أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - قصة الموسيقى الغربية – كيروبيني















المزيد.....


قصة الموسيقى الغربية – كيروبيني


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4184 - 2013 / 8 / 14 - 07:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



"مالا يدرك بالفن، يمكن شرحه بالشعر. ومالا يدرك بالشعر، يمكن إحساسه بالموسيقى." عنايات خان

اسمه الحقيقي "ماري ليوجي كارلو زينوبي سالفاتوري". لكن هذا اسم طويل يصعب تذكره، لذلك سوف نستخدم اللقب الذي منحه له أهل البندقية وهو" "كيروبيني". ربما لشكله الملائكي، أو لأن موسيقاه لها سحر ملائكي خاص.

"أولجا كونديني" تغني "مرحبا ماريا" ل"كيروبيني"
http://www.youtube.com/watch?v=5bXLk9ucU3I

ابن سقيم لعازف بيانو فقير في مسرح بيرجوليزي، العاشر بين أخواته الإثنى عشر. الوحيد الذي عاش منهم. قام الأب بتعليمه بقدر استطاعته بالرغم من فقره. بدأ تعلم الموسيقى في السادسة من عمره.

لقد كان يحب اللعب بآلة الكمان. في ليلة، عندما كان في العاشرة من عمره، تغيب أحد العازفين، فأخذ كيروبيني مكانه وأدى دوره بإتقان. عندما كان في الثالثة عشر، ألف موسيقى قداس (Mass)، عزفت في كنيسة فلورنسا.

قبل أن يصل إلى سن السادسة عشر، كان قد ألف الكثير من موسيقى القداس والألحان الدينية ومقطوعات موسيقية أخرى صغيرة. عندما سمع دوق توسكاني إحدى مقطوعاته الموسيقية، تيقن أن الصبي موهوب، فأرسله إلى بولونيا لكي يدرس الموسيقى تحت اشراف "سارتي".

كان عليه أن يعمل في غرفة كبيرة، يتدلى من سقفها مصباح، ضوءه برتقالي اللون. يقوم بنسخ ودراسة أعمال الموسيقيين الكبار. ثم قام بكتابة ألحان أناشيد موسيقية، على نمط الموسيقار "جيوفاني باليسترينا"، لأن أستاذه "سارتي"، كان معجبا بموسيقى "باليسترينا".

قام أيضا، بمساعدة سارتي في حشو وملء أعماله الأوبرالية. أي أن سارتي، كان يترك له كتابة الأجزاء الصغيرة التي لا يهتم بسماعها المشاهدون للأوبرا.

أيام كيروبيني الدراسية هذه، كانت رسمية رتيبة كئيبة، أصابته بالملل والاحباط. لكنه، في سنواته الأخيرة، وجد أن أسلوب سارتي في تدريبه، كان رصينا. جعله أعظم من مزج الألحان (طباق)، في تاريخ الموسيقى الغربية.

عندما أنهى كيروبيني دراسته، بدأ في كتابة ألحان الأوبرا. كان يعمل بسرعة شديدة، لدرجة أنه في عام واحد، ألف أكثر من 200 أوبرا، لكن أغلبها من فصل واحد. كانت مفضلة لدى الإيطاليين الذين يحبون الألحان الميلودي الخفيفة البسيطة.

بعد أن تخطى كيروبيني سن الشباب، أصبحت حياته مرتبطة بفرنسا أكثر من إيطاليا. أمضى سنة واحدة في لندن، كموسيقي لبلاط الملك جورج الثالث. وكان أمير ويلز مبتهجا بموسيقى كيروبيني.

لكنه، بعد زيارة لباريس، وجد أنه يفضل الحياة في هذه المدينة الجميلة. بالإضافة إلى أن صديقه الموهوب الريفي "فيوتي"، قام بدعوته لكي يأتي ليعيش معه. وهي الدعوة التي قبلها كيروبيني بصدر رحب.

قام فيوتي بتقديم الموسيقار الإيطالي الجديد، كما كان يدعى، إلى البلاط وصالونات الطبقة الأرستوقراطية. التي فتحت أبوابها على مصراعيها له. وقام بالعزف في أوركسترا أمام ملكة فرنسا "ماري أنطوانيت".

تحت تأثير الملكة ماري أنطوانيت، صرح الملك لويس السادس عشر لكيروبيني بإقامة دار أوبرا جديدة. كان هو المدير المسئول عن الشئون الموسيقية بها. من اختيار للمغنيين والكورس وقيادة للأركسترا.

الأوبرا الإيطالية، التي تكتب باللغة الإيطالية، كانت هي الموضة في ذلك الوقت. "فيوتي" كان يطلب من صديقه كيروبيني ويلح في عمل أوبرا باللغة الفرنسية.

في عام 1791م، استجاب كيروبيني وقام بإنتاج أوبرا "لودويسكا". وهي أوبرا كوميدية، ثرية بالموسيقى الهارمونية والعزف الأوركسترالي المبهر. مما أعطى الموسيقى المسرحية بعدا جديدا، أبهر الباريسيين.
http://www.youtube.com/watch?v=KvFBXtSF8xQ

قصة الأوبرا، التي تعكس طبيعة العصر، تقول: "لودويسكا" الغادة الجميلة تقع في غرام الشاب "فلوريسكي". "لودويسكا" محجوزة، وشبه أسيرة في قلعة. يريد صاحب القلعة أن يجبرها على الزواج منه، بالرغم من كرهها له.

يتخفى الحبيب في هيئة أخو "لودويسكا"، ثم يذهب إلى القلعة طالبا إطلاق سراح أخته. لكن في لحظة حرجة غير مناسبة، تهاجم جحافل التتار القلعة، وتقوم بسبي الحبيبة "لودويسكا".

الأوبرا لاقت نجاحا كبيرا منذ البداية، بالرغم من أنها كانت تعرض في زمن صعب، كان يعرف بعصر الرعب. كانت تمر به الثورة الفرنسية. لكن مع تزايد عدد الرؤوس المتطايرة بالمقصلة، بدأ الكثير من المغنيين في الهرب من فرنسا، ولا نستطيع لومهم في ذلك.

عندما أعدم الملك لويس السادس عشر، وبعده الملكة ماري أنطوانيت، اختبأ كيروبيني في دير بالقرب من روين. في ذلك الوقت، كان متزوجا من زوجة رقيقة.

حاول مواصلة التأليف الموسيقى، لكن السنوات التالية، كانت مليئة بالقلق، مما جعل كل الأنشطة الترفيهية والعروض الموسيقية تؤجل إلى أن ينتهي عهد الرعب.

كانت شوارع باريس مكتظة بالغوغاء وأحداث الشغب. ذات مرة، وقع كيروبيني في يد جماعة "سانس كولوتيه"، التي كانت تروم أنحاء باريس، وهي تبحث عن موسيقى يقودها.

عندما رفض كيروبيني الاستجابه لطلباتها، سمع هتافا عاليا يردد "الملكي، الملكي". وهو هتاف، كان كفيلا بإرساله إلى المقصلة. لكن لحسن الحظ، في هذه اللحظة، هب لنجدته أحد أصدقائه. الذي أعطاه آلة كمان، ورجاه أن يعزف ويقود الجماعة.

ظل كيروبيني يعزف ويلحن للجماعة الغوغائية، وهو يجوب الشوارع، طوال اليوم. عندما توقفوا لعمل وليمة جماعية في ميدان عام، أجبر كيروبيني على الوقوف فوق برميل ومواصلة العزف بالكمان حتى تنتهي الوليمة.

في عام 1794م، التحق بفرقة موسيقى الحرس الوطني. بعد ذلك بسنة، أصبح مدير الكونسيرفتوار، وفي عام 1797م، صار يؤلف موسيقى للجمهورية الفرنسية.

في هذه الأيام، كان مجبرا على إضاعة وقته وموهبته في تأليف أغاني الثورة. وبسبب كونه إيطاليا، كان من الصعب تلحين الكلمات الفرنسية، إلا أنه تغلب على هذه المشكلة بنجاح.

في عام 1800م، كتب رائعته الموسيقية "السقا" أو "اليومان"، (Les Deux Journees). وهي أوبرا كوميدية، كتب قصتها "بيولي". تمتلء أحداثها بالإثارة والمفارقات العجيبة، التي تناسب ما كان يدور من أحداث تاريخية في ذلك الوقت.
http://www.youtube.com/watch?v=RM4LzcRh7To

تصف فصول الأوبرا الثلاثة، كيف كان قاضي التحقيق الفرنسي، أيام عهد الرعب. كان القاضي صديقا لسقا بسيط يحمل قرب الماء في عربته . الموسيقى كانت رائعة لدرجة أن الأوبرا استمر عرضها 200 يوما متتالية.

قصة الأوبرا كان لها تأثير هائل على مجموعة السقايين في ذلك الوقت، إلى درجة أنهم ذهبوا إلى منزل مؤلف القصة، والذي يدعي بأنها قصة حقيقية، لكي يشكروه ويقدموا له باقة زهور، ويعرضوا عليه استعدادهم لكي يمدوا منزله بالماء لمدة سنة مجانا.

طلب من كيروبيني إهداء موسيقاه إلى الموسيقار العظيم "هايدن"، لكن كيروبيني رفض في تواضع قائلا: "لم أكتب شيئا يستحق إهدائه إلى هذا الأستاذ العظيم".

لكن خيبة الرجاء التي ألمت بكيروبيني، لم تأت إلا من "نابليون بونابرت". أول جرح لشعوره، جاء عندما كان يساعد في الاحتفال بالجنرال هوتشي، عندما كان نابليون لايزال ضابطا صغيرا.

قُدم كيروبيني إلى نابليون ودار بينهما هذا الحديث:
نابوليون، وهو يبدي إعجابه ب "بايزيللو" الموسيقى المفضل في بلاط ملك نابلس، يقول:
"أنا أحب موسيقى بايزيللو جدا. فهي ناعمة وهادئة. أما موسيقاك، فهي جيدة، لكن نغماتها المرافقة عالية."
أجاب كيروبيني:
"أفهم أنك تحب الموسيقى التي لا تمنعك من التفكير في شئون الدولة".

أدى تنافر الذوق بين نابليون وكيروبيني إلى استدعاء بايزيللي وتعيينه مديرا للموسيقى بمرتب كبير ومسكن وعربة خاصة. لكن بايزيللي لم يكن سعيدا، وبعد سنوات قليلة، عاد إلى إيطاليا.

عندما عرض على نابليون تعيين كيروبيني مكان بايزيللي، قال: "لا تذكروا لي اسم هذا الرجل. أنا أريد أستاذا يؤلف موسيقى لا ضوضاء." ثم أعطى الوظيفة إلى موسيقي آخر.

نابليون، القائد الشاب، ظل يترقى في المناصب إلى أن صار امبراطورا للبلاد. بالطبع، موسيقارنا، كيروبيني، عليه أن يواجه عدوا لا قبل له به، نظير تجاهله للامبراطور، وتحديه له، ومعاملته بأسلوب فظ.

وجد كيروبيني، الإيطالي، أنه أصبح معزولا في فرنسا. لذلك، قبل الدعوة لتأليف وقيادة أوبراتان في فيينا. أخذ معه إلى النمسا، زوجته الجميلة وابنته الطفلة.

قام كيروبيني بعزف موسيقاه أمام الامبراطور "فرانسيس الثاني" وأعضاء بلاطه المبجلين. هناك، عرض أوبرا "فانيسكا"، التي تشبه في قصتها وموسيقاها أوبرا "لودويسكا".

قوبلت الأوبرا "فانيسكا" بحفاوة بالغة، وأضحت مقدمتها الموسيقية معروفة منذ ذلك التاريخ.
http://www.youtube.com/watch?v=ycjDedmf7yY

كلا من الموسيقار "هايدن"، والشاب "بيتهوفن"، كانا يحضران العرض الأول. بعد مشاهدة الأوبرا وسماع موسيقاها، أعلنا أن كيروبيني، هو أعظم موسيقى بين الموسيقيين الأحياء.

لكن عدو كيروبيني العنيد، يبدو أنه لايزال في أثره. النمسا وروسيا، أصبحا في تحالف واحد. هذا التحالف لم يعجب الامبراطور نابليون. فأراد أن يكسر هذا التحالف. تحرك بسرعة البرق، وقام بغزو النمسا.

عندما علم نابليون بوجود كيروبيني في النمسا، قام باستدعائه إلى قصره الصيفي الجديد الجميل، وقال له: "مادام كلاهنا هنا، دعنا نستمع سويا إلى بعض الموسيقى." ووجد كيروبيني نفسه مضطرا إلى إقامة حفل موسيقي، للترفيه عن امبراطور فرنسا وقاهر النمسا.

بعد ذلك بقليل، قرر العودة إلى باريس. أثناء الرحيل، قابل الموسيقار "هايدن"، الذي بادره بالقول: "اسمح لي أن أعتبر نفسي والدك في الموسيقى. وأن سعيد بندائك يا ولدي".

سر أصدقاء كيروبيني بعودته إلى باريس. لكنه، ربما بسبب إهمال نابليون له وعدم تقديره لموسيقاه، فقد حماسه الموسيقى. ولم يُنتج في سنواته القليلة التالية الكثير من الأعمال الموسيقية.
ثم وجه اهتمامه إلى نوع من الفنون، يختلف تماما عن الفن الموسيقي. أخذ في زخرفة أوراق اللعب (الكوتشينة)، بالاسكتشات والأشكال الخيالية والمناظر الطبيعية.

لكنه مل زخرفة أوراق اللعب بعد عامين. ثم بدأ يحول انتباهه إلى الطبيعة. فأخذ يجول بين الحقول بصحة أصحاب القلم، وبدأ يدرس
بدأب علم النبات.

في عام 1808م، جاءته دعوة من الأمير "دي تشيماي" لزيارته في قلعته في بلجيكا. بعد وصوله، واصل دراسة علم النبات. وأخذ يقضي الساعات، متجولا بين أشجار الحدائق ونباتات المزارع.

لكن يبدو أن الهواء الطلق، والبعد عن نفوذ نابليون، قد أعاد إليه حبه الأول، الموسيقى. مع اقتراب يوم الاحتفال بعيد القديسة سيسيليا، لماذا لا نسأل الموسيقار الكبير المقيم بالقلعة، ونلح عليه لكي يؤلف لنا موسيقى قداس (Mass) بهذه المناسبة.

ذهب وفد من الفلاحين إلى كيروبيني، لكي يعرضوا عليه الفكرة، ويرجوه قبولها. لكن الإجابة جاءت حازمة ب "لا"، وغادر الوفد حزينا. بعد ذلك بقليل، اكتشف كيروبيني عند عودته من البارك حيث كان يتريض، أن مكتبه مفروش بأوراق موسيقى فارغة، عليها عينات من الزهور.

جلس كيروبيني على المكتب وقام بكتابة موسيقى قداس بعنوان "كيري" (Mass in F). تبعه بقطة موسيقية دينية أخرى، للاحتفال بعنوان "جلوريا".

"جلوريا" ل "كيروبيني"
http://www.youtube.com/watch?v=498jFsikD0g

تجمع الفلاحين بكنيسة تشيماي لسماع موسيقى القداس، من تأليف كيروبيني، بكل سرور وسعادة. بالرغم من أن الآلات الموسيقية كانت: 1 باسون، 1 فلوت، 2 بوق، 2 كلارينت. إلا أن الموسيقى والعزف كانا رائعين. شيئا لم يحدث في تاريخ المدينة من قبل.

عندما عاد إلى باريس فيما بعد، أكمل كيروبيني القداس الذي أبهر أصدقاءه. الذين كانوا قلقين على حالته النفسية، وكانوا لا يجرؤون معها على ذكر الموسيقى أمامه. بات، هو نفسه، سعيدا بعودته للموسيقى. غير أنه كرس حياته منذ ذلك الوقت، تقريبا للموسيقى الدينية.

في عام 1815م، دعي كيروبيني إلى لندن لتأليف سيمفونية، ومقدمة موسيقية، وبعض مقطوعات صوتية. جعلته يقابل للمرة الثانية بحفاوة بالغة. في هذه الأثناء، كتب عدة رسائل إلى زوجته في بلجيكا.

بعد معركة "ووترلو" وهزيمة جيش نابليون، فقد نابليون عرشه، وعادت عائلة البربون تحكم فرنسا. هنا، يبدو أن متاعب كيروبيني قد انتهت. فقام بتأليف قداس جنائزي (Requiem)، بمناسبة سنوية وفاة لويس السادس عشر، ملك فرنسا، الذي أعدم بالمقصلة هو وزوجته أثناء الثورة الفرنسية.

عند عرض القداس في كنيسة "سانت دينيس"، اعترض البعض على الأصوات النسائية التي كانت مصاحبة للقداس. لكن القداس كان من العظمة والعذوبة والشجن، جعل النقاد الموسيقيين يعتبرونه الأروع في تاريخ الموسيقى الغربية الحديثة.
http://www.youtube.com/watch?v=Z2dc6ZXc_Zw

كل القداس مبني على جملة رثاء واحدة: "إنك من التراب وإلى التراب تعود".

في عام 1824م، ألف أيضا قداس لتتويج الملك "تشارلز العاشر"، ملك فرنسا. لاحظ الفرق بين القداس الجنائزي وقداس التتويج.
http://www.youtube.com/watch?v=kM_eATKCKlE

أصبح الحكام والأمراء يتنافسون في تكريم كيروبيني. هو الأول بين الموسيقيين الذين حصلوا على وسام "الصليب الأحمر لجوقة الشرف" الفرنسي. حصل أيضا على هدايا من أمير "إسترهازي" وملك بروسيا، وغيرهم.

في عام 1821م، أصبح مدير كونسيرفاتوار باريس. وضع كيروبيني كل جهوده في التدريس. وبسبب جهوده، يعتبر مؤسس الكونسيرفاتوار. كان يوظف أفضل الأساتذه في كل فروع الموسيقى. وكان قاسيا على المدرسين والطلبة. كان يصر على مواصلة التدريب والعمل الدؤوب.

يذهب إلى مكتبه في تمام الساعة العاشرة صباحا. يجلس حتى الثانية بعد الظهر. يقابل كل من يبغي سؤاله. جاءه يوما فرنسي له صوت هائل. وسأله ماذا يفعل بصوته هذا. طلب منه كيروبيني الغناء لكي يختبر صوته. عندما بدأ الرجل في الغناء، أوقفه كيروبيني على الفور قائلا: "عليك أن تعمل منادي مزادات".

كان "أوبير"، صديق كيروبيني، ينتظر ثروة كبيرة من إرث والده. لكنه فوجئ، عند وفاة الوالد، بأنه لم يترك ثروة تذكر. ذهب أوبير إلى كيروبيني يطلب النصيحة.

أخبره كيروبيني: "الأمر بسيط. أنت موسيقي. لديك بعض الأفكار. إذهب للعمل."
أجاب أوبير: "ليس هذا بالأمر السهل. فأنا لم أتعود العمل. وليس من طبعي أن أعمل."
جاء الرد من كيروبيني: "حسنا. إذهب إذن، والق بنفسك من النافذة".

وذهب أوبير، لا إلى النافذة، ولكن للعمل، وأصبح مؤلف موسيقى. بالرغم من صرامة كيروبيني، إلا أنه كان مهتما بتلاميذة، يعاملهم بكل الاحترام. مئات مؤلفى الموسيقى تخرجوا تحت اشرافه.

كان مكبا على العلم، دائم الاطلاع. وكان يقول، لو عشت ألف عام، لما توقف عن الدراسة. كان منظما مرتبا. كل أعماله كانت مدونة بالكامل في كتلوجات، حتى ما ألفه عندما كان سنه 13 سنة، قام بتدوينه.

كان متواضعا. عندما وجد اسمه مكتوبا إلى جوار اسم "بيتهوفن"، وكان معجبا به أشد الإعجاب، قال: "سوف أظهر كطفل بجوار هذا الألماني العظيم".

بالنسبة لموسيقاه، كانت تآليفه في بداية حياته، تآليف أوبرالية. أثناء عرضها في فرنسا، داهمتها الثورة الفرنسية. معظمها طواه النسيان، فيما عدا بعض الأوبراتات، منها أوبرا "لودويسكا"، أوبرا "اليومان"، أوبرا "فانيسكا" بمقدمتها الجميلة، وأوبرا "ميديا" التي تعتبر من روائع الأعمال الأوبرالية. لكن أكاليل الغار، كانت تمنح له بسبب موسيقاه الدينية.

لقد كان كيروبيني ثوريا ومحافظا في آن واحد. أدى دورا بارزا في ترسيخ قواعد الموسيقى الإبداعية (الرومانسية) في أوروبا. اقترن اسمه بإنجازاته في مجال التأليف الطباقي (Contrapuntal)، أي الانسجام (الهارموني).

قدره تلامذته الفرنسيون، ومنهم أوبير. كما أعجب به كل من مندلسون، فيبر، شومان، برامز، فاجنر، وبيتهوفن. الألمان يقدرونه أكثر من أي شعب آخر.

كان يكره آلة الفلوت. وكان يقول، أسوأ من فلوت واحد، إثنان. ظل مديرا للكونسرفاتوار الفرنسي حتى وفاته. قام الفنان "إنجريز" برسم بورتريه له رائع. في المقابل، ألف كيروبيني قطعة موسيقية طباقية (Canon)، وأهداها للرسام "إنجريز".

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/2/25/Jean_auguste_dominique_ingres_portrait_of_luigi_cherubini.jpg

صدم كيروبيني بوفاة زوج ابنته. ثم توفي بعد ذلك بفترة قصيرة عام 1842م، عن عمر 82 سنة. أقيمت له جنازة كبيرة في كنيسة "سانت روتش" بباريس. حضرها ما يزيد على 3000 شخص. كانت هناك فرقة موسيقية من 65 عازف.

عزفت الفرقة آخر قداس جنائزي قام بتأليفه (Requiem in D). اشترك في حمل تابوته، صديقه "أوبير"، والرسام "إنجريز". أقامت باريس له تمثالا، وأطلقت اسمه على أحد شوارعها.

Luigi Cherubini - Symphony in D major - Piero Bellugi
http://www.youtube.com/watch?v=_MAxl6NNCT0

ولحديث الموسيقى الغربية بقية، فإلى اللقاء إن شاء الله.
zakariael@att.net





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,118,389
- لماذا المصالحة على الدستور؟
- قصة الموسيقى الغربية - الأوبرا
- الفن – الحديث
- الفن - الرمزي
- الفن - جوجان – سيزان
- الفن - ما بعد التأثيرية(فان جوخ)
- الفن التأثيري
- الفن الفرنسي – القرن 19
- الفن الفرنسي – القرن 18
- الفن الفرنسي – البداية
- الإخوان وحكم مصر
- الفن الإنجليزي – القرن 19
- الفن الإنجليزي – كونستابل - تيرنر
- الفن الإنجليزي – جينزبورو
- الفن الإنجليزي – رينولدز
- الفن الألماني – هانس هولباين
- الفن الألماني – دورير
- الفن الهولندي – العصر الذهبي
- الفن الهولندي – رامبرانت
- الفن الفلمنكي – فان دايك


المزيد.....




- -نأسف للخطأ-..قناة أميركية تعتذر لبثها فيديو قالت إنه من سور ...
- السناتور الأمريكي غراهام يقول إنه يؤيد بشدة ترامب في فرض عقو ...
- درب التبانة تسرق الغاز من -جاراتها- بفضل جاذبيتها
- -الرئيس كان حازما مع أردوغان-.. لهجة واشنطن تشتد وأنقرة في م ...
- أميركا.. الكحول والمخدرات سببت مشاكل عائلية لنصف البالغين ...
- لماذا تعتبر السمنة خطيرة جدا؟
- تركي آل الشيخ يزف نبأ سارا للنادي الأهلي المصري
- الحوثي يوجه طلبا للشعب السوداني
- حرائق عديدة تجتاح بلدات في لبنان و-تلامس منازلها-
- عقوبات أمريكية على مسؤولين أتراك وترامب يطلب وقفا فوريا للعم ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - قصة الموسيقى الغربية – كيروبيني