أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - محمد عادل زكى - نقد نظرية التخلف















المزيد.....



نقد نظرية التخلف


محمد عادل زكى

الحوار المتمدن-العدد: 3995 - 2013 / 2 / 6 - 03:56
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


مدخل
(1)
المثل التقليدى الذى أضربه لشرح فرضيتى الخاصة بظاهرة (تجديد إنتاج التخلف) الاجتماعى والاقتصادى(1)هو: إن جميع المجتمعات البشرية، منذ أن هبطَ الإنسان من فوق الأشجار، وحتى يومنا هذا، الذى يسوده نمط الإنتاج الرأسمالى، لا تكف عن الإنتاج؛ ومن ثم يتعين أن يتجدد هذا الإنتاج على نحو يضمن تجديد إنتاج البشر أنفسهم، وفلنفترض أن المجتمع (ويهمّنا هنا المجتمعات المتخلفة، ومنها السودان؛ وهى محل إنشغالنا) فى لحظة تاريخية معينة وفى إطار ظروف اجتماعية محددة، يدخل العملية الإنتاجية على صعيد "الكُل" الاقتصادى بــ 30 مليار وحدة من النقد (بالمعنى الواسع لكلمة نقود) موزَعة بين القطاعات الإنتاجية الثلاثة التى يتكون منها الهيكل الاقتصادى (الزراعة، والصناعة، والخدمات) بواقع 10 مليارات وحدة لكل قطاع ويتم توزيع هذه المليارات العشرة على النحو التالى: 5 مليارات وحدة لشراء أدوات العمل، كالماكينات والآلات والمعدات، و3 مليارات وحدة لشراء مواد العمل مثل المواد الأولية والمواد المساعدة، و2 مليار وحدة لشراء قوة العمل التى تتمثل فى المجهود الإنسانى الواعى الهادف؛ وهكذا الأمر فى كُل قطاع. وفى نهاية الفترة وبإفتراض أن القيمة الزائدة المنتَجة فى كل قطاع من القطاعات الثلاثة=100%، أى أن الرأسمال يدفع لقوة العمل 2 مليار وحدة ويتلقى مقابل هذه الـ 2 مليار وحدة عملاً يساوى 4 مليارات وحدة؛ أى أن الرأسمال يستأثر بـ 2 مليار وحدة قيمة زائدة فحينئذ سيكون لدينا ما يلى:
القطاع الزراعى: (5 أدوات العمل) + (3 مواد العمل) + (2 قوة العمل) + (2 قيمة زائدة) = (12)
القطاع الصناعى: (5 أ ع) + (3 م ع) + (2 ق ع) + (2 ق ز) = (12)
قطاع الخدمات: (5 أ ع) + (3 م ع) + (2 ق ع) + (2 ق ز) = (12)
ووفقاً لمثلنا أعلاه فلقد زادت القيمة اجتماعياً، أى أن المجتمع بدأ بـ 30 مليار وحدة، وفى نهاية الفترة صار لديه 36 مليار وحدة. والذى ننشغل به هنا ليس من أين أتت هذه القيمة التى زادت لأن الاقتصاد السياسى قد قرر صراحة وبوضوح، وهو محق، أنها نِتاج العمل الإنسانى. إنما الذى ننشغل به هو أين تذهب تلك الـ 6 مليارات وحدة الزائدة؛ والتى أُنتِجَت فى داخل الاقتصاد القومى(المتخلف بوجه خاص، والسودان بالأخص) فى فترة زمنية محددة؟ هذا هو السؤال المركزى. ومن أجل تقديم "طريقة إجابة" على هذا السؤال الذى يُمثل الإشكالية الرئيسية فى البحث فإنه يتعين علىَّ من البداية أن أُبرز أربع ملاحظات تَتَعلق بالفرضية المقترحة بشأن نظرية عامة فى تجديد إنتاج التخلف.
الملاحظة الأولى: أن القيمة التى زادت (ونُشير إليها إختصاراً بالقيمة الزائدة) ليس حقل إنتاجها المصنع فحسب، كما تقول كراسات التعميم والموجزات الأولية، وإنما هى موجودة فى النظام الرأسمالى بأكمله، ليس فى حقل الصناعة فقط، وإنما كذلك فى باقى القطاعات التى يتركب منها الهيكل الاقتصادى، أى فى قطاع الخدمات، وفى الزراعة أيضاً (وسوف يكون لهذا القطاع أهمية خاصة فى بحثنا، لغلبة الوزن النسبى لهذا القطاع فى حالة السودان)، فلا فارق بين إنتاج القيمة الزائدة فى مصنع لإنتاج الحديد والصلب وبين إنتاجها فى مكتب للمحاسبة يعمل فيه عشرات المحاسبين بأجر. فالعامل لا يُنتِج فى المصنع فقط قيمة زائدة، وإنما يُنتِج المهنى، كالمحاسب، وغيره، أيضاً قيماً زائدة فى المؤسسة التى يعمل فيها بأجر ويُقدم من خلاله الخدمة، وبالطبع فى قطاع الزراعة أيضاً يُنتِج العامل الزراعى قيمة زائدة مثل العامل فى قطاع الصناعة، وكالمهنى فى قطاع الخدمات. وتلك هى القاعدة العامة فى النظام الرأسمالى؛ كما سنوضح، حالاَ، فى الملاحظة التالية.
فالملاحظة الثانية مؤداها: أن إنتاج القيمة الزائدة يجب أن يُنظر إليه نظرة عِلمية، فهو ليس رذيلة تماماً، كما يُقال، إن قيل، وإنما النظام الرأسمالى المعاصر، كشكل تاريخى من أشكال التنظيم الاجتماعى والاقتصادى، لا يُمكن أن يعمل بدونه، فهو القانون العام الحاكم لعمل الرأسمال، أياً ما كان حقل توظيفه(الزراعة، أو الصناعة، أو الخدمات) ومن هنا يجـب، إن رغبنا فى التطور، مراجعة الخطاب الأيديولوجى غير العِلمى ضد الرأسمال. فأياً ما كانت شرور الرأسمالية كشكل تاريخى لأحد أنماط الإنتاج، وهى بلا ريب بغيضة وهى كثيرة ظاهرة، فيجب علينا، إن أردنا الفهم ومن ثم التغيير، أن نُقدر كل حضارة تقديراً موضوعياً بعيداً عن الأهواء وإدعاء إمتلاك ناصية الحقيقة الاجتماعية، ونبحث فى الوقت ذاته عن القانون الموضوعى الحاكم لعمل النظام ككُل. والقانون العام الذى أفترض أنه يَحكم عمل النظام الرأسمالى هو قانون القيمة؛ ومن هنا؛ ومن هنا فقط، قد نتمكن من فهم النظام بل والقضاء على شره، ومن ثم رسم المشروع الحضارى لمستقبل آمن لأجيال لم تأتْ بعد؛ ونتحمل أمامها المسئولية كاملة.
أما الملاحظة الثالثة فهى: إن العملية الإنتاجية، بالمعنى العام للإنتاج، تحتاج إلى أشياء أخرى كثيرة مثل: الأرض، والفكرة، والإدارة، والطاقة، والنقل... إلخ؛ بيد أن تلك الأمور تأتى فى مرتبة أو مرحلة تالية لإتمام المنتَج، وهى مهمة من زاوية ما من أجل"تسيير" العملية الإنتاجية، وهى، فى نفس الوقت، ثانوية وغير مؤثرة فى عملية زيادة القيمة، إذ لا تزيد القيمة إلا بقدر دخول عنصر العمل الحى أو المختَزن(2) فى العملية الإنتاجية والذى من شأنه أن يُزيد القيمة، ولكنه سوف يزيد قيمة على السلعة الجديدة وليس القديمة، فالنقل مثلاً لا يزيد قيمة السلعة، وإنما يمكن لعملية النقل خلق قيمة فى حقل صناعة النقل نفسه.
الملاحظة الرابعة: القانون الذى يعتنقه ماركس، بعد إعادة صياغته، وهو القانون الذى وضعه ريكاردو، بشأن نظرية القيمة الزائدة نصه كالآتى:"إن القيمة الزائدة وقيمة قوة العمل تتغيران فى اتجاهين متعاكسين. فتغير قوة العمل المنتَجة، أى ارتفاعها أو انخفاضها، يولد تغيراً معاكساً له فى قيمة قوة العمل، وتغيراً طردياً فى القيمة الزائدة. إن القيمة المنتَجة من جديد فى يوم عمل مؤلف من 12 ساعة، هى مقدار ثابت، وليكن 6 جنيهات مثلاً. إن هذا المقدار الثابت يساوى مقدار القيمة الزائدة زائداً قيمة قوة العمل، والقيمة الأخيرة يعوض عنها العامل بما يُعادلها. وبديهى أنه إذا كان هناك مقدار ثابت يتألف من حدين، فلن يزيد أحدهما دون أن ينقص الآخر. إذاً، فقيمة قوة العمل لا يمكن أن ترتفع من 3 جنيهات إلى 4 جنيهات، ما لم تنخفض القيمة الزائدة من 3 جنيهات إلى 4 جنيهات، دون أن تنخفض قيمة قوة العمل من 3 جنيهات إلى جنيهين. وبالتالى ففى ظل هذه الشروط لا يمكن أن يطرأ تبدل متزامن على مقداريهما النسبيين... إن ارتفاع إنتاجية العمل يولد هبوطاً فى قيمة قوة العمل وارتفاعاً فى القيمة الزائدة، فى حين أن انخفاض هذه الإنتاجية يولد، بالعكس، ارتفاعاً فى قيمة قوة العمل، وهبوطاً فى القيمة الزائدة". (رأس المال/ج2/ص23).
وفقاً للنص المذكور أعلاه فإن القيمة الزائدة(التى يستأثر بها الرأسمال) تتناقض مع قيمة قوة العمل(التى يحصل عليها العمل المأجور) فحينما ترتفع قيمة قوة العمل لابد أن يُصاحب ذلك انخفاضاً فى القيمة الزائدة، وبالعكس.
ووفقاً للنص كذلك، وفى ظل نفس الظروف، فإن إحلال الآلة، على سبيل المثال، من شأنه الارتفاع فى القيمة الزائدة، والانخفاض فى قيمة قوة العمل، وحيث يستخدم ماركس مصطلح "إنتاجية العمل" كمرادف لمصطلح" قوة العمل" فإن هذه الإنتاجية لا يمكن زيادتها إلا من خلال فن إنتاجى جديد يُمكّن من إنتاج نفس الكمية من السلع فى عدد ساعات أقل. فحين يحل، أو لا يحل، هذا الفن الإنتاجى الجديد، فإنه يستصحب معه، فى جميع الأحوال، عدة فرضيات تتناقض فيما بينها على النحو التالى:
(أولاً) ارتفاع إنتاجية العمل انخفاض فى قيمة قوة العمل ارتفاع فى القيمة الزائدة
(ثانياً) انخفاض إنتاجية العمل ارتفاع فى قيمة قوة العمل انخفاض فى القيمة الزائدة
ولنناقش ذلك ببعض التفصيل:
أولاً: ارتفاع إنتاجية العمل:
والارتفاع هنا نتيجة استخدام الآلة، وبحيث تخرج إلى السوق نفس الكمية المنتَجة من السلع فى عدد ساعات أقل، وهو الأمر الذى يؤدى إلى ارتفاع فى القيمة الزائدة (التى يتحصل عليها الرأسمال) إذ تم إنتاج نفس الكمية فى عدد ساعات أقل، ومن الناحية الأخرى ونتيجة لارتفاع القيمة الزائدة، يؤدى هذا الارتفاع فى إنتاجية العمل إلى تقليص فى قيمة قوة العمل، فلا يتحصل العامل على ما كان يحصل عليه قبل استحداث الفن الإنتاجى الجديد. وإنما أقل؛ فإن افترضنا أن القيمة المنتَجة تساوى 6 جنيهات قيمة سلع منتَجة فى يوم عمل مكون من 12 ساعة عمل، فإن الجنيهات الست تلك هى محل الارتفاع، والانخفاض كذلك، لأنها تعوض عن القيمة الزائدة وقيمة قوة العمل. أى أن القيمة المنتَجة تساوى (القيمة الزائدة + قيمة قوة العمل) ولأن القيمة المنتَجة ثابتة ومحددة بالجنيهات الست المذكورة، فحين ترتفع القيمة الزائدة كى تُصبح مثلاً 4 جنيهات، فيتعين ومباشرة تقلص قيمة قوة العمل إلى جنيهين.
ثانياً: انخفاض إنتاجية العمل:
وحينما تنخفض الإنتاجية، يحدث انخفاض مماثل فى القيمة الزائدة، ونتيجة لهذا الانخفاض فى القيمة الزائدة، ترتفع معدلات قيمة قوة العمل. فلم يعد الرأسمال يتحصل على ما كان يحصل عليه قبل انخفاض الإنتاجية، وإنما يحصل على أقل مما كان يحصل عليه، فإن افترضنا، طبقاً لنفس المثال أعلاه، ان قيمة قوة العمل قد ارتفعت من 3 جنيهات إلى 4 جنيهات نتيجة انخفاض الإنتاجية، فإن ذلك الارتفاع يستصحب الانخفاض المباشر فى القيمة الزائدة من 3 جنيهات إلى جنيهين.
هذا هو القانون الذى صاغه ريكاردو، وعدّله ماركس، وهو قانون ينتمى إلى الجدلية بامتياز. بيد أن ثمة ملاحظات بشأنه بعد أن أعاد ماركس صوغه، وتتبدّى فى الآتى:
- وفقاً للقانون، يؤدى الارتفاع فى إنتاجية العمل إلى تغيّر فى أمرين: أولهما قيمة قوة العمل، أى قيمة وسائل المعيشة التى يستهلكها العامل من أجل تجديد إنتاج نفسه. وهى بمثابة حد الكفاف، ثانيهما القيمة الزائدة، أى قوة العمل غير مدفوعة الأجر. ولكن هذا التغير لا يحدث فى إتجاه واحد، وإنما حين ترتفع قيمة قوة العمل، تنخفض القيمة الزائدة، والعكس: فحين تنخفض قيمة قوة العمل، يطرأ على القيمة الزائدة الارتفاع. والمحور فى هذا التغير بالارتفاع وبالانخفاض هو إنتاجية العمل التى تزيد القيمة الزائدة حين ترتفع، وتقلصها حين تنخفض. والقانون من تلك الوجهة لا يعدو أن يكون سوى أحد نماذج التغير الممكن حصوله فى النظام الإنتاجى الرأسمالى، دون أن يصل إلى مرتبة التطوير الجدلى للنظام نفسه.
- ووفقاً للقانون كذلك، لا وجود لأى حديث عن باقى ساعات يوم العمل؛ فكل ما يُفترض هو أن سلعة ما كانت تُنتَج فى عدد معيّن من الساعات، فظهر فن إنتاجى جديد جعلها تُنتَج فى عدد ساعات أقل، ولكن لم نعرف مصير باقى ساعات يوم العمل. فالافتراض هو ما يلى: إن يوم عمل مكوناً من 12ساعة يُنتِج من السلع ما قيمته 6 جنيهات، فلما ظهر الفن الإنتاجى الذى زاد من إنتاجية العمل، جعل الـ 6 جنيهات تلك تُنَتج فى 6 ساعات. فما هو مصير باقى ساعات يوم العمل المؤلَف من 12 ساعة، أى ما مصير الـ 6 ساعات المتبقية من اليوم؟
الإجابة عند نمط الإنتاج الرأسمالى، إذ يقول إن الـ 6 ساعات المتبقية هى ساعات عمل غير مدفوعة الأجر، ومن ثم تُضاف إلى جانب القيمة الزائدة، فنكون أمام النسب الآتية:
12 ساعة = 6 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 3 قيمة زائدة.
6 ساعة = 6 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 3 قيمة زائدة + 6 قيمة زائدة إضافية نتيجة استخدام الفن الإنتاجى الجديد.
وعلى حين تنخفض الإنتاجية، أى أن نفس الكمية من السلع تُنتَج بكمية عمل أكثر، فسنكون أمام النسب الآتية:
12 ساعة = 6 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 3 قيمة زائدة.
12ساعة = 4 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 1 قيمة زائدة .
- وسأفترض، على غير اعتقادى، أن التغيّر النسبى بين قيمة قوة العمل والقيمة الزائدة، المؤسَس على التغيّر النسبى فى قيمة قوة العمل أمام القيمة الزائدة، ثم التغير ككل من(3:3) إلى(3:1) أمام الإنتاجية، هو ما يمثل الجدلية التى إنطلق منها ماركس بعد تعديله للقانون الذى وضعه ريكاردو. ولكن ما مدى اتساق هذا القانون مع مجمل البناء النظرى لماركس؟ وعلى وجه التحديد مدى اتساق القانون المذكور مع قانون"ميل معدل الربح إلى الانخفاض" الذى قال به ماركس وصار من ركائز البناء النظرى الماركسى؟ إذ يقف هذا القانون بالذات فى تضاد وتناقض مع القانون الريكاردى المعدل على يد ماركس، إذ يقول هذا القانون، كما سنرى، أن معدل الأرباح تميل إلى الانخفاض كلّما تم استحداث الفن الإنتاجى الجديد بإحلال الآلة محل عنصر العمل.
علمنا حتى الأن أن استحداث الفن الإنتاجى الجديد يؤدى إلى ارتفاع فى القيمة الزائدة، فى الوقت الذى تنخفض فيه قيمة قوة العمل. وقد إفترضنا أن هذا الفن الإنتاجى الجديد يتمثل فى إحلال الآلة، الأمر الذى كان من شأنه تسريع وتيرة الإنتاج؛ فتُنتَج نفس الكمية فى عدد ساعات أقل، ويمسى صحيحاً أيضاً القول بإنتاج كمية أكبر فى نفس عدد الساعات السابقة. ولكن ليس هذا كل ما فى الأمر، إذ لم يزل أمامنا نصف الطريق، وهو الذى لم يكمله ريكاردو، ومن ثم ماركس؛ فعلى الجانب الآخر، فإنه طبقاً لقانون ميل معدل الربح للانخفاض فإن إدخال الآلة يؤدى إلى إنخفاض معدل الربح (أى النسبة بين القيمة الزائدة ورأس المال الكلى) إذ يعنى دخول الآلة تحويل المزيد من المواد الأولية والمواد المساعدة إلى منتجات، وذلك بالعدد نفسه من العمال خلال المدة الزمنية نفسها، أى ببذل عمل أقل.
ولأن الرأسمال ينقسم عند ماركس (بعد إعادة النظر فى التقسيم الذى وضعه الكلاسيك للرأسمال، إذ رأوا أن الرأسمال ينقسم إلى رأسمال أساسى ورأسمال دائر) إلى نوعين، أولهما: الرأسمال الثابت: وهو ذلك الجزء مِن وسائل الإنتاج(تحديداً وسائل العمل، والمواد الخام، والمواد المساعدة) الذى ينقل جزءً من قيمته(التبادلية) إلى الناتج، دون استهلاكه كلياً فى"عملية إنتاجية واحدةً". وثانيهما: هو الرأسمال المتغير: وهو لا ينقل فقط قيمته إلى الناتج، وإنما يَنقل إليه كذلك قيمة زائدة. وهو ما يتمثل فى قوة العمل. فالرأسمال من تلك الوجهة لا يمكنه استخلاص قيمة زائدة من الرأسمال الثابت، على حين يمكنه ذلك من الرأسمال المتغير، ومعنى دخول الآلة حدوث انخفاض فى مصدر القيمة الزائدة، الأمر الذى يستتبع انخفاض فى الربح الذى هو حاصل النسبة ما بين القيمة الزائدة وبين الرأسمال الكلى.
وعلى ذلك نكون أمام قانونين متناقضين، أولهما يقول بأن الآلة تزيد من القيمة الزائدة بالنسبة لقيمة قوة العمل، والثانى يقول أن الآلة تخفض من القيمة الزائدة لتخفيضها الرأسمال المتغير بالنسبة للرأسمال الثابت! فماذا يعنى ذلك؟
يعنى، فى تصورى، التناقض الحقيقى. وهو المستتر؛ يعنى الجدلية فى أوضح صورها، وهو المعنى الذى لم يحققه ريكاردو، وماركس بالتبعية، فحين تم استحداث الفن الإنتاجى تصور ريكاردو، وماركس من بعده أن التناقض يقع بين القيمة الزائدة وبين قيمة قوة العمل، وفى الحقيقة يمكن تسمية ذلك تناقضاً، ولكنه ليس التناقض الذى نبنى عليه مُجمل فرضيتنا بشأن نظرية عامة فى تجديد إنتاج التخلف.
فحين دخل الفن الإنتاجى الجديد حدث تغير فى القيمة الزائدة بالنسبة لتغير مماثل فى قيمة قوة العمل، بيد أن ذلك ليس نهاية الطريق، وإنما نصفه فقط، إذ لا يؤدى الفن الإنتاجى الجديد فقط إلى ارتفاع فى القيمة الزائدة بالنسبة لقيمة قوة العمل، وإنما يؤدى، وفى نفس اللحظة، إلى انخفاض فى القيمة الزائدة بالنسبة للرأسمال الكلى. فتتحدد القيمة الزائدة الكلية على هذا الأساس بالتناقض بين التغير فى القيمة الزائدة (ق ز) بالنسبة لقيمة قوة العمل (ق ع) وبين التغير فى القيمة الزائدة بالنسبة للرأسمال الكلى (ر) . القيمة الزائدة الكلية إذاً هى: حاصل التناقض بين الارتفاع فى القيمة الزائدة بالنسبة لقيمة قوة العمل وبين الانخفاض فى القيمة الزائدة بالنسبة للرأسمال الكلى.
و تلك هى "القيمة الزائدة" التى أعتد بها بشأن إعادة طرحى مفهوم التخلف وإعادة إنتاجه، أى حين أقول أنى أفترض أن "تجديد إنتاج التخلف" يعنى، كما سنرى:" عملية اجتماعية من ارتفاع معدل إنتاج القيمة الزائدة، المتناقض مع ضعف آليات إنتاجها، ومن خلال هذا التناقض ما بين الارتفاع فى معدل إنتاج القيمة الزائدة الكلية وضعف آلية إنتاجها، تتبلور ظاهرة تسرب القيمة الزائدة المنتَجة داخلياً فى الأجزاء المتخلفة من الاقتصاد الرأسمالى المعاصر إلى الأجزاء المتقدمة". فإننى أقصد هنا بالقيمة الزائدة التى تتسرب نحو الخارج تلك القيمة التى تكون حاصل التناقض بين الارتفاع فى القيمة الزائدة"الأولية" بالنسبة لقيمة قوة العمل، وبين الانخفاض فى القيمة الزائدة "الأولية" بالنسبة للرأسمال الكلى. وعلى ذلك، يمكن القول بأننا أمام فرضية قوامها إعادة طرح لمفهوم ومحددات القيمة الزائدة، بالتساوق مع إعادة طرح مفهوم ومحددات التخلف الاجتماعى والاقتصادى، وتجديد إنتاجه، استكمالاً لخطوات لم يكملها ريكاردو ومن ثم ماركس، وأفترض أننى قد مشيت بعض الخطوات المتقدمة فى هذا الشأن.
دعونا الآن، فى إطار ملاحظاتنا الأربع، نُحلل عملية زيادة القيمة؛ وإنما ابتداءً من الوعى بأن إطارنا النظرى هنا يتحدد بخطين فكريين مرتبطين:
الخط الفكرى الأول: وهو الذى ينشغل بافتراض نظرية عامة فى ظاهرة تجديد إنتاج التخلف، والإنطلاق منها فى سبيل الفهم الناقد للصراع الاجتماعى والسياسى فى الأجزاء المتخلفة من النظام الاقتصادى الرأسمالى العالمى المعاصر؛ ومن ثم الفهم الناقد لمجمل الصراع الاجتماعى والسياسى الراهن فى السودان.
والذى أفترضه، بشأن هذه النظرية العامة، هو أن القيمة الزائدة، بمفهومها السابق تحديده، التى يُنتجها المجتمع، بفضل العمل الإنسانى، إنما تتوزع على الطبقات الاجتماعية المختلفة، وليس بالضرورة أن يتم هذا التوزيع على قدر مساهمة كل طبقة فى العملية الإنتاجية، وإنما بالضرورة وفقاً للشروط الموضوعية المحدِّدة لهيمنة طبقة أو طبقات معيّنة على طبقة أخرى أو على باقى طبقات المجتمع، ولقد كان بالفعل صائباً الاقتصاد السياسى الكلاسيكى(3) حينما رأى هذا التوزيع بوضوح؛ وحدد أن الربح والريع والأجر كدخول للطبقات المختلفة فى المجتمع، إنما تكون بفضل قيام قوة العمل بالإنتاج، ولكى يكشف التداول، فى مرحلة تالية، عن الأرباح التى تُوزَع بين الطبقات المختلفة، فالرأسمال إنما يشترى (ق ع) قوة العمل من سوق العمل، ولنفترض أنه إشتراها بـ (4) وحدات، ويشترى (م ع) مواد العمل (القطن مثلاً) ولنفترض أنه إشتراها بـ (3) وحدات، ويشترى أيضاً (أ ع) أدوات العمل (آلة الغزل مثلاً) ولنفترض أنه إشتراها بـ (3) وحدات، وذلك من سوق وسائل الإنتاج، ثم يترك قوة العمل(ق ع) كى تتفاعل مع مواد العمل(م ع) من خلال أدوات العمل(أ ع) وحينما يخرج الناتج (قميص مثلاً) يكون لدى الرأسمال، قبل البيع أى قبل النزول تارة أخرى إلى السوق من أجل بيع المنتَج، ليس (10) وحدات، وإنما (حتماً) أكثر منها يُحدد على أساس معدل الإنتاج الزائد من قِبل قوة العمل، فلا يمكن للرأسمال أن يُقدم على إتخاذ قرار الإنتاج إذ ما كانت المحصلة النهائية للعملية الإنتاجية مساوية للصفر؛ فهو يبدأ بـ (10) وحدات وينتهى بـ (10) وحدات؛ وهذه النهاية لا ترضى الرأسمال على الإطلاق، والرأسمال لا يستطيع أن يتفاوض مع الأدوات ولا مع الآلات، ولا يستطيع أن يحصل منهم على أكثر من القيمة المحددة لهم، فهو حينما إشترى مواد العمل بـ (3) وحدات يعلم أن تلك المواد سوف تدخل العملية الإنتاجية وتخرج منها دون أن تغيّر من قيمتها (رأسمال ذو قيمة ثابتة)، وكذلك الأمر بشأن الأدوات والآلات فهى تستخدم فى العملية الإنتاجية بقيمتها ويحسب معدل استهلاكها وفقاً للفنون المحاسبية المعروفة، أى أنها تدخل العملية الإنتاجية بقيمتها وتخرج بقيمتها (رأسمال ذو قيمة ثابتة أيضاً) ولذلك فلا مناص من أن يتفاوض مع رأسمال يُغيّر من القيمة بالزيادة أثناء العملية الإنتاجية، أى يتفاوض مع (رأسمال ذى قيمة متغيّرة) أى مع هذه السلعة العجيبة التى تطرح نفسها فى السوق، وهى قوة العمل فيعطيها ثمن استعمالها (3 وحدات فى مثلنا) ويأخذ منها ما هو أكبر من المدفوع (5 وحدات مثلاً)، لِمَ؟ كى يتمكن من دفع الأجور للعمال(3) وحدة، والريع لصاحب الأرض(1) وحدة مثلاً، ويتحصل هو نفسه على ربح (1) وحدة مثلاً للرأسمال الموظَف فى العملية الإنتاجية(4). هنا يتوقف الاقتصاد السياسى حينما لا يُثير إشكالية لا تقل أهمية فى حقل التوزيع؛ وهى أين تذهب تلك القيمة الزائدة التى تَتخذ من الأرباح والأجور والريوع صوراً تعكس وجودها كدخول للطبقات الاجتماعية المختلفة؟ أى أين تذهب تلك الصور التى تتخذها القيمة التى زادت بفعل الإنتاج فى الاقتصاد القومى خلال فترة زمنية معينة، وهذه هى الإشكالية التى سوف تكون محل إنشغالنا الرئيسى.

ولكن ما وصل إليه الاقتصاد السياسى فى شأن ظاهرة القيمة يُسعفنا فى إعادة طرح ظاهرة (تجديد إنتاج التخلف) الاقتصادى على الصعيد الاجتماعى بإعتبارها:"عملية اجتماعية من ارتفاع معدل إنتاج القيمة الزائدة، المتناقض مع ضعف آليات إنتاجها، ومن خلال هذا التناقض ما بين الارتفاع فى معدل إنتاج القيمة الزائدة وبين ضعف آلية إنتاجها، تتبلور ظاهرة تسرب القيمة الزائدة المنتَجة داخلياً فى الأجزاء المتخلفة من الاقتصاد الرأسمالى العالمى المعاصر إلى الأجزاء المتقدمة".

وهذا التحديد لظاهرة تجديد إنتاج التخلف الاقتصادى، والذى يمثل لى مساهمة رئيسية، إنما، ووفقاً للديالكتيك أو قانون التناقض، يُشير إلى أن الرأسمالية فى الأجزاء المتخلفة، ومنها السودان محل إنشغالنا، وعلى حين يهمها الإبقاء على معدلات إنتاج القيمة الزائدة المرتفعة، بل ورفع تلك المعدلات(لأنها سر حياتها) فهى كذلك تقع فى التناقض حين تسعى، وفى نفس الوقت، إلى تطوير قوى الإنتاج، المتخلفة بالأساس، فى تلك الأجزاء التى تتلقى الفنون الإنتاجية من الأجزاء المتقدمة بعد استهلاكها، ومعنى تطوير قوى الإنتاج هو إحلال الآلة؛ ويعنى إحلال الآلة التقليص من معدلات إنتاج القيمة الزائدة. هنا يقع التناقض ما بين ارتفاع معدلات إنتاج القيمة الزائدة وبين ضعف آليات إنتاجها. وإلى حين حل هذا التناقض تأخذ القيمة الزائدة المنتَجة داخلياً فى التسرب إلى خارج مسام الاقتصاد القومى كى تُغذى ليس فحسب صناعات المواد الغذائية والاستهلاكية فى الأجزاء المتقدمة، وإنما كى تغذى كذلك صناعات معقدة ومتطورة فى هذه الأجزاء والتى تمد الأجزاء المتخلفة بالسلع كثيفة التكنولوجيا والرأسمال، وهى السلع التى تتوقف عليها شروط عملية تجديد الإنتاج الاجتماعى فى الأجزاء المتخلفة، والسودان أحد هذه الأجزاء، وكما سنرى، فإن تدفق الاستثمار الأجنبى المباشر على قطاع الزراعة فى السودان (10 مليار دولار تقريباً بين عامى 2005و2010)، لم يحسن حال الفلاح أو العامل الزراعى الأجير، لأن الإنتاجية سوف ترتفع، فى مرحلة أولى، الأمر الذى سوف ينعكس سلباً على الأجور، وبصفة خاصة مع معدلات البطالة العنيفة التى جاوزت الـ 50%، والارتفاع المستمر فى الأسعار بالتساوق مع التضخم الزاحف(13%) والانهيار المستمر فى سعر صرف العملة الوطنية، وفى مرحلة ثانية تأخذ معدلات القيمة الزائدة الكلية فى الانخفاض بعد أن يتم تجفيف منابعها، بصراع مستمر بين العمل والآلة، وكل ذلك من خلال عملية اجتماعية منظمة من تسرب القيمة الزائدة إلى خارج الاقتصاد الوطنى من أجل استيراد وسائل إنتاج (و أ) تتوقف عليها الشروط الموضوعية لتجديد الإنتاج على الصعيد الاجتماعى.

الخط الفكرى الثانى: ويكون انشغاله بتوجيه النظر ناحية جهة أخرى بشأن القيمة لا تُرى غالباً، فلقد نظر الاقتصاد السياسى الكلاسيكى إلى القيمة، عبر تطوره التاريخى، على أساس أن مصدرها ومقياسها ومحددها هى أمور تتعلق بالعمل الإنسانى الحى والمختَزن وكميته النسبية الضرورية المنفَقة فى سبيل إنتاج السلعة، وان العمل الإنسانى هو مصدر جميع أنواع الدخول الخاصة بكل طبقة من طبقات المجتمع، فبفضله يتحصل ملاك الأراضى على الريع، والرأسمال على الربح، والعُمال على الأجر. بيد أن الاقتصاد السياسى، كما ذكرت أعلاه، يتوقف عند هذا الحد؛ بل وحينما ينشغل بتجدد الإنتاج الاجتماعى على نطاق متسع، حين يَصل إلى قمة نُضجهِ على يد ماركس، فهو لا يَبحث تسرب القيمة الزائدة المنتَجة بداخل الاقتصاد القومى إلى خارجه، وهو الذى سأفعله، وإنما يكتفى بتحليل عملية خلق القيمة الزائدة وتداولها بين الطبقات فى المجتمع والشروط الموضوعية لسيطرة طبقة أو طبقات معينة على هذه القيمة، وأفضل ما تحقق فى تحليل تبادل أو/و تداول القيمة على الصعيد العالمى هو مساهمة ريكاردو بنظريته فى النفقات النسبية(6)، ابتداءً من افتراضه سهولة تحرك كل من اليد العاملة (مساواة الأجر بين فرع وآخر من فروع الاقتصاد الرأسمالى، وكذلك من بلد إلى آخر) وكذلك سهولة تحرك الرأسمال (توزيع متساو لمعدل الربح) بيد أن ما تحقق على يد ريكاردو وما لحق نظريته من تطوير على يد ايمانويل وبتلهايم وأمين وسنتش؛ لم يتعد حدود افتراض التبادل غير المتكافىء؛ إلى ما هو أبعد وأهم وهو (تسرب) القيمة الزائدة المنتَجة فى الأجزاء المتخلفة إلى خارجها لتغذية الصناعات المختلفة فى الأجزاء المتقدمة؛ فالفرضية التى يقوم عليها التبادل غير المتكافىء! تعتمد على فهم التبادل على الصعيد العالمى ابتداءً من تفوق العامل فى الأجزاء المتقدمة على العامل فى الأجزاء المتخلفة؛ فما يُنتجه العامل الأوروبى فى ساعة عمل واحدة يُنتجه العامل الأفريقى فى 12 ساعة عمل، ويتعلق الأمر هنا، وفقاً للتبادل غير المتكافىء بإنتاجية العمل؛ فالفلاح الأفريقى مثلاً، طبقاً لمثال د. سمير أمين، يحصل لقاء مئة يوم عمل شاق جداً، فى السنة، على منتجات مستوردة لا تكاد تعادل قيمتها قيمة عشرين يوماً من العمل العادى يقوم به عامل أوروبى ماهر(7). ونظرية التبادل غير المتكافىء لا تقول أكثر من ذلك، ولا يمكنها أن تقول أكثر من ذلك، والأخطر أنها لا تملك أن تقول، صواباً، لماذا ذلك! أى لماذا يحصل فالفلاح الأفريقى لقاء مئة يوم عمل شاق جداً، فى السنة، على منتجات مستوردة لا تكاد تعادل قيمتها قيمة عشرين يوماً من العمل العادى يقوم به عامل أوروبى ماهر؟ ونحن نذهب خطوة أبعد برؤية الجانب الآخر من عملية التبادل على الصعيد العالمى، فما ننشغل به ليس التبادل غير المتكافىء؛ لأننا نرى، بمعنى أدق حان الوقت أن نرى، أن التبادل دائماً متكافىء (وإن كنا نوافق على عدم التكافؤ، كما سنبين، فى مواضع أخرى غير مرتبطة بالقانون الموضوعى للقيمة) وإنما ننشغل بظاهرة التسرب فى القيمة الزائدة أى ننشغل بمحاولة تحليل آلية تسرب القيمة الزائدة المنتَجة فى داخل الأجزاء المتخلفة إلى الأجزاء المتقدمة كى تنمى صناعاتها المتطورة. فالذى يهمنا هنا هو الذهاب أبعد من تصور التبادل على الصعيد العالمى كمجرد تبادل غير متكافىء للقيم بين أجزاء متخلفة وأجزاء متقدمة؛ إلى حيث تركيز الضوء المباشر والساطع على عملية "تسبق" هذا التبادل غير المتكافىء وهى عملية التسرب فى القيمة الزائدة. فطبقاً لمثلنا التقليدى أنتجَ الاقتصاد القومى فى الجزء المتخلف ما مقداره 6 مليارات وحدة زائدة، وفى مرحلة أولى، من التوزيع، سوف تختص كل طبقة بنصيبها، فالعمل سيحصل على الأجر، والرأسمال سيحصل على الربح، وملاك الأراضى سيحصلون على الريع. وفى مرحلة ثانية تبدأ كل طبقة فى إنفاق الوحدات الباقية بعد خصم الإدخار، فما هو الطريق الذى سوف تسلكه تلك الوحدات؟ انها سوف تتجه نحو الخارج. نحو الأجزاء المتقدمة. من أجل الحصول على منتجات استهلاكية (للطبقة العاملة، والطبقة الرأسمالية، والطبقة الريعية)، ومنتجات صناعية (للرأسمال، لتجديد الإنتاج) غالباً ما يتوقف عليها تجديد هذا الإنتاج فى الأجزاء المتخلفة. وقبل أن تتم، أو لا تتم، عملية التبادل غير المتكافىء تتم عملية أهم وأخطر، فى الغالب لا يتم الإهتمام بها، وهى عملية خروج/تسرب القيمة التى زادت بداخل الاقتصاد المتخلف خلال السنة إلى خارجه، وبدلاً من أن يُعاد ضخ تلك القيمة بداخل مسام الاقتصاد المتخلف الذى أنتَجها من أجل مشروعات تنموية وإنتاجية وطنية حقيقية، فإنها (تخرج/تتسرب) من أجل تدعيم الصناعات المختلفة فى الاقتصاد المتقدم، فالتسرب هنا إذاً يسبق التبادل، بل أن المسألة برمتها (تسرب) وليس (تبادل) ولكن الوضوح فى بعض الأحيان يكون أكثر الأشياء خداعاً. وربما يكون التحكم فى هذا التسرب، بالوعى بوجوده وخطورته وبمنعه، حائلاً دون اللف والدوران حول نظرية، مضلَلَة، ومن ثم مضلِلة، بسبب عدم التكافؤ فى الأجور، فعدم التكافؤ فى الأجور(8) على الصعيد العالمى هو الذى ضلل ومن ثم قاد أصحاب"التبادل غير المتكافىء" إلى إبتكار هذه النظرية، لأنهم لم يستطيعوا، ربما بدوافع إنسانية، أن يُعلنوا بوضوح أن العامل هو آلة مرتدية "أفاروول". ويستغربون كيف أن حلاق فى باريس يتلقى أجراً أعلى من حلاق فى دكار. ثم يزيلون دهشتهم، بافتراض (دون تعليل دائماً) أن الأجر فى باريس أعلى وأن فى القيمة تنتقل من حلاق دكار إلى حلاق باريس من خلال (تبادل غير متكافىء!) الدهشة الحقيقية تتملكنا نحن حينما نرى كيف هذا التحايل التجريبى، وتزداد دهشتنا حينما نرى كيف أن نفقة إنتاج حلاق دكار ملتبسة بنفقة إنتاج حلاق باريس! نحن نعتقد أن آلة باريس دائماً أفضل من آلة دكار، وبعبارة بسيطة جداً نحن نعتقد أن آلة باريس (العامل الفرنسى) أغلى من آلة دكار (العامل السنغالى) ومن ثم يتعين أن لا تكون قيمتها فقط فى السوق مختلفة، وإنما أيضاً ثمنها. وإنما وكما ذكرنا أن محل مناقشتنا لهذه "النظرية" ليس هنا، وفقط نقول أن الوعى بالتسرب كنظرية عامة فى التخلف، ومن ثم العمل على منع هذا التسرب، ربما يكفينا عناء البحث عن نظرية ملفَقة تُفسر سبب وجود قيمة منتَجة فى الأجزاء المتخلفة فى داخل الأجزاء المتقدمة؟ أى كيف وصلت هذه القيمة من الأجزاء المتخلفة إلى الأجزاء المتقدمة؟ والأمر لا يتعلق فى الواقع بتبادل غير متكافىء على الصعيد العالمى، وإنما يتعلق بنظرية عامة فى تجديد إنتاج التخلف. نظرية عامة فى (تسرب) القيمة الزائدة المنتَجة فى الأجزاء المتخلفة إلى خارجها صوب الأجزاء المتقدمة من أجل استيراد جُل السلع والخدمات التى يتوقف عليها تجديد الإنتاج الاجتماعى فى الأجزاء المتخلفة. وتلك الفرضية لا تمنعنا ابداً من رؤية العلاقات الاقتصادية على الصعيد العالمى كعلاقات بين بلدان مختلفة فيما بينها فى مستويات النمو والتطور. بين أجزاء متقدمة تعيش فى عصر ما بعد الصناعة وأجزاء أخرى متخلفة تعيش فى عصر ما قبل الصناعة!

إننى ابدأ من حيث الشىء الذى بفضلهِ تطور الإنسان، وانفصل عن مملكة الحيوان، وهو"العمل"بوصفه: كُل مجهود إنسانى واع، وهو الذى صار محور الصراع مع حلول نمط الإنتاج الرأسمالى بعد أفول نمط الإنتاج الاقطاعى. وابدأ تحديداً من قيمة قوة العمل. فما هى قيمة قوة العمل؟ ولنتصور العامل السودانى مثلاً، فما هى قيمة قوة عمل هذا العامل؟ إن قيمة كل سلعة، وقوة العمل مع نمط الإنتاج الرأسمالى سلعة، تُقاس بكمية العمل اللازم لإنتاجها. وقوة العمل توجد فى شكل العامل الحى الذى يحتاج، هو أيضاً، إلى كمية محددة من وسائل المعيشة لنفسه ولأسرته، مما يضمن استمرار قوة العمل حتى بعد موته. ومن هنا فإن وقت العمل المتَطلَب لإنتاج وسائل المعيشة هذه يُمثل قيمة قوة العمل، وإن الرأسمال يدفع له أجره كل شهر، مثلاً، وبذلك يشترى من العامل استعمال عمله لمدة شهر وعقب ذلك فان الرأسمال يجعل العامل يبدأ فى العمل. وفى وقت معين سيقدم العامل كمية معينة من العمل توازى أجره الشهرى. فاذا إفترضنا أن أجر العامل الشهرى يُمثل 20 يوم عمل، فإن العامل إذا بدأ العمل فى يوم 1 من الشهر، فإنه يكون فى يوم 20 قد عوض الرأسمال عن القيمة الكاملة للأجر المدفوع، ولكن هل يتوقف العامل عن العمل؟ نمط الإنتاج الرأسمالى يقول: لا، إطلاقاً. لا يُمكن للعامل عقب إنتاجه مُعادل أجره أن يتوقف عن العمل، إذ اشترى الرأسمال منه عمله لمدة "شهر" وعلى العامل أن يستمر فى العمل خلال الـ10 أيام المتبقية من الشهر، وهذا العمل الزائد الذى يُقدمه العامل فوق الوقت اللازم لتعويض أجره وزيادة عليه هو مصدر" القيمة الزائدة"، ومصدر الربح، ومصدر الريع، ومصدر الأجر، والتراكم المتزايد بإستمرار للرأسمال.(9)

والقيمة الزائدة على هذا النحو أيضاً تعمل كقانون عام للحركة فى جميع مؤسسات "جنرال موتورز" كما تعمل فى أحقر"ورشة لصنع أربطة الأحذية" فى أحط أحياء الخرطوم.
وإننى حين أبدأ من حيث انتهى الاقتصاد السياسى، الذى كف عن التطور، كعِلم، مع طى أخر صفحة من كتاب"رأس المال"لماركس، فإننى أحدد من البداية هدفى الرئيسى وهو ليس البحث عن تداول القيمة الزائدة فى المجتمع بين طبقاته؛ وإنما البحث فى تسرب القيمة الزائدة بعيداً عن جميع هذه الطبقات، ولسوف أتخذ من السودان نموذجاً أدرس من خلاله الظاهرة قيد البحث، على أساس أن هذا التسرب فى القيمة الزائدة إنما يتم من خلال آليات تجديد إنتاج التخلف الاجتماعى والاقتصادى، وفقاً للتحديد الذى ذكرته سابقاً حين حددت موقفى من ظاهرة تجديد إنتاج التخلف بإعتبارها :"عملية اجتماعية من ارتفاع معدل إنتاج القيمة الزائدة، المتناقض مع ضعف آليات إنتاجها، ومن خلال هذا التناقض ما بين الارتفاع فى معدل إنتاج القيمة الزائدة وبين ضعف آلية إنتاجها، تتبلور ظاهرة تسرب القيمة الزائدة المنتَجة داخلياً إلى الأجزاء المتقدمة من الاقتصاد الرأسمالى العالمى المعاصر".
إن الوعى بملاحظاتنا الثلاث التى ذكرناها أعلاه، وإطارنا النظرى الذى حددناه بالخطين الفكريين المذكورين ربما يجعلنا نتقدم بإطمئنان نحو تقديم طريقة إجابة على سؤالنا المطروح بشأن أين تذهب تلك القيمة الزائدة المنتَجة بداخل الاقتصاد القومى خلال فترة زمنية معينة، فى ضوء بحث مواز فى جدلية تجديد إنتاج التخلف، بالمعنى الذى حددناه؟ وسيكون هذا السؤال محل انشغالنا عبر صفحاتنا، وإنما ابتداءً من سعينا لتقديم طريقة للإجابة عليه، وليس إجابة؛ إذ أنى دائماً ما أرى أن الإجابة على أى سؤال مطروح ليست بأهمية طريقة الإجابة، فما يهمنا ليس الإجابة، وإنما الطريق الذى يسلكه الذهن من أجل إنتاج هذه الإجابة.
---------
(من مقدمة كتاب: نقد نظرية التخلف، محمد عادل زكى،2013)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,980,137
- موجز الفكر الاقتصادى من التجاريين إلى الطبيعيين
- التكون التاريخى للتخلف فى مصر
- الشركات دولية النشاط
- الثورية التشافيزية
- وعود الرأسمال التجارى
- الصراع على النفط؛ التاريخُ المُعَاش
- بيان إلى عمال مصر
- الماركسية تراث مشترك للإنسانية
- تجدد إنتاج التخلف
- الاستبداد السياسى فى أنظمة الحكم العربية
- الاقتصاد السياسى للديموقراطية فى العالم العربى
- ملاحظات على أطروحة محمد عادل زكي عن جدلية القيمة الزائدة
- القيمة عند أرسطو وسميث وريكاردو وماركس
- الاقتصاد السياسى الماركسى
- حول فرضيات جرامشى
- منهجية البحث فى إشكالية التخلف الاقتصادى العربى
- الاقتصاد السياسى للصراع فى السودان
- الفكر الاقتصادى الكلاسيكى؛ السابق على ماركس
- مخطوطة أولية فى جدلية القيمة الزائدة
- الاقتصاد السياسى فى فكر كارل ماركس


المزيد.....




- قيس سعيد يؤدي اليمين الدستورية رئيسًا جديدًا لتونس
- ناشط لبناني يوضح لـCNN ماذا يعني -إسقاط النظام- بلبنان
- صور لم تُنشر من قبل للمغنية العالمية ريانا من حياتها الشخصية ...
- إخلاء النقاط العسكرية الكردية قرب الحدود التركية تنفيذا للات ...
- تقرير: الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى خشية من صواريخ مجن ...
- سيناتور أمريكي قلق من الاتفاق الروسي-التركي ويتهم واشنطن بال ...
- بوتين يرحب بالزعماء الأفارقة في سوتشي
- مصدر أمني تركي: أنقرة ستعيد تقييم خطتها لإنشاء مراكز المراقب ...
- وزير الخارجية العراقي: روسيا أبدت مرونة كبيرة في تقديم الدع ...
- موسكو تعتبر أنّ واشنطن "خانت" الأكراد في سوريا


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - محمد عادل زكى - نقد نظرية التخلف