أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عبد زيد - الوعي الجمالي والتأويلية















المزيد.....



الوعي الجمالي والتأويلية


عامر عبد زيد

الحوار المتمدن-العدد: 4053 - 2013 / 4 / 5 - 14:25
المحور: الادب والفن
    


" الكائن الذي يمكن أن يفهم هو : اللغة" غادامير


تصدير
إن اغتراب الوعي الجمالي ، كما يراه غادامير هو ذلك الوعي الذي يربطنا بخاصية الشكل سلبا او إيجابا ،فهو هنا يعود إلى عصر الأنوار والحديث عن الطابع الجواني في إدراك الأشياء لهذا يعتبر ان العلوم الإنسانية لها دوماً علاقة بمعرفة الذات . تربط الباحث بذاته عبر عنصر التراث كفهم جذري للذات وتناهيها. وهنا يرى ان الاغتراب مشؤه أننا أصبحنا ننظر إلى( الفن من خلال إبداع فني في أي عصر إنما إبداع ليقول شيئا ما لأناس يحبون في عالم مشترك ، ولم يبدع لأجل القبول أو الرفض الجمالي الوعي الجمالي ، هذا يعني أن الوعي بالفن من حيث هو وعي جمالي ، يكون دائما ثانويا بالنسبة لدعوى الحقيقة التي تنبثق من العمل الفني )( ) من هنا كان رهان غادامير الحقيقي هو تشكل الوظيفة الوجودية ، وهي لا تقتضي مغادرة الأفق الفني بل إعادة تعريف الظاهرة الجمالية انطلاقا من الوظيفة الانطلوجية التي تقتضي ربط الفن بالعالم وهذا يحصل عبر انصهار الأفاق بين الإنسان والميراث التاريخي وهذا يحدث من خلال المماهاة بين الجمالي والحقيقي ، لان الفن يعكس قدرة الإنسان على أن يتصور ويتخيل الأشياء الموجودة في العالم في وضعية أفضل ويصنع منها عوالم أرحب من خلال التعبير والإنتاج والإبداع لطاقات التي تكتنزها في إنتاج المعنى والإبداع في فتح فضاءات أرحب تتجاوز العوالم المجردة المغلقة القائمة على مفاهيم الإلهام والتوسط والحدس والتقمص وعزل الإعمال الفنية عن الحياة ، فان هذا التنظير الجمالي القائم على اختلاق عوالم جمالية فنية مستقلة عن الحياة كان المنجز الذي جاءت به حقبة التنوير من خلال قدسية القوانين والاستقامة الخلقية ، والتي امتدت أطيافها إلى الفكر الألماني وجاءت تجلياتها في جماليات كانط نستطيع ان نرصد الخطاطة النقدية التي جاء بها غادامير هنا من خلال نقد الخطاب الجمالي واستعادة التراث الذي تم إقصائه من قبل كانط عبر اختزاله إلى مجرد أحكام جمالية وذاتية ، أدت في نهاية المطاف الى ركود العلوم الإنسانية -كما اشرنا له في ابستومولوجيا كانت-فالهيرمنوطيقا بوصفها انبثاق للوظيفة الأصلية التي هي إيضاح وتعرف لكن في الوقت الذي تغدو فيه وظيفة الإيضاح مقترنة بأشخاص نلقاهم في التراث من خلالهم يغدو الإيضاح ممكن فان وظيفة التعرف هي لأخرى كم يرى غادمير مشروطة إذ (نحن لا يمكن أن نفهم ؛ إلا إذا كنا نريد أن نفهم )( )وهنا ينبثق مشرع غادامير في التواصل مع التراث من خلال انصهار الأفاق والعمل على تحقق الفهم والقراءة المنطلقة من المعاصرة .وهذا الأمر اقتضى معالجة بعدين:
الأول الحفر في هيمنة مفاهيم الخبرة والوعي الذاتي من خلال البحث في تكون العلوم الإنسانية وهذا يقتضي نقد جماليات كانت بوصفها تمثل تجليات تلك الحقبة المعرفية وهي تقوم على نقد وتقويض الوعي الجمالي الذي ينظر إلى العمل الفني بوصفه موضوع جمالي خالص ويجرده من مضمونه الأخلاقي والمعرفي .والتي تعني بنقد "ذاتية الوعي الاستطيقي عند كانت "
والبعد الثاني: مما يودي إلى استعادت الإرث الإنسانية الذي تعاملت النزعة الكانطية معه بنظرة مختزلة إياه بوصفه مجرد أحكام جمالية وهذا يودي إلى وأزالت الركود الذي أصاب العلوم الإنسانية،التي ترجع إلى "الالهامات الكبرى لهذه النظرة الجمالية للعالم الى (غوتهGoethe) في كتاب الشعر والحقيقة و (روسوRousseau )،في كتابة الاعترافات وكتاب هيلوبيز الجديد ، الذي يعد من أول الآثار الأدبية المتمركزة حول مفاهيم العبقرية والإنتاج والخبرة الذاتية ..مما جعل استطيقا القرن التاسع عشر تحمل نبرة غوتيه وروسو"( ) فجاء المبحث الأول استعراض نقدي لهذا الأمر عند كانت فيا جاء المبحث الثاني مبحث في استطيقا غادامير التي تتجاوز الذات في مسعى إلى تأسيس خطاب جمالي يتناول بشكل مختلف إشكالية القراءة (أو الفهم) والتأويل.اذ هناك موازنة دقيقة بين "(فعل القراءة) في أبعاده الإجرائية بالخصوص، إلى درجة جعلت واحدا من أبرز المدافعين عن التأويل، بول ريكور، لا يتوانى عن اعتبار فعل القراءة ذاته ممارسة للتأويل. وهو ما يذهب إليه غادامير الذي يعتبر فعل الفهم - دوما - مرادفا "للتطبيق" بالمعنى الهيرمينوطيقي للكلمة."( )


المطلب الأول :
نقد التمركز حول الذات في الخطاب الجمالي عند كانت

حفريات في مشكلة المنهج في العلوم الإنسانية :في البحث الذي بدأه غادامير في مجال إعادة النظر في المعرفة التي ظهرت في ظل الحداثة والتنوير من خلال معالجته التراث الانسانوي للعلوم الإنسانية، من خلال قياسها بالعلوم الطبيعية التي يضمحل فيها الإرث المثالي المتضمن في مفهوم الروح Geist ومفهوم علم الروح .من خلال دعوة "جون ستيوارت "في كتاب المنطق المترجم إلى تطبيق منطق استقرائي على "العلوم الأخلاقية "التي ترجمة بالعلوم الإنسانية وهنا يؤكد غادامير :"حتى في سياق كتاب مل المنطق ، يبدو جليا عدم وجود مسألة الاعتراف بأن للعلوم الإنسانية منطقها الخاص" ( )وهنا يرجع غادامير هذا التصور الذي جاء به مل إلى هيوم في كتابه "رسالة في الطبيعة البشرية " الذي يحاول أن يرصد في علم الأخلاق بتأسيس التشابهات والانتظامات للقانون حتى تقيم إمكانية التنبؤ بالظواهر الفردية .ويرى غادامير المنهج انه :"ان ما يتم تطويره هنا على نحو مبرمج هو علم طبيعي للمجتمع ، وقد اتبع البحث هذا البرنامج بنجاح في حقول عدة . "بالمقابل ثمة هناك جهود حاولت معارضة هذا التوجه منها :
1- هرمان هلمهولتز : هنا قد ميز بين نوعين من الاستقراء هما : الاستقراء المنطقي ، والاستقراء الغريزي ، وهنا يقيم غادامير هذا التميز على انه لم يكن تميزا منطقيا وإنما تميزا نفسيا من خلال توصله إلى استنتاج أن العلوم الإنسانية تتوصل إلى استنتاجاتها عن طريق عملية لاواعية . بالمقابل يشير غادامير إلى أن "هرمان هلمهولتز" العمل العلمي فقط "عملا واعيا ذاتيا لاستخلاص نتائج دقيقة "ص55الا انه يشير أن المعرفة التاريخية تتأسس على نوع أنواع الخبرة مختلفة تماما عن الخبرة التي تصلح للقوانين الطبيعية التي ترمي إلى الاكتشاف . ومن اجل هذه الغاية يميز بين الطبيعة والحرية . وهنا يرى غادامير أن هذا التميز هو أساس فلسفة كانت الذي يرى أن الدراسات التاريخية هي دراسة مختلفة ؛لأنه لا وجود في ميدانها لقوانين طبيعة وانما هناك قوانين تطبيقية مقبولة طوعا أي هناك وصايا .( ).
2- دلتاي : الذي يبدو انه جمع بين التأثير المنهج العلمي والنزعة التجريبية لكتاب مل المنطق مع احتفاظه بالإرث الرومانسي والمثالي في مفهوم الروح . فقد اعتقد هذا الإرث أعلى قيمة من النزعة التجريبية الانجليزية .فقد عمل دلتاي على طيلة عقود على وضع أسس العلوم الإنسانية من خلال مناقشته المطردة للمطلب المنطقي الذي حدده مل للعلوم الإنسانية في كتابة المنطق ...ودلتاي يحاول تبيان استقلالية العلوم الإنسانية ويقيم دليل على ذلك عبر الاحتكام إلى موضوعها ص54.والنتيجة التي توصل اليها غادامير هي :"ان دلتاي في محاولته المنطقية ، لم يحقق في الحقيقة تقدما يتجاوز ما قدمه هلمهولتز"( )
3- درويزن : يعرض له غادامير الذي يبحث عن انساب المنهج الذي ينتمي الى العلوم الإنسانية فيقول : درويزن الذي كتب في 1843 وهو مؤلف ومؤسس تاريخ الهللينية الذي عبر عن أمله في "أن المفهوم الأكثر عمقا للتاريخ سيكون مركز الثقل الذي ستنال به الحركة المضطربة للعلوم الإنسانية استقرارها وإمكانية تقدمها باطراد " وهنا يقيم غادامير جهود( درويزن)أن نموذج العلوم الطبيعية الذي يستحضره هنا ليس المقصود من ناحية مضمون محدد أي نموذج نظري لعلم يجب أن تتشبه به العلوم الإنسانية بل على العكس ، يعي درويزن أن على العلوم الإنسانية أن توطد أسسها كمجموعة من العلوم مستقلة ومعتمدة على نفسها على حد سواء . ويحاول كتاب درويزن التاريخ أن ينجز هذه المهمة .
4- هردر:يصفه غادامير بالقول : برز أكثر من أي شخص آخر ، نزعة الكمال في عصر التنوير بنموذجه الجديد عن "التثقيف الإنساني "ومن ثم هيأ الأرضية لنشوء العلوم الإنسانية في القرن التاسع عشر وربما كان مفهوم التثقيف ، أعظم فكرة في القرن الثامن عشر .
هنا يبدأ غادمير بمعالجة مفهوم الميراث الثقافي للثقافة Bildung . وان ثمرة الثقافة لا تنال في طريقة البناء التقني ، وإنما تنشأ من عملية تكوين وتثقيف داخلي فأن كلمة ثقافة تشبه ، بهذا الصدد الطبيعة Phisis لدى الإغريق .فالثقافة كالطبيعة وليس لها غاية خارج ذاتها ( ) إلا انه في مسعاه إلى الحفر في تكوين العلوم الإنسانية يكد على أمر مهم في مسيرة قراءته النقدية في مجال الفهم الجمالي -كما سوف يتضح بعد قليل – الذي يبدأ بالمسعى الهادف إلى تحرير ظاهرة الذاكرة من ربقة اعتبارها ملكة نفسية ، والنظر إليها بالأحرى على أنها عنصر أساسي للوجود التاريخي المتناهي للإنسان ؛ إما النسيان الذي هو شرط حياة العقل كما أشار نيتشه بامتياز ، فمن طريق النسيان حسب تكوين للعقل إمكانية التجديد الشامل ، والقدرة على رؤية كل شيء بعيون جديدة اما الذاكرة فهي شيء يتعلق بالتذكر والشيء نفسه يصح أيضا بالنسبة لمفهوم التذوق الذي يستخدمه هلمولتز فمن خلال "التذوق " إذ من خلاله تكون لنا حساسية خاصة بإزاء الموقف وكيفية التصرف حيالها وذلك لان المعرفة التي تتوفر عليها من المبادئ العامة هي معرفة غير وافية ..وان الذوق الذي يؤدي وظيفة في العلوم الانسانية ليس هو ببساطة شعورا و لاواعيا ، بل هو في الوقت عينه طراز من المعرفة وطراز من الوجود ( )
الا انه هنا ينتقل الى مفهوم اخر هو الثقافة ويعمل على تحليل الثقافة على المرء ان يكتسب هذا الحس اذ كان بوسعه ان ينطوي على حس بازاء الجمالي والتاريخي وان يكتسب هذا الحس اذا كان بوسعه الاعتماد على ذوقه للعمل لكن من اجل دراسة الثقافة في البدء عندما وجد أن يكون هناك سلفا تقبل ل"آخرية" -كما تصورها هيجل –عمل الفن على الآخر بوجهات نظر أكثر شمولا إذ أردنا أن تحرر المشكلة التي تقدمها العلوم الإنسانية من ضعفها المصطلح الذي أصبحت به منها جية القرن التاسع عشر .( )
إن خبرة الفن تساوق جنبا إلى جنب مع خبرتي التاريخ والفلسفة عند غادامير ، وهي تقدم لنا نماذج من الخبرة بالحقيقة تتجاوز مناهج البحث العلمي وتنتمي إلى العلوم الإنسانية او إلى ما يسميه الألمان "علوم الروح " Geisteswissens chasten هنا يأخذ غادامير بالتصور الذي قدمه "هيلمهولتز"للاستقراء العلمي بوصفه الاستقراء المنطقي الذي يبحث عن القواعد والقوانين ؛أما الاستقراء الفني فهو كالحساسية اوالرقة Takt لهذا يخلص غادامير الى القول (ان العلوم الانسانية ترتبط والرقة ،وفن الممارسة الذاتية أكثر منه بمناهج مطبقة وقواعد صارمة)( ).

المجال الجمالي ويتعلق بالأعمال الفنية: لقد ارتبط نقد كانت بالرهان يقوم على تجاوز مشكلة الاغتراب الوعي الجمالي وما له من اثأر تودي إلى تشوه العلاقة بين الحقيقة والفن وقد كانت البداية مع كتاب"نقد ملكة الحكم "( )الذي شكل قطيعة مع التقليد السابق وعتبه مهمة لكل تقدم جديد ومن هنا جاءت معالجته المفاهيم الآتية : الذوق ، والحس المشترك ، والحكم ،(حصر كانط مجال المعرفة في الاستخدام النظري والعملي للعقل ، مستبعدا من الفلسفة مفهوم الذوق التجريبي ، وفعالية ملكة الحكم الجمالية في مجالي القانون والأخلاق )( )
نقد البعد الذاتي في جماليات كانت :
1. مفهوم الذوق :كضرب من ضروب الحس العام :يقول كانت :لكي نميز ، هل هو جميل أو غير جميل ، فإننا لا نعيد تمثيل الشيء إلى الذهن من أجل المعرفة ، بل إلى مخيلة الذات (ربما مرتبط بالفهم ) وشعورها باللذة أو الألم . ومن هنا ، فان حكم الذوق ليس حكم معرفة ، بالتالي ليس منطقيا، بل جمالي ؛ ونعني بذلك أن المبدأ الذي يعينه لا يمكن أن يكون إلا ذاتيا . وكل رابطة تمثلات ، حتى رابطة الإحساسات ، يمكن أن تكون رابطة (التمثلات)بالشعور باللذة والألم فليس كذلك ،إنها لا تدل على شيء في الموضوع نفسه ، وانما تشعر فيها الذات بأنها متأثرة بالتمثل .( ) .فقد احدث كانت قطيع الذي كان ينظر إلى الذوق من خلال صلته بالسياسة والأخلاق اذ كانت الفنون الجمالية ممزوجة في إفهام الشعوب القديمة بالسحر والطقوس كوسائل مساعدة في الصيد والمعارك في التأثير على الطبيعة اذ نسحب كل المعطيات التصويرية للدين على الفن في كل الحضارات , إذ أن ما وصل إلينا من فنون وأثار تشكل صوراً تقوم على السعي لاكتشاف الأسباب والمسببات وراء الظواهر الخارقة فتكون كما لو أنها طقوس دينية أو إشارات سحرية تشكل رموزاً أو آلهة لتقديسها واللجوء إليها , و هذا ما يفضي إلى دراسة الفكر التاملي والحوار الذاتي للإنسان القديم والكيفية التي توصل إليها في صياغة فكرة الإله عن طريق تمثلاته في الفن، وماهية النتائج العقائدية التي من خلالها وجد الإنسان القديم عونا في مواجهته للطبيعة هذا العون تمثل في الفن الذي ساعد الإنسان على إخضاع الطبيعة، بمعنى أن الإنسان وظـّف الفن لتنمية القوة ازاء الطبيعة، والفن كموقف معرفي لم يكن وظيفة جمالية بقدر ما كان أداة وسلاحا سحرياً في صراعه من اجل البقاء( ). ذلك أن إنسان القديم قد اعتبر الفن على قدر من الأهمية بحيث صار نشاطا اجتماعيا يتمحور في العلاقات والبنى الذهنية المشتركة وارتباطها بقيمها التعبيرية الرمزية( ). فإن إدراك العالم الخارجي يتغير وفقا للمواقف الذاتية للإنسان بفعل توجهات الأفكار والعواطف التي ساعدت من خلال الفن تحقيق الاطمئنان النفسي لوجود الإنسان إزاء ظواهر متعددة والتي جعلت من تعدديتها تعدد الآلهة في الفكر القديم( ) .هذا التصور الذي امتد إلى الفكر اليوناني "وهنا تكون (الانسانية humaniora )، كما مثلها النموذج الاغريقي ، محددة كنزعة اجتماعية ملائمة للطبيعة ، والشعور الاخلاقي المثقف كطريقة اجتماعية ملائمة للطبيعة الانسانية ، و الشعور الاخلاقي المثقف كطريقة يتخذ فيها الذوق الحقيقي شكلا ثابتا ونهائيا "( ) بالمقابل جاء التحول في فهم الذوق عند كانت وليد مناخ ثقافي مختلف عن الفضاء التنويري حيث هيمن الفكر العلمي الذي دفع ب"كانت" إلى انجاز لهذا جاءت ثورة كانت تختزل مفهوم الذوق إلى ما هو خارج التصور الانتربولوجي الذي يربط الجمالي بالسياسي والأخلاقي من خلال كتابه "نقد ملكة الحكم" ؛ إلا أن الذوق يبقى مختلف عن تلك الصلاحية التي يتمتع بها العلم ،وهنا جاءت معالجة كانت التي أشاد بها غادامير. ومفاد هذه المعالجة أنها تؤكد على أن الحكم الجمالي حكم ذاتي فردي من ناحية ومن ناحية أخرى ينبغي إن يشاركه الآخرون فيه فيكون إمامنا التصور التالي : فعندما احكم على شيء جميل ، فأنا أعتقد بأن كل فرد يتفق معي في هذا الحكم وبهذا أصبح الحكم الجمالي لدى كانت يعبر عن مجال مستقل عن المعرفة انه ينتمي إلى المخيلة وفي مجال تميز كانت بين الجميل او غير الجميل فانه يقول :فإننا لا نعيد تمثيل الشيء إلى الذهن .الا ان كانت ينهي العلاقة بين ذاتية الذوق وكونيتة بالسؤال التالي : كيف نبرر كونية تنطلق من الشعور الذاتي .( )
2. الجمال الحر والجمال التابع :في قراءة غادامير لهذا الموضوع يرصد التميز الذي اقامه كانت بين الجمال الحر والجمال التابع وهو تميز لي رئيس ولم يحضا باهتمام كانت ؛ رغم اننا نستطيع الاخلاق في الجمال كما تصورها كانت تناوله "الجمال بوصفه رمز اخلاقي " بقوله : "لا يمكن أن يأخذ الذوق الأصيل شكلاً معينا وثابتا ، إلا إذا تم الاتفاق بين هذا الأخير (الشعور الأخلاقي )والحساسية "( ) وثمة تحديد لمفهوم الجميل لدى كانت ي فقرة 15: لايمكن معرفة غاية موضوعية الا بواسطة علاقة الكثرة بهدف معين ، أي بواسطة مفهوم فقط . ومن هنا يتضح أن الجميل الذي أساس الحكم فيه غاية شكلية بحته ، أي غاية من دون يفترض غاية يكون مستقلا تماما عن تمثل الخير ، لان هذا الأخير يفترض غاية موضوعية ، أي علاقة الشيء بهدف محدد.( )
إلا انه في قراءة غادامير ومنهجه في أعادى قراءة الموروث الجمالي مثل أهميه كبيرة ففي الوقت الذي بدا الجمال الحر حامل الدلالات الآتية :كونه حر يمنع من إدراج أي مفهوم بما يجب أن يكون عليه الشيء .وكونه جمال قائم بذاته لهذا الشيء او ذاك . وأيضا كونه منزه عن أي غاية .وبالتالي يغدو الحكم على هذا النوع من الجمال هو " حكم ذوق محض " ، يستبعد تدخل أي اعتبار عقلي مثل : الإزهار و الزخرفة والموسيقى الخالصة من الكلام ذاتها ، ولا تمثل شيئا تحت مفهوم معين . إما إذا كانت تستجيب لغاية أخرى ما عدا الجمال الخالص , بالمقابل إذا كانت تستجيب لغاية أخرى ماعدا الجمال الخالص فإننا نكون إزاء نوع أخر من الجمال : اقل حرية ، وأقل صفاء ، وهو الجمال التابع الذي يفترض مفهوم غاية تحدد ما يجب أن تكون عليه الشيء .بتعبير غادامير لا تكون إنتاجية الخيال هي الأغنى حيثما تكون حرة كما في تلافيف فن الزخرفة العربية ، بل في ميدان اللعب حيث الرغبة في الفهم من اجل الوحدة لا تقيد ، إلى حد بعيد ، هذه الإنتاجية كدافع للعب ( )
3. العلاقة بين الذوق والعبقرية :في هذا العنوان الجمالي نقف عند مقابلة بين الأشياء الطبيعية الجميلة والفن في مجال إقامة المقابلة أصلا بين الذوق والعبقرية على اعتبار تصور كانت ونقد غادمير في مقال تبيان المقابلة بين مفهوم الذوق والعبقرية فإننا نرصد التقابل بالشكل الأتي :
• فالذوق :هو الذي يهتم بالجمال الطبيعي بوصفه شيئا جميلا إذ في الجمال الطبيعي لا تعد هناك حاجة إلى معرفة الغاية بل يكفي أن يعجب الشكل وحدة .ويرصد غادامير موضوع الذوق أي الطبيعة فيقول : تستطيع الطبيعة الجميلة أن تثير متعة آنية بمعنى متعة أخلاقية ، فان الإحساس بجمال الطبيعة يعد حالة خاصة بالنسبة لكانت هناك تفاعل بين الطبيعة مع مجمل لذاتنا اللاغرضية ، أي ما تحمل الطبيعة من غرضيه رائعة لنا ، فهي تشير ألينا مثلما تشير إلى غرض نهائي للخلق (الجانب الأخلاقي من وجودنا)فالطبيعة تعطينا "الماعة" إنا في الحقيقة الغرض الأساسي ، والمرمى الأخير للخلق ، ومكمن براءة الطبيعة في أنها لا تعرف شيئا عن الإنسان وعيوبه الاجتماعية ، ومع ذلك ، لديها شيء ما تقوله لنا ، ونجد الطبيعة بوصفها طبيعة جميلة ، لغة تتحفنا بفكرة مفهومة عما تكو عليه البشرية ( )
• إما العبقري : فهو يهتم بالجمال الفني الذي يتطلب العبقرية واللعب من قبل قوى الإدراك . إن الذوق هو ما يجب أن نستند إليه في الحكم على الأشياء الجميلة ..فلابد من العبقرية . ( )ويكثف (دوغلاس بنهام)موقف كانت من العبقري بالاتي : الفنون الجميلة والعبقرية يمكن القول، ان العامل الذي يجعل الفن الجميل ممكناً، هو ان هذا العامل بحد ذاته ليس منتجاً، لا بالعبقرية الفردية ولا( ما لابد من إضافته) من خلال ثقافة الفنان، او تاريخه او تربته، وما الى ذلك. ومن التعريف المقدم للعبقرية بوصفها تلك الموهبة التي تستطيع بها الطبيعة اضفاء القواعد على الفن بالامكان ان تتولد ( بالاخذ والرد !) الافتراضات الرئيسة التالية:
اولاً - يعد الفن الجميل نتاجاً يقوم به افراد من البشر ولكنهم ليسوا” افراداً عارضين “ cantingent individuals واعني بذلك ليس من قبل الطبيعة البشرية بمعناها” التجريبي المعروف “.
ثانياً- ليس بامكان الفن الجميل بوصفه جمالياً( مثلما الطبيعة هي ذاتها جمالية aesthetic بهذا المفهوم) ان يخلو من قواعد محددة او مفاهيم معينة، عند انتاجه او الحكم عليه. ومع ذلك فالعبقرية تمدنا بقاعدة، تصلح للتطبيق في مثال ملموس، عن طريق التكوينات الدقيقة التي تصوغها القابليات ( والتي هي مرة اخرى” طبيعية “ بالمعنى الاول السالفة الذكر) العقلية للعباقرة.
ثالثاً- وبذا تعد القاعدة، التي تمدنا بها العبقرية، قاعدة تتحكم بدرجة اكبر من السابق بماهية ماينتج وليس بكيفية انتاجه. لذا فبينما يعد الفن الجميل كله” عرضا “ presentation يمثل شيئاً جميلاً لموضوع ما نجد ان هذا يضفي بعضا من غموض على الحقيقة القائلة بان إنشغال العبقري ينصب على الخلق الاصيل للموضوع الذي هو بصدد تقديمه ان” الكيفية “ عادة مايبلغ عنها، على نحو عميق، بواسطة التدريب والتقنية، وبذا ، تكون محكومة بالذائقة. ويزعم كانت ان الذائقة ماهي الا قدرة قيمية evaluative faculty وليست انتاجية( (الفقرة 47 وهكذا سيحاول ان يفرق في نهاية القسم 47 بين” مادة “ material تسد الحاجة و” شكل “ يطمح الى الاتقان.( )
رابعا- وبسبب هذا تعد الاصالة originality احد مميزات النبوغ. وهذا يعني ايضا ان الفن الجميل لا يعد، بالمعنى الضيق للكلمة،” تقليدا “ imitation لفن سابق، على الرغم من أنه قد” يحذو “ حذو فن سابق او يكون” متأثراً “الفقرة 47).خامسا- لابد للفن الجميل، ومثلما ذكرنا سابقاً، ان يكون له” شكل الطبيعة “(الفقرة 47). ذلك لان قواعد انتاجه(وتعني بذلك اي مفهوم او مجموعة مفاهيم تتعلق بالموضوع وبـ” كيفية “ إنتاجه التي تتيح للعبقري ان ينتج من الناحية العملية شيئاً محدداً)تحدد” اصالة جذرية “ . لذلك، فالفن يعد” طبيعيا “ natural بالمعنى الثاني للكلمة، المذكور سابقا، لكونه يقع خارج دائرة الانتاج او اعادة الانتاج التي تدرك بها انواع الفنون الاخرى جميعها على وجه العموم( وبذا فهي مرة اخرى غير متاحة للتقليد) ولقد ادى هذا بكانت الى الادلاء ببعض التعليقات الموحية، وان لم يجر قط لحد الان الاخذ بها جميعاً، عن بعض التأثيرات والمدارس الفنية، وعن دور الثقافة، وعن التقنية والتربية وما الى ذلك)( )
• ويرصد غادامير مزايا أخرى للفن على الجمال الطبيعي : مزية أنه تعبير أكثر مباشرة عن الأخلاقي . ( ) وان الذوق هو ملكة للحكم ، ومن ثم فهو تأملي ، ولكنه يتأمل فقط في تلك الحالة العقلية ؛ تلك الحالة الحيوية للقوى الإدراكية التي هي ثمرة الجمال الطبيعي بقدر ما هي ثمرة الجمال الفني . ولذا فان الاهمية المنهجية لمفهوم العبقرية محدودة بوجودها كحالة خاصة من حالات الجميل من الناحية الفنية ، في حين الذوق هو ، على العكس ، مفهوم كلي ( )
نقد غادمير في تصور كانت للعبقري : "فقد يشار إلى إن كانت هنا لا يزيغ عن البحث المتعالي ويقع في مأزق علم النفس الإبداع الفني بالأحرى ، تظهر لاعقلانية العبقرية عنصرا واحدا في الإنتاج الإبداعي للقواعد ، تظهره واضحا لكل من المبدع والمتلقي . وهذا يعني أن ليس هناك طريقة لأدراك مضمون عمل فني إلا من خلال الشكل الفريد للعمل ومن خلال لغز تأثيره الذي لا يمكن أبدا التعبير عنه تماما بأية لغة كانت "( )في تجذير لفظ عبقري يرى غادامير : genie كلمة مشتقة ، من اللاتينية وهنا ingenium عبارة عن لفظ يدل على مسألة حدس وابداع خلاق يشكل العبقرية ، بمعنى أنه ليس مسألة منهج وليس هناك أية إمكانية في تكرار أو تطبيق أو منهجية هذه القريحة الخلاقة . وبالتالي ، ، فان المؤول لا يمكنه إعادة إنتاج وإعادة تأويل الإبداع الأصلي ، بمعنى فعل الإبداع أو الإنتاج ..إذ ثمة مسافة يتعذر غمرها بين الإنتاج العبقري وبين التجربة التي نمارسها لحظة إعادة قراءة هذه المنتجات الفنية ( ) إلا أن غادمير يمتدح تصور أخر للعبقري ويراه أكثر ملائمة :الروح التي تخلق فصلا عن ذلك روحا تحكم وتستمتع . ومثل هذه الابتكارات لا يمكن محاكاتها ، ومن ثم يغدو حديث كانت (هنا فقط ) عن العبقرية صحيحا ، حديثه من وجهة نظر متعالية ( )


المطلب الثاني :
تجاوز هرمنيوطيقا لاغتراب الجمال:

العمل على استعادت الخبرة الحقيقية من جديد حتى يتسنى لنا تحرير مفهوم الحقيقة من اللغة التي يفرضها العالم الحديث ، مواجهة النتائج السلبية الناتجة عن اختزال العلوم الانسانية الى مجرد مسألة جمالية ( ) من هنا جاءت رؤية غادمير والتي كانت ترى أن الفن يضع أساس من اعتبار الوعي الذاتي هو الأساس المعرفة الغربية لان الوعي الجمالي له مكانه ثانوية إذا قورن بالادعاء الآني للحقيقة الذي ينبع من العمل نفسه ،وإذا ما تلقينا العمل الفني على أساس الوعي الجمالي نكون مغتربين عنه لا ننكر إنها حقيقة كأمنه فيه ؛ لان العمل الفني يتضمن نوعاً من الحقيقة... مغايرة لمثيلتها في الفلسفة والتاريخ ويعلل هذا بالعودة إلى الشكل أن يجعل هذه التجربة مفتوحاً للأجيال القادمة وتصبح عملية متكررة يقول غادامير: (تقترب خصوبة المعرفة في العلوم الإنسانية من ملكة الحدس الفني أكثر من الروح المنهجية للبحث العلمي)( ).غادمير هنا لا يعطي المادة الأهمية التي أعطاها لها هيدجر بل التجربة الوجودية التي يشكلها الفنان في العمل الفني ،وهذه الحقيقة قابلة إن تصبح معطى جديدا ثابتا في الشكل قابلة للتلقي والمشاركة " إن انصهار الحقيقة أو الوجود الماثل في الشكل يكون كاملا لدرجة أن يكون شيئاً جديدا "( ) "
المفاهيم التي يعتمدها غادامير في قراءته الجمالية :
1- اللعب : لقد تطرق كانت من قبل إلى الألعاب الملكات الفهم والتخيل ، لكن غادامير بعد ان ابعد الوعي الذاتي فانه يرى تجربة التلقي ممكنة وقابلة للمشاركة بها عبر تفاعل تجربة والحقيقة الكامنة التي يمكن النظر اليها من خلال مفهوم اللعب :الذي هو "بمثابة مفتاح يسمح لنا بالقاء الضوء على العمل الفني وأسلوبه في الوجود .لذا فان التحليل الذي يقدمه عن خبرة الفن ،لا يستند الى النزعة الذاتية التي تربط العمل الفني بوعي الذات بل الى التحليل فينومينولوجي لظاهرة اللعب ؛ لان مثل هذا التحليل وحده هو الذي يسمح لنا بفهم العمل الفني "( ). وهنا يضرب لنا مثلا عن اللعب فانه ليس مجرد نشاط واعي،للتسلية والمتعة بل انه يتضمن نوعا من جدية إذا تجاهلها احد المشاركين يفسد اللعب .وللعبة أيضا دينامكيتها المستقلة وأهدافها المنفصلة عن وعي اللاعبين المشاركين فيها .ان اللاعب يختار أي نوع من اللعب يريد أن يشارك فيه ولكنه حين يدخل اللعبة يصبح محكوما فيها(بقوانينها الذاتية)( )كما يقول غادامير :"أن لكل لعبة روحها الخاصة...فالالعاب تختلف احداهما عن الاخرى من حيث روحها ، ومرد ذلك الى الحركة الغادية الرائحة التي تكون اللعبة تنمذج بطريق متنوعة . وتمثل الطبيعة الجزئية للعبة ما في القواعد والتنظيمات التي تصف الطريق التي يملؤها حقل اللعبة ..فحقل اللعبة الذي تلعب فيه اللعبة تقرره ، ان جاز التعبير ، طبيعة اللعبة ذاتها ، ويعين الى حد بعيد من طرف البنية التي تحدد حركة اللعبة من الداخل أكثر مما يتحدد بما يصادفه من حركة خارجية تقييدية مثل حدود مكان مفتوح"( ) ويصف غادامير ما يميز اللعب الإنساني أنه يلعب شيء ما فهو أولا يفصل سلوك لعبة عن سلوكه كونه يريد أن يلعب , ولكن حتى ضمن استعداده هذا للعب يمارس الاختيار فهو يختار هذه اللعبة دون هذه اللعبة دون ذلك.فان اللعب الإنساني يقتضي حقلا للعب .فيدشين حقل اللعب –بالضبط كتدشين مناطق مقدسة . ( )
التحول والتعرف :رغم أن اللعب نشاط لا غرضي ؛ إلا انه عند غادامير نشاطا مقصودا لذاته ، ومن هنا نستطيع النفاذ إلى مفاهيم مكملة للعب في طريقه أن يصبح فنا من هذه المفاهيم يأتي " التغير " والذي عنده يبلغ اللعب لحظة اكتماله عندما يغدو فنا ،لأنه عندها اسم التحول يصبح " بنية " فتوصيف فعل التحول كما يعطيه غادامير : هو أن شيء ما قد أصبح شيئا آخر ،وهي نوع من الوجود المتحول تشير فيه عملية التحول إلى ما قد تحول ، وهذا الفعل يكشف عن الإمكانات المكثفة للحياة التي لم نراها من قبل .فالتحول إلى بنية كما مر بنا في تأملات غادامير يكشف أن ديناميكية اللعب قد وصلت إلى لحظة اكتمالها عندما أصبحت فن يسمح لنا أن نرسم خطاطة التعرف على أنها تمكننا من التعرف على عالمنا ، والتعرف على حقيقة الأشياء الثابتة الجوهرية التي تبقى بعد زوال المتغيرات من الإعراض .من هنا فان "متعة التعرف" هي متعة تعرف تزيد عما ألفناه وهذا ما تعكسه الطبيعة الحقيقية للتمثيل الفني ، إلا أن التعرف يعني صفة أخرى هي التحرر فتحول اللعب إلى فن يعني تحوله إلى بنية يعني أيضا تحرره أي زوال الحجب التي تحجب حقيقة العالم وبالتالي العودة إلى حقيقة الوجود . ومن ثم فان دور المبدع في العمل الفني كدور اللاعب في اللعب انه يبدأ بمحاولة تشكيل تجربته الوجودية ،ولكن هذه التجربة تستقل –في تشكلها – عن ذاتية المبدع ،لتتحول إلى وسيط له دينامياته وقوانينه الداخلية.هذا التوصيف إلى العلمية الفنية تقدم توصيف إلى استقلال النص عن التبعية إلى المؤلف ثم إن المتلقي /القارئ للنص أيضا يصبح له دور في القراءة رغم انيته وهي التي تجعل العمل الفني مفتوحا على القراءات القادمة،(أما المتلقي لا يبدع من فراغ بل يبدأ من تجربه العمل الفني الذي له قوانينه التي تبدأ بالمبدع /اللاعب وتنتهي عند المتلقي /المتفرج، من خلال الوسيط الشكل الذي يجعل التلقي ممكنا من جيل إلى أخر)( )
2- زمنية العمل الفني : إذن عند تطرقنا لمسألة الفن نجد أنفسنا أمام المفارقة التالية: فمن جهة أوضح غادامير بشكل لا لبس فيه أن ما يسميه "المفاضلة الجمالية " أو "المنتوج الجمالي" ما هو إلا تجريد غير قادر على محور انتهاء العمل الفني لعالمه وتلاحمه معه.ومن جهة ثانية نجد أن دور الفن وأهميته ليسا موضع تشكيك أو تساؤل، ذلك أن الفن قادر على قهر المسافات الزمنية ومجاوزتها بفضل استخدامه للدلالات وتوظيفه للصور الإبداعية التي تخترق محدودية المكان ولا نهائية الزمان، بهذا المعنى مزدوج الدلالة يصبح الفن وسيلة أساسية للفهم ومن ثم أيضا يصبح مجالا لإنتاج الحقيقة. يقترح فكرة "الوظيفة الفعلية للتاريخ وهي جماليات تلقي التراث عبر النصوص والآثار والروائع وفق مبادئ وقواعد تؤسس التصورات المسبقة والأحكام الفاعلة للفرد الحقيقة التاريخية لوجود بهذا المعنى يصبح نشاط التاريخ هو الوجود الفاعل والفعلي
الخاتمة :
إن العرض الجنالوجي الذي قام به غادامير يتمثل في البحث عن ديناميكية للوعي الفردي والفهم الذاتي من خلال التركز حركة الوعي في التاريخ ، تلك الحركة يمكن تلمسهما في مسألتين:
- الأولى إنارة وتنوير وضعيتنا الوجودية الخاصة بتشكيل المسائل التي توجه إمكانية وكمونية معرفتنا وايجابية وجودية فعلنا وآفاق رجائنا وانتظارنا للمعنى.
- فيما الثانية تقوم على الوعي بتناهي وجودنا النظري وهذا يعني نهاية الفهم الذاتي وتحرير متواصل لمكبوتات النظرية وتوسيع مستمر لأفق الدلالة.
فاللغة هي ترجمة حقائق التراث وتطبيقها وصهرها في بوتقة القضايا الراهنه بإحياء دلالات مطموسة وبذور معرفيه وبعث أفكار من طي الكبت والنسيان وغياهب اللغة.( ) "في التاريخ" ينتقد فكرة الوعي التاريخي القائم على منهج فحواه التخلص من النزوع والأهواء الذاتية لتجربتنا الحاضرة التي تلون حكمنا على التاريخ إذ يرى غادامير الأمر بالعكس تماما إن الأهواء والنزوع- المعنى الحرفي- هي التي تؤسس موقفنا الوجودي الراهن الذي تنطلق منه لفهم الماضي والحاضر معاً .وهذا الوعي الذاتي الذي نلمسه في الأعمال التاريخية التي كانت صدى للاتجاهات السياسية للعصر الذي كتبت فيه (إن التاريخ ليس وجودا مستقلا في الماضي عن وعينا الراهن وافق تجربتنا الحاضرة .والتقاليد التي انتقلت إلينا عبر التاريخ إن الإنسان يعيش في إطار التاريخية Historicality ،وهي المحيط غير الظاهر الذي يعيش فيه تماماً كالماء الذي يعيش فيه السمك دون أن يدركه لأنه غير ظاهر له.فان فهمنا للتاريخ لا يبدأ من فراغ ،بل يبدأ من الأفق الراهن الذين يعتبر التاريخ أحد مؤسساته الأصلية.فان التاريخ مثل العمل الفني يمكن المشاركة في فهمه.كما يعيش الإنسان ويحقق وجوده من خلال فهم التأريخ والفن بدْا من وعيه الراهن ،يعيش في إطار اللغة .إن فهمنا للنص الأدبي لا يعني فهم تجربة المؤلف ،بل يعني فهم تجربة الوجود التي تفصح عن نفسها من خلال النص ،النص الأدبي والشكل الفني – وسط ثابت بين المبدع والمتلقي وعملية الفهم متغيرة طبقا لتغير الأفق والتجارب ولكن ثبات النص –كشكل- هو العامل الأساسي لجعل عملية الفهم ممكنه.
الواضح إننا أمام تصور نص يتميز عن المؤلف وهذا النص خاضع لقراءات المتلقي عبر الزمن وهي متغيرة بتغير الزمن وهذا يجعل الأمر مفتوحاً على آفاق التأويل وسلطة القراءة للتلقي.(الحوار هو إنتاج مشترك لحقيقة تشغل الأفراد وتؤسس تاريخ ومصيرهم المشترك ومشاركة لا تنضب في إنتاج المعاني وتشكيل التصورات وصياغة الأحكام )( ). التي جاءت بفعل عملية الفهم التي ذات صلة بالأصول والوعي بماضيها وتاريخية العلاقة مع الأخر التي تدفعنا إلى مساءلة حاضرنا وحضورنا وصياغة أسئلتنا ومشكلاتنا وهذا يتحقق من خلال اللغة هي فضاء التواصل والحوار غير المكتمل بين الحاضر والماضي وبين الذات والآخر وفق إيقاع المنطوق الداخلي أو اللفظ الجواني)( ) فالفهم الذي يحدث في الخبرة الهرمنوطيقية باعتباره انفتاحا على آخر (او النص) يهدف الى الكشف او الإظهار هو فهم لا يمكن أن يبدأ إلا حينما أعي أن الآخر لا يمكن احتواؤه داخل مفاهيمي الإيديولوجية أو تصوراتي المنهجية . وهذا يعني زعزعة الأساس الذي يستند إليه موقفي الخاص بتخليص الفكر من أرضية التصورات التي يستند إليها . وهذه العملية السلبية في الفهم تشبه - فيما يرى غادامير - حالة السلب التي يصل فيها المرء إلى حيرة إزاء الكلمات ، هي في نفس الوقت ما يطلق سراح الفكر ، وعندئذ فقط يبدأ الفهم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,427,996,381
- الخطاب البيوطيقي عند هانس جوناس
- نقد الفكر السياسي الغربي
- الفكر السياسي الليبرالي عند جون لوك والتنوير الفرنسي
- الفكر السياسي الليبرالي - عند مكيافلي
- أصول نقد الخطاب الابوي
- رهانات الخطاب العلماني وتحولاته داخل الفضاء الغربي
- السلطة وأثرها في تشكيل المخيال السياسي العراقي القديم
- الحلم العراقي القديم
- قراءة في كتاب قراءات في الخطاب الهرمنيوطيقي للدكتور عامر عبد ...
- أطياف مدني صالح
- اشكالية النهضة ج1 -من كتاب اشكالية المثقف -
- اشكالية النهضة ج2
- الحضارات صراع أم حوار
- التأويل اللاهوتي لتاريخ عند أوغسطين
- نظرية المعرفة
- إشكالية الخطاب الإعلامي والتحول الديمقراطي العربي
- من اجل إحياء العقلانية العراقية الغائبة
- آراء أهل المدينة الفاضلة
- رهانات الحداثة الإسلامية
- التأويل والريبة عند ماركس


المزيد.....




- الوداد يتعاقد مع مدافع الكوكب المراكشي
- الكتابة عن الحب والجنس.. هل كان الفقهاء أكثر حرية من الأدباء ...
- 5 أفلام حطمت مبيعات شبابيك التذاكر
- -رد قلبي-.. أيقونة ثورة 23 يوليو
- بعض من كواليس جلسة المصادقة على مشروع القانون الإطار
- ظلال المفاتيح لإبراهيم نصر الله.. تحولات الملهاة الفلسطينية ...
- فنان أمريكي يُطلق منطاداً في سماء أمريكا يعكس سطحه كل شيء
- مجلس النواب يصادق على قانون الإطار لمنظومة التعليم
- شاهد: فنانو غرافيتي يزينون مباني وشوارع مدينة الدار البيضاء ...
- شاهد: فنانو غرافيتي يزينون مباني وشوارع مدينة الدار البيضاء ...


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر عبد زيد - الوعي الجمالي والتأويلية