أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الدولة والعنف في الدول العالم ثالثية















المزيد.....



الدولة والعنف في الدول العالم ثالثية


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said )


الحوار المتمدن-العدد: 4056 - 2013 / 4 / 8 - 17:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بخلاف الدول المتقدمة التي لها باع طويل في مجال مؤسسات الدولة ، حيث ’يمارس العنف المادي والإيديولوجي بوسائل غير مرئية وغير محسوسة تخفي حقيقة السيطرة السلطوية التي تتقاسمها الاحزاب الرئيسية التقليدية ، من ( اشتراكية ) و ( يمينية محافظة او متطرفة ) ، وحيث يلعب المواطن الاوربي او الامريكي العادي ، والذي يشكل الاغلبية ، دور الكمبراس لسياسات لا تخدم تطلعاته ، ولا اهدافه المشروعة ، حيث وصلت الازمة الاقتصادية البنيوية درجات ، اصبحت تنذر بإفلاس قيم ومنظومات كانت الى زمن قصير ’تحتدى كمثال في اعطاء نصائح حول الديمقراطية الغربية المفترى عليها ، وحول حقوق الانسان التي هي في الاصل حقوق الجماعات المحتكرة للشأن العام ، وهو ما يبشر بالاختلالات التي ضربت عمق المجتمع وضربت بنياته ، مما يعد مؤشرا هاما على تغييرات استراتيجية قد تقلب الاوضاع رأسا على عقب ، اذا لم تعالج الوضعية بما يحدد المسؤولية عن الازمة وعن الاختيارات ، وبما يجنب تحميل الطبقات المتضررة والمحتاجة عواقب ونتائج الاقتصاد المأزوم ،،، فان المجتمعات العالم ثالثية تقدم صورة مغايرة وجديدة للدولة ، تتسم في اغلب الاحيان بصفات خاصة ، مثل التقلبات الشديدة ، وبأس الاجهزة ، والتقسيم الميكانيكي للسلطة ، وسطحية العلاقة مع المجتمع ، وسيطرة العنف في العلاقات السياسية ، وغياب آلية تبدل او تداول السلطات وانتقالها ، وتحديد الصلاحيات ، وضبط الاصول وانتظامها ، حتى تبدو كما لو كانت مؤسسة غريبة عن البيئة التي تعيش فيها ، مستلبة ايضا في ذاتها ، وغير قادرة على تحقيق الوظائف التي تتعلق بها كدولة .
ويترافق الوضع الاقتصادي المباشر على صعيد دائرة الانتاج بالقمع السياسي على صعيد الدولة ، وتحل علاقة العنف داخلها وفي تعاملها مع المجتمع محل علاقة الشرعية . وينعكس ذلك على وظيفتها وعلى بنيتها في الوقت ذاته . وكل ذلك يجعلها عاجزة عن حيازة موقع مستقل لها ولنشاطها المتميز تجاه الطبقات او التشكيلات السياسية والقوى الاجتماعية الاخرى .
وعجزها هذا عن الاستقلال عن الفئة الاجتماعية التي تتحكم بها ، او عن المصالح التي يعبر عنها النظام ، يجعلها في الوقت ذاته بعيدة عن المجتمع ككل وغريبة عنه . فهي لم تعد وسيلة بلورة لإجماع قومي او عرقي او وطني ، بل اداة من ادوات بناء العصبية الحاكمة ، ومن ثم قاعدة لتفكيك عقد القومية . اما السلطة التي تنبع منها ، فإنها تنحل بفقدانها لعناصر تكوينها الاجتماعية القانونية والمناقبية ، الى قوة محضة تؤكد ذاتها بالغلبة ، وتمكن فريق اجتماعي من فريق آخر ، ولا تنطوي على اي عنصر من العناصر المادية والمعنوية التي تبرر وجودها وتجاوزاتها كأداة توازن وتنسيق وتنظيم ، وكصلاحية ادارية . انها توظف ما تحظى به من الاجماع في الصراع الاجتماعي لتكوين المراتب والطبقات اكثر مما تهتم بحل المشاكل التقنية والسياسية والإدارية المتعلقة بسير المجتمع ككل وبالعمل والإنتاج . ومن هنا فان تقدم تكوين الطبقة او النخبة التي ترتبط بالدولة كطبقة مسيطرة ومالكة ، يقابله بشكل دائم ضعف متزايد في التنظيم ، وانهيار الانتاجية والتحكم بالتقنيات . هكذا كلما تفاقم تماثل الدولة مع النخبة السائدة زادت فوضى الانتاج ، وفقد المجتمع عنصر تنظيمه الاساسي .
ولا بد في هذه الحالة من ان تتطابق الدولة كمؤسسة عامة وكسلسلة من الاجراءات والأصول والقواعد المنظمة ، مع الحكومة وما تمثله من اشخاص وسياسات ظرفية ومحددة . وينتفي التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي ، فيختلط العام بالخاص ، وتختلط الغلبة بالإجماع ، والقوة بالانصياع ، وتدور الصراعات الاجتماعية متجردة عن اية قواعد او مبادئ منظمة . ومن هنا تفقد الدولة شرعيتها كمصدر لسلطة نابعة من المجتمع ، اي خاضعة في النهاية له ، وقائمة فوقه ، اي مستقلة نسبيا عن كل فريق فيه ، ولا تأخذ شرعيتها المؤقتة والمحدودة إلا من شرعية الفريق الممسك بها وانفتاح او انغلاق سياساته الاجتماعية . ان الدولة هنا لم تعد موجودة بشكل مستقل عن الجماعة الحاكمة .
ان هذه العلاقة الجديدة بين الدولة والمجتمع ، وبين الدولة والجماعة الحاكمة تقدم شروطا ملائمة لنمو سياسة ارادية لا تأخذ بالاعتبار التوازنات الاجتماعية الفعلية ، بل تقوم على ضرب هذه التوازنات وتحطيم المعارضات المختلفة . واستمرار هذه السياسة يدعو هو ذاته الى بروز سلطة شخصية او اصطناعها سلطة قادرة على تحمل مسؤولية القرار من جهة ، وضمان وحدة السلطة او الغلبة داخل الدولة من جهة ثانية . ولا بد لتبرير خضوع مجموع الجماعة الحاكمة اولا لهذه السلطة ، ثم خضوع المجتمع ككل للجماعة الحاكمة ثانيا ، من جعل السلطة الشخصية المسيطرة سلطة مقدسة . وهذا يتطلب تطوير ايديولوجية عبادة الشخصية من جهة ، وتحطيم كل الشخصيات او القوى او المنظمات التي يمكن ان تنافس في شرعيتها وفي علاقاتها مع الجمهور او مع الجماعة الحاكمة ، المكانة المتميزة والمتفوقة للشخص الاول . وهذة العلاقة هي مصدر الحكم المطلق ، فالحاكم المطلق ليس ثمرة ارادة شخصية مسيطرة ، بقدر ما هو وسيلة تصطنعها الجماعة لتأمين خضوع المجموع لها من جهة ، وكبديل عن ذوبان آليات ووظائف الدولة المؤسساتية من جهة ثانية . ان عملية تكوين هذه السلطة تخضع هي ذاتها الى تطور انحلال التشكيلة الاجتماعية المحلية الذي ينجم عن دخول نمط انتاج جديد ، وهو هنا نمط الانتاج الرأسمالي ، وما يجره من اعادة ترتيب لمواقع الطبقات والمراتب الاجتماعية ووظائف النخب المختلفة ، وما ينطوي عليه ذلك من تحول في توزيع الثروة وسريان المعارف .
وان تمكّن نمط انتاجي جديد يفترض تكوين طبقات لم تكن موجودة من قبل ، او تقوية مواقعها اذا كانت موجودة ، تجاه طبقات اخرى ، كما يفترض تعديلا في مراكز النخبة ومهامها . وكل ذلك لا يمكن ان يحصل دون اعادة توزيع الثروة والمعرفة . وحتى تتحقق هذه العملية لا بد من تعليق " الدستور " ، اي من طرف يسمح بتجاوز كل القواعد والأصول المتبعة من قبل ، أكان ذلك باسم مبادئ جديدة ، ام بدون ذلك . اذن هناك حقبة من اللاّتحديد ومن " الحرية " المطلقة التي تشبه حرية حياة الغاب ، هي التي تتيح تغييرا اساسيا في الواقع والمراتب .
والحكم المطلق هو الذي يخفي بمظهره السياسي التحكمي ما يحدث على صعيد المجتمع ، صعيد انتقال الثروة والمعرفة ، من انفلات كامل من كل قانون ومن تنافس وتزاحم لا حد لهما . والعناصر والقوى التي تستفيد من هذه الحقبة وتسيطر عليها ، هي تلك التي تسلك سلوك الحاكم المطلق على صعيد المجتمع ، وتتجرد من كل شريعة او قانون او اخلاقية . اما القوى الاخرى التي بقيت متمسكة لاستفادتها من النظام السابق او لخوفها من نتائج السباق القائم ، بالقيم والعادات والأخلاق والمبادئ ، اي بقاعدة للفعل والسلوك ، فإنها تجد نفسها تفقد اكثر فأكثر مواقعها وتنهار مصالحها .
ان الحكم المطلق الحديث في العالم الثالث لا يعبر عن تعاظم قوة وهيبة الدولة وقانونها ، بل هو يعكس ضعف الدولة المتعاظم وزوال دورها وفعاليتها الاجتماعية ، وبالتالي بروز قانون واحد للممارسة الاجتماعية هو العنف المجرد من كل قانون . وعندئذ كل دراسة للسياسة على صعيد الدولة لا معنى لها إلا بقدر ما هي وسيلة لتحليل تقنين العنف وإدارته .
ان آليات العنف تختلف حسب الميدان الذي يتحقق فيه انتقال المراكز والمناصب وصكوك الملكية والقوى الشرائية الخ ... فهو ليس القتل دائما وبالضرورة ، وهو لا يصل الى هذا السلوك الحدي إلا عندما تبدأ الفئات التي تتعرض له بالمقاومة وترفض الاستسلام له . والعنف يمكن ايضا ان يكون فكريا كما يمكن ان يكون سياسيا او اقتصاديا . انه حرمان فئة او طبقة او جماعة من التعبير بشكل او آخر عن نفسها ومصالحها وشخصيتها ، او فرض تعبير ايديولوجي اجباري عليها ، او اكراهها على التعبير عن نفسها من خلال شكل ايديولوجي لغوي او فكري معين ، وهو ايضا حرمانها من حق التعبير السياسي المنظم او المستقل ، وإجبارها على الانخراط في تنظيم او العمل بدون اي تنظيم . وهو كذلك نزع الملكية ، او فرض شروط جديدة على التمتع بها ، او التلاعب بالآليات المصرفية من قروض واعتمادات لدعم فئة ضد اخرى ، او فرض القوة او الضريبة التي تتيح لفئات اخرى تحسين مواقعها على حساب غيرها ، او التحكم بسياسة الرواتب والأجور والمكافئات والمنح والهبات والمهمات والرخص من صيد ونقل واستغلال للمقالع وللمناجم لخ... ومن ذلك نفهم ان وظيفة العنف الاجتماعي ، هي دائما تغيير المواقع والمراتب والأدوار الاجتماعية لمختلف القوى المكونة للمجتمع . وقد يؤدي هذا التغيير الى تكوين فئات جديدة ، وقد يكون مجرد اعادة اقتسام للثروة والمعرفة ، فهو مبدأ الثورات العدالية ، كما هو مبدأ تكوين الطبقات الجديدة .
ولفهم حدود هذا العنف وغاياته لا بد من تحليل سيرورة التحول القائمة اليوم في دول العالم الثالث ، وهي في نظرنا سيرورة تاريخية مرتبطة بتوسع نمط الانتاج الرأسمالي ، وبما يقتضيه هذا التوسع من تكوين طبقة اجتماعية تضمن نمو العلاقات الجديدة ، وتحملها في فعاليتها الاجتماعية كطبقة رأسمالية ، اي مرتبطة بعملية تراكم واستثمار ودورة رأس المال . لكن هذه الوظيفة لها خصائص متميزة هنا عما كان لها في بداية تكون النظام الرأسمالي ، اذ ليس من المطلوب ان تعيد الطبقة الرأسمالية في المجتمعات النامية العالم ثالثية تراكم رأس المال كما حدث لسابقتها الغربية ، بل تحقيق استهلاك هذا الرأسمال وتصريفه ، إما على شكل استهلاك مباشر ( شراء منتجات تلبي الرغبات المادية او حاجات الابهة واللّوكس ) او غير مباشر ( شراء آلات ومعدات ومصانع تلبي حاجة الرأسمال في المركز الى التراكم ، لا حاجة المجتمع الفعلية حيث تقام هذه المنشئات ) . وان تطور نمط هذا الاستهلاك يطور معه باستمرار آليات اعادة التوزيع الجديدة ويتطلب تركيزا متزايدا للثروة والمعرفة في ايدي الاقلية الاجتماعية المندمجة اكثر فأكثر بدورة الرأسمال العالمي ، بينما يخلق من الجهة الاخرى اغلبية اجتماعية مستبعدة تدريجيا وكليا عن دورة الثروة والمعرفة .
ويمكن القول أن تفتت الدولة والقانون واستفحال العنف وسيطرته على كل مناحي الحياة الاجتماعية يرتبطان بالدرجة الاولى بأشكال تطور هذا الاستهلاك وانماط التوزيع غير المتكافئ المتزايد . والطبقة المسيطرة تتطابق وتتماثل مع الدولة بقدر انهيار القاعدة القانونية لهذه الدولة ، وبقدر سيادة آلية العنف . وهذا التطابق ينطوي هو نفسه على تحول الطبقة المسيطرة من طبقة متميزة متعددة الاطراف ومختلفة التكوينات ، اي منقسمة على نفسها ، الى طبقة – نخبة يقرب فيما بينها تطابق المصالح ، ويدعم وحدتها عداء المجتمع بأغلبيته لها .
ففي المرحلة الاولى من توسع النمط الرأسمالي في التشكيلات الاجتماعية التقليدية ، يؤدي التناقض بين مصالح النخب القديمة والجديدة الى خلق ميزان قوى نسبيا لصالح الاغلبية الاجتماعية ، ويمنع اتحاد جميع اطراف النخبة ضد المجتمع . ويقتضي حل هذا التناقض الحفاظ على حد ادنى من الدولة ، اي من صعيد اجتماعي قانوني وأخلاقي تخضع له كارهة او بإرادتها جميع الاطراف . وتتراكب في هذه المرحلة الاشكال القديمة للإجماع الايديولوجي ، والاعتراف المتبادل السياسي والتسوية الاقتصادية مع الاشكال الحديثة ، وتفضي الى قيام تراتب مقلق للطبقات والسلطات الاجتماعية . ان المرتبية الاجتماعية تفقد هنا ولا شك مصدر نموها وإعادة تكوينها ، لكنها تظل تفعل مع ذلك وتنظم تحويل الثروة والمعرفة بشكل تدريجي الى الطبقات الجديدة .
لكن ما ان تضعف النخبة التقليدية وتفقد وزنها الحاسم في الساحة السياسية حتى يصبح من الممكن تحطيم القشرة القانونية التي بقيت تعيق حتى الآن الانتقال السريع والكامل للثروة والسلطة والمعرفة الى النخبة الجديدة . هذه القشرة هي بالضبط الدولة القانونية التي تتخلى عن مكانها لصالح دولة هي اولا وأخيرا ادارة لوسائل العنف الشامل . ويمكن القول ان الدولة التابعة تتسم في مرحلتها الاولى بالهيمنة النسبية للفئات التقليدية و ذلك على الصعيد السياسي ، في حين ان عملية خلق النخبة الجديدة تنزع سالفتها شيئا فشيئا كل المواقع الاقتصادية . وفي هذه الحالة يتخذ العنف شكلا سياسيا ايديولوجيا بالدرجة الاولى ، في حين أنّ تحول الثروة والسلطة يبقى محصورا ضمن ما يسمح به ميزان القوى ، و لا يأخذ الاغتصاب والنهب شكلا سافرا وعاما . ان الدولة تظل هنا ساحة لصراع مجموعات ضغط مختلفة ، لكنها لم تصبح بعد طبقة / دولة . ونمو البيروقراطية العسكرية فيها ينم عن صعوبة الوصول الى تسوية بين مجموعات الضغط هذه ، وبداية تفكك آلياتها كمؤسسة عامة .
وبقدر ما تصبح المكانة التي تحتلها طبقة او فئة اجتماعية معينة في الدولة هي التي تحدد وضعيتها الاجتماعية ، وغالبا ايضا ، وضعيتها الاقتصادية ، فان الصراع على السلطة يصبح العامل الذي يشرط ويتحكم بكل فعالية اجتماعية فكرية كانت ام مادية . وتبدو الدولة عندئذ كمجرد رافعة للطبقات وللنخب المتجددة ، وهذا ما يفسر الهشاشة الكبيرة للحياة السياسية في البلاد النامية من جهة ، وسيطرة هذه الحياة المفرطة على كل نواحي النشاط الفردي والاجتماعي . وهنا ليست الاحزاب السياسية إلا طفرات سياسية تعيش على هامش الحزب الاساسي و الرئيسي الذي هو الدولة ذاتها . وليس لهذه الاحزاب خارج اطار تعايشها او تنافسها مع الدولة اي حياة ثقافية او اجتماعية مستقلة وخاصة . ان الجدل الاجتماعي يظل هنا بالدرجة الاولى جدلا سياسيا ، مما يفقر المجتمع من الابداعات النظرية والعلمية والتقنية ، ويعطي لصراع الطبقات والبرامج الاجتماعية شكل الصراع بين الدولة والشعب ، وهذا يمنع الوصول الى اي تركيب او تسوية .
ان الاستثمار السريع لميزان القوى وتوظيف اقل المكاسب في تحسين المواقع الاقتصادية لأفراد النخبة ، لا تعكس هذا الجدل الاجتماعي المسدود فقط ، ولكنها تبين ايضا المنطق الداخلي للنظام ككل : منطق الكسب والصعود السريع . وان وثيرة البحث عن التحقيق السريع والمردود الفوري هذه تجعل النظام يعيش بأكمله بمنطق ما قبل – تاريخ المجتمع .
وينعكس ذوبان الدولة في تزايد انعدام الاجماع والعجز عن انجاب قيم مشتركة موجهة ، تبقى هي معيار كل نزاع ومبدأ وضد كل حدّ له في الوقت ذاته . وينعكس كذلك هذا في تحلل السلطة من ضوابطها القانونية و المعنوية ، وفي تحولها الى قوة خالصة تترجم فورا الى منافع في الحياة اليومية او الى مكاسب معنوية . فالمسئول لا يكتفي بالحصول على المسؤولية ، ولكنه مدفوع الى اذلال الاخرين والتنكيل بهم ليحقق سلطته في شكلها الاكثر قبحا وفجاجة ، وصاحب الثروة لا يقبل إلا بالتظاهر بها وتحويلها الى استهلاك مباشر . ان دولة العنف هي ايضا دولة التميّز والمظهرية والاستعراض .
ان حل الصراعات الاجتماعية هنا لا تخضع لا لتسوية سياسية كحصول ارادة واحدة عملية ، و لا لإجماع شرعي ، ولكنه يتحقق بالتصفية البسيطة السياسية او حتى الجسدية للفئات والقوى والعناصر الاضعف . وتقترب هذه التصفية في احسن حالاتها من الصورة القانونية القديمة للاستعباد الذي وسم في الماضي المجتمع العبودي . ان الشكل الاكثر قوة ونجاعة للاستعباد ، هو حرمان الآخر من الحقوق ، الثقافية منها او السياسية او الاقتصادية . وهذا الحرمان يمكن ان يأخذ صورا مختلفة اليوم لا تنفي الايديولوجية الانسانية الشائعة حول المساواة ، ولا تجابهها مباشرة . وتأويل هذه الصور هي تثبيت الامتيازات الخاصة بقوانين او بقرارات .
ان ظهور الدولة / الطبقة غالبا ما يرتبط بنوعية تمفصل النظام المراتبي الحديث ( الطبقات ) بالنظام المراتبي التقليدي او القديم الايديولوجي او العشائري . ومن الممكن للطبقة الجديدة ان تلبس ثوب العشيرة دون ان تفقد منطق عملها كطبقة او ان تتخلى عن نمط عصبيتها وتضامنها كعشيرة . ويساعد على ذلك تحرر الدولة ككل من كل القيم والمبادئ ذات الطابع الكوني او الانساني ، فتصبح الطبقة مجموعة مصالح مشخصة وملموسة ، اما العشائرية فتتحول الى لحمة عصبية تمكن الطبقة من العمل كوحدة اكثر انسجاما وفعالية في حربها ضد بقية المجتمع . ومن الصعب ان يجري هذا التطابق بين الطبقة والعشيرة خارج اطار السلطة وبدون وساطة الدولة ، إذ بهذا الوسيط وحده يمكن قسر المصالح وتقريب المواقع السياسية الايديولوجية من الاوضاع الاقتصادية . وعندئذ يستطيع الرئيس او الحاكم المطلق ان يكون في الوقت ذاته " رجل دولة او شيخ عشيرة " ، رئيسا للدولة وزعيما لعصبية متطابقة مع عصبية الدولة . وفي هذه الحالة تصبح الدولة مركز تلاقي وتطابق ثلاثة انظمة مرتبية اجتماعية : نظام التراتب الجماعي في البادية والمدينة ، اقاليم غنية وفقيرة ، ونظام الطبقات ونظام الطوائف او المراتب الثابتة الذي نجد عليه مثالا حدّيّا في الطوائف الهندية .
ان هذا التلاقي بين اقليم وطبقة وطائفة في حجر الدولة يحل التناقض الجوهري بين الانظمة الثلاثة وما ينجم عنه من تهديد لوحدة السلطة ولسيرورة توليد سلطة مستقلة سياسية . فإذا انعدم هذا الالتحام او التقمص الثنائي او الثلاثي ، في ظروف مجتمع يتميز بدورة استهلاكية ، ولا يؤمّن اذن اعادة الانتاج المتساوي للعصب او للطوائف في شكل طبقات حديثة ، كانت للسلطة منابع مختلفة ومتعارضة تفضي بالضرورة الى استمرار الصراع ، و تمنع من تكوين طبقة سائدة ، ومن تحررها الكامل وسيطرتها على الدورة الاستهلاكية . والنظام الدولي يسعى بالعكس الى تنظيم هذه الدورة وتوحيد وكلائه في العالم الثالث ، بحيث يصبح من السهل التعامل وتحقيق دورة راس المال . ثم ان آلية العنف لا يمكن ان تكتمل بدون الغاء او ازالة المصادر المتعددة للسلطة . ان منطق النظام الاجتماعي يفرض هنا بالضرورة اندماج السلطة ، واختلاط مصادر تكوينها الايديولوجية والسياسية والاقتصادية ، وهكذا تصبح الدولة والحزب والعصبية الحاكمة شيئا واحدا .
وتكاد الاختلافات في اشكال الدولة التي تحددها في نظر بعض الباحثين ، العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية تختفي هنا تماما . فليس لتطور هذه الدولة التابعة اية علاقة بتطور الدولة الرأسمالية من دولة مطلقة في مرحلتها الانتقالية الاولى الى دولة ليبرالية في عصر الرأسمالية الحرة ، ثم الى دولة تدخلية في عصر الرأسمالية الاحتكارية . ان ما يبدو هنا باستمرار كخط عام ، هو انحطاط السلطة ذاتها بأشكالها المختلفة التنفيذية والتشريعية والقضائية ، وبطرق تآلف عناصرها ، الى قوة خالصة . وهذا الانحطاط الذي يعني ايضا ذوبان الدولة وتلاشيها يسير بشكل مواز في تقدمه لتقدم الانفجار والتمرد للجماعات الشعبية . والمثل السائد اذن هو هنا تحول الديكتاتورية الكلاسيكية الى طغيان فردي .
كل ذلك يفسر تدهور دور الاحزاب السياسية ومكانتها في البلاد التابعة ، ونشوء الفصائل المسلحة المختلفة والمليشيات المتعددة المهام التابعة للدولة ، وهي جيوش حقيقية موازية بكل معنى الكلمة من جهة ، وجماعات العنف والإرهاب الشعبية في مواجهتها من جهة اخرى . وكلما تطابقت الدولة مع الفئة التي تتحكم بها وتحولت الى اجهزة قمعية محضة ، انهار اطار الشرعية والعمل السياسي ، وظهر الصراع الاجتماعي صراعا شاملا لا وجهة محددة له ، إلا تدمير رموز المقاومة الشعبية ، ومرتكزاتها بالنسبة للدولة ، وتحطيم كل ما يرمز للسيطرة او للحكم من عناصر مدنية او سياسية او عسكرية بالنسبة للطرف الثاني . ان التدمير المتبادل هو النتيجة الطبيعية والمنطقية لحرب ليس لدى اي فريق امكانية حسمها او ايقافها دون تحمل تضحيات جسيمة لا يمكنه قبولها . ان الوصول الى هذا التصعيد المتزايد للعنف لا يصدر عن الغاء السياسة وحسب ، ولكنه يعيش ايضا على الاعتقاد الخاطئ بان سد قنوات العمل السياسي يمكن ان يزيل قاعدة نمو القوى المعارضة والمناقضة . والحال ان الغاء السياسة كنشاط اجتماعي هو الخطوة الاولى نحو فتح باب الحرب .
ان العنف غير القانوني لا يشكل خطرا على النظام لما يحمله من امكانات تنمية للمعارضة -- بل ربما ساهم في ابعاد جزء كبير من الجمهور عنها -- ولكنه يخيفه ، لأنه يهدد قاعدة شرعيته المستندة الى القوة والعنف ، كما لو ان تحدي قانون لا شرعي يصبح بحد ذاته مصدرا لشرعية القانون الجديد . ان العنف التحتي يطمح على ما يبدو الى حرمان عنف الدولة من ان يتأصل كعنف شرعي ومقبول ، وما لم يطرأ تغير ملحوظ على بنية المجتمع ذاته ، وعلى بنية الدولة في علاقتها بالجماعة التي تتحكم بها ، فليس من الممكن الخروج من حلقة العنف هذه . وقد اشار باحثون كثيرون الى عدم الاستقرار الذي تعيشه الدول التابعة وهشاشة مؤسساتها ، وذلك ليس نتيجة لعمق الصراع الطبقي فيها ، ولكن بالعكس ، لان النزاعات تأخذ فيها شكل نزاعات مباشرة على السلطة ومنافسة مستمرة على المناصب . وتبقى التغيرات لهذا السبب سطحية تمس الممسكين بالسلطة والحكم دون ان تمس البنيات الفعلية للدولة وللسياسة . وهذا ما يدعو غولكمان الى القول " ان الدولة الافريقية تحمل في ذاتها عناصر تمرد مستمر ، لكن ليس عناصر ثورة " . و مع ذلك ، فان الاستقرار الذي تعيشه العديد من انظمة العالم الثالث منذ اكثر من ثلاثة من الزمن ، هو دليل ومؤشر على عمق التناقضات التي تعمل في هذا العالم وتشقه شقا عموديا بين مجتمعين لا لقاء بينهما ، وهو استقرار لم يلغ التنافس على المناصب ، ولكنه عممه على جميع الاصعدة في الوقت الذي سمح فيه لكل صاحب منصب ان يجعل من نفسه مخلوقا على شاكلة السلطان وصورته . ان تحول الدولة الى عشيرة يعمل هو ذاته على تحويل الصراع الاجتماعي الى صراع عشائري ، ويجعل من الثورة تمردا وانتفاضات دائمة ، لأنه يمنع الوصول السريع الى تسوية . فمبدأ الحرب العشائرية هو الغزو ومبدأ الصراع الاجتماعي هو تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية .
ولاشك ان هناك فرقا بين الدولة التابعة في المرحلة الاولى لتطور النظام الرأسمالي في بلدان المحيط ، وبينها في المرحلة الثانية . ففي المرحلة الاولى الزراعية التجارية تبقى الدولة مرتبطة بوظيفتين اساسيتين لا تفترضان تغير كل النظام السياسي القديم ، وهما توريد المواد الاولية للمركز ، وفتح السوق المحلية للبضائع والرساميل الاجنبية الباحثة عن منافذ لها او عن معدلات ربح اكبر . وفي هذا التطور ، يمكن ان يحصل نوع من التركيب بين نظام المراتب التقليدي ونظام المراتب الحديث ، فتقوم الطبقة العقارية ذاتها من خلال الدولة بوظائف الرأسمالية ، وتتكفل بإدارة اعمالها كحليف خارجي . وفي هذه الحالة لا تلعب الدولة الحديثة إلا دور التأليف بين العصبيات المختلفة والمتولدة عمليا خارجها ، مما يسمح بتطعيم الدولة " ببرلمان " يسمح لكل طرف من اطراف النخبة التقليدية المرتبطة بأقاليمها او طوائفها ، بالحفاظ على تميزه وصوته الخاص من جهة ، وبحل النزاعات داخل صفوفها كفئة حاكمة من جهة ثانية .
وفي الطور الثاني الذي يواكب الاستقلال وينعش الامل بالتقدم الصناعي وبالتصنيع ، تجنح الدولة والبيروقراطية المتزايدة التأثير الى الاستقلال عن النخبة القديمة ، وخلق سلطة سياسية خاصة بها . وتبدو هذه السلطة في فترتها الاولى مستقلة وقائمة في استقلالها على معاداتها لتنافس العصب والعشائر والأقاليم والوجاهات ، اي طامحة الى ان تصبح سلطة واحدة وموحدة . ومن هذه السلطة يبدأ التركيز على الايديولوجية الجديدة المستلهمة لأفكار الوطنية والوطن ، ويرتبط ذلك بظهور نظام تعليم عام رسمي وجيش وطني مستند الى الخدمة العسكرية الالزامية مما يؤكد السعي نحو الاندماج القومي والوطني ضد ألفصام العصبوي .
وهذا الدولة هي من كل الوجوه اكثر قوة وانتشارا وهيمنة من الدولة السابقة ، فهي تتدخل في جميع مناحي الحياة الاجتماعية ، وعندما تتحول من جديد الى اداة تخدم مصالح فئة اجتماعية محددة ، او تصبح هي ذاتها اطارا لتنظيم هذه المصالح وتوسيعها حسب منطق دورة راس المال الدولي ، فإنها تبدو بحق من اعظم ما انتجه التاريخ من الدول التعسفية ، فتجمع القهر الفكري الى القهر السياسي ، وتدمر السلطات الخاصة والمستقلة ، وتجعل من سلطتها الذاتية ومصالحها سلطة / وطنية / ومصالح / عامة / . فيصبح على الشعب ان يخدم هذه المصالح ويدافع عنها ، ويخضع لها ، ويكرس نفسه وإمكاناته لتطويرها . وهنا لا بد من ملاحظة اساسية وهي كيف تتضافر هنا آثار المرحلة الاستعمارية مع آثار المرحلة اللاحقة . فبعد تدمير مصادر السلطات القديمة في المرحلة الاولى وحرمانها من التطور والتكيف مع النظام الحديث ، عجزت المرحلة الثانية عن القيام بالتغييرات الضرورية التي يمكن ان تجعل من التراتب الاجتماعي الجديد ، بعيدا عن الانقسام الاقوامي والعصبوي والوطني ، وبقوة كافية ، المنبع الوحيد للنشاط السياسي الحديث .
اذن فبدل ان تستبدل الدولة الحديثة السلطات التقليدية الخاصة بسلطة واحدة وطنية ، اصبحت هي ذاتها مصدر تراتب اجتماعي جديد ، وسلطة خاصة . ومن هنا ، تتراكب الصراعات الطبقية مع الصراعات العصبوية ، وتفقد الدولة آليات تميزها واستقلالها عن النزاعات المحلية ، فيأخذ الصراع طابعا مزدوجا : طابع الصراع الطبقي وطابع الصراع العشائري . وان تكوين الدولة المركزية لا يعني تجاوز الانقسامات التي ينطوي عليها المجتمع ، ولكنه يفيد في دعم الفئة الاجتماعية او العشيرة التي تنجح في الهيمنة على الدولة . ان نضال النخبة الحديثة او قسم منها في سبيل دولة حديثة مركزية لا يتناقض مع بناء دولة عشائرية ، بل هو الاداة الرئيسية لتحويل العشيرة الى دولة حاكمة او لبناء عشيرة الدولة ، وسبب ذلك هو ان المشاركة في السلطة هي التي تعطي فرصة السيطرة على الاقتصاد هنا وليس العكس ، ومن هذا المنظور تشبه الدولة الوطنية الناشئة من بعض وجوهها الدولة التقليدية ، اذ ان الموقع في جهاز الدولة هو الذي ما زال يحدد المكانة الاجتماعية وشكل العلاقة مع الاقتصاد والقدرة المادية . ومن الطبيعي هنا ان تزداد هذه العملية قوة مع ازدياد مصادر التمويل الخارجي ، حيث تتحول الدولة الى اداة لتوزيع الريع او المعونات الخارجية ، في حين ان الاعتماد المتزايد على مصادر الاستغلال الذاتية او الداخلية يجعل النخبة الحاكمة حساسة الى حفظ علاقات اكثر ايجابية مع الطبقات المنتجة .
ان فئة قليلة من المجتمع النامي او التابع قادرة على الدخول في دورة راس المال الدولي ، وهي تتناقض بتزايد تركيز راس المال وتطور انماط الاستهلاك العليا . وان استمرار سير هذه الدورة لصالح المركز العالمي يقتضي تأمين مرور الاموال بأقل ما يمكن من التكاليف ، ومن مخاطر التوزيع في البلاد التابعة . وإضافة الى ذلك ، يجر تيار الوحدة هذه الاذى والخراب على كل النظام الانتاجي المحلي بما يحطم فيه علاقات توازن بين الارباح والأجور وتكاليف الانتاج والأسعار وغير ذلك . فهو في ذات الوقت يخلق نخبة تعيش في العصر النفطي ومجتمعا يرتد في نمط حياته الى العصر الحجري . وليس من الممكن الحفاظ على العلاقة القائمة هذه بدون تحويل الدولة والسلطة الى جيش احتلال بمعنى الكلمة . ولهذا غالبا ما يأخذ النضال ضد الاوضاع هنا شكل النضال ضد الدولة ذاتها وليس ضد الحكم القائم فقط ، ففي الكثير من البلاد التابعة يخيم على المجتمع مناخ العصيان الدائم والمستمر .
ان ما نعيشه الآن هو سيرورة انهيار الدولة القائمة رغم او بسبب ما وصلت اليه من قوة وصلابة وتماسك جعلها اداة لاستعباد المجتمع ، لا قاعدة لتنظيم حرياته وأمنه ونشاطاته الاقتصادية . وعلى طبيعة القوى الاجتماعية الصاعدة ونوعية صلاتها بالمجتمع وتحررها من دورة راس المال الدولي يتوقف نجاحها في اعادة الاعتبار لهذه المؤسسة العامة او زوال الدولة نهائيا والانتقال الى حقبة وسيطية جديدة ، وإقطاعية حديثة .
هل الدول العالم ثالثية هي وحدها المتخصصة في العنف المادي والأيديولوجي لتثبيت ديمومتها وإظهار صلابتها بما يجعل المجتمع متحكما فيه ، تابعا و ليس متبوع ؟
بالرجوع الى ما تطفح به الساحة الدولية من نماذج دولتية ، نكاد نجزم ، ان آليات العنف المستعملة في الدول العالم ثالثية ، هي نفسها المستعملة في الدول الغربية من اوربية وأمريكية ، مع اختلاف الميكانيزمات التي تختلف باختلاف الاحوال والمحطات وفترات خوض الصراع . واذا كان عنف الدولة العالم ثالثية واضحا ومرئيا وملموسا ومشاهدا في مشاهد مختلفة ومتنوعة بسبب التاريخ المعنون بالتسلط والاستبداد ، فان عنف الدول المتقدمة الذي يتخذ له مظاهر شتى لا يقل قسوة عن عنف الدول العالم ثالثية ، لكن يحصل هذا العنف باسم الحداثة والدفاع عن المجتمع المدني المستلب والمربوط لنماذج وأشكال تسييرية تتحكم فيها قوى غير مرئية تتحرك من خلف الستار ، وتتحكم بدرجة اولى في التوجيه والضبط والتصرف ، بما يجعل المجتمع متحكم ليخدم سياسات بعيدة عن مصالح الشعوب التي اضحت اليوم تتضرر بفعل الازمة الاقتصادية وانعكاساتها على الوضع السياسي للدولة بما يجعل هذه الدول تعيش عصر او مرحلة الازمة السياسية والاقتصادية المؤدية الى التفكك والتحلل البنيوي مع اختفاء قيم ومبادئ عمرت لأكثر من ستين سنة ، اي بالضبط منذ نهاية الحرب العالمية الكونية الثانية وما رافقها من اعادة الاعمار والبناء وهي فترة الرخاء التي انتفت اليوم .
لذا فان مفهوم الدولة ورغم جميع المساحيق والتلاوين المقدمة في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان ، فإنها تكاد تكون واحدة هدفها الوحيد والأوحد هو استعمال العنف عندما تحاول الامور الخروج عن السيطرة ، وهو ما يجعل القائمين السياسيين الذي يتقدمون باسم المجتمع لشغل الشأن العام يلعبون دور الكمبراس نيابة عن الفاعلين الحقيقيين في استبلاد الشعوب وإقناعها دائما بالغد المشرق الذي لن يأتي ابدا . لذا فان عنف الدول واحد ، وما يختلف هي الميكانيزمات التي تصلح في بلد او مجموعة ، ولا تصلح في بلد آخر او في مجموعة اخرى .
واذا كان القانون الدولي يعرف الدولة انطلاقا من معايير التراب او الارض الشعب والسيادة ، مما قد يعتقد معه ، ان الدولة هي دولة الشعب ، وان الحاكمين ليسوا اكثر من ممثلين لهذا الشعب يأتون باختيار الناخبين الذي ينتهي دورهم في الممارسة عند القاء الورقة ( ورقة الناخب ) في الصناديق الانتخابية ، فان ما تنطق به الحقيقة هو ابعد من ذلك ، بل لا علاقة له بما تعالجه كتب القانون الدستوري التي يتولاها اساتذة يلامسون القشور دون المضمون . وان سبب هذا ، هو الخصوصية التي فرضت نفسها عند التمييز بين الانظمة ، والتي جعلت من ممارسة الشأن العام ، تتوزع بين الهواية عند البعض ، والحرفة عند البعض الآخر .
ان هذا الوضع المرئي ( غير المرئي عند السطحيين ) يدفع بكل محلل ومتتبع ان يطرح السؤال التالي . هل تشترك جميع الدول في مفهوم الدولة كما يحدد ذلك القانون الدولي ؟ ثم هل جميع التوصيفات والتخريجات بشأن الانظمة الديمقراطية تعكس حقيقة تلك الديمقراطية المفترى عليها ، ام ان الوضع الراهن في واد وما تنطق به الحقيقة في آخر ؟ وبصيغة اخرى من هي القوة الحقيقية المتحكمة في الدولة تسييرا وتدبيرا وضبطا وتوجيها ، اي من هي القوة المحركة لما يسمى ب ( الرأي العام ) حين توظيفه بما يخدم سياسات لا علاقة لها بمصالح ( الرأي العام ) فأحرى الشعب الذي يؤثث للكرنفال ؟.
بالرجوع الى الدول الغربية التي تدعي الديمقراطية ، وتريد فرض نموذجها على الدول الأخرى التي تتصف بمميزات وخصوصيات فريدة بها ، وتؤثث لطبيعتها السياسية والإيديولوجية والعرفية الغير الغربية ، نكاد نلاحظ اختزال الديمقراطية في الاستشارات المناسباتية الشعبية عن طريق خوض الحسم السياسي بواسطة صناديق الاقتراع . واذا كان البعض السذج في السياسة يستبشرون خيرا بهذه النظام السطحية والتي تخفي الحقيقة ، فان هذه الحقيقة هي ان ما يسمى بالتداول على الحكم ليس إلا واجهة للحفاظ على نظم لا علاقة لها اطلاقا بالديمقراطية كما هي مسطرة في المخيلة العالم ثالثية ، وكما هي مفهومة من طرف النخبة الداعية الى القطع مع الخصوصية المحلية التي تمثل الموروث الايديولوجي والقيمي لدولة من الدول ، ومن ثم الارتماء الاعمى وراء شعارات هدفها التزليج والتضبيع ، وليس ما يتصورونه نموذجا للديمقراطية . ان من يمسك بالوضع فيما يسمى بالديمقراطيات الغربية ، ليس الاحزاب التي تتقاسم ( تتداول ) الادوار عند كل انتخابات برلمانية او جماعية او رئاسية . ان هذه الاحزاب هي واجهة للتسلية السياسية بغية الحفاظ على الوضع باسم القيم ، وليست واجهة حقيقية للممارسة السياسية وممارسة الشأن العام . ان من يتحكم في مقودة التوجيه ، هي الاجهزة الامنية والمخابراتية التي تتحكم في اللعبة وفي الضبط والتسيير ، والممسكة الحقيقية بالوضع السياسي الغربي بما يجنب السقوط في الهوية . ان ما يسمى بالديمقراطية الغربية هي ديمقراطية بوليسية مبنية على التخابر والحصول على المعلومة لتوجيه الرأي العام بما يخدم سلطة الضبط والتحكم ، و ليس التداول الديمقراطي للسلط من قبل الاحزاب السياسية التي تحتفظ بالواجهة المروجة لما يسمى عندهم ديمقراطية .
ان المواطن في الاجهزة البوليسية الغربية هو في خدمة هذه الاجهزة ، وليست هذه هي التي في خدمته ، ومن ثم فان المواطن الغربي المرهوب ملزم بتبليغ الاجهزة الامنية ياي شيء قد يثير الشكوك ، بل ان المواطن الغربي ملزم ومجبر بتبليغ الدوائر الامنية بزيارة شخص لشخص غريب عن الحي . اما اذا مكث هذا الزائر لفترة تعدت ثلاث ايام ، فان جار المستضيف سيبلغ بجاره لدى الامن بكون هذا الاخير في ضيافته شخص ربما بدون اوراق اقامة او ما شابه ذلك . بل ان المواطن الغربي اذا كان يقود سيارته وراء سيارة شخص آخر ولاحظ خروج بعض الدخان غير المعتاد ، فانه لن يتردد حالا في تبليغ الامن مع اعطائه رقم لوحة السيارة التي يتسرب منه الدخان . في الدول البوليسية الاوربية كل شيء في خدمة الاجهزة ، والجميع يتعامل معها باسم الحفاظ على الامن ، ويعتبر هذا السلوك من قبيل المدنية والحفاظ على المجتمع المدني . لذا فان الطبيب ، الصيدلاني ، التاجر ، عمال المقاهي ، المحامون ... كلهم في خدمة الشرطة ، بل حتى منظمة ( كاريتاس ) التي تعنى بالشؤون الاجتماعية للمقيمين ، محاموها مخبرون عند الشرطة . فهل الانظمة الاوربية والغربية هي انظمة ديمقراطية ام انها انظمة بوليسية حيث تنصيب الكامرات في جميع الاماكن والمحلات .
وبخلاف الانظمة البوليسية الغربية التي تتحكم فيها الاجهزة الامنية بقواعد اللعبة ( الديمقراطية ) مع ترهيب المواطن ، بما يجعله مثل الرّوبو مقتادا ومكررا لمشاهد اضحت مملة في العملية السياسية ، هناك دول ، وان لم تكن بوليسية مثل الغربية ، فإن الدولة بها مملوكة للأسرة الحاكمة التي تتبعها جميع الاجهزة . هذا حال المملكة العربية السعودية المملوكة لحوالي ثلاث مائة امير سعودي ، يسيطرون على مقدرات الدولة وأجهزتها ، بما يخدم مصالح هؤلاء الامراء وليس مصالح الاجهزة التابعة والمتفرغة لخدمة الاسرة الحاكمة . ان ممارسة الحكم والسلطة من خلال العملية الدائرية ( ملكية دائرية ) تثبت ان النظام السعودي هو نظام عشائري اسري ، وان السعودية هي ملك لأسرة آل سعود وليست ملكا للشعب الذي تتقاسمه طوائف ثيوقراطية بين اتجاهات وهابية واتجاهات شيعية .
في المغرب ، الوضع مختلف عما هو جاري به العمل بالأنظمة الغربية المملوكة للأجهزة البوليسية التي تتميز بالديمومة والاستمرارية ، كما يختلف عما هو سائد بالمملكة العربية السعودية . ان الدراسات الانتروبولوجية والتاريخية والسياسية للنظام السياسي المغربي ، تبين ان اصل الملكية في المغرب لا ترجع الى قوة الاجهزة الامنية ، كما هو حال الانظمة البوليسية الغربية . كما انها لا تعود الى الاسرة الحاكمة كما هو الحال بالمملكة العربية السعودية . لكن ان اصل الملكية بالمغرب ، وبالضبط اصل الدولة العلوية ، هو السلالة الحاكمة . لذا جرى تعريف الدولة بالمغرب باسم السلالة التي كانت تختلف بحسب تطورات العصور . ومن ثم فان ممارسة الحكم والسلطة السياسية كان ، كما لا يزال يتم داخل الدولة وليس خارجها . بمعنى ان تغيير ملك من الملوك لسبب ما في التاريخ ، كان يعني انتهاء حكم الملك ، وليس انتهاء او سقوط الدولة التي تستمر بملك آخر ونموذج حكم آخر كذلك . ومن هنا جرت جميع الدراسات السياسية والتاريخية عند معالجة طبيعة الدولة ( وليس طبيعة النظام او حكم ملك من الملوك ) على الصاق تسمية الدولة باسم السلالة وليس الاسرة . هكذا نقول الدولة المرينية ، الدولة المرابطية ، الدولة الموحدية ، الدولة الوطاسية ، الدولة العلوية ، الدولة الادريسية ...لخ . ومما يتعين ملاحظته هنا ، ان جميع الدول السلالية التي حكمت المغرب ، جاءت من الصحراء ، وسقطت من الصحراء كذلك . وهنا يمكن ان نفهم لماذا حاول الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله وضع حد للأخطار القادمة من الصحراء ، لكن هذه الاخطار لا تزال تلقي بظلالها على اكثر من جهة وصعيد ، حيث ان الصراع المفتعل لازال مفتوحا امميا رغم سيطرة المغرب على الارض .
اذا كانت الانظمة البوليسية الغربية تمارس العنف المادي والمعنوي والإيديولوجي على المواطن العادي بغية ارعابه وقمعه باسم القانون الذي يبقى سيف دمقليس المحافظ على ( الثوابت ) ، أفلا تؤدي الازمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها الدول الاوربية الى سقوط هذه النماذج البوليسية في الحكم ، التي عمرت اكثر من ستين سنة خلت ، مثلما ادت الازمة الاقتصادية والسياسية الى سقوط دول بوليسية شبيهة في القسوة في ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي ومنظومة اوربة الشرقية ؟
ان ما حصل من انهيار مدوٍ بالمعسكر ( الاشتراكي ) سوف لن يحصل بأوربة الغربية رغم اشتداد الازمة التي قاربت على افلاس دول وليس نظم بوليسية لا تزال الموجه الرئيسي والمتحكم في اللعبة الديمقراطية . واعتقد ان السبب المباشر في هذا العجز ، هو نفور المواطن الاوربي المرهوب من عنف التغيير الراديكالي ، وتعوّده على نوع من العيش لن يكفله غير نظام شبيه بنظم ابانت عن عجزها البنيوي ، ورغم ذلك لا يزال مرتبطا بها . ان اندماج العامل والفلاح والمواطن الغربي في نمط العيش البرجوازي ، اضافة الى تمييع دور الاحزاب التي تؤثث لكرنفال متحكم فيه من قبل الاجهزة البوليسية ، كان ولا يزال من اهم العوائق الرئيسية التي ستجعل المواطن العادي يقبل بعنف الدولة البوليسية ، وبكل ترحيب ، ودون ان يدفعه ذلك الى اشعال ثورة شبيهة بثورة المثقفين في مايو 1968 ، فأحرى اشعالها ثورة على غرار ثورة 1917 .
اذن ان العنف كآلية تمارسها الدولة ، يبقى وسيلة لا مفر منها للضبط والتحكم وإرجاع الامور الى نصابها ، وتستوي فيه الدول المتقدمة مع الدول العالم ثالثية ، رغم اختلاف الميكانيزمات باختلاف المراحل الحرجة .









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,939,787
- استراتيجية الجماعات واستراتيجية السلطة
- ماذا يحمل كريستوفر رووس في جعبته ؟
- الحركة الماركسية اللينينة التونسية
- منظمة 23 مارس - مناقشات للتقرير الايديولوجي للاتحاد الاشتراك ...
- رسالة مفتوحة الى السيد وزير العدل المغربي الاستاذ مصطفى الرم ...
- الاسرة في المجتمع البطريركي الرعوي العربي
- الديمقراطية وديمقراطية الجماعات السياسية
- لو انّ بغْلة عثرتْ في حفرة ...
- المتلاشيات السياسية في زمن سوق الخردة السياسية
- المجتمع الحديث بين العقلنة واللاعقلنة
- منظمة 23 مارس -- نقد برنامج - حزب التقدم والاشتراكية --
- سورية بلد جميل ، دمره المجرمون
- الحزب العمالي
- منظمة 23 مارس -- في التوجه السياسي المرحلي -
- الدرك الملكي
- منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية - التقرير التوجيهي -
- الاغنية السياسية
- المنطلقات النظرية للاشتراكية الصهيونية البروليتارية
- الحركة الاسلامية بالمغرب ( 6 )
- الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )


المزيد.....




- فعلتها من قبل.. الصين ستبني مستشفى في 6 أيام لمواجهة تفشي في ...
- زلزال يضرب تركيا بقوة 6.7 ريختر.. وأتراك يتداولون مقاطع فيدي ...
- العراق: فقدان ثلاثة فرنسيين وعراقي يعلمون في منظمة كاثوليكية ...
- فرنسا: الحكومة تحيل قانون إصلاح أنظمة التقاعد إلى البرلمان ر ...
- دليل على قمر زحل يشير إلى قابلية دعمه للحياة
- إصابة 34 جنديا أميركيا بارتجاج في الدماغ جراء الضربات الإيرا ...
- الصين تعزل أكثر من 40 مليون شخص وتشيد مستشفى ضخما لاستيعاب م ...
- إصابة 34 جنديا أميركيا بارتجاج في الدماغ جراء الضربات الإيرا ...
- الصين تعزل أكثر من 40 مليون شخص وتشيد مستشفى ضخما لاستيعاب م ...
- اسراب من الجراد الصحراوي يجتاح ارياف ومدينة تعز


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الدولة والعنف في الدول العالم ثالثية