أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (14)















المزيد.....

الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (14)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 4057 - 2013 / 4 / 9 - 12:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الهوية العراقية – إشكالية طارئة ومرجعية ثابتة

إن إشكالية الهوية الوطنية العراقية هي الحلقة المكملة لإشكالية الراديكالية السياسية. وعلى كيفية تأسيس حلولها العقلانية يتوقف المسار العام والخاص للبدائل في العراق في مختلف المجالات والمستويات. وهي إشكالية تشكل الآن عصب الرؤية المتوترة للواقع والإمكانيات والاحتمالات، وذلك لما فيها من اثر جوهري على كيفية إعادة اللحمة الاجتماعية والسياسية بمعايير الرؤية الوطنية أو التفريط بها لصالح بنية متخلفة مثل الطائفية والجهوية والعرقية والقومية الضيقة أو الشوفينية.
فالحدس يوحي إلينا، بان الأطلال هي إشارة ودلالة على "وجود ما" يجعل من الأفراح والمآسي الهائلة مجرد بقايا قابلة للتصوير بعبارات اللوعة والحسرة وبمشاعر الرومانسية المفرطة في التعويض عما لا يستجيب لذوقنا عن الجمال وإدراكنا للفضيلة. ولكن حالما نضع هذه الأفكار ضمن سياق ومتطلبات الرؤية السياسية الواقعية تجاه الإشكاليات الفعلية التي يواجهها العراق، فإننا سوف نقف بالضرورة أمام القضايا والمهمات الأكثر شمولا والأكبر حجما. وذلك لان العراق يواجه مشاكل يرتقي اغلبها إلى مصاف "الدرجة الأولى". ذلك يعني أن الرؤية السياسية الباحثة عن بديل لمشاكله تفترض تحديد الأولويات الفعلية والإستراتيجية لنهضته الجديدة. ولعل فكرة الهوية العراقية من بين أكثرها جوهرية، وذلك لكونها الفكرة القادرة في الظروف الحالية على استقطاب الفكر الاجتماعي والحركات السياسية صوب تكاملها الذاتي (الوطني). فهي المقدمة التي تخدم الجميع بقدر واحد.
فالتجربة التاريخية للعراق تبرهن على أن التفريط بحقيقة الهوية الوطنية، كما تجسد بصورة نموذجية في العقود الأربعة الأخيرة للقرن العشرين، هو تفريط بكافة الحقوق، بما فيها حق الحياة. الأمر الذي يجعل من صياغة رؤية واقعية وعقلانية عن وحدة وتجانس القومي والوطني فيه إحدى المهمات الأساسية من اجل تكامل الجميع في بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. فهو الثالوث القادر على احتواء صراع الجميع واختلافهم، والإبقاء قي نفس الوقت على تراكم الثروات المادية والروحية للمجتمع والدولة. كما انه ضمانة إعادة اللحمة الاجتماعية والوطنية عبر تذليل مختلف أصناف البنية التقليدية، التي لا تحمي في نهاية المطاف أيا كان. وذلك لان البنية التقليدية مهما كان شكلها ومضمونها، لا تعمل في نهاية المطاف إلا على تعميق الهوة الفعلية في الفرد والجماعة والمجتمع والثقافة والدولة، أي في كل مكونات الروح والجسد الفردي والاجتماعي لمكونات العراق الحالية. كما أنها حالة تتعارض من حيث الجوهر مع حقيقة العراق المتراكمة تاريخيا، باعتباره كينونة ثقافية سياسية.
فمن بديهيات الفكر الفلسفي العقلاني القول، بان لكل ظاهرة حدودها الخاصة بها! وهي حقيقة أقرب إلى البديهة، لكن تعقيدها الأكبر يقوم في كيفية ومستوى إدراكها الفعلي. فالعاقل يمكنه أن يدرك قيم الخير والجمال، أما تحقيقها وتجسيدها العملي فهو أمر أشد تعقيدا. وهي معضلة وقف ويقف أمامها العقل النظري والعملي، ليس فقط باعتبارها إحدى إشكالاته الفعلية الكبرى، بل ولكونها المحك الذي تقاس به حقيقة النوايا والأفعال والنتائج. وإذا كان الفكر النظري القديم، قد حاول حل هذه الإشكالية من خلال استعمال مختلف الوسائل بما في ذلك الأخلاقية والدينية، فإن التجربة التاريخية تبرهن على أن الأسلوب الأمثل لحلها يقوم في وضعها ضمن معايير الرؤية العقلانية المحتكمة إلى القانون والمرهونة بفعله. وهو وضع يتحدد مضمونه وفاعليته وقيمته أيضا بمستوى التطور الاجتماعي والسياسي للأمم وقواها الاجتماعية والسياسية. مما يفترض بدوره تربية الرؤية العقلانية بالشكل الذي يحرر الحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية من مخاطر الوقوع في تجاهل مضمون الفكرة الفلسفية القائلة، بان لكل ظاهرة حدودها الخاصة، وبالتالي، فإن تجاوز هذه الحدود يؤدي إلى خرابها. وهي فكرة سبق وان بلورتها الثقافة الإسلامية بعبارة "كل ما تجاوز حده انقلب إلى ضده". وهي حقيقة ثابتة وشاملة. وحتى حالما أجاب أحد الحكماء عندما سألوه مرة عن "حد الغباء"، قائلا "انك سألتني عما لا حدّ له"، فانه كان يدرك أيضا، بان "اللامحدود في الغباء" هو مضمون التجاوز فيه. أما في ميدان العمل، فانه يؤدي دون شك إلى الخراب والهاوية. ولعل تجربة الاستبداد الشامل في العراق وغبائه غير المحدود في تجاوز الحدود جميعا، أدى إلى انهياره السريع والمخجل!
وهو انهيار فتح الأبواب على مصراعيها أمام الاحتمالات المتنوعة والإمكانيات الهائلة بالنسبة لشروط التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. كما أنها إمكانيات واحتمالات وثيقة الارتباط في الظرف الراهن بإقرار الحد الأدنى الضروري والعام من الوحدة الوطنية. دون أن ينفي ذلك إمكانية الاختلاف السياسي حول آفاق وسبل التطور المقبلة للدولة والمجتمع والثقافة.
فقد وضع الانقلاب التاريخي الكبير الذي رافق زوال الدكتاتورية مهمة تحديد ماهية الهوية الوطنية العراقية، باعتبارها إحدى أهم القضايا الفكرية والسياسية بالنسبة لبناء الدولة ونظامها السياسي والاجتماعي وثقافتها اللاحقة. كما أنها إحدى أهم قضايا الفلسفة السياسية بالنسبة لمستقبل العراق واتجاه تطوره اللاحق. إذ تتوقف عليها أيضا مواد الدستور، ومنها يمكن توقع المسار اللاحق لبنية الدولة ومؤسساتها، وعليها يمكن وضع مبادئ التربية والتعليم. باختصار أنها تمس جميع المكونات الأساسية لبنية الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة. وهو أمر طبيعي، وذلك لان "الهوية" هي "الأنا". ومعرفة النفس هي مقدمة المعرفة الحقيقية والفعل بموجبها. وليس مصادفة أن تتوصل الفلسفة منذ زمن سحيق إلى فكرة "اعرف نفسك"! وهي حقيقة كبرى كشفت عنها أحداث العراق الأخيرة عندما "انهارت" قواه بين ليلة وضحاها! مما يشير بدوره إلى واقع افتقاد العراق إلى ذاته الأصلية أو هويته الخاصة، بسبب الانتهاك السافر لمكوناتها من جانب التوتاليتارية والدكتاتورية.
وليس المقصود بالذات الأصلية والهوية الخاصة كيانا مستقلا قائما بذاته، بقدر ما هي الكينونة المتراكمة تلقائيا من مجرى معاناة الأمم حل إشكاليات وجودها الطبيعي (الاجتماعي والسياسي والاقتصادي) والماوراطبيعي (الروحي). وبالتالي، ليست الذات الأصلية والهوية الذاتية سوى التاريخ المتجسد في صيغ معقولة وعملية لوعي الذات التاريخي والثقافي للأمم في الدولة والثقافة. وهي صيغ وثيقة الارتباط بكيفية تجسيد المكونات الجوهرية لوعي الذات التاريخي عند الأقوام والأمم. وليس مصادفة أن تسعى الأنظمة التوتاليتارية والدكتاتورية على الدوام إلى عزل الأمة عن تاريخها عبر صنع "تاريخ مقدس" للاستبداد والإرهاب، هو تاريخ مزيف بحد ذاته سرعان ما يتهدم ويندثر مع أول خرق لجدران سجونها ومعتقلاتها. وسبب ذلك يقوم في أن إبعاد الأقوام والأمم عن تاريخهم الذاتي هو الأسلوب "الثقافي" الوحيد لإعطاء السلطة "شرعية" استحكامها على الماضي والحاضر ومصادرة المستقبل. غير أن التجارب التاريخية في كل مكان تبرهن على أن هذه السياسة هي مجرد أفعال بلا مستقبل، ومصيرها المحتوم هو الزوال والاندثار بصورة مخجلة وفاضحة.
غير أن هذا الاستنتاج العام يفترض تدقيقه الملموس فيما يتعلق بفكرة الهوية العراقية، بوصفها الموضوع الجوهري لفلسفة المجتمع العراقي، إلى جانب فلسفة الاعتدال العقلاني وفلسفة المرجعية الثقافية، اللتين يتوقف عليهن آفاق ومسار التطور اللاحق للدولة والمجتمع والثقافة. ولعل الصيغة المعقولة والواقعية بالنسبة للعراق في الظرف الراهن تقوم في تأسيس رؤية بديلة يمكن أن نطلق عليها اسم "حكمة الاستعراق"، او حكمة الهوية العراقية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,775,995
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (13)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (12)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني(11)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (10)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (9)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (8)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (7)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (6)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (5)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (4)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (3)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (2)
- الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (1)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (6)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (5)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (4)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (3)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (2)
- في نقد الراديكالية السياسية العربية (1)
- التصنيف العقلي والثقافي للفلسفة والأديان عند الشهرستاني


المزيد.....




- بعد شراء تركيا لنظام S-400 الروسي.. كيف سيرد الناتو؟
- 6 خطوات يجب القيام بها لتجنب غرق الأطفال
- في حادثة نادرة.. مشاهدة قنديل بحر بحجم إنسان وسط البحر
- تحذيرات من اعتماد الأطفال والأمهات على النظام الغذائي النبات ...
- تركيا: استمرار التنقيب عن الغاز بالقرب من قبرص رغم العقوبات ...
- لماذا انتشرت ظاهرة تهريب الوقود في الضفة الغربية؟
- استشهاد أسير فلسطيني قيد التحقيق
- -الدعم السريع- في مدن السودان.. مقاتلون يلفظهم المدنيون
- صحيفة تعلن إمكانية قيام روسيا بتوجيه ضربة مباغتة
- إخماد حريق في منشأة تصدير نفط بحرية في العراق


المزيد.....

- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الهوية العراقية ومشروع البديل الوطني (14)