أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فالح عبد الجبار - رأس المال والمجتمع الحديث















المزيد.....

رأس المال والمجتمع الحديث


فالح عبد الجبار
الحوار المتمدن-العدد: 3973 - 2013 / 1 / 15 - 23:22
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


كرست القناة الثانية لتلفزيون «بي بي سي» برنامجاً كاملاً لكارل ماركس وكتابه «رأس المال» باعتباره المرجع الوحيد الذي يلقي الضوء الباهر على الأزمة الراهنة. هذه تذكرة وجيزة وبسيطة عن كتاب وكاتب شغل اوروبا، فالعالم نحو قرن ونصف قرن، ولا يزال. فما كاد خصومه يحتفون بقرب نهاية، او بالأحرى بالنهاية المؤكدة للتاريخ، اثر تفكك الاتحاد السوفياتي، وهو ما فعله فوكوياما، حتى باغتت الجميع أزمة كبرى هي الأعتى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في غضون ذلك، قام أكبر مضارب رأسمالي في العالم هو جورج سوروش، المجري الأصل الأميركي الجنسية، بإطلاق رصاصات تحذير مدوية في كتابه «أزمة الرأسمالية الكونية: خطر محدق بالمجتمع المفتوح»، وهو يبشر بانهيار الصيغة الحالية للمجتمع من موقع العارف بخبايا عصر المال والأعمال، من موقع الملياردير اللاعب. ورسالته جداً بسيطة ومقتضبة: رأس المال يهدد بتقويض المجتمع.

ها هنا رسالتان متضادتان: منبع التعارض هو المجتمع الصناعي الحديث الذي دشنه ظهور رأس المال: تطوير هائل للتكنولوجيا، اكتساح العالم القديم، فتح باب الحريات السياسية، التنظيم العقلاني للإنتاج، انضباط العمل في المصانع والمؤسسات، والبنوك... الخ: إنماء الثروة، بناء المؤسسات الحديثة من جانب، ولكن من جانب آخر، اندلاع أزمات دورية تفضي إلى تدمير القوى المنتجة، بالأخص جزءها الأهم، البشر والبيئة (بتوسيع جيوش العاطلين، قضم الحريات السياسية بالقسر الاقتصادي، فوضى السوق، التنافس بين الأمم، التوسع الإمبراطوري، الحروب، الثورات، تدمير التوازن الإيكولوجي للأرض... إلخ).

لا مراء في ان كتاب «رأس المال» حظي من المعجبين والمشايعين بعدد كبير، لكنه استجر أيضاً قدراً من النقد من منظومة اليسار، وقدراً اكبر من الخصومة من خارجها، منذ نشر المجلد الأول عام 1867 في هامبورغ حتى هذه اللحظة.

المعارك الفكرية الدائرة حول الكتاب، إسناداً أو نقداً أو اعتراضاً، وحتى تشنيعاً، اختلطت حتى التسعينات، باحتدام صراع سياسي-اجتماعي، بين حركات عمالية، منذرة مهددة، وحركات ليبرالية، قلقة، خائفة. وتعقد الصراع أكثر بواقع تحول الانقسامات الاجتماعية إلى انقسام عالمي بين دول قومية، يعتمد بعضها اقتصاد السوق، ودول أخرى قومية تعتمد الاقتصاد الجماعي الممركز، والدول مسلحة بأسنان نووية، خلال الحرب الباردة. لم تعد المسألة الفكرية صحة أم خطل استنتاجات نظرية محددة، بل بقاء النظام الاجتماعي الراهن وزواله.

في هذه الأحوال المضطربة، ضاع الكثير من النقاش العلمي المجرد حول كتاب «رأس المال»، فحلت -بتعبير ماركس- الملاكمة المأجورة محل البحث الرصين، من جانب الخصوم أنصار الليبرالية الاقتصادية (تمييزاً لها عن الليبرالية السياسية الديموقراطية).

في أوساط اليسار لم يكن الحال بأحسن، فالبحث والسجال قُيد بألف قيد وقيد، باسم «نقاء النظرية»، وكانت هيمنة الأحزاب المركزية على مقاليد العمل الفكري ضارة وأحياناً مدمرة.

حسبنا الإشارة إلى ما لاقاه جورج لوكاش من كبت وطرد وتشريد، حين سعى إلى تفريق الديالكتيك (الجدل) في الطبيعة، الخاضع لضرورة عمياء (هل يفكر الإلكترون بتغيير مساره؟) والديالكتيك في التاريخ البشري، أو بتحديد أدق في مجرى التطور المجتمعي، حيث يواجه البشر، بوصفهم كائنات مفكّرة، ذوات إرادة، خيارات مفتوحة في كل لحظة، خيارات تثلم نصل الطابع الأعمى للضرورة. وكانت فكرته جد بسيطة وعميقة: الفرق بين التاريخ والطبيعة أن الإنسان يصنع الأول، ولا يصنع الثانية، فمعايير فهم الطبيعة تختلف عن معايير تفسير المجتمع، أفعال الطبيعة تتطلب اشكالاً ثابتة، فوق تاريخية، من العقلانية العلمية المجردة من كل حكم. أما المجتمع فينبغي فهمه كظاهرة تاريخية وعيننا على الحرية التي يمحضها لقاطني هذا التاريخ. المجتمع الحديث في رأيه يولد بتشابك علاقاته وتعقيداته: الاغتراب أو الاستلاب من جانب، والشيئية، أي فصل البشر عن نشاطهم وتحولهم أشياء، فيسد باب الوعي. أما النشاط، الممارسة الجمعية للاعتراض الثوري، فهو وحده الكفيل بتوليد الوعي بالتعقيد، وعي الاستلاب ووعي الشيئية تمهيداً لكسرهما. وكان أكبر كبائر لوكاش نقده لأنغلز (كتاب انتي دوهرنغ) لفشله في بناء تفاعل الذات والموضوع كمقولة أساسية في التاريخ البشري.

وتكفينا أيضاً الإشارة إلى استبعاد بل التعمية على الإنجازات الفكرية للمدرسة الماركسية النمسوية، التي شرّعت منذ أواخر القرن الـ19 ومطالع القرن الـ20 أبواب التحليل لرأس المال المالي (هيلفردنغ)، أو دراسة الوحدات الجديدة للمجتمع الحديث: الدولة المركزية، والقوميات. فقد حوربت ثم أهملت تماماً لمجرد أنها لم تنتصر سياسياً ولم تحظَ بدولة على الغرار السوفياتي. وحسبنا الإشارة إلى كبت أو ازدراء محاولات مدرسة فرانكفورت، للإفادة من التطورات النظرية في علم الاجتماع وعلم النفس واللسانيات... الخ، لتوسيع التحليل العلمي للمجتمع الحديث (ادورنو، دوركهايمر، اريك فروم) والتي ورثت أسئلة وتحليلات لوكاش، واكتشافات مانهايم، وإنجازات المدرسة النمسوية، لتبني تياراً عقلانياً نقدياً جديداً يسعى، بتعبير هوركهايمر، مؤسس مدرسة فرانكفورت (الماركسية الجديدة)، إلى استكمال ما تركه ماركس من غير درس، وبالتحديد مشكلات البنية الفوقية، أي الدولة وتشكلات الوعي. ولا نجد أفضل من زبيغنيو بريجنسكي في وصف هذا الوضع حين أفصح عن شكره للسوفيات لأنهم حولوا ألمع نظرية نقدية (ماركس) جثة هامدة.

أما اليوم، بعد زوال «الخطر» المباشر، فثمة حيوية جديدة تدبّ في أوصال البحث العلمي المتجرد، ما يسمح بحدود للبحث أوسع في مناقشة «رأس المال»، بحيويته المدهشة، وأيضاً بشيخوخته.

لعل «رأس المال» أحد المفاتيح لفك مغاليق المجتمع الحديث الذي برز إلى الوجود، وفق ماركس، منذ القرن السادس عشر، والسعي إلى فهم مساراته المتقلبة وتناقضاته المنتظمة، او بتعبير بريجنسكي: قدم ماركس ألمع نظرية نقدية لتحليل المجتمع الحديث.

وقد انفتحت مجدداً الأبواب للاهتمام بماركس الباحث، وبسفره «رأس المال»، فهو كتاب الأزمة. فما من مفكر أو فكر عني بأزمة المجتمع الحديث أو بتناقضاته الجوهرية، مثل ماركس. ولم يكن مصادفة أن تختار كبرى دور النشر الأوروبية إعادة إصدار «رأس المال» ضمن سلسلة «كتب غيّرت العالم».





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,931,535,324
- أكتوبر البلاشفة، أو الثورة المنسية
- الربيع العربي بحسب العلوم الاجتماعية
- العراق والتوتاليتارية
- الأمن قضية سياسية أولاً
- العراق والجيران وأوروبا
- كتاب جديد:ما العولمة
- نهاية ديكتاتور
- تأملات في الصلب: الرئيس العراقي شانقاً ومشنوقاً
- أفكار في جولة: آلام الجنوب اللبناني غير المعلنة
- المستبد وحقيقته بين جيلين
- الولادة العسيرة للفيديرالية في العراق
- الهورلا: اوراق الجنون- الام ذاكرتي اللبنانية
- في الحرب والتفكير و في الحرب والسياسة
- مفهوم العنف، مفهوم الإرهاب
- منطق الميليشيا، منطق الدولة
- مائة عام على ثورة المشروطة مائة عام من الزمن الضائع
- العراق: صراع المقدس والدنيوي في بناء الأمة
- العراق: تصادم القبيلة والأصولية الوافدة
- على الهامش العراقي: الرئيس قانونياً
- الدستور العراقي قبل الانتخابات وبعدها


المزيد.....




- شراكة بين الروبوتات والنحل لتحسين حماية البيئة
- شهيد و90 إصابة خلال قمع الاحتلال للمسير البحري في غزة
- الشعبية: تلفزيون فلسطين انحرف عن هدفه الوطني وأصبح بوقاً للت ...
- أكثر من 200 مركز ونادي رياضي فلسطيني يطالب شركة -بوما- بإنها ...
- الكويت تحظر تداول آلاف الكتب والمواطنون يحتجون على الرقابة
- ادانة لقرار هدم الخان الاحمر في مجلس حقوق الانسان
- الخطر يهدد نصف مليون طفل في طرابلس الليبية
- كم تبلغ قيمة منظومة -إس-300- الروسية التي ستحمي الأجواء السو ...
- انطلاق -الحرب التجارية- بين الولايات المتحدة والصين
- اللبنانية أعلنت حاجتها للتعاقد مع أساتذة من حملة الدكتوراه ...


المزيد.....

- الفقر العالمي: جريمة الرأسمالية ضد الإنسانية / جوش هولرويد
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (2) / غازي الصوراني
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (1) / غازي الصوراني
- البُنى التحتيّة، المجتمعات، التاريخ / موريس غودلييه
- دفاتر -قوموا بالتحقيقات ولا تنطقوا بالحماقات- الجزء الأول ... / الشرارة
- الوضع الدولي في ظل العولمة الراهنة / غازي الصوراني
- كفى دجلا على الشعب / حمه الهمامي
- الديناميات المعاصرة للإمبريالية في الشرق الأوسط – تحليل أوَّ ... / آن أليكساندر
- حول أساليب الانتاج قبل الرأسمالية - والحتمية التاريخية للأزم ... / خليل اندراوس
- سحرُ الماركسيّة في القرن الواحد والعشرين / أسعد أبو خليل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - فالح عبد الجبار - رأس المال والمجتمع الحديث