أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مختار سعد شحاته - العاطفة والسياسة















المزيد.....

العاطفة والسياسة


مختار سعد شحاته
الحوار المتمدن-العدد: 4127 - 2013 / 6 / 18 - 00:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تمهيد بسيط:
خلق الله كل المخلوقات وميز ومايز بينها من خلال ما يراه البعض انكشافًا لعواطفهم ودواخلهم التي تحركهم نحو فعل ما، وهو ما يجعل بعض المتخصصين من علماء الأنثربولوجيا يحاولون وضع النظريات التي يتم التصرف على اعتبارها، لكنها–وهو رأي شخصي- أن لا قاعدة حاكمة لهذه العواطف، ويمكن على اعتبار وجودها تقسيم العالم إلى فئات ومجموعات، فكثير من العوامل تختلط حين نتكلم عن العاطفة، وهو ما يسبب تلك الحيرة والارتباك الناتج عن رصد بعض التصرفات المدفوعة بعاطفة ما، ما السر وراء الفعل ورد الفعل؟ ما العاطفة التي تحرك نحوه؟ كيف يمكن لنا أن نقولب نماذج إنسانيا تبعا لهذا السلوك الناتج عن عاطفة ما.

إشكالية مجتمعية:
ظهرت في الثورة المصرية مجموعة من العبارات التي حاولت وصف عاطفة ما، أو التنظير لسلوكيات ثورية على أرض الواقع، اعتمادًا على إرجاع تلك السلوكيات لعاطفة بعينها، فكلنا تسمع او قرا هذه الجملة "كسر الخوف"، وهو ببساطة وبعيدًا عن تعقيدات تحليلية أنثربولوجية، هو اختصار لمجموعة من العواطف التي ربما اختلطت ببعضها لتنتهي إلى السلوك المبرر بالجملة ذاتها "كسرنا الخوف"، وهو ما أراه يحدث دون وعي حقيقي لكونه يحدث، وأقصد هنا الوعي الإنساني باختلاط تلك العواطف واندماجها وانتاجها لعاطفة جديدة، تأخذ من جينات العواطف التي اختلطت ومن أشكالها ظاهريا أو داخليا لتنتج في النهاية ظاهرة ما، ولأقرب بمثال بسيط، فالجنيين ربما يأخذ لون عينيه من الام ويأخذ لون الشعر من الأب، ومهما قارب في شكله الأب أو الأم لكنه يبقى مختلفا بشكل ما، لكن للوهلة الاولى حين تراه تسأله "أنت ابن فلان أو فلانة؟"، والسؤال هنا لأننا انتبهنا إلى ظاهر الجين، فاكتشفنا أنه قريب بدرجة ما من الأب أو الأم، ومتى بدأ في رحلة حياته يزداد الانكشاف بأنه مخلوق مغاير في تفاصيل كثيرة، تجعله وحدة مستقلة مقارنة بالأبوين، وهو في رأيي الشخصي- ما يعزى إليه الكثير من الامثلة الشعبية التي تحاول إثبات الأبناء لوالديهما، تأكيدًا على أننا نميل إلى اغفال هذا التفرد الجديد في الجيل الذي اندمجت فيها الجينات وموروثاتها لتاتي بجيل الأبناء المخالف حقيقية للأباء والأمهات. وهو أيضا له شواهد من المثل الشعبي، ولنكتفي بمثال واحد للحالتين، ففي الاولى حين نريد إغفال التغيير في جيل الأبناء نميل إلى تطبيق قانون شمولي يُغلق بعض التصرفات للأبناء وإلحاقها بالجين الوراثي فتسمع المثل يقول "اكفي القدرة على فمها تطلع البنت لأمها"، وأظنه يشير إلى ميلنا أن نثبت عاطفة ما ونتعامل معها بما خبرناه من خبرة سلوكية مع هذه العاطفة وهو ميكانيزم اجتماعي لا إرادي بل وجمعي مجتمعي. وأما المثل الآخر حين ندرك حجم الفروق بين جين الأباء وجين الأبناء؛ ستجد المثل الشعبي "يخلق من ضهر العالم جاهل ومن ضهر الجاهل عالم"، أي أننا على الدوام نتناوب بين حالة من الاستقرار العاطفي، والميل إليه لتفسير السلوك المجتمعي بشكل سريع للتعامل معه وتكوين ردود أفعال، وبين ما يمكن ان نسميه واقع الصدمة حين نفشل في تقديم المبررات لسلوك ما ناتج عن كوننا لم ندرك طبيعة الاختلاف والتبدل في العواطف فيما بين جيل الآباء والأبناء، فنسرع إلى محاولة تثبيت قاعدة ثابتة لمساعدة العقل على فهم هذا التغيير وقبوله فنقول "يخلق من ضهر العالم جاهل...".

الثورة المصرية والعواطف:
دعونا نرجع إلى الثورة المصرية ونحاول أن نطبق ذلك عليها، ونعود لنفس العاطفة "الخوف" والسلوك الناتج عنها نتيجة للفعل الثوري على أرض الواقع، وكيف وصلنا إلى "كسر الخوف"، هنا أظنه خوف آخر الذي نتحدث عنه، هو ما يمثل جيل الأبناء، بينما الخوف بمعناه السهل المباشر هو ما يمثل جيل الآباء، ففي بلاد الربيع العربي بوجه عام، وفي خصوصية مصرية، ستجد مجموعة من العواطف التي سيطرت وكلها كانت ممتزجة بالخوف، ولما زادت مساحة العنف وصوره بما شكل صدمة اخلاقية وعاطفية للثوار على الأرض أنتج فوضى عاطفية حين خلط كل هذه العواطف التى امتزجت كلها بالخوف المباشر الأول، وتظل طوال صدماتها العاطفية نتيجة القمع الزائد والقتل ومشاهد العنف والاتهامات الكثيرة، تنتج هذه الفوضي عواطف جديدة هي جيل الأبناء، لكن لكون أصحابها لا يعرفون عنها حتى لحظة ميلادها، فيميلون لاستخدام أبرز جين عاطفي في تلك الفوضي، ليجد الخوف المختلط مع كل العواطف والأمل والإحباط، فيميل إلى توصيف كل ما حدث له من تغيرات عاطفية بأنه ذات علاقة بتلك العاطفة وهي الخوف، فيقرر "كسرنا الخوف".
الحقيقة هكذا لا خوف كُسر ولا غيره من العواطف تم تنحيتها، إنما هي عواطف جديدة تولدت نتيجة لفوضى العواطف السابق، ولما لم يدرك حقيقته صاحبه يميل إلى وصفها بعاطفة مشاركة بمدها الجيني بكثرة في هذه العاطفة، وهكذا يتم استبدال عاطفة الخوف المباشر الطبيعي، بعاطفة جديدة تماما لا نعرفها لكننا نسميها "الخوف المكسور".

عاطفة جديدة وليدة:
دعوني أضرب مثلا واقعيا من واقع الثورة المصرية وما أحدثته في عالم العاطفة لدى الثوار، الحدث ملاحظة بسيطة حين كنتث بصدد مشروعي الادبي والفني "العاصمة السرية" في قرية منية المرشد في أقصى شمال الدلتا، القرية تابعة للمدينة والمركز الام مدينة مطوبس، تاريخ من العداء غير مبرر بين القرية والمدينة تلك بشكل خاص ومبالغ فيه، ربما يعددون له أسبابه على الطرفين، وهو عجيب حين تعرف ان المدينة تعتمد في معظم مؤسساتها على أبناء القرية، وان أبناء القرية يعتمدون كثيرا على المدينة في كسب عيشهم وشراء حوائجهم اليومية، وهما يدركان ذلك تماما، لكنهما يتعمدان اغفاله حين التعاملات الرسمية او التجارية، لتبقى شعبية الخلاف على مستوى مجتمعي شعبي معلنة وصريحة بوضوح شديد. وحين حدثت الثورة المصرية وقام شباب القرية باعتصام ضد رئيس مجلس المدينة قاومهم البعض من المدينة، لكن كلما كانت أحداث الثورة تتابع بعد حادثة اعتصامهم تلك في فبراير 2011، وفي موجة المظاهرات التي اجتاحت مصر بعد الحكم في قضية قتل الثوار ضد رأس الدولة المخلوع وولديه ومعاونيه، بدات عاطفة جديدة تتشكل ليست الحب لكنها نوعا من الحب أو غيره، ليحدث لأول مرة في تاريخ القرية والمدينة هذا النوع من العواطف، فيتحد شباب ثوارهما معا، بل وتنشأ صداقة قوية بينهما مخالفة لتاريخ العداء الشعبي بين المكانيين، وهو عجيب حيث مزج كراهية غير مبررة بغيرها من العواطف، فأنتج عاطفة جديدة استطاعت أن تجمع بين البلدين، فأخذت الكراهية أرضًا لها وأنتجت تلك الصداقة التي بُيت على كراهية وهو شيء عجيب، هنا في هذه الحالة الفعل الثوري بما احدثه من فوضى العواطف، وتفجيرها هو ما جعل تلك الصداقة ظاهرها هشًا لكنه في حقيقته قويأ، او العكس فلربما حين تهدا انفجارات العواطف الثورية تلك تظهر روابط جديدة نتيجة لعواطف جديدة.

تحدي أنثربولوجي جديد:
خلاصة الأمر، فالسياسة والحركات الثورية لها أثر قوي في تحريك العواطف البشرية، وهو ما يجعل البعض يبرر لاستخدام مدغدغات للعواطف كالدين والوطنية والخيانة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وكلها أمور من شأنها أن تفجر مجموعة من العواطف وتمزجها لتنتج عواطف أخرى جديدة لم يحن بعد الوقت لتدقيقها بشكل علمي صحيح، لكي نعطيها اسمها الحقيقي. وهنا تبرز مسئولية علماء الأنثربولوجيا، فهم بصدد تحدي عظيم في وضع وصف حقيقي لتلك العواطف الإنسانية الجديدة ووضع مسميات دالة حقيقية عليها بحيادية مطلقة دون الوقوع في فخ الشكل الظاهر لها او مجرد سلبها كما حدث في مثال الخوف الذي سلبناه غلى "كسر الخوف". فهل يحدث وينجح العلماء الاجتماعيين بشكل عام في فك هذا الاشتباك؟ ربما يستدعيهم ذلك تاريخ طويل حتى تهدأ تلك العواطف الجديدة وتبدا تُعلن عن نفسها بشكلها الجديد الذي يميزها بشكل ما ويحدد لها.
تبقى ان أشكر الرائعين ممن شرفت بصداقتهم ونقاشهم حول الموضوع من علماء الانثربولوجيا الذين تقابلت معهم في مؤتمر "العاطفة والسياسة" بالمعهد السويدي بالإسكندرية نهاية مايو الماضي، مثل الدكاترة "صامولي شيلكه، محمد طبشات، إيمون كرايلي"، وغيرهم الكثير.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,059,076,713
- مسلسلات رجالي دوت كوم/ قلش رخيص.. الحلقة الأولى: الصراحة راح ...
- معركة أخيرة فاصلة.
- -درس تاريخ-..عشر مقاطع من التاريخ، ومقطعان لأمي، ونهاية واحد ...
- حين يكتب التاريخ.
- عم موسى ليس نبيًا.. قصة قصيرة.
- تهيس.. فيلم بالعامية المصرية من 3 مشاهد
- بين رابعة العدوية وشفيقة الجرجاوية
- -شفيقة- و-رابعة- كلتاهما شهيدة العشق.
- في صعيد مصر.
- حين تبت يدا أبي لهب.
- تمردوا يرحمكم الله.
- رسالة الأحلام.. عامية مصرية.
- بين الامتنان والانبساط.
- ابنة الربيع
- رسالة خاصة إلى النيل.. نص أدبي.
- محطة سيدي جابر بعد التطوير.
- أنا نبيُ.
- أنا قابل .. عامية مصرية.
- ال Nickname : هوجة ولا ثورة؟
- محطات للوجع.. قصة قصيرة.. إلى شاعر العامية الرائع/ محمد بهاء ...


المزيد.....




- إيران تسخر من بيان ترامب بشأن خاشقجي: ربما نتحمل أيضا مسؤولي ...
- تركيا: تعاون السعودية بقضية خاشقجي ليس مرضيا وقد نطلب تحقيقا ...
- بالفيديو.. كوريا الشمالية تفجر 10 مواقع حدودية في المنطقة ال ...
- السويسريون يصوتون للحفاظ على "كرامة الماشية" أو قط ...
- كيف نحصن أنفسنا من الأخبار الكاذبة؟
- السويسريون يصوتون للحفاظ على "كرامة الماشية" أو قط ...
- دول غربية تهدد بالإنسحاب من الأنتربول في حال انتخاب الجنرال ...
- مقتل قائد و5 من مرافقيه بالجيش اليمني في كمين لـ-أنصارالله- ...
- تعيين كوخافي رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي خلفا لآيزينكوت
- حاخام أمريكي علاقته وثيقة بحكومات عربية: دول خليجية ستقيم عل ...


المزيد.....

- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مختار سعد شحاته - العاطفة والسياسة