجج اليمين المنتصر، و تعلي من شأنه "فكره" البائس.وهاهم منظّرو اليمين يسألون الناس:هل تريدون تغيير المجتمع؟حسنا،يجيبون:"سيأتي الكولاك". إذن،لا تفكروا بتغيير المجتمع الذي يمنحكم الغنى والسلام،نحن من سيتكفل بتحسين أوضاعكم إذا صوّتم التصويت السليم.إنه الخطاب السائد، الذي يبذل قصارى جهده لتنويم المواطن و شل فاعليته وسحق روح الاستقلالية لديه،والأحرى أنه ينجح في النهاية بإقناعنا أنه لا جدوى من تخيّل إمكانية بناء مجتمع بديل وأفضل مما هو كائن الآن...
هل يلزم إذن التسليم بالأمر الواقع؟ بالطبع لا،يؤكد كاستورياديس.يلزم فعل شيء ما ضد هذا الواقع.فإذا كانت النخب الحاكمة في الغرب تحاول إقناع نفسها،أو هي بالأحرى فعلت،باستحالة القيام بشيء ما،فلأنها تخلت من تلقاء نفسها عن الوسائل التي كانت بحوزتها لتوجيه الاقتصاد، ورهنت الدولة للأسواق المالية التي لا ترحم قوانينها أحدا،وفي مقدمتهم الأجراء.والنتيجة كانت هاهنا أسوء:غياب الأفق السياسي،وفرض النزعة الاستهلاكية،وأفول الاهتمام بالشأن العام.فالمجال السياسي لم يعد أكثر من "سوق" يعجّ بمواقف انتخابية بائسة تفرض على الناس انتخاب الأقل سوء و بشاعة.والأسوء أيضا أن هذه الأزمة التي تلقي بظلالها على المجتمعات الغربية اليوم لم ينجم عنها تشوّه سياسي فحسب، بل إن التشوّه والتفكك أصاب جل المجالات الأخرى وضمنها المجال الثقافي.وهكذا يرى كاستورياديس أن الإبداع الكبير والحقيقي توقف في الستينات من القرن المنصرم.أما ما عداه فلا يعدو أن يكون إعادة و اجترارا لما أنجز سلفا،أو مجرد ظواهر تجارية محكومة بقوانين و متطلبات السوق.
ما العمل إذن؟لا يزعم كاستورياديس امتلاك جواب على هذا السؤال.قد تكون الاجابة على مثل هذا السؤال أمرا متروكا للأنبياء،إنما الفيلسوف لا يستطيع أكثر من تشخيص الأزمة والإشارة إلى مكمن الداء،مع التنبيه إلى الحال الذي توجد عليه الثقافة عموما،والفلسفة على وجه الخصوص.فهذه الأخيرة توجد منكوبة مثلها مثل الثقافة بشكل عام،إلى جانب الظواهر والموجات الاستهلاكية التي تجتاح المجتمعات المعاصرة، وهي تبدو عاجزة على سبر أغوار التجربة الإنسانية المعاصرة.والحال أنه لا شيء يتبقى من الفلسفة في مثل هذا الحال،طالما أن المهمة الأساسية للفلسفة هي بالذات فهم التجربة الإنسانية والتعبير عنها (3 ).

السياسة والمواطنة:حدود الديمقراطية
إن ما يميز العالم المعاصر هو بالتأكيد تفاقم الأزمات والنزاعات والاختلالات على أكثر من صعيد.غير أن ما يقلق الفيلسوف أكثر هو أساسا تلاشي المعنى و انسحابه من حياتنا الفردية و الجماعية، و صعود التفاهة واللامعنى.هكذا يمكننا تبين التفاهة في عدد من مظاهر حياتنا المعاصرة، و ليكن في مقدّم هذه المظاهر ما نشهده اليوم من خلط في الخطابات، التي لم يعد مثلا فيها للفرق بين اليمين و اليسار أي معنى و جدوى، حتى أن هذا الأمر لم يعد قائما حتى في الممارسات السياسية للطرفين.ففي فرنسا،يؤكد كاستورياديس،نهج كل من اليمين و اليسار نفس السياسة،بالرغم من تأكيد كل طرف على عزمه تغيير الأشياء، والقيام بأعمال جديدة مختلفة عن ما قام به الطرف الأخر.إذ أنه بمجرد ما يعتلي أحدهم هرم السلطة،يظهر عجز المسؤولين السياسيين عن الإبداع وابتكار سياسات جديدة وملائمة لظروف بلدانهم،ومستجيبة لطموحات وتطلعات منتخبيهم.فكل ما أمكنهم فعله،حتى الآن،هو الخضوع للتيار وتطبيق السياسة الليبرالية المتشددة.وهذا ينطبق بالأحرى على الاشتراكيين أنفسهم،إذ بمجرد عودتهم للسلطة لم يغيروا شيئا من السياسات اليمينية القائمة، هذا رغم كل الوعود الوردية التي تقدّموا بها لدى الناخبين. إن الحقيقة التي تبرز هنا لأول وهلة،مؤلمة و قاسية:ليس ثمة رجال سياسة حقيقيين،بل مجرد تقنو- سياسيين همّهم الوحيد البقاء في السلطة والعودة إليها بكل الوسائل المتاحة،وفي الأغلب تكون العودة بدون برنامج..
وبين ما يجري في حقل السياسة وباقي الحقول الأخرى، مثل الفلسفة، الفنون والآداب،ثمة صلات متبادلة،يفسرها هذا التعميم المتصاعد للتفاهة كروح للعصرEsprit du Temps.
ألا تبدو السياسة، في الوصف أعلاه، مهنة سخيفة؟ لنقل إنها كذلك، إذا ما علمنا أنها تفترض دوما توفر قدرتين ليس بينهما علاقة تكامل:فمن جهة هناك القدرة على تسلم السلطة،ومن جهة أخرى القدرة على إدارة الحكم.نحتاج الأولى فنّا ممكنا للوصول إلى السلطة،والثانية لإدارة جيّدة لوسائل الحكم.والحال أنه يمكننا أن نتوفر على أفكار رائعة حول العالم إذا لم نصل إلى السلطة،على أن ذلك لا يجدي في شيء؛إذ يلزم التوفر، في حالة إرادة الوصول إلى السلطة،على الإمكانيات الفنية لإدارة المعارك والتموقع الجيّد في حلبات المنافسة،وكل ذلك إنما سيكون في النهاية على حساب الأفكار الرائعة والنوايا الحسنة.والواقع،يقول كاستورياديس، ليس هناك ما يضمن أن أحدا يحسن الحكم،سيعرف كيف يخطّ الطريق نحو السلطة(4).
ها هنا يبدو سؤال الاستقلالية قضية جديدة بالنسبة للديمقراطية الحقيقية. ففي نظام الديمقراطية التمثيلية يعني التداول على السلطة،القدرة على إدارة تواصل جيّد مع الناس(المواطنين)،أي أن نعرف كيف نخترق الرأي العام.بالنسبة لكاستورياديس،ليست الديمقراطية التمثيلية سوى ديمقراطية مزعومة، طالما أنها لا تؤمّن استقلالية المواطن ككائن سياسي حر و مريد. لقد سبق لجان- جاك روسو أن نبّه إلى هذا الأمر في القرن18 عندما قال،أن الأنجليز اعتقدوا أنهم أحرار لأنهم ينتخبون ممثليهم كل خمس سنوات، دون أن يدركوا أنهم ليسوا كذلك إلا في يوم واحد كل خمس سنوات،أي يوم الاقتراع،وهذا ليس لأن الانتخابات مزورة أو مغشوشة،بل فقط لأن الاختيارات محددة سلفا،تأتي الانتخابات لتكريسها و شرعنتها.والأمر سيان بالنسبة لباقي أنواع الاستشارة التي يطلب فيها من المواطن التصويت لصالح أو ضد قرار لم يساهم في بلورته و صياغته. ويضيف كاستورياديس من جهته،أنه من البديهي أننا لسنا أحرارا حتى في هذا اليوم من خمس سنوات،لأننا مطالبون بالتصويت انطلاقا من وضعية ملموسة مصنوعة من قبل البرلمان السابق،والذي يطرح المشاكل في الحدود المسموح بها لمناقشة هذه المشاكل،حيث يفرض الحلول أو بدائل حل،لا تتطابق في معظم الأحوال مع المشاكل الحقيقية.وعموما فان التمثيل السياسي يعني في هذه الحالة ارتهان سيادة الممثلين بإرادة ممثّليهم،حيث أن البرلمان غير مراقب إلا بعد خمس سنوات،وبواسطة الانتخاب.وهذا أمر واقع في جل الديمقراطيات الغربية.ففي الولايات المتحدة مثلا،أعضاء مجلس الشيوخ هم في الواقع "شيوخ" مدى الحياة، يقول فيلسوفنا.لكن ثمة حقائق أسوء تعمل في بنية هذا النظام.فلكي تُنتخب في أمريكا،يلزمك أربعة ملايين دولار.والحال أن من سيمنح هذه الملايين ليسوا بالتأكيد، العاطلون،بل الشركات التي تسعى إلى أن يصبح السيناتور بعدها على وفاق مع اللوبي الذي ستشكله في واشنطن،وبالتالي أن يصوت لصالح القوانين التي تشجعها.والحقيقة الأخرى التي تبعث على القلق أكثر،هي أن ارتشاء المسؤولين السياسيين أصبحت في المجتمعات المعاصرة خاصية بنيوية، مدمجة في اشتغال النظام الذي لا يمكنه أن يتحرك بطريقة أخرى(5).
إن هذه الأعطاب لا يفسرها سوى غياب الاستقلالية السياسية في مجتمعات الديمقراطية التمثيلية،والتي بفضلها ترسخت فكرة أن السياسة شأن خاص بالأخصائيين،هذا في حين أنها شأن عام،بموجبها يكون كل واحد قادرا على تدبير شؤون الحكم،وهذا هو التبرير المعقول(العقلاني إذن) لمبدأ الأهلية الذي قامت عليه الديمقراطية الأثينية.وعلى ذكر هذه الأخيرة،يعتبر كاستورياديس أن القطيعة الكبرى التي أتت بها في شكل أولي،الديمقراطية اليونانية،وبعدها في شكل أكثر رحابة و تعميما،ثورات الأزمنة الحديثة والحركات الديمقراطية الثورية التي تلتها،هي بالتحديد، الوعي الجليّ بأن البشر هم من يخلق القوانين،وبالتالي بمقدورهم تغييرها متى أرادوا ذلك.وعليه فان مكسب هذه القطيعة يظل في قلب معارك الحاضر من أجل تصحيح المسار السياسي للمجتمعات المعاصرة،وذلك بالرهان على تثقيف الشعب و تدريبه على ممارسة مسؤولياته في الحكم. فالديمقراطية هي في الأخير قضية تربية المواطن،وإكسابه الوعي العميق بالاستقلالية،الكفيل وحده بإطلاق روح المواطنة في المجال العمومي،كفضاء حر ومفتوح لبلورة وعي جمعي مضاد لذلك الذي تشيعه مؤسسات المجتمع بشأن استقلالية هذا الأخير،وأصوله الإنسانية.فإذا كان صحيحا أن كل المجتمعات الإنسانية تقريبا أقيمت على فقدان استقلاليتها، فان ما ليس صحيحا هو إدخال تلك الفكرة غير القابلة للنقاش بالنسبة لأعضاء المجتمع،التي تزعم أن المؤسسة الإجتماعية هي من صنع غير إنساني،أو على الأقل أنها ليست من صنع البشر الذين يعيشون في اللحظة الراهنة،إنما من قبل الأسلاف،الأرواح،الأبطال أو الآلهة.وهذا هو الاشتراط المضمر وغير المضمر في الآن نفسه لذلك الوعي الزائف الذي يعيق نمو وعي المواطنة و يشل فاعليته في المجال العمومي.
قديما قال أرسطو أن"المواطن هو كل واحد قادر على أن يحكم وأن يُحكم".إلى أي حد ينطبق هذا التعريف الأرسطي على المواطنة الحديثة؟ لا شيء في الواقع يؤكد تطابق الممارسة الحديثة للمواطنة مع المفهوم الأرسطي للمواطن.فهناك الملايين من المواطنين في المجتمعات المعاصرة،لكنهم،بنظر كاستورياديس،غير قادرين على تدبير شؤون الحكم و تسيير الشأن العام،ليس لأنهم عاجزين عن ذلك،بل لأن الحياة السياسية في هذه المجتمعات تتجه أساسا إلى حرمانهم من وسائل وإمكانات ممارسة الحكم،من خلال إقناعهم بوجود خبراء ينبغي أن تسند إليهم مهام الحكم والتدبير؛بمعنى آخر،أن الحياة السياسية المعاصرة تقوم في مجموعها على ما يسميه كاستورياديس بتربية سياسية مضادة لما يفترض أن تكون عليه التربية المواطنية.فهذه الأخيرة تقضي بأن يأخذ الناس بالتعود على ممارسة كل أنواع المسؤولية واتخاذ المبادرات،بدلا من أن يتعودوا إتباع الاختيارات التي يطرحها عليهم آخرون والتصويت عليها، مما يولّد لديهم حتما الاعتقاد بالعجز والبلادة السياسية والكلبية(6). لقد شهدت المجتمعات الحديثة،ومنذ الثورات الأمريكية(1976) والفرنسية(1789)إلى حدود الحرب العالمية الثانية تقريبا،صراعات اجتماعية وسياسية حية وطاحنة،حيث كان الناس يعارضون ويتظاهرون من أجل أهداف سياسية واضحة و في مقدمتهم العمال.لم يكن ذلك،يقول كاستورياديس،يجري في حدود الدفاع عن مصالح فئوية ضيقة،بل كان الصراع يدور في إطار قضايا كبرى تهم كل المستغّلين والمهمّشين والمضطهدين.غير أن ما يلاحظ هو تراجع ملموس راهنا في نشاط وفعل الناس.وثمة حلقة مفرغةun cercle vicieux .وهكذا فكلما تقلص نشاط الناس في الفضاء العمومي،كلما أخذ المبادرة بعض البيروقراطيين والسياسيين،بدعوى أن الناس لا يفعلون شيئا.وهنا تكون النتيجة أسوء: فالناس يتعودون تسليم أمورهم إلى هؤلاء محتجين بنفس منطقهم؛وهو ما يشيع ثقافة سلبية تؤدي في النهاية إلى تهميش الناس من المشاركة السياسية،وبالتالي ردم أ سس المواطنة الحديثة في مفهومها النظري. و علاوة على هذا المعطى،يوجد سبب آخر مرتبط به يفسر هذه الحلقة المفرغة في الحياة السياسية لما بعد الحرب العالمية الثانية، ويتعلق الأمر بتحلّل الإيديولوجيات السياسية الكبرى،الثورية منها والإصلاحية،التي كانت تسعى إلى التغيير الحقيقي للمجتمعات.فقد كفّت هذه الإيديولوجيات عن التعبير عن التطلعات الجديدة لأجيال ما بعد الحرب،وعن فهم الأوضاع الاجتماعية الراهنة وكذا التجربة التاريخية التي تلت انهيار الإتحاد السوفياتي والشيوعية.والحال أن مهمة اليسار والمثقفين هي إعمال التفكير العميق والنقدي بهذه التجربة ودراستها واستخلاص النتائج والدروس اللازمة،بدل التهافت على شعارات ليبرالية نعرف جيّدا أنها قادت إلى الكارثة.
مأزق الفردانية و الحاجة ءالى فرد جديد: رهان الإستقلالية.
لقد كان من نتائج هذه الحلقة المفرغة التي عاشتها مجتمعات ما بعد الحرب الثانية،والخيبات الناجمة عنها،أن شاع الغموض الأوضاع الملموسة لحياة المجتمعات،وتمكّن التردّد والحيرة من نشاط الفكر والسياسة معا،مما أسهم في انكماش الدلالة المخيالية للتغيير لدى الأفراد والجماعات،وإضعاف فاعليتها في المجال السياسي.ويعتقد كاستورياديس أن السبب العميق يعود،بالإضافة إلى ما ذكرنا من عوامل سالفة، إلى النمو المضطرد لنموذج من الفرد لا يشبه نموذج الفرد في المجتمع الديمقراطي أو في مجتمع حيث بإمكاننا النضال من أجل حرية أكثر(7). و من خصائص هذا الفرد،أنه مخوصص ومسجون في وسطه الشخصي الصغير،لا مكثرثا بالسياسة، كلبيا؛وبعبارة جامعة:فردانيا.
إن الفردانية تقوم في جوهرها على نفي استقلالية الفرد،على عكس ما قد نعتقده سطحيا من العبارة.فالفرد المستقل هو فرد لا يتصرف إلا بعد تفكير وتشاور،وإذا لم يفعل فهو لن يكون فردا ديمقراطيا جديرا بالعيش داخل مجتمع ديمقراطي.والحال أن الفردانية تسير في اتجاه معاكس لهذه الدلالة،إذ تصادر من الوعي و الممارسة الفرديين مساحات التشاور التي تصل الأفراد فيما بينهم،وبينهم و المجتمع في النهاية.
وهذا الفرد المستقل هو ما يشكل الهدف الأساسي لتحليل نفسي حقيقي و مفهوم بشكل أفضل.وهذا التحليل وحده يمكننا من فهم أن الكائن الإنساني هو ما يشكل أساسا لا شعوره؛وأنه إن كان لا يعرف هذا اللاشعور عموما،فليس لأنه كسول،بل لوجود حاجز يعيق هذه المعرفة،هو الكبت.فالأفراد يولدون كجواهر نفسية تتعايش بقوة، لا تعرف حدودا لتلبية لرغباتها، إنما في الأخير ينتهي هؤلاء بقبول وجود الآخرين و بحقهم في تلبية رغباتهم.وهذا يتحقق بموجب كبت أساسي يودع في اللاشعور كل الميولات العميقة للنفس و يحتفظ فيه بجزء هام من إبداعات الخيال الجذري.والتحليل النفسي يفرض أنه بواسطة آلياته يخترق الفرد حاجز اللاشعور،باكتشافه أولا،وبتنقية نزوعاته وعدم التصرف دون تفكير وتشاور ثانيا.وهذا هو الفرد المستقل.
إذا ما ربطنا هذا التحليل النفسي للفرد بالسياسة،فإننا ندرك مدى حاجتنا إلى مثل هذا الفرد المستقل،لترسيخ فكرة الاستقلالية السياسية داخل المؤسسات التي أبدعها البشر،وأيضا محاولة وضع هذه المؤسسات على أرضية معرفية بينة وواضحة و قائمة على التشاور الجماعي.وهو ما من شأنه التأسيس لما يسميه كاستورياديس بالاستقلالية الجماعية،التي توازيها استقلالية فردية لا يمكن نفيها مطلقا.ذلك أن مجتمعا مستقلا لا يمكن أن يتشكل إلا من أفراد مستقلين،وهؤلاء لا يمكن أن يوجدوا إلا داخل مجتمع مستقل.
لكن بأي معنى يكون الفرد المستقل حرا في المجتمع المستقل؟ أو بالأحرى، بأي معنى نحن أحرار اليوم؟ يجيب فيلسوفنا،أنه لدينا قدر معين من الحريات تبلورت كنتاج للنضالات الثورية في الماضي،إنما هذه الحريات تبقى في الأخير جزئية،دفاعية وسلبية،وليست شكلية فحسب كما كان ماركس يقول.فأن يكون بمقدورنا أن نجتمع و نقول ما نريد ليس أمرا شكليا إنما فقط محدودا.وعليه فان الفرد الحر ليس هو من يعتمد أن الحرية تعني القضاء على السلطة والقانون بخلفية وجود طبيعة إنسانية خيّرة يمكنها أن تتجاوز كل قاعدة خارجية، كما يذهب إلى ذلك أنصار الفوضوية.إن هذه خرافة، و يوتوبيا متهافتة.
إنه يمكن للفرد أن يكون حرا في مجتمع تحكمه القوانين،لكن ذلك يتوقف على مدى توفّره على الإمكانيات الفعلية(و ليس الشكلية) للمشاركة في النقاش و التشاور وفي صياغة تلك القوانين،مما يحتّم ضرورة أن تكون السلطة التشريعية بيد الجماعة والشعب.على أن حيازة تلك الإمكانيات وتوظيفها يبقى رهينا بمدى إدراك الأفراد لرهانات الاستقلالية و تمثّلهم لروحها و قيمها. ومن هنا يبرز الدور المتعاظم لإصلاح جذري للتربية، لجعلها تربية لأجل الاستقلالية وفي اتجاهها؛هذه الاستقلالية التي تجعل الأفراد يتساءلون باستمرار لمعرفة ما إذا كانوا يتصرفون عن خبرة ودراية أم على هواهم و بأحكام مسبقة فالاستقلالية هنا هي رهان كل تربية ديمقراطية.لكن ما هو مستقبل هذه الاستقلالية في مجال السياسة؟
يعتقد كاستورياديس أن هذا المستقبل يتوقف على نشاط الأغلبية العظمى للكائنات الإنسانية،التي ستكون لها،باستثناء أقلية محظوظة، المصلحة في التغيير الجذري للمجتمعات التي تعيش فيها.وعليه،فلا مكان لتصور دور طليعي وامتيازي للبروليتاريا الصناعية في هذا المستقبل طالما أن هذه الطبقة تحوّلت إلى أقلية وسط السكان منذ زمن بعيد.إنما لابد هنا من استحضار المقاومة المضادة لمشروع الاستقلالية،والممثلة بشكل عميق في انتصار ما يسميه فيلسوفنا،بالدلالة المخيالية للرأسمالية، أي للتوسع اللامحدود لتحكم عقلاني مزعوم،وبالمقابل ضمور وتلاشي للدلالة المخيالية الكبرى للأزمنة الحديثة،أي الاستقلالية.وإذا كان صحيحا أيضا أن المجتمعات الراهنة ليست ميتة،وتفرز أفكارا و حركات مقاومة مستمرة للدلالة المخيالية الرأسمالية،فان ذلك يدعو للتساؤل كثيرا طالما أن الأفكار قليلة بالنظر لحجم المهام المطروحة في المستقبل.وفي هذا السياق يؤكد كاستورياديس أنه بالنسبة لبعض المهام،يظل البرهان ذو الحدين،الذي بلورته جماعة "الإشتراكية أو البربرية"،ذا قيمة فكرية و سياسية،شرط أن لا يخلط الاشتراكية بالفظاعات التوتاليتارية التي أحالت روسيا إلى حقل خرائب،ولا كذلك بالتنظيم العبثي للاقتصاد والتحكم المطلق بالحياة الثقافية والفكرية التي قامت عليها(8).
الفكر الوحيد و الدلالة المخيالية للرأسمالية: إنتصار ايديولوجيا السوق.
فيما يزال خطاب نهاية الإيديولوجيات يوسوس الغرب(9)،يسود الفكر الليبرالي الجديد اقتناع إجماعي بين منظريه الأكثر انفتاحا،بانتصار الليبرالية الديمقراطية و رمزها المطلق:السوق.فمنذ أن أطلق الداعية الأمريكي "فوكوياما" صيحة الإيديولوجية البائسة،" نهاية التاريخ" ذات الصدى الهيغلي المغرق في التأويل اليميني،أصبح التسليم بانتصار الرأسمالية الأبدي أمر لا يطاوله الشك.والحقيقة أنه داخل منطق التسليم تشتغل الإيديولوجيا كحقيقة وحيدة لنظام الأشياء غير قابلة للنقاش.وهذه الإيديولوجيا تمارس اليوم نوعا من الإرهاب المفتوح باسم فكر وحيد هو في الواقع خال من كل تفكير كما يقول كاستورياديس Non pensée.فلم يسبق للإيديولوجيا أن كانت بمثل هذا الخواء الفكري،والسطحية والإطلاقية كما تشهد عليها راهنا دعوات "الفكر" الوحيد،هذا الذي يكون لا – فكرا تاما،لا أحد يجرؤ على معارضته.إنه "الفكر" الذي يقدم نفسه وحيدا لكونه مرآة واقع هو كذلك،أو كما يقول Alain Minc :’"ليس الفكر هو الوحيد؛إنما الواقع هو كذلك"(10).ومن ثم لا حاجة للتفكير، فالواقع يكفي.والحقيقة أن هذه الإيديولوجيا التي يحتضنها " الفكر" الوحيد، بكل مركباتها وتناقضاتها وآثارها التدميرية لروح الناس،والتي تنطلق من الواقعي لأجل نفيه،تقود في النهاية إلى"شكل من الشيزوفرينيا الجماعية"(11).إنها الإيديولوجيا التي بموجبها سيكون على الناس تكذيب الواقع و تصديق الفكر في الآن نفسه،أو العكس أيضا.نعني الإيديولوجيا التي تلزم الناس على ممارسة تمارين عقلية في غاية الغرابة؛ تصديق الكلّ و نفيه في نفس الآن.وتلك هي عين الشيزوفرينيا،التي نجد لها مقابلا عجيبا في قاموس الفكر الوحيد: الواقعية؟..
يجب الإعتراف بأن قوة النسق الإيديولوجي للفكر الوحيد تكمن بالذات في كون مختلف المركبات الإيديولوجية التي تشكله متداخلة فيما بينها،وتتبادل الإحالة فيما بينها(12).فحيث تتراجع الواحدة تأخذ الأخرى مكانها ودورها،تنتظمها في ذلك استرتيجية التكييف السياسي-الإعلامي، لاختراق حقل وعي المواطنين في مجموعه وإحكام السيطرة على نشاطه النقدي.
إن إحدى اقوى المركبات الإيديولوجية للفكر الوحيد هي بلا منازع: السوق.فهذا الأخير علاوة إلى كونه مقولة اقتصادية مركزية للفكر الليبرالي،فهو كذلك إيديولوجيا.صحيح أن السوق حقيقة اقتصادية لا سبيل لإنكارها،وبالتالي فهي لا تنتمي لدائرة الوهم،على أنها حين تقدم في لبوس قدري،تصير عندئذ إيديولوجيا.إنها تصير كذلك حين تضفي على نفسها هالة من القداسة باسم الفعالية الاقتصادية والحرية،دون أن ترى الآثار المرئية لإعمال نفسها في حياة المجتمعات المعاصرة:البؤس، والفوضى والتفكّك في الجانب الآخر لما تعرضه كانجازات خارقة للسوق.وإذا كان لهذه الإيديولوجيا في أيامنا،كما في الخطاب الليبرالي الجديد،من الوسائل ما يكفي لجعلها تبدو حقّة وصعبة المنازلة،فلأنها ليست ككل إيديولوجيا.فهي إيديولوجيا قويّة بحجم قوّة الخطاب الذي يسندها من كل الزوايا؛هذا الخطاب القوي،الذي ليس كذلك،إلا لأنه مدعوما بعالم موازين قوى يسهم من جهته في جعلها كما هي،بإضافة قوّته الخاصة إليها،وخصوصا الرمزية منها(13).إن ما يضمن إذن الفعالية لتلك الإيديولوجيا ليس كونها حقّة على المستوى المحض و الخالص، إنما انضوائها تحت برنامج سياسي يستهدف على المستوى العميق،وعبر خلق ظروف مادية ملائمة لاشتغال الإيديولوجيا في حقل الوعي الجمعي، تدمير كل البنيات الجماعية القادرة على إعاقة منطق السوق الخالص(14) فالفكر الوحيد المستقوي بايديولوجيا السوق،يسعى إلى ترسيخ اقتناع بديهي لدى الناس مفاده أن السوق هو الحقل الوحيد الذي تتحقق فيه الديمقراطية والحرية وبالتالي الفعالية،لكونه يمنح الناس حرية الاختيار والاستهلاك بطرحه كل شيء للتداول وجعل كل شيء في متناول الجميع:من الخيرات المادية إلى القيم الروحية،من إعادة إنتاج الرأسمال إلى العدالة الاجتماعية..الخ(15).فالسوق يصير ديمقراطيا في ماهيته بمنطق الفكر الوحيد،لكنه ليس كذلك إلا من جهة الخلط الذي يقيمه هذا الفكر البائس بين الاختيارات الخاصة للمستهلك والاختيارات المدنية للمواطنين.وبدون هذا الخلط لا تستقيم بداهة الفكر الوحيد المزعومة.
من هم رموز هذا الفكر الوحيد؟ و كيف تتم عملية و سيرورة إنتاج إيديولوجيا السوق؟ يرى "بيير بورديو" أن رموز هذا الفكر هم في الوقت الراهن المثقفين الجدد والصحافيين الذين تنعقد بينهم وبين قوى السوق تحالفات وتواطئات صريحة أو خفية،تتوسطها هذه الآلة الجهنمية المسماة بالوسائط الجماهيرية على عهد زمن التواصل.و ما يهمنا في هذا المقام هو الموقع الذي يمثله المثقفون في مساحة إنتاج و إعادة نظام الخطاب السائد: الليبيرالية الجديدة.وذلك اعتبارا للدور الخطير لهؤلاء في تكريس السلطة الرمزية لهذا الخطاب وتدعيم قوّته الإيديولوجية.يتعلق الأمر بالأحرى بنمط جديد من المثقفين أخد بالتبلور عقب الإنهيار الذي أصاب الإيديولوجيات السياسية لأزمنة الثورة،يضم في صفوفه فلاسفة الحداثة وما بعد الحداثة المولعين بجدالاتهم المدرسية حول العقل والعلم المتحمسين لنهاية الإيديولوجيا،وأولئك الفخورين بكفاءتهم الرياضية وذكائهم الحسابي والاقتصادي.والحال أن القوة الرئيسية لما يسمى بالمثقفين الجدد،تتمثل في نظر " بورديو" في أنصار إيديولوجيا الكفاءة المحسوبة صراحة لصالح الليبيرالية الجديدة.إذ أن مقولة الكفاءة المكرسة كامتياز ثقافي ليست سوى الوجه الآخر للإمتياز الإجتماعي المتولد عن اللامساواة المتجذرة في البنية السوسيو-اقتصادية للرأسمالية. و هكذا فان المثقفين الجدد لا يتردّدون في إعلاء قيمة الكفاءة في خطابهم و من خلال عمل مكثّف يسعى لإقناع الناس بحتمية الليبيرالية الجديدة وقدرية السوق؛وبأن أشياء من قبيل الإنتاجية، التنافسية والنمو الأقصى هي الغايات القصوى لكل الأعمال الإنسانية،وأن مقاومة القوى الإقتصادية أمر لا جدوى منه..
ماذا يمكن لفيلسوف ومفكر سياسي راديكالي ككاستورياديس أن يقول ردّا على هذا الخطاب؟ ربما سيكون هذا الرد جامعا و حاسما في تأكيد ما حرص دوما على اعتباره رهان كل فكر حي،وهو الاستقلالية.هذه الإستقلالية هي ما يجب الكفاح من أجلها في الحياة كما في الفكر والفلسفة،باعتبارها القيمة العليا لكل حرية ممكنة.ففي الحياة الإجتماعية سيكون الثمن الذي علينا أن ندفعه مقابل الحرية هو تدمير الإقتصادي كقيمة مركزية ووحيدة في الواقع،يقول كاستورياديس.وعلى مستوى الفكر يجب الإستمرار في الدفاع عن الإستقلالية بوصفها ذلك التساؤل اللامحدود الذي لا يتوقف أمام أي شيء،ويعيد وضع نفسه باستمرار موضع مساءلة.وتلك هي مهمة الفلسفة،أو قل إنه درسها السياسي.
لن نختم دون أن نعيد إلى الصورة مكانة كاستورياديس في الفكر المعاصر.ففيلسوف الراديكالية السياسية،بالرغم من كل نقاط ضعفه،يظل في نظر الكثير من معاصريه،حالة استثناء في الحقل البائس للفلسفة المعاصرة.إنه الفيلسوف الذي يمنحنا كما قال عنه أحد الكتاب:"أدوات لنجادل،ولنشيّد المتاريس،ولتبصَُر اشتراكية المستقبل،ولنتأمل تحولات العالم و الرغبة في التغيير السياسي للحياة".و لذلك فانه لأجدر بأن يقرأ و يجادل في أفق قرننا الجديد... ./.
* تمت في نهاية خريف 1999 بشيشاوة- جنوب المغرب.
هوامش:
1. Robert Redeker. « Fait et Faire »/ Le Monde Diplomatique.Août 1997.
2. Pierre Bourdieu. « Contre-Feux. > Liber-Raisons D’agir .1998.p.32.
3. Voir : Le dérnier entretien avec Cornelius Carstoriadis.in L’événement du jeudi.Décembre.1997.
4. Cornelius castoriadis. « Stopper la montée de l’insignifiance ». Le Monde Diplomatique.Août.1998.
5. C.Castoriadis. « L’individu privatisé ». Manière de voir.Juillet-Août.1999.p.76.
6. C.Castoriadis. « Stopper la montée de l’insignifiance ». op.cité.
7. C. Castoriadis. « L’individu ptivatisé ». op. cité.p.77.
8. Ibid.p.77.
9. François Brune. « L’idéologie d’aujourd’hui ». Manière de voir.1997.p.10.
10. Cité par : François .B.in :op.cité.p.10.
11. Ibid.p.12.
12. Ibid.p.12.
13. Pierre Bourdieu.op.cité.p.109.
14. Ibid.p.110.
15.Benjamin.R.Barber: « Culture MC World contre démocratie ».Manière de voir.Juillet-Août.1999.p.72.


*نشرت هذه الدراسة في الأصل في مجلتين :الدورية" نوافذ "العدد 19،ماي 2000-الرباط- المغرب
الشهرية "فكر ونقد"،العدد 39 السنة الرابعة،ماي 2001- الرباط- المغرب.(يرجى الإشارة إلى المصدر الأصلي).





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,167,152,573
- في الخلفية السياسية للفلسفة :نقدالنزعة الإنسانية عند لوي ألت ...
- التخلص من الاتحاد الاشتراكي
- الثورة المغدورة: انحطاط اليمين وبؤس البديل
- مهرجان موازين: هل انتصر القصر على الشارع؟
- -موازين-: مهرجان السلطة وإيقاعات المعارضة
- مهدي عامل: الفكر في موقع سياسي مكشوف


المزيد.....




- رئيس الجمعية الوطنية ينصّب نفسه رئيساً لفنزويلا بدل مادورو
- السعودية تنظم مهرجان لـ-ركوب الثيران-...ومغردون يطالبون بإلغ ...
- -سوخوي 27- تتصدى لاعتراض هدف جوي عند حدود روسيا
- أول صورة لأحدث طائرة بدون طيار روسية
- الهند تسير على حبل مشدود فوق الهاوية
- (فيديو) سلاح الجو الروسي يعترض هدفا فوق مياه البلطيق
- المغرب يؤيد الحوار بشأن عودة سوريا إلى الجامعة العربية
- الجيش الفنزويلي يحدد موقفه من التطورات الخطيرة في البلاد
- الجيش يرفض إعلان غوايدو نفسه رئيسا لفنزويلا وواشنطن تدعمه بق ...
- الإصابة بمرض القلب تبدأ من الرحم!


المزيد.....

- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المجيد السخيري - الدرس السياسي للفلسفة كاستورياديس نموذجا.