أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حسين محمود التلاوي - بين عمرو دياب وأم كلثوم... عن التأثير المصري نتحدث!















المزيد.....

بين عمرو دياب وأم كلثوم... عن التأثير المصري نتحدث!


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy )


الحوار المتمدن-العدد: 4081 - 2013 / 5 / 3 - 10:01
المحور: سيرة ذاتية
    


أعشق وسط البلد.
أشعر وكأن هذه المنطقة كيان منفصل له قواعده المختلفة تمامًا عن قواعد المناطق المحيطة. ربما كان لكل مكان قواعده المميزة، ولكن يبقى دومًا الهامش المشترك بين تلك القواعد، والذي يضيق أو يتسع، لكنه يظل موجودًا.
لكن وسط البلد أراه كأستثناء... فلا قواعد مشتركة مع غيره من الأماكن!
ولكن... أين تبدأ حدود "دولة وسط البلد"؟ وأين تنتهي؟!
لا أحد يدري. ولكن ربما يتعيّن عليّ أن أقول على وجه الدقة "إنني لا أدري"؛ فمن الممكن أن تكون "هذه الدولة" واضحة الحدود والمعالم لدى آخرين. من يدري؟!
ولكن على سبيل رسم الإطار العام لا التحديد الدقيق، يمكنني أن أقول إن وسط البلد تبدأ من ميدان التحرير ممتدةً إلى الشوارع المتفرعة منه مثل طلعت حرب وصولًا إلى قصر النيل وعدلي، حتى ينتهي المطاف بميدان الأوبرا الذي يمثل الحد الطبيعي الفاصل بين "دولة وسط البلد" ودولة أخرى هي العتبة.
في وسط البلد تجد كل شيء؛ الترفيه والثقافة والفن والاستهلاك والخلاعة والطعام والسياسة والدين و... إنه دولة قائمة بذاتها كما سبق أن قلت.
وأكرر، أعشق الوسط البلد.
لم أر هذه المنطقة منذ فترة طويلة لظروف طبية تمنعني من السير لفترات طويلة، ولكن الفرصة الذهبية لاحت أخيرًا ممثلة في موعد في إحدى العيادات بشارع قصر العيني.
لقد جاء المبرر لكي أقوم بنزهة اشتقت لها طويلًا، وأمارس فعل السير في وسط البلد دون أن أخشى لوم الأطباء أو الذات!!
أجلس على مقهى أم كلثوم المواجه لسينما كايرو بالتوفيقية طلبًا لبعض الراحة بعد جولة في وسط البلد. ورغم أن الكتابة بالقلم تورثني الكثير من الآلام في أصابعي، لم أستطع مقاومة إغراء أن أخرج أحد الدفاتر من حقيبتي وقلمًا وأبدأ في الكتابة... ربما خشيت أن تضيع مني المشاعر والأفكار التي ملأتني إن انتظرت إلى حين العودة للمنزل والكتابة على الحاسب الآلي، وهي الكتابة الأقل مشقة من الكتابة الورقية...
ولكنّ للورقة والقلم سحرًا خاصًا...
وكذلك لوسط البلد...

عمرو دياب يردد "ألومك ليه؟!"... أسمعه وأنا جالس على مقهى أم كلثوم؛ فتثور
في ذهني الكثير من الأسئلة عن الاحتواء والامتزاج في المجتمع المصري. ترى،
أين ذهبت هذه القدرة المصرية؟!

بيد أن الأمور لم تعد كما كانت في تلك الدولة — الوطن. لماذا؟! ربما لا تزال أرواح الشهداء تظلل المنطقة مطالبة بقصاص تأخر لدرجة أنه كاد يدخل في غياهب النسيان. وهكذا نجد مبررًا لأن الأمور لم تعد كما كانت في هذه الدولة. ولكن... هل نقولها بضمير مرتاح؟!
لا أعتقد. فإحقاقًا للحق، كان التغير هذا قد بدأ من قبل ثورة يناير؛ فلا داعي إذن لأن نحمل الشهداء اللوم ونقول إنهم من أفسد جو "الدولة" بسبب مطالبتهم بالقصاص... فقط القصاص ولم يقولوا الثأر!!
ربما هو الواقع المعيشي الصعب؟!
من المحتمل، ولكن مرور مندوبة المبيعات الصينية أمامي يقول إنها هنا لأننا سوق رائجة. وإلا لما جاءت إلى هنا...
أو ربما هو التغير القيمي... الاهتزاز الذي يضرب المنظومة القيمية المصرية منذ سبعينات القرن العشرين جراء تحرير الاقتصاد، والذي بات يسير حاليًا نحو تحرير المواطن من ثيابه!!

الطريق إلى وسط البلد
كانت البداية بالخروج من محطة الأوبرا في مترو الأنفاق، مع قرار بالسير إلى ميدان التحرير عبر كوبري قصر النيل. أعبر الكوبري يرافقني الترمس بالليمون في كوب بلاستيكي في تمشية وقت العصر، والنسمات الرائعة "بلا مبالغة" تدفن الهموم في مكان آخر مؤقتا إلى حين... كان هذا الترمس هو أول طعام أتناوله منذ الصباح ضاربًا عرض الحائط بتعليمات الأطباء في الانضباط وتوسلات المحيطين بالانضباط في الطعام والشراب وتناول الدواء.
هي لحظة تمرد...
ربما لذة بدء التعافي...
أو هو سحر وسط البلد...

ورغم ذلك.... لم يعد لميدان التحرير رونقه. ذلك السحر الذي كان يشع منه، والذي تضاعف بفعل الحس الثوري الذي تدفق منه في يناير 2011.
تراجع الحس الثوري، وتلاشى البريق، وأصبح ميدان التحرير "صحراوي" الطابع، إن جاز التعبير... لماذا؟! لست أدري سر هذا الإحساس، ولكن العطر السحري الذي كان يفوح من زهور خفية تراجع. ربما ذبلت الورود هذه، أو عادت إلى غياهب عالمها السحري، الذي طلت علينا منه يومًا ما.
ترى هل لم يطب لها المقام؟!
ولكن، سواء كان الاقتصاد الحر هو السبب أم ارتباك ما بعد الثورات، فإن هذا يطرح إشكالية كبيرة للغاية تعانيها مصر، وهي الاحتواء والامتزاج.
كيف؟!
كانت مصر دومًا ملتقى المختلفين؛ المختلفين الذين يصل اختلافهم لحد التعارض أحيانًا. فقيل إن مصر كالبوتقة تصر كل من يأتي إليها، ويصبح الجميع مزيجًا واحدًا. ومن بين أمثلة هذا "التأثير المصري" على الوافدين ما حدث مع الإمام الشافعي رحمه الله، عندما صاغ فقهًا جديدًا بعد إقامته في مصر.
فهل فقدت مصر هذه القدرة؟! هل فقدت قدرتها على الامتزاج والاحتواء؟!

الامتزاج؟! هل ولّى زمانه؟!
في واقع الأمر، المكان الذي أجلس فيه دليل على أن هذه القوة لا تزال موجودة، ولو بنسبة ضئيلة؛ فمقهى أم كلثوم يبث أغاني لعمرو دياب في التقاء فريد بين الأصالة والمعاصرة. نجح المكان في اجتذاب الزبائن الراغبين في الجلوس في ظلال وروح أم كلثوم؛ بينما كذلك اجتذب الراغبين في الجلوس على مقهى "محترم" مع سماع أغاني خفيفة يعرفونها.

بالمناسبة، في هذه الأثناء، "عمرو دياب" ينادي على حبيبه قائلا: "بأناديك تعالى"
لأن العمر لن يحلو إلا بهذا الحبيب. فيما بدأت أصابعي تجد صعوبة في الإمساك
بفنجان القهوة بسبب ضغط الكتابة. ولكنني لا أتوقف فقد اجتاحتني حمى الكتابة
وفق تعبير كاتب الوجودية المؤمنة "سورين كيركجارد".

كانت وسط البلد في الماضي منتزهًا للطبقة الأرستقراطية، قبل أن يتحول مع قيام ثورة يوليو 1952 إلى مرتاد للطبقة الوسطى، إلى أن أصبح مع بدء سياسات الانفتاح مكانًا لتصريف البضائع المهربة من بورسعيد وقت أن كانت المنطقة الحرة بها.
تحملت منطقة وسط البلد هذه التقلبات، واستطاعت احتواءها، وصبغ كل هذه التحولات بصبغة أرستقراطية، أضيفت إليها لمسة شعبوية مع قيام ثورة يوليو. ووقف التجار الأجانب الذين لم يتركوا مصر بعد الثورة جنبًا إلى جنب مع التجار الجدد، وامتزج الجميع واقتسموا وسط البلد؛ فمثلًا كان شارع شواربي لأصحاب البضائع المهربة.
إنه الاحتواء والامتزاج...
فماذا حدث إذن؟!
لا أحد يمكنه أن يمسك بتلك اللحظة المفصلية التي تبدأ عندها الأمور في التغير. فمثلًا، لا يدرك الرقم 2 أنه تغير وأصبح 2.01؛ لأن التغير هامشي ومحدود، ولكنه يفاجأ بأنه أصبح 2.50!! متى أصبح كذلك؟! لا يدري، ولكنه تغيرات هامشية وطفيفة متوالية يفاجأ بعدها الإنسان بأن هناك تغيرًا كبيرًا قد وقع دون أن... ماذا؟! دون أن يتمكن من الإمساك بتلك اللحظة المفصلية، التي بدأ عندها التغيير.
التنافر بات هو السمة الأساسية في وسط البلد؛ فلم يعد امتزاجًا بين المكونات، ولكنه بات نوعًا من التنافر والعدائية. أرى أن وسط البلد لم تعد ترحب بالزائرين على سبيل المثال، من حيث تنوع المعروضات. فرغم كثرة المحال التجارية، يمكن للمرء أن يدرك أن هذه المعروضات لا تلبي حاجة المارة من حيث الذوق والسعر وغيرها من التفضيلات. فهل المشكلة في رواد وسط البلد؟! أم في المعروضات؟! لم يعد هناك اتساق بين هذين العنصرين المحوريين؛ الرواد والمعروضات. هل اختلف الرواد؟! من المؤكد أن هذا قد حدث؛ فلا ريب أن كل هذه التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تركت بصمتها على الطبقات الاجتماعية المصرية. ولكن معروضات وسط البلد لا تزال كما هي!! فهل عجزت منطقة وسط البلد عن استيعاب هذه المتغيرات؟!
الواقع يقول إن وسط البلد تفاعلت في جزء منها مع هذه المتغيرات، ولكن للأسف بالطريقة غير الرشيدة، والنموذج هو مقاهي وسط البلد التي كانت مكانًا للمثقفين ومعمل لصياغة الأفكار باتت اليوم على غير هذا الطابع؛ حيث أصبح روادها الأساسيون من أصحاب المحال غير الراغبين في البقاء في محالهم بسبب الركود الحاد، الذي يتناقض في جزء منه مع مرأى مندوبة المبيعات الصينية!! فهل الصينية أكثر قدرة على استشعار التغير من صاحب المحل؟! أم أن صاحب المحل لا يريد أن يخفض من مستوى ما يبيع حتى لا يصبح حاله مثل حال المقاهي؟! إنها عدم القدرة على الاحتواء... احتواء التغيرات. وبين التغيرات ورفض أصحاب المحال التفاعل معها، تضيع الأسباب الأساسية وراء تراجع القدرة على الاحتواء.

مذاق مصر الثقافي
لكن المباهج لا تزال في وسط البلد، ومن بين هذه المباهج مذاق مصر الثقافي؛ فكل حجر في هذه "الدولة" يخفي أسفله مكتبة أو دار نشر!
الكتب أرخص من المكتبات.
هذه حقيقة أسعدتني، وما أسعدني أيضًا أنني أحصيت عددًا من المكتبات ودور النشر يوازي عدد محال المطاعم، ولكن الفارق كان كبيرًا للغاية بين عدد المرتادين لمصلحة المطاعم بكل تأكيد، ولكن هذا قد يرجع جزئيًا إلى أن الكتب بطبيعتها أبطأ في الاستهلاك من الطعام؛ فالكتاب من الممكن أن يظل مع صاحبه لشهر، بينما الطعام ليس كذلك إطلاقًا! وبالتالي سيكون من الظلم مقارنة عدد رواد المكتبات بعدد رواد المطاعم.
أدخل الهيئة المصرية العامة للكتاب؛ فأجد إبداع القرون أمامي دون مبالغة، وبأسعار في متناول من هم تحت خط الفقر، إن أرادوا الثراء ثقافيًا.
تجولت في مكتبة الهيئة، ورحت أتصفح هذا الكتاب، وأقرأ فهرس ذاك، وأقارن بين هذين الكتابين. تجولت ورفعت قامتي وأحنيتها بين أرفف الكتب متناسيًا كل ما في بدني من متاعب، ومتجاهلًا صراخ قدميّ طلبًا للراحة.
أبتاع مجموعة من الكتب لم يصل أغلاها سعرا إلى مستوى الجنيهات الأربعة، علمًا بأنها كلها من الدراسات المحكمَّة أو الموضوعات المترجمة، وليست مجرد كتب للترفيه والترويح وكفى. ولكنه مصر الثقافية!
لا يمكن بأية حال أن تتخلى الدولة عن دورها في رعاية المواطن، حتى لو كان ذلك بشكل جزئي، طالما كانت مسئولة عن معاناته. لو رفعت الدولة يدها عن قطاع الثقافة، لأصابه ما أصاب الكثير من القطاعات التي رفعت الدولة يدها عنها. ولكن في الوقت نفسه، هناك معادلة يجب على الدولة الاتزام بها، وهي أن ترعى قطاع الثقافة دون أن تمارس رقابة على مضمون هذه الثقافة؛ فرعايتها تهدف إلى توفير "الثقافة" للمواطن بأسعار في متناول يده، لا أن تفرض عليه "مضمون" هذه الثقافة.
أخرج محملًا بالكتب التي اشتريتها من هيئة الكتاب، وأعاود السير في وسط البلد متأملًا وجوه المارة.

شباب وبنات وديمقراطية وسط البلد!!
ألحظ العبوس على وجوه المارة. حتى الشباب عابسو الوجه. ربما الفتيات الصغيرات فقط هنّ من كنّ يحملن الابتسامة. ولعل ذلك للخلو من الهموم؛ فهل ننتظر خمس سنوات مثلًا كل نرى البسمة تتلاشى!؟
لا آمل أن يحدث ذلك.
هنا أصل إلى المقهى، وأجلس لأمسك القلم وأكتب. فتيات صغيرات وشباب يجلسون على طاولة مقابلة لطاولتي بشكل ما. أتأمل الوجوه؛ فأرى الأمل بالفعل ولكن باللمحة نفسها من العبوس في وجوه الشباب، مع التألق والبسمة في وجوه الفتيات. ربما لا تعرف الفتيات قيمة فاتورة الحساب لذلك يضحكن!!
أتذكر موعد الطبيبة؛ فأنقد العامل حسابه، وأحتسي ما تبقى في كوب النسكافيه،.
أذهب للموعد، ثم أعود لوسط البلد...
شارع طلعت حرب...
أتضور جوعًا وتعليمات الطبيبة لا تزال طازجة في أذني بضرورة الالتزام الشديد بنظام غذائي محكم.
أقابل أحد مطاعم الماكدونالدز لكن شيئًا داخلي يدفعني لرفض الدخول. حقًا أرتدي الجينز المعبر عن الثقافة الأمريكية (رغم أصوله الإيطالية)، وحقًا أستفيد كمواطن من المعونة الأمريكية المقدمة لبلادي، ولكنني أجد في الماكدونالدز رمزًا ثقافيًا يتعارض تمامًا مع ما تمثله لديّ هيئة الكتاب!!
يستقر بي المقام في أحد المطاعم التي لم أعرف قبل أن أدخلها الطبق الرئيسي الذي تقدمه. دخلت فوجدت الطبق الرئيسي كشري!! حسنًا، لا بأس على الإطلاق كي تكتمل الدائرة الشعبوية!! أبحث عن منضدة أريد قدر الإمكان أن تكون منعزلة. وجدت ضالتي؛ فأعطيت ظهري للرواد وجعلت وجهي في الحائط.
6 فتيات يجلسن وقد ملأن المكان صخبًا بكل ما يمكن قوله في مكان عام من مشاحنات وطلبات للطعام وضحكات.
لكن كلمة "فلسطين" صكت مسامعي؛ فالتفت برأسي للوراء لفتة عابرة فوجدت شابين في سن التعليم العالي يجلسان، وقد انهمكا في الحديث وتناول الطعام. أحدهما يردد قدرًا غير معقول من الأكاذيب عن الفلسطينيين بدءًا من كونهم شياطين حتى مسئوليتهم عن ضياع بلادهم بسبب بيعهم أراضيهم لليهود قبل عام 1948!!
مديح هائل للكيان الصهيوني ترافق مع هذه الأكاذيب بشأن الفلسطينيين، ولكن هذا لم يلفت انتباهي؛ فما لفت انتباهي كان التعاطف الهائل مع "المدنيين" الإسرائيليين" في مقابل "شيطنة" الفلسطينيين.
لم أشأ الدخول في مناظرة كلامية لن تنتهي إلى شيء؛ لكي لا أفسد مزاج اليوم، وكذلك التزامًا بتعليمات الطبيبة!
لكنه طابع وسط البلد...
إنه الطابع الذي يعطي الجميع مساحة متساوية؛ وهو الأمر الذي تأكدت منه عندما تفحصت المحال التجارية.
الكل له قسم مساو للآخر. كيف؟!
هناك سلسلة محال ملابس ولوازم منزلية تحمل اسمًا "إسلاميًا" وترفع شعارات ذات طابع ديني. لمحال هذه السلسلة طابع مميز في مختلف المناطق التي تتواجد بها، ولكن هذه المرة كان المحل في وسط البلد "عاديا" دون طابع مميز؛ ليصبح محلًا مثله مثل غيره؛ فلا مجال للتمييز بين محال وأخرى.
كذلك، المحال أجنبية الطابع لم يكن طابعها "الأجنبي" بارزًا مثلما هو الحال في مناطق أخرى مثل مدينة نصر والمعادي والسادس من أكتوبر التي تتناثر فيها هذه المحال.
الكل له قدر لا تجاوزه.
هذه هي ديمقراطية وسط البلد.... فهي دولة وسط في كل شيء!!

وبعد؟!
أخرج من المطعم لأواصل التجوال في وسط البلد.
الظلام حل نهائيًا، وبدأت الأنوار في التألق.. ولكنني أعود وأكرر: لم يعد لهذه المنطقة البريق السابق. ولست أدري لماذا...

ألمح غلافًا لأحد الكتب يحمل اسمي كمترجم له في واجهة إحدى المكتبات.

أسير في الشوارع الجانبية متفحصًا محال لوازم السيارات والأدوات الكهربية، ثم أخرج لأجدني أمام متحف التحرير.
محاولة بائسة لعبور الطريق — بقدمي البطيئتين وسط السيارات المسرعة — حتى أصل إلى موقف الميكروباصات على الجانب الآخر، لكن يتعين عليّ أن أعبر نهري الطريق لكي أصل إلى هذا الموقف.
لا إشارات... لا لجان شعبية... لا شيء...
شاب يسير مسرعًا أمام السيارات؛ فأجبر قدميّ على السير بجواره بسرعة موازية له فأعبر نصف الطريق! ولكن في النصف الآخر، زاد من سرعته؛ فعجزت عن اللحاق به، وهنا اضطررت إلى أن أشير للسيارات لكي تهدأ، فاستجابت واحدة، وهو ما كان كفيلًا بمنحي تذكرة الأمان للجانب الآخر من الطريق.
ألقي نظرة سريعة على وسط البلد، قبل أن أدخل موقف ميكروباصات ميدان عبد المنعم رياض؛ الذي كان مسرحًا لأحداث موقعة الجمل وللعديد من الفعاليات الثورية أثناء الأيام الـ18 لثورة يناير، وما بعدها.
أتذكر وأستعيد ما سمعت وما شاهدت.
أتذكر أنني جلست بادئًا كتابة هذه السطور على مقعد يحمل اسم كوكب الشرق، ولكنني استمعت فيه إلى أغاني عمرو دياب.
لقد احتوى المقهى التمايزات والاختلافات، واستطاع البقاء محافظًا على روحه بالوصلة المسائية لأم كلثوم، ومواكبة الجديد والتماشي معه بالفترة المسائية لعمرو دياب وغيره من مطربي الأغنية الحديثة. فبين أغاني دياب وروائع أم كلثوم، لا يزال المقهى يجذب الزبائن؛ بل إن زبائن من كبار السن بدوا مستمتعين بأغاني عمرو دياب؛ باعتبارها تجديدًا في نمط الجلوس على المقهى!

شخصيًا أجد بعض الاستمتاع الشعوري في الأغاني الهادئة لعمرو دياب، فيما أعشق
روائع أم كلثوم كلها (علمًا بأني لست من كبار السن، ولا من صغاره!).

رغم ارتفاع التكلفة النسبي للمواطن العادي...
ورغم تراجع صورة المقهى بشكل عام لدى المصريين عما كانت عليه في السابق...
استطاع المقهى البقاء مستوعبًا كافة الأذواق كنموذج لما يمكن أن يطلق عليه "التأثير المصري".
ذلك التأثير الذي يمكن القول إنه بدأ يغيب عن وسط البلد... أو لنقل... أوشك على الرحيل فعلًا... فهلّا استعاد المصريون تأثيرهم؟!
******





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,679,497
- حلوة بلادي...!! إفطار في الجمالية...!!
- بعد 9 أشهر... ألم يولد مشروع النهضة بعد؟!
- هل الإنسان -الحر- أسطورة؟؟!! الذات الإنسانية قيدا وقائدا
- القومية العربية... ألا تزال حية؟!
- الثقافة العربية الإسلامية... هل نحن أمام خطأ تعبيري؟!
- الخطايا... كيف تخسر الطبقة الوسطى صراع بقائها بالنيران الصدي ...
- الطبقة الوسطى... العميل السري لأنظمة القمع العربية!
- 3 أرغفة لكل مواطن... 3 عمارات لكل مالك!!
- ملاحظات خاطفة على الفكر الهيجلي
- إحسان عبد القدوس... لماذا الآن؟!
- هند والدكتور نعمان... والحالة المصرية عربيًا!
- الثورة المصرية... ثورة لم تكتمل
- الحكاية الأحوازية المنسية عربيا
- ماذا تبقى لكم؟!
- رؤى حول بعض نظريات تفسير نشأة المجتمع وتطوره
- -العالم الآخر الممكن- لم يعد ممكنا!
- المنتدى الاجتماعي العالمي في مهد الثورات العربية... بين اليس ...
- المرأة بين حضارات الشرق والغرب
- الإسلام... بين النقيضين!
- شموئيل عجنون... القلم الكاذب


المزيد.....




- بو علي المباركي: -الاتحاد العام التونسي للشغل- معني بكل الا ...
- إدارة ترامب تتجاوز الكونغرس وتقر مبيعات أسلحة للرياض وأبو ظب ...
- الخارجية الكويتية: مستعدون لبذل أي جهود لتجنب الصدام في المن ...
- غوتيريش يؤكد للرئيس اليمني ثقته في مارتن غريفيث
- انفجار في ليون شرق فرنسا لجسم مشبوه واصابة عدد من الأشخاص
- مشرعون أميركيون: ترامب يتجاوز الكونغرس لبيع أسلحة للرياض وأب ...
- أردوغان: تركيا قد تمدد تخفيضات لضريبة الاستهلاك الخاصة على ا ...
- بومبيو: صفقة سلاح بأكثر من ثمانية مليارات دولار للسعودية وال ...
- الأميرة البريطانية الصغيرة شارلوت تنضم لشقيقها جورج في مدرسة ...
- قطر تعلق على -ورشة البحرين-: تتطلب صدق النوايا


المزيد.....

- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي
- لن يمروا... مذكرات / دولوريس ايباروري (لاباسيوناريا)ه
- عزيزة حسين رائدة العمل الاجتماعي - حياة كرست لصناعة الامل وا ... / اتحاد نساء مصر - تحرير واعداد عصام شعبان - المنسق الاعلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - حسين محمود التلاوي - بين عمرو دياب وأم كلثوم... عن التأثير المصري نتحدث!