أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - خرافة التكليف الإلهي للإنسان















المزيد.....

خرافة التكليف الإلهي للإنسان


هشام آدم
الحوار المتمدن-العدد: 4037 - 2013 / 3 / 20 - 22:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في الأوساط الإسلامية، سواء بين النخب من فقهاء وعلماء وطالبي العلم الشرعي، وحتى بين عامة المسلمين يسود اعتقاد جازم يرقى إلى درجة الحقيقة البديهية المسلم بها قطعًا أن الإنسان كائن ميزه الله بالعقل، وأن هذا العقل هو مناط التكليف الشرعي، والحقيقة أن ثلة معتبرة من المسلمين، بمن فيهم المتعلمون والمثقفون، لديهم اعتقاد بأن الإنسان هو الكائن الوحيد العاقل على ظهر هذا الكوكب، وربما في الكون بأكمله، وأن بقية الكائنات لا عقل لها، وفي مناقشة لي مع أحد المسلمين، حول هذا الموضوع، تكشفت لي حقيقة صادمة عن الفهم الشعبي السائد لمعنى العقل، وفهمنا له، فما أن تناقش أحدهم حتى يفاجئك بسؤال: "أين هو عقلك؟ أشر لي على مكانه في جسمك." وكأنهم يتوقعون أن يكون العقل عضوًا كالكبد أو البنكرياس أو الغدة الدرقية، فإن حاولت أن تنبهه إلى خطأ السؤال المبني على الفهم المغلوط للعقل، اتهمك بالتهرب من الإجابة. في هذا المقال سأجيب على هذا السؤال وأصحح مفهوم العقل المغلوط، ثم أربط ذلك بموضوع المقال الأساسي: "خرافة التكليف الإلهي للإنسان" وسأحاول أن يكون ذلك بشيء من التبسيط، كما هي عادتي دائمًا.

في البدء، دعونا نطرح هذا السؤال المباشر: "ما هو العقل؟" إذا حاولنا الإجابة على هذا السؤال مستصحبين معرفتنا الفلسفية والعلمية، فإننا سنجد أنفسنا داخل دوامة جهنمية من الآراء المعقدة والمتشابكة والمتضاربة للعلماء والفلاسفة واللاهوتيين، فهذا السؤال قديم قِدم الفلسفة ذاتها، وقد ناقش هذا السؤال وحاول الإجابة عنه أفلاطون وأرسطو، وربما نجد آثارًا لهذا السؤال في عصور سابقة على عصر أفلاطون وأرسطو كذلك، فهذا وثيق الصلة بموضوع الفلسفة الأساسي: "أيهما أسبق للوجود: الوعي أم المادة؟" ولكن ألخص مجمل الآراء المتشعبة في رأيين أساسيين: فالرأي الأول يقول إن العقل غريزة مدركة أودعها الله في الإنسان وميزه بها عن بقية الكائنات، ولذلك نجد ابن القيم في كتابه (مفتاح دار السعادة) يقول: "العقل عقلان : عقل غريزي طبعي، هو أبو العلم ومربيه ومثمره وعقل كسبي مستفاد، وهو ولد العلم وثمرته ونتيجته، فإذا اجتمعا في العبد استقام أمره، واقبلت عليه جيوش السعادة من كل جانب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإذا فقدهما، فالحيوان البهيم أحسن حالاً منه، وإذا فقد أحدهما أو انتقص، انتقص صاحبه بقدر ذلك"(انتهى الاقتباس)1

وعلى هذا فإن العقل غريزة يختص بها الإنسان، بمنحة إلهية، ومقر هذه الغريزة هي القلب، وهنالك شواهد قرآنية كثيرة على ذلك، فنقرأ مثلًا: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}2 وكذلك: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور}3 فالقلب هو العضو المناط به العقل والتفقه، وهذا العقل قد يطيب للبعض أن يسمونها بصيرة كذلك، ولا مجال هنا للاعتقاد بأن القلب هنا هو شيء آخر غير العضو المعروف، فالقرينة شديدة الوضوح {الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} بينما الرأي الثاني يقول إن العقل ما هو سوى أحد وظائف الدماغ، هذا الرأي قال به الفيلسوف البريطاني توماس هوبز Thomas Hobbes في القرن السابع عشر، إذ رأى أن العقل ليس سوى مجموعة من العمليات الفيزيائية التي يجريها دماغ الكائن الحي وجاء عالم الأحياء البريطاني توماس هنري هاكسلي Thomas Henry Huxley في القرن الثامن عشر ليؤيد هذه الفكرة مستفيدًا من تطور علم الأحياء في عصره، وبناءً على هذا الرأي فإن العقل مقره الدماغ وليس القلب، فأي الرأيين صحيح؟

أنا شخصيًا، بحكم كوني ماديًا فلسفيًا، أميل إلى تصديق الرأي الثاني، ولكن يهمني أن أحسم خلافي، وبشكل جذري، مع السؤال الذي يطرحه بعض المؤمنين: "أين هو عقلك؟ أشر لي على مكانه في جسمك." لأنهم يعتمدون على هذا السؤال للتدليل على وجود الإله، من منطلق أن ليس كل ما لا تراه، ولا تتمكن من إثباته هو بالضرورة غير موجود، وهذا المنطق هو النسخة المطوّرة لنمطية الأسئلة القديمة، على شاكلة: "هل ترى الكهرباء؟ إذا كنت لا تراها فهي غير موجودة" وهو سؤال ساذج المقصود به السخرية من الفكر الإلحادي، ولا أدري إن كان من بين هؤلاء من يمتلك شجاعةً كافيةً للإمساك بسلك كهربائي عارٍ بقوة 220فولت، ليتأكد مما إذا كانت الكهرباء موجودة أم لا!

الآن، دعونا نختبر فرضية المسلمين القائلة بأن العقل مكانه القلب، آخذين في اعتبارنا أن العقل هو مناط التكليف الإلهي، فلماذا إذًا يسقط التكليف عن المجنون وليس عن مرضى القلب مثلًا؟ وماذا عن الذين تمت زراعة قلوب اصطناعية من المصابين بضعف القلب المزمن Heart failure؟ فقط تذكروا، قبل السخرية من هذا السؤال، نص الآية {الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} وكذلك نص الحديث النبوي: " ... أَلا وإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهيَ القَلْبُ"(رواه بخاري ومسلم)، فالقلب المقصود إذًا عضو مادي مكانه الصدر، فسخافة السؤال، في الحقيقة، مردها سخافة الفرضية نفسها، فالجنون اختلال في وظائف الدماغ، ولهذا فإن المجنون أو المختل عقليًا يفقد الأهلية القانونية والشرعية، لأنه فاقد للوعي، وكذلك النائم والسكران والصغير، فالنائم يفقد وعيه (الشعور) ويكون تحت رحمة اللاوعي (اللاشعور) وكذلك السكران، والطفل رغم امتلاكه لدماغ سليم وظيفيًا إلا أنه بلا أهلية، لأن دماغه لم يتم تزويده بعد بكل المعارف الضرورية للوعي والإدراك، وهي أشياء يتم اكتسابها بالتراكم مع الزمن والتجارب.

حسنًا، هل الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك العقل فعلًا؟ قد لا نختلف حول امتلاك الكائنات الحية لأدمغة، تختلف حجمًا وشكلًا من كائن لآخر، ولكن هل جميع هذه الأدمغة تؤدي الوظيفة ذاتها (العقل)؟ إذا ألقينا نظرة على نوع من الأنواع كالذئاب مثلًا، سنجد أن أفراد قطيع الذئاب يدين بالولاء والطاعة لقائد القطيع، وهنالك رتبة بين أفراد القطيع يتم أخذها بعين الاعتبار، فكيف يتم ذلك؟ ما الذي يجعل الإنسان يخاف ويحترس من كائنات بعينها؟ لماذا قد نطلق على شخص ينزل إلى الماء لمصارعة أسماك القرش دون أي شكل من أشكال الحماية بأنه مجنون؟ ما الذي يجعل القطط تخاف من الماء؟ وما الذي يجعل قطيع الجواميس تفر عند رؤيتها لقطيع من المفترسات؟ لماذا تبني بعض الطيور أعشاشًا وأوكارًا؟ ما الذي يجعل النمور لا تهاجم الفيلة مثلًا؟ كيف تستطيع الكائنات معرفة ما تأكله وما لا تأكله؟ كيف تنظم الضواري نفسها في رحلات الصيد، ومن أين جاءت بتقنيات الصيد ونصب الكمائن؟ لماذا تزهد بعض الضواري في أكل الجيف، بينما تفضلها ضوارٍ أخرى؟ لماذا تضطر الكلاب، مثلًا، إلى شم الأطعمة قبل أن تقرر أكلها من عدمه؟ الإجابة الموضوعية والعلمية على كل هذه الأسئلة هي: (العقل) فدماغ الكائنات الحية تؤدي الوظيفة ذاتها، كل كائن حسب حاجته التي يحددها نمط حياتها وقدراتها المحكومة بسمات كل نوع على حدة، ومن الخطأ أن نعتقد بأن الحيوانات لا تعي ولا تدرك ولا تعقل، فالحيوانات تعقل وتدرك، بل وبعضها يمتلك مشاعر وانفعالات، فهي تحب، وتكره، وتخاف، وتفرح، وتتألم، وتغار، وتشعر بالوحدة، وبعضها قد يصاب بالاكتئاب كذلك. إذًا لماذا تقول الأديان إن الحيوانات لا تعقل؟

إجابة هذا السؤال ببساطة يكمن في معنى العقل في المفهوم الديني، فالأديان عندما تتكلم عن العقل تعني بذلك (معرفة الله) بكل ما تحمله وتعنيه هذه المعرفة، فهي لا تعني بالعقل منظومة العمليات الدماغية من: تفكير، وتذكر، ووعي، وإدراك، وشعور، وإنما التفكّر (وليس التفكير) وهو استشعار الله في كل ما تراه، ومن الواضح أن الكائنات الحية لا تتمتع بهذه الخصلة الفلسفية، ولهذا يحلو لبعض الفلاسفة وصف الإنسان بأنه كائن متدين أو متفلسف، ولهذا نجد القرآن مثلًا يصف الكفار بأنهم كالأنعام التي لا تعقل، لماذا؟ لأنهم {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ} ومن الواضح أن الأنعام تستخدم آذانها للسمع، وأعينها للرؤية، وأدمغتها للعقل، ولكن الأديان لا تقصد هذا النوع من العقل، وهذا النوع من السمع، ولا هذا النوع من الرؤية، والحقيقة أن القرآن ينسب العقل لجميع الموجودات، خصمًا من رصيد تميز الإنسان وإضافةً لرصيد تميز الله، فنقرأ مثلًا: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}4 إذًا أين التمييز الذي يُميز الإنسان المُتدين عن الأنعام والحشرات، بل وحتى الجمادات إذا كانت هي الأخرى تعرف الله وتسبح بحمده؟ إذا كانت آية {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} قد وضعت الكفار مع الأنعام في منزلة واحدة، فإن آية {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تضع المؤمنين في منزلة واحدة مع كل الموجودات، بما فيها الأنعام، وتركتنا في حيرة: "هل الأنعام تعرف الله أم لا؟" فإذا كانت تعرفه فأين الوجاهة في تشبيه الكفار بها؟ وإذا كانت لا تعرفه فهل كان الله يقصد أن كل الموجودات تسبح بحمده إلا الأنعام؟

قد يقول قائل: "إن المقصود بالعقل هنا: الحرية والإرادة" حيث أن كل الموجودات مجبولة على معرفة الله والتسبيح له، بينما ميز اللهُ الإنسانَ بالحرية والإرادة، وكان بودي أن تكون هذه الحجة صحيحةً، ولكن دعونا نلق نظرةً على هذه الآية: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}5 وفي معنى (الأمانة) الواردة في الآية نقرأ: "قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس يَعْنِي بِالْأَمَانَةِ الطَّاعَة عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ قَبْل أَنْ يَعْرِضهَا عَلَى آدَم فَلَمْ يُطِقْنَهَا فَقَالَ لِآدَم : إِنِّي قَدْ عَرَضْت الْأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فَلَمْ يُطِقْنَهَا فَهَلْ أَنْتَ آخِذ بِمَا فِيهَا ؟ قَالَ يَا رَبّ وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ إِنْ أَحْسَنْت جُزِيت وَإِنْ أَسَأْت عُوقِبْت فَأَخَذَهَا آدَم فَتَحَمَّلَهَا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْأَمَانَة الْفَرَائِض عَرَضَهَا اللَّه عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال إِنْ أَدَّوْهَا أَثَابَهُمْ وَإِنْ ضَيَّعُوهَا عَذَّبَهُمْ فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَأَشْفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْر مَعْصِيَة وَلَكِنْ تَعْظِيمًا لِدِينِ اللَّه أَنْ لَا يَقُومُوا بِهَا ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى آدَم فَقَبِلَهَا بِمَا فِيهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " أَيْ غِرًّا بِأَمْرِ اللَّه)(انتهى الاقتباس)6 إذًا فالأمانة المقصودة هي التكليف الشرعي، وكانت خطة الله الأساسية تقتضي أن يحمل الأمانة إما السماوات أو الأرض أو الجبل، فلما رفضن حملها إشفاقًا، لجأ الله إلى الخطة (B) وعرض الأمانة على الإنسان، وقد نفهم من قوله {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} أن الإنسان ليس مؤهلًا لحمل الأمانة، ولكن إذا كان العقل هو مناط التكليف الإلهي، فلماذا عرض الله هذا التكليف على السماوات والأرض والجبال؟ هل هذه الأشياء تمتلك عقلًا بيولوجيًا؟ بالطبع لا، فهي ليست كائناتً حيّة أصلًا، إذًا فهل تمتلك إرادةً وحرية؟ بإمكان غير المسلم أن يجيب عن هذا السؤال مباشرةً بلا، ولكن المسلم لا يستطيع، لأنه يقرأ في القرآن هذه الآية {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}7 فالسماوات والأرض بالنسبة إليه كائنات عاقلة، من حيث أنها تعرف الله وتسبحه، ومن حيث أنها تمتلك حريةً وإرادة، فهي اختارت أن تأتي إلى الله (أي تعبده) طائعةً وليست مجبولة أو مُكرهة. فأين هو تميز الإنسان المزعوم، إذا كان قد حصل على الأمانة الإلهية بمحض الصدفة؟

إنَّ فكرة التكليف الإلهي ليست سوى خرافة لا أساس لها من الصحة، الهدف منها تبرير الإيمان، واختراع هدف متوهم لحياة الإنسان على الأرض، وهو الهدف الذي من أجله يعيش المؤمنون (اليوم الآخر أو الدينونة) وحاولوا بذلك إيهام أنفسهم بأن لحياتهم معنىً وهدفًا ساميًا، أكبر من مجرد الأكل والشرب والتزاوج كما تفعل الأنعام وبقية الكائنات الحية. فللمؤمن أقول: نعم، لحياتك معنىً وهدف، ولكن أنت من يُحدد هذا الهدف، ومعنى وجودك أن تتقن ما تعرفه وأن تبدع فيه، سواءً كنت طبيبًا أو طيَّارًا أو فنانًا تشكيليًا أو عامل نظافة. معنى وجودك الحقيقي هو بمقدار ما تقدمه لنفسك وتخدم به أسرتك وقريتك ومجتمعك والبشرية بأسرها. وللملحد أقول: في المرة القادمة التي يسألك فيها أي مؤمن: "أين هو عقلك؟ أشر لي على مكانه في جسمك." لا تسخر من سؤاله، بل اطلب منه أن يشير لك على التنفس أو الهظم في جسده، دعه يفهم أن العقل وظيفةٌ لعضو الدماغ وليس عضوًا مستقلًا، كما أن التنفس وظيفة لأعضاء جهاز التنفس، وكما أن الهظم وظيفة لأعضاء الجهاز الهظمي.


-------------
المصادر:
1) كتاب (مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة) لابن القيم الجوزية، ج1، ص117
2) القرآن، سورة (الأعراف) آية 179
3) القرآن، سورة (الحج) آية 46
4) القرآن، سورة (الإسراء) آية 44
5) القرآن، سورة (الأحزاب) آية 72
6) تفسير ابن كثير
7) القرآن، سورة (فصلت) آية 11





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كوانتم الشفاء
- شرح وتبسيط لنظرية التطوّر
- لا تناظروا المسلمين حتى ...
- العلم من وجهة النظر الدينية
- في الرد على د. عدنان إبراهيم - 3
- في الرد على د. عدنان إبراهيم - 2
- في الرد على د. عدنان إبراهيم - 1
- بين موت المسيح وقيامته
- تفسيرٌ غير مُقدَّس لنصٍ مُقدَّس
- تأملات في العقيدة المسيحية
- عن المسيحية والبالتوك - 6
- عن المسيحية والبالتوك - 5
- عن المسيحية والبالتوك - 4
- عن المسيحية والبالتوك - 3
- عن المسيحية والبالتوك - 2
- عن المسيحية والبالتوك - 1
- لماذا الله غير موجود؟
- في نقد شعار: الإسلام هو الحل
- المادية التاريخية للجنس – 3
- المادية التاريخية للجنس – 2


المزيد.....




- تركيا تدعو الدول الثماني الإسلامية للتعاون قبيل قمتها
- عبد الرزاق الكاديري: الفاشية الدينية محاولة لكشف مضمونها الط ...
- مقتل 43 جنديا أفغانيا في هجوم انتحاري لحركة طالبان
- -نصرة الإسلام والمسلمين- تعرض أسراها من جيش مالي
- ولد أمبالة: الفتوى المضللة سببت الدمار فى العالم
- رئيس حزب سلفي يمني يدعو للتحقيق مع بن بريك
- قائد المخابرات البريطانية: خطر المتطرفين الإسلاميين غير مسبو ...
- تركيا تستعد لرئاسة مجموعة الدول الإسلامية النامية
- مسلمون ويهود يجوبون واشنطن لنشر رسالة سلام
- قطر تقول الأزمة في الخليج أضرت بالحرب على تنظيم الدولة الإسل ...


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - خرافة التكليف الإلهي للإنسان