أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - الشيخ الكليني وكتابه الكافي






















المزيد.....

الشيخ الكليني وكتابه الكافي



أحمد القبانجي
الحوار المتمدن-العدد: 3969 - 2013 / 1 / 11 - 00:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يعتبر ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني ((المتوفى عام 329 هـ)) من قدماء علماء الامامية ومن أكابر محدثيهم المشهورين , حيث يقول النجاشي ((الرجالي المعروف لدى الشيعة)) عنه : شيخ اصحابنا في وقته بالري .
ويقول الشيخ ابوجعفر الطوسي في حقه : ثقة عالم بالاخبار.
ويقول ابن طاووس عنه: الشيخ المتفق على ثقته وأمانته محمد بن يعقوب الكليني.
ويقول محمد باقر المجلسي عنه : مقبول طوائف الأنام ممدوح الخاص والعام محمد بن يعقوب الكليني.
والخلاصة أن مؤلف كتاب الكافي معروف لدى الامامية بالوثاقة والأمانة والحفظ . كما أنه قسم كتابه الى ثلاثة أقسام : الأصول , الفروع , الروضة , وعلى سبيل المثال يقول الشيخ المفيد : الكافي وهو من أجل كتب الشيعة واكثرها فائدة.
ويقول الشهيد الأول : كتاب الكافي في الحديث الذي لم يعمل الامامية مثله.
ويقول المحقق الكركي: الكتاب الكبير في الحديث المسمى بالكافي الذي لم يعمل مثله.
ويقول الفيض الكاشاني : الكافي ... أشرفها وأوثقها واتمها واجمعها.
ويقول محمد باقر المجلسي : كتاب الكافي ... أضبط الأصول وأجمعها وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية وأعظمها.
ومضافا الى ما ذكر علماء الامامية في مدح كتاب الكافي فان المؤلف نفسه ذكر في مقدمة كتابه هذا مخاطبا لمن كتب اليه هذا الكتاب , فقال :
قلت إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع اليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين – عليهم السلام – والسنن القائمة التي عليها العمل وبها يؤدي الى فرض الله – عزوجل – وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم - ... وقد يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت.
وبالرغم من ذلك فان كتاب الكافي ورغم وجود الروايات الصحيحة فيه الا أنه مع الأسف يتضمن أخبارا كاذبة وزائفة , ونحن نستعرض هنا بعض هذه الأخبار الموضوعة ونلفت نظر القاريْ الكريم وخاصة المحققين اليها .
وقبل نقد احاديث الكافي نرى من اللازم أن نذكر الأخوة بأن احاديث الكافي, وخلافا لما يتصور بعض السذج من الشيعة , ليست قطعية الصدور لدى اعلام الشيعة الامامية , حتى أن الشيخ محمدباقر المجلسي في كتابه ((مرآة العقول)) قد ضعف كثيرا من رواياته بسبب ضعف السند , ولهذا لا ينبغي أن نتعجب من ورود طائفة من الأحاديث الموضوعة في هذا الكتاب.

نقد أحاديث الشيخ الكليني:
1 – تقدم أن كتاب الكافي مؤلف من ثلاثة اقسام ((الأصول , والفروع والروضة)) وكل هذه الأقسام قد تم طبعها وهي في متناول القرّاء ونرى في اصول الكافي بابا بعنوان ((باب النهي على اشراف قبر النبي)) حيث أورد الشيخ الكليني حديثا في ذلك , وفي الحقيقة أنه اعتمد على هذا الحديث في فتواه وهذا الحديث هو :
عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد البرقي , عن جعفر بن المثنى الخطيب قال:
((كنت بالمدينة وسقف المسجد الذي يشرف على القبر قد سقط والفعلة يصعدون وينزلون ونحن جماعة. فقلت لأصحابنا : من منكم يدخل على أبي عبدالله عليه السلام الليلة ؟ فقال مهران بن ابي بصير : أنا , وقال اسماعيل بن عمار الصيرفي : أنا. فقلنا لهما : سلاه لنا عن الصعود لنشرف على قبر النبي – صلى الله عليه وآله – فلما كان من الغد لقينا هما , فاجتمعنا جميعا فقال اسماعيل : قد سألنا لكم عما ذكرتم . فقال : ما أحب لاحد منهم أن يعلو فوقه ولا آمنه أن يرى شيئا يذهب منه بصره , أو يراه قائما يصلي أو يراه مع بعض أزواجه – صلى الله عليه وآله وسلم
وهذا الحديث ساقط سندا ودلالةً , لأنه:
أولا: إن جعفر بن المثنى المشهور بالخطيب لم يكن معاصرا للامام الرضا ولم يكن معاصرا للامام الصادق (ع) أيضا كما ذكر ذلك المجلسي في كتابه ((مرآة العقول)) وقال:
((فان جعفر بن المثنى من أصحاب الرضا لم يدرك زمان الامام الصادق)).
ثانيا: إن جعفر بن المثنى كان واقفيا ولم يوثقه أي واحد من علماء الرجال الشيعة. وقد كتب المامقاني في كتابه ((تنقيح المقال)): هذا واقفي لم يوثق.
ثالثا: اذا كان المراد من رؤية النبي الأكرم رؤيته الجسدية فان النبي كان تحت التراب ولا يمكن بأي وجه رؤية جسده الشريف , واذا كان المراد رؤية روح النبي الأكرم فان الروح ليست مرئية والا فان جميع العمال الذين كانوا يعملون في تعمير سقف المسجد كانوا يصعدون الى ما فوق القبر الشريف ولابد أنهم رأوا روح النبي الأكرم وزوجته ولذلك يجب أن تعمى عيونهم أيضا.
رابعا: اذا كان كل من اطلع على قبر النبي الأكرم ونظر اليه يخشى عليه العمى فإذن لماذا لم ينه رسول الله عن هذا العمل بل رضي بهذا الضرر والبلاء لأمته؟
2 – وقد أورد الشيخ الكليني رواية عجيبة أخرى في باب مولد النبي ووفاته في كتابه ((اصول الكافي)) وهي:
((محمد بن يحيى , عن سعد بن عبدالله , عن ابراهيم بن محمد الثقفي , عن علي بن المعلى , عن أخيه محمد , عن درست بن أبي منصور , عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير , عن أبي عبدالله عليه السلام قال : لما ولد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – مكث أياما ليس له لبن فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه اياما حتى وقع أبوطالب على حليمة السعدية فدفعه اليها.
وهذه الرواية أيضا مخدوشة سندا ودلالةً ويحتمل أن الراوي لها أراد توثيق رابطة القرابة بين النبي الاكرم والامام علي فاضطرّ الى جعل هذه الاسطورة الخرافية , والا فما هي الضرورة في أن يجعل الله تعالى اللبن في ثدي أبي طالب ليرضع ابن أخيه؟ الم يكن بالامكان أن يرزق الله تعالى فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب هذا اللبن ويضعه في ثديها لترضع النبي ؟ ألم تكن هذه المرأة الطاهرة هي التي تولت تربية النبي وحمايته في بيت أبي طالب وكان النبي كأحد ابنائها.
بعض رواة هذا الحديث غير معروفين لدى علماء الرجال , مثلا ورد في كتب الرجال عن ((علي بن معلا)) أحد رواة هذه الرواية أنه:
((مجهول الحال)). وكذلك ذكر علماء الرجال أنّ ((درست بن ابي منصور)) واقفي المذهب . ومن الواضح أن العاقل لا يمكنه قبول روايات مثل هؤلاء الأشخاص.
3 – وقد أورد الشيخ الكليني في هذا الباب ايضا ((باب مولد النبي)) في اصول الكافي, رواية في معراج الرسول الأكرم, وهي ضعيفة سندا ومتنا, وهذه الرواية هي :
((عدة من أصحابنا , عن أحمد بن محمد , عن الحسين بن سعيد , عن القاسم بن محمد الجوهري , عن علي بن أبي حمزة, قال:
سأل أبو بصير أبا عبدالله عليه السلام وأنا حاضر فقال: جعلت فداك كم عرج برسول الله (ص)؟ فقال : مرتين فأوقفه جبرئيل موقفا , فقال له : مكانك يا محمد! فلقد وقفت موقفا ما وقفه ملك قط ولا نبي إن ربك يصلي! فقال : يا جبرئيل وكيف يصلي ؟ ! قال : يقول : سبوح قدوس أنا رب الملائكة والروح , سبقت رحمتي غضبي . فقال : اللهم عفوك عفوك . قال : وكما كان قال الله : قاب قوسين أو أدنى , الحديث. ))
وأحد رواة هذا الخبر كما هو مذكور في المتن ((قاسم بن محمد الجوهري)) حيث يقول عنه العلامة المامقاني في رجاله : الرجل إما واقفي غير موثق أو مجهول الحال وقد رد جمع من الفقهاء روايته منهم المحقق في المعتبر.
أما متن الرواية فترد عليه عدة اشكالات :
الأول: إن ظاهر الرواية يقرر أن الله تعالى له مكان معين في السماء , مع أن الله تعالى محيط بجميع الأماكن وليس له مكان خاص بل كما ورد بنص القرآن الكريم : ((اَلا إنَّهُ بٍكُلِّ شَيءٍ مُحيْطٌ)) سورة فصلت , الآية 54.
الثاني: صلاة الله تعالى غير معقولة وهي أشبه ما تكون بالخرافة.
الثالث: أما قوله كما ورد في الآية ((فكان قاب قوسين أو أدنى)) فهي الفاصلة التي بين النبي وملك الوحي لا الفاصلة بين النبي وبين الله تعالى كما يدل على ذلك سياق الآيات الشريفة:
علّمَهُ شَديدُ القُوى . ذو مرَّةٍ فاسْتَوى . وهُوَ بالأُفُقِِ الأعلى . ثُمَّ دَنى فَتَدلّى . فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنى (النجم , 5 – 9)
أي أن ملك الوحي هو مخلوق ذو قوة شديدة وهو الذي علم النبي الأكرم وكان واقفا بالافق الأعلى ثم اقترب من النبي الى درجة أنه كان قاب قوسين أو أدنى من النبي . وعليه فإن التفسير الوارد في هذه الرواية لا يتفق مع القرآن الكريم وذلك يستوجب ضرب الرواية عرض الجدار.
4 – وقد ذكر في اصول الكافي في ((باب ما عند الائمة من سلاح رسول الله ومتاعه)) قصة الحمار الذي يسمى ((عفير)) وهي:
((روي أن اميرالمؤمنين عليه السلام قال: إن ذلك الحمار كلّم رسول الله – صلى الله عليه وآله – فقال : بأبي أنت وأمي إن أبي حدثني عن أبيه عن جده , عن أبيه أنه كان مع نوح في السفينة فقام اليه نوح فمسح على كتفه ثم قال : يخرج من صلب هذا الحمار حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم فالحمدلله الذي جعلني ذلك الحمار. ))
وكما نلاحظ أن هذه الرواية مرسلة ومقطوعة السند ولا يعلم من جعل مثل هذه الخرافة العجيبة ونسبها الى أمير المؤمنين , ولكن الشيخ الكليني نقلها في اصول الكافي , والعجيب أن الكليني نفسه صدق بهذه الرواية وأوردها في كتابه الذي يقول عنه أنه جمع فيه الآثار الصحيحة!!
ولكن لا أحد يعلم أن هذه الجماعة من الحمير كيف حفظت حديث النبي نوح ونقلته عن واحد بعد الآخر, وكذلك لا يعلم أن هذه الحمير كم بلغ عمر الواحد منها من مئات السنين بحيث أن عدد الأجيال منذ زمان نوح الى زمان النبي الأكرم لا يتجاوز خمسة أجيال؟ وهكذا كلام الحمار الاخير بلسان عربي فصيح , ونقله للحديث كما ورد في الرواية, كل ذلك من العجائب , ولا أظن أن أحدا ذكر للشيخ الكليني هذه الرواية على سبيل المزاح والاستهزاء.
5 – وذكر الشيخ الكليني في كتابه هذا في ((باب مولد أبي جعفر محمد بن علي الثاني )) حديثاً غريبا آخر هو :
((علي بن ابراهيم . عن أبيه قال : استأذن على أبي جعفر عليه السلام قوم من أهل النواحي من الشيعة فاذن لهم فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب عليه السلام وله عشر سنين. ))
وهذه الرواية مقطوعة من حيث السند لأن والد علي بن ابراهيم, وهو ابراهيم ابن هاشم القمي, لا يعلم من أين أخذ هذه الرواية؟ وبخاصّة أن الراوي لم يذكر حضوره في هذا المجلس , واما متن الرواية فخير دليل على كذبها , لأنه كيف يتمكن الانسان أن يجيب على ثلاثين ألف مسآلة في مجلس واحد؟ فحتى لو فرضنا أن الاجابة على هذه المسائل كانت سهلة وميسورة على الامام الجواد ولكن كيف تمكن السائلون من طرح ثلاثين ألف مسألة في مجلس واحد الا أن يستغرق هذا المجلس عدة أيام بلياليها .
فلو فرضنا أن السؤال والجواب عنه يستغرق دقيقة واحدة فقط فإنّ ثلاثين ألف دقيقة تساوي خمسمائة ساعة فمعنى ذلك أن الاجابة على ثلاثين ألف سؤال تستغرق أكثر من عشرين يوماً بلياليها, فكيف وقعت هذه المحاورة في مجلس واحد؟
6 – وذكر الشيخ الكليني في اصول الكافي في باب كتاب ((فضل القرآن)) رواية بهذا النص:
((علي بن الحكم عن هشام بن سالم عن ابي عبدالله عليه السلام قال : إن القرآن الذي جاء به جبرئيل الى محمد سبعة عشر الف أية)).
ونعلم أن آيات القرآن الكريم الذي بين ايدينا لا تتجاوز سبعة آلاف آية فاذا صحت رواية اصول الكافي هذه فلابد أن يكون قد حذف أكثر من نصف القرآن , وهذا القول باطل ولا أساس له لأن الله تعالى قد وعد بحفظه ((إنّا نَحنُ نزّلنا الذٍكْرَ وإنّا لَه لَحافِظونَ)) الحجر الآية 9.
وهناك رواية مشهورة عن الامام علي عليه السلام عن رسول الله أنه قال : ((جميع آيات القرآن ستة آلاف أية ومئتان و ستة وثلاثون آية)).
وأما ما احتمله بعض الشارحين لاصول الكافي من اختلاف المقصود من الآيات في رواية الكافي مع المصحف الموجود, هو احتمال لا وجه له, لأن لازم ذلك أن الامام الصادق (ع) قد عد كل ثلاث آيات آية واحدة . وبطلان هذا المعنى لا يخفى على أحد . مضافاً الى أن هذا الكلام مخالف للحديث النبوي الشريف . وكذلك انقطاع سند الحديث في أصول الكافي لأن علي بن الحكم لم يكن معاصرا للكليني.
وليست هذه المرة الاولى التي ينقل فيها الكليني حديثاً يصرح بتحريف القرآن بل نجده في موارد كثيرة من كتاب الكافي وروضة الكافي ينقل مثل هذه الروايات الباطلة والمخرّبة حتى أخذ عنه القول بتحريف القرآن جملة من علماء الشيعة أمثال ((الفيض الكاشاني)) في كتاب ((تفسير الصافي)) والشيخ نعمة الله الجزائري في ((الانوار النعمانية)) والحر العاملي في ((وسائل الشيعة)) والشيخ أحمد النراقي في كتاب ((مناهج الاحكام)) والسيد عبدالله شبّر في ((مصابيح الانوار)) والسيد هاشم البحراني في مقدمة تفسيره الموسوم بـ((البرهان في تفسيرالقرآن)) وغيرهم من علماء الشيعة ومفسّريهم بحيث اصحبت مقولة تحريف القرآن وصمة عارٍ على جبين الشيعة يصعب التخلص منها مهما حاول المتأخرون منهم , كالعلامة الطباطبائي صاحب ((الميزان)) والسيد الخوئي في ((البيان)) والشيخ مكارم شيرازي في ((الأمثل)), التخلص منهما والدفاع عن القرآن والتشيع مقابل اتهامات المغرضين والمخالفين.
وننقل هنا ما ذكره الفيض الكاشاني في تفسير الصافي من القول بتحريف القرآن مستنداً في ادعائه هذا الى جملة مما نقله الكليني وأمثاله من روايات موضوعة وأخبار كاذبة في هذا الباب . قال في المقدمة السادسة من تفسيره بعد أن أورد ما رواه الكليني في الكافي وعلي بن ابراهيم القمي في تفسيره من روايات تقرر تحريف القرآن:
((أقول: المستفاد من جميع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طريق أهل البيت عليهم السلام أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس كما كما أنزل على محمد (ص) بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله ومنه ما هو مغيّر محرّف وإنه قد حذف عنه أشياء كثيرة منها اسم علي (ع) في كثير من المواضع ومنها غير ذلك وأنه ليس أيضا على الترتيب المرضي عند الله وعند رسول الله (ص). ))
وكنموذج مما أورده الكليني أيضا من روايات تصرح بتحريف القرآن ما ذكره في روضة الكافي (الحديث 18) من قصة الحارث بن عمرة الفهري الذي غضب عندما قال رسول الله (ص) لعلي بن أبي الب (ع): ((إن فيك شبها من عيسى بن مريم .. )) فقال الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء... تقول الرواية أنه جاءته حجارة فرضخت هامته ثم أتى الوحي الى النبي (ص) فقال: سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع من الله ذي المعارج قال الراوي : قلت : جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا . فقال : هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (ص) وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة .. )).
ورغم أن الرواية لم تذكر اسم الامام الذي كان يخاطبه الراوي (ابو بصير) الا أن لحن الكلام وقول أبي بصير ((جعلت فداك)) وذكر الكليني لها في كتابه كلها تشير الى أنها رواية عن امام المعصوم.
ونموذج آخر ما أورده الكليني في الكافي , باب (الاشارة والنص على أميرالمؤمنين (ع) ) من قول رسول الله (ص) لأبي بكر وعمر يوم غدير خم أن: ((قوما فسلما عليه بامره المؤمنين . فقالا : أمن الله أو من رسوله يا رسول الله ؟ فقال لهما رسول الله (ص) : من الله ومن رسوله فأنزل الله عزوجل : ((ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ... الى قوله : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون (أئمة هي أزكى من أئمتكم) )) قال : قلت جعلت فداك أئمة؟ قال : أي والله أئمة . قلت : فانا نقرأ أربى . فقال : ما أربى؟ وأوما بيده فطرحها))
ونلاحظ هنا أن الراوي الكذاب غفل عن أن سورة النحل التي وردت فيها هذه الآية مكية ولا ارتباط لها بواقعة الغدير التي وقعت في السنة الاخيرة من الهجرة في المدينة , أما الآية الشريفة فهي ((... أمّةً هي أربى من أمّة))
هذا والقرآن الكريم محفوظ بحفظ الله تعالى قطعا لقوله تعالى :
إن علينا جمعه وقرآنه
ويقول عزوجل إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد
ويقول تعالى أيضا مؤكدا هذا المعنى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
مضافا الى الروايات التي تصل حد التواتر في لزوم التمسك بكتاب الله وأنه المرجع للمسلمين ولزوم عرض روايات النبي وأهل بيته الطاهرين على القرآن لمعرفة الحق من الباطل والصحيح من الموضوع منها , فاذا سرى الخلل والشك في آيات القرآن نفسها كما توحي بذلك هذه الروايات الموضوعة فلايبقى للمسلمين ميزانا للحق والباطل ولا مرجعا يرجعون اليه في عقائدهم وأحكام دينهم بعد تفشي الوضع والاختلاق في الثقل الثاني وهو السنة الشريفة. وهذا هو ما يصبو اليه هؤلاء الغلاة الدجالين.
7 – روى الشيخ الكليني في اصول الكافي في ((باب النوادر)) من كتاب التوحيد:
(( محمد بن أبي عبدالله , عن محمد بن اسماعيل , عن الحسين بن الحسين , عن بكر بن صالح , عن الحسن بن سعيد , عن الهيثم بن عبدالله , عن مروان بن صباح قال : قال ابو عبدالله عليه السلام : إن الله خلقنا فاحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده ولسانه الناطق في خلقه , ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة , ووجهه الذي يؤتى منه , وبابه الذي يدل عليه وخزانه في سمائه وأرضه , بنا أثمرت الأشجار , وأينعت الثمار , وجرت الأنهار , وبنا ينزل غيث السماء وينبت عشب الأرض , وبعبادتنا عبدالله ولولا نحن ما عبدالله.
ونلاحظ على هذه الرواية :
أولا: إن في سند هذه الرواية اشخاصا مجهولين وغير موثقين مثل مروان بن صباح الذي يقول عنه المامقاني : ليس له ذكر في كتب الرجال , و((بكر بن صالح)) الذي يقول عنه العلامة الحلي : ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب.
ثانيا: أما من حيث المتن فبعض بنود الرواية يخالف القرآن الكريم بصراحة , مثلا ورد في هذه الرواية , ((خزّانه في سمائه وأرضه)) مع أن القرآن الكريم يقول : ((قل لا أقول لكم عندي خزائن الله)) الانعام , الآية 50 . أو ما ورد في هذه الرواية ((لولا نحن ما عبد الله)) بينما يقول القرآن الكريم ((وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة واتياء الزكاة وكانوا لنا عابدين)) الانبياء , الآية 73.
8 – وأورد الشيخ الكليني في روضة الكافي تحت عنوان ((حديث الموت على أي شيء هو)) يقول:
((محمد عن أحمد , عن ابن محبوب , عن جميل بن صالح , عن أبان بن تغلب , عن أبي عبدالله – عليه السلام – قال : سألته عن الأرض على أي شيء هي ؟ قال: على حوت ! قلت : فالحوت على أي شيء هو؟ قال : على الماء . قلت : فالماء على أي شيء هو ؟ قال: على صخرة ! قلت: على أي شيء الصخرة؟ قال: على قرن ثور أملس ! قلت : فعلى أي شيء الثور؟ قال: على الثرى! قلت: فعلى أي شيء الثرى؟ فقال : هيهات , عند ذلك ضل علم العلماء. ))
ولا يحتاج بيان خرافة هذه الرواية الى مزيد توضيح أو نقد.
ويروي الشيخ الكليني في روضة الكافي رواية أخرى ترتبط بالرواية السابقة ويذكر فيها علة وقوع الزلزلة , وهذه الرواية هي :
((علي بن محمد , عن صالح , عن بعض أصحابه , عن عبد الصمد بن بشير , عن أبي عبدالله – عليه السلام – قال : إن الحوت الذي يحمل الأرض أسر في نفسه أنه إنما يحمل الأرض بقوته ! فأرسل الله تعالى اليه حوتا اصغر من شبر أكبر من فتر , فدخلت في خيا شيمه , فصعق , فمكث بذلك أربعين يوما ثم إن الله عزوجل رأف به ورحمه وخرج . فاذا أراد الله – جل و عز – بأرض زلزلة بعث ذلك الحوت الى ذلك الحوت فإذا رآه اضطرب فتزلزلت الأرض.
وبالرغم من أن هذه الرواية لا تحتاج لاثبات بطلانها الى مزيد توضيح كما في الرواية الأولى ولكننا نذكر أنه لا يعلم أن ((صالح)) الوارد في الرواية من هو؟ لأن عبارة (بعض اصحابه) الواردة في سند هذا الحديث تحكي عن مجهولية رجال السند.
9 – ويروي الشيخ الكليني في روضة الكافي أيضا:
((عنه (علي بن محمد) عن صالح , عن الوشاء , عن كرام , عن عبدالله بن طلحة قال : سألت أبا عبدالله – عليه السلام – عن الوزغ فقال : رجس وهو مسخ كله! فاذا قتلته فاغتسل . فقال : إن أبي كان قاعدا في الحجرة ومعه رجل يحدثه فاذا هو بوزغ يولول بلسانه , فقال أبي للرجل : أتدري ما يقول هذا الوزغ ؟ قال : لا علّمني بما يقول : قال : فإنه يقول : والله لئن ذكرتم عثمان بشتيمة لاشتمن علياً حتى يقوم هيهنا ! قال : وقال أبي : ليس يموت من بني أمية ميت إلا مسخ وزغا... الحديث!
وفي سند هذه الرواية نقرأ اسم ((كرّام)) الذي هو ((عبدالكريم بن عمرو)) الذي يقول عنه النجاشي في كتابه أنه واقفي المذهب ((رغم أن المامقاني يدافع عنه)) والراوي الآخر هو ((عبدالله بن طلحه)) الذي يقول عنه المامقاني : لم نقف فيه على مدح.
واما متن الرواية فيدل على أن الوزغ ناصبي ومعادٍ لاميرالمؤمنين ولكن كيف نال هذا الحيوان هذه الدرجة من الادراك لعقائد الناس بحيث يتدخل في المسائل التاريخية ويجادل في قضية خلافة عثمان بن عفان ويدافع عنه ؟ألا ينبغي أن تكون هذه الرواية مصدر استغراب وتعجب لدى العقلاء؟ ولكن اذا تقرر أن يكون الحمار راويا ومحدثا فلا بأس بأن يكون الوزغ مؤرخا ومتكلما أيضا.
ويا ليت المسأله انتهت عند الوزغ فحسب . فالروايات امتدت في تعميق هذه الخرافة في أوساط الشيعة أن العصفور مثلامن المخالفين ومن أهل السنة والقبّرة من الشيعة , بل ورد في الروايات أن صنفاً واحداً من الحيوانات والطيور قد يكون فيه الشيعي والسني , من قبيل ما ورد أن الامام الصادق (ع) كان يتحدث مع اصحابه إذ نزلت عصافير على مقربة منه فناولها الامام بعض الحب وفتات الخبز , وبعد هنيئة حطت عصافير اخرى في ذلك المكان فما كان من الامام الا أن انتهرها وزجرها فطارت, ولما سئل عن سبب ذلك قال بأن العصافير الاولى كانت موالية لنا والطائفة الثانية كانت موالية لغيرنا!!
ومن هنا سرت الخرافة الى عقول الشيعة حتى أن بعض الفضلاء كان يحدثني في الطريق بين قم وطهران عن أحد العلماء المعاصرين وكان يثني عليه أنه شديد الولاية لأهل البيت (ع) , ومن جملة افكاره الولائية ومعتقداته الشيعية أنه كان يرى أن هذه الصحراء (وأشار بيده الى الصحراء بين قم وطهران) هي سنّية في الاصل ولهذا فهي مجدبة وقاحلة , بينما الجبال الواقعة في شمال ايران شيعية ولذلك أصبحت خضراء يانعة مليئة بالغابات والمناطق الجميلة!!
أقول : اذا كان هذا هو حال العلماء فكيف بالعوام؟!
10 – ويروي الشيخ الكليني في اصول الكافي في باب ((مجالسة أهل المعاصي)) رواية لا اشكال في سندها ظاهرا ولكن متنها لا ينسجم مع آيات القرآن الكريم فلابد من القول ببطلانها وخاصةٍ أن بعض الاعلام استند عليها في مقام الاستدلال , وهذه الرواية هي :
((محمد بن يحيى , عن محمد بن الحسين , عن أحمد بن محمد بن أبي نصر , عن داوود بن سرحان , عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فاظهروا البراءة منهم واكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس ولايتعلموا من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة. ))
لا شك أن أهل البدع يستحقون الذم واللوم والتقريع , ولكن لا سبيل الى البهتان والاتهام لأن ذلك حرام شرعا وعقلا , حيث يقول القرآن الكريم : ((ولا يجر منكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا)) المائدة – 8
وثانيا : أن العقل يحكم بأن اتهام اهل البدع وبهتانهم لا يعود بنتيجة حسنة على المؤمنين لأنه من المحتمل أن يأتي يوم ويفتضح امر هذا البهتان أمام الناس ويؤدي الى فضيحة قائله وكذبه وبالتالي انعدام الثقة به بين الناس , وهذا يعود على أهل الحق بالضرر اكثر من أهل البدعة . مضافا الى أن سب المخالفين والمبتدعين يؤدي الى تجرئهم على أهل الحق وشتمهم للمقدسات أيضا حيث يقول القرآن الكريم في ذلك : ((ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدوا بغير علم)) الانعام , 108
والجدير بالذكر أن بعض شراح الكافي فسروا عبارة ((باهتوهم)) الواردة في هذه الرواية بقولهم : أي اجعلوا أهل البدع حيارى بقوة البرهان والدليل ولكن هذا المعنى لا يتناغم مع مفاهيم المفردات العربية , لانه رغم أن الفعل الثلاثي المجرد ((بهت)) بمعنى دهش وسكت متحيرا , ولكن هذا الفعل هو من باب ((مفاعلة)) وقد جاء بصورة ((باهته)) بمعنى حيّرة وأدهشه بما يفترى عليه من الكذب . أجل , فلا يمكن الدفاع عن المقدسات والدين الالهي بأدوات الكذب والدجل والبهتان لأهل البدع وتوقع الثواب من الله تعالى , بل يكون الدفاع بالبرهان والدليل فان ((الغايات لا تبرر الوسائط)).
11 – ويروي الكليني في الكافي ج2, حديثاً عن أميرالمؤمنين (ع) أنه قال:
((والذي بعث محمداً (ص) نبياً بالحق وأكرم أهل بيته ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو افلات دابة من صاحبها أو ضالة أو آبق الا وهو في القرآن , فمن أراد ذلك فليسألني عنه , قال : فقام اليه رجل فقال : يا أميرالمؤمنين أخبرني عما يؤمن من الحرق والغرق؟ فقال: إقرأ هذه الآيات ((ألله الذي أنزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)) ((وما قدروا الله حق قدره – الى قوله – سبحانه وتعالى عما يشركون)) فمن قرأها فقد أمن الحرق والغرق – قال : فقرأها رجل واخطر من النار في بيوت جيرانه وبيته وسطها فلم يصبه شيء – ثم قام له رجل آخر فقال : يا أميرالمؤمنين إن دابتي استصعبت عليّ وأنا منها على وجل فقال: إقرأ في اذنها اليمنى ((وله أسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها واليه ترجعون)) فقرأها فذلت له دابته – وقام اليه رجل آخر فقال : يا أميرالمؤمنين إن أرضي مسبعة وإن السباع تغشى منزلي ولا تجوز حتى تأخذ فريستها فقال : إقرأ ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم . فان تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)) فقرأها الرجل فاجتنبته السباع . ثم قام اليه آخر فقال : يا أميرالمؤمنين إن في بطني ماء أصفر فهل من شفاء؟ فقال: نعم بلا درهم ولا دينار ولكن اكتب على بطنك آية الكرسي وتغسلها وتشربها وتجعلها ذخيرة في بطنك فتبرأ باذن الله عزوجل ففعل الرجل فبرأ باذن الله – ثم قام اليه آخر فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن الضالة فقال : أقرأ يس في ركعتين وقل: يا هادي الضالة رد عليّ ضالتي – ففعل فردّ الله عزّوجلّ عليه ضالّته – ثمّ قام إليه آخر فقال : يا أميرالمؤمنين أخبرني عن الآبق فقال : اقرأ ((أو كظلمات في بحر لجيّ يغشاه موج من فوقه موج – إلى قوله - : ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور فقالها الرجل فرجع اليه الابق ـ ثم قام اليه آخر فقال : يا أميرالمؤمنين أخبرني عن السرق فإنه لا يزال قد يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلا؟ فقال له ؟ اقرأ إذا أويت الى فراشك قل ادعوا الله أو ادعوا الرّحمن أيّاما تدعوا ـ إلى قوله : وكبّره تكبيرا ثم قال أميرالمؤمنين (ع) من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية ((إنّ ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش ـ إلى قوله : ـ تبارك الله رب العالمين حرسته الملائكة وتباعدت عنه الشياطين قال : فمضى الرّجل فاذا هو بقرية خراب فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية فتغشاه الشيطان وإذا هو آخذ بخطمه فقال له صاحبه : أنظره واستيقط الرّجل فقرأ الآية فقال الشيطان لصاحبه : أرغم الله أنفك أحرسه الآن حتى يصبح , فلمّا أصبح رجع الى أميرالمؤمنين (ع) فأخبره وقال له : رأيت في كلامك الشفاء والصدق , ومضى بعد طلوع الشمس فاذا هو بأثر شعر الشيطان مجتمعا في الارض ))
هذا الحديث الى درجة من وضوح البطلان والزيف بحيث لا حاجة الى البحث في سنده (وان كان سنده لا يخلو من قوة لدى أصحاب الرجال سوى أن محمد بن يحيى يروي عن الضعاف) . وفي اعتقادي أن أحد الاسباب المهمة لتخلف المسلمين هو وجود مثل هذه الروايات الخرافية التي كرّست في المسلمين روح التواكل والكسل والتمسك بالقضايا الغيبية لحل المشاكل الفردية والاجتماعية التي يواجهها الانسان في حركة الحياة والواقع , فبدلا من البحث العلمي لاكتشاف المرض ومعالجته بالطرق العلمية يتمسك المسلم بهذه الرواية لعلاج وجع البطن وما عليه الا أن يقرأ آية معينة حتى يشفى بدون أن ينفق في ذلك درهما أو دينارا كما تقول الرواية , وإن لم تؤثر قراءة الآية في شفائه كما هو المتوقع , فهو من قضاء الله وقدره وبسبب ذنوب الانسان واعماله!! ثم إن مثل هذه الروايات تستبطن إهانة كبيرة للقرآن الكريم وتؤدي الى ابتعاد الناس عنه بعد أن يرون عدم تأثير هذه الآيات في نيل مرادهم والحصول على مقصودهم .
والسؤال الذي يطرح نفسه هو أن هذه الرواية تقرر نتيجة العمل بكل ما ورد فيها من تفاصيل وكأن الراوي قد صحب كل واحد من هؤلاء الرجال وبقي عنده أشهر أو سنوات وبان له تأثير قراءة هذه الآيات في دفع الشر والمرض عنهم لا سيما وأن بعض هؤلاء الرجال كان قد قدم على أميرالمؤمنين (ع) من منطقة صحراوية بعيدة كما يظهر من قوله ((يا أميرالمؤمنين إن أرضي أرض مسبعة.. )) ومعرفة تأثير قراءة الآية لا يتحقق بيوم أو يومين لأن الرواية لم تقل أن السبع كان يأتيه في كل يوم والا لنفذ ما عنده من أنعام ودجاج , وهكذا في الرجل الذي لم يحترق بيته حيث يستلزم أن الراوي ذهب الى تلك المنطقة – وبقي هناك مدة طويلة لأن من غير الطبيعي أن يحدث الحريق غداة ذلك اليوم الذي سأل فيه ذلك الرجل أميرالمؤمنين (ع) عن آية تؤمنه من الحرق وكأنه كان يعلم بوقوع الحريق بعد يوم أو أيام قلائل في محلته !! وتتضاعف المهزلة عندما تحدث الراوي عن الرجل الذي ذهب لوحده الى قرية خراب فبات فيها ولم يقرأ هذه الآية فتغشاه الشيطان ثم قرأها فحرسه الشيطان ولكن كيف سمع الرجل أو الراوي صوت الشيطان وهو يتحدث مع صاحبه ؟ وكيف يؤمر الشيطان بحراسة الرجل مع أن أميرالمؤنين (ع) يقول في الرواية (وتباعدت عنه الشياطين) ؟ وكيف يرى أثر شعر الشيطان على الأرض (على فرض أن الشيطان له شعر) والقرآن الكريم يصرح بعدم امكان رؤية الناس له إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونه ولماذا سقط شعر الشيطان على الأرض ؟! فذلك ما لم يذكره لنا الراوي لهذه الرواية ..
12 – ونقرأ ما أورده الكليني في كتابه ((الكافي)) من روايات عجيبة وغريبة في علم الأئمة وأنهم يعلمون بما كان وبما يكون الى يوم القيامة وأن عندهم علوم الأنبياء جميعا وأن عندهم الصحيفة والجفر وما الى ذلك , وعلى سبيل المثال ما ذكره في باب ((أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والاوصياء الذين من قبلهم )) الحديث 1: قال : ((.. عن عبدالله بن جندب أنه كتب اليه الرضا (ع): أما بعد فان محمداً (ص) كان أمين الله في خلقه فلمّا قبض (ص) كنا أهل البيت ورثته , فنحن أمناء الله في أرضه , عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الاسلام وإنا لنعرف الرجل اذا رأيناه بحقيقة الايمان وحقيقة النفاق وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم , أخذ الله علينا وعليهم الميثاق , يردون موردنا ويدخلون مدخلنا , ليس على ملّة الاسلام غيرنا وغيرهم , نحن النجباء النجاة ونحن افراط الانبياء ونحن أبناء الاوصياء ونحن المخصوصون في كتاب الله عزوجل ونحن أولى الناس بكتاب الله ونحن أولى الناس برسول الله (ص) ونحن الذين شرع الله لنا دينه فقال في كتابه : ((شرع لكم (يا آل محمد) من الدين ما وصى به نوحا (قد وصّانا بما وصّى به نوحا) والذي أوحينا إليك (يا محمد) وما وصّينا به ابراهيم وموسى وعيسى (فقد علّمنا وبلّغنا علم ما علّمنا واستودعنا علمهم , نحن ورثة اولى العزم من الرّسل) أن أقيموا الدين (يا آل محمد) ولا تتفرّقوا فيه (وكونوا على جماعة) كبر على المشركين (من اشرك بولاية علي) ما تدعوهم اليه (من ولاية علي) إن الله (يا محمد) يهدي إليه من ينيب)) من يجيبك الى ولاية علي (ع) .
وفي هذا المجال أيضا يروي الكليني حديثا آخر في باب : فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة (الحديث:1) قال الراوي (أبو بصير) : ((دخلت على أبي عبدالله (ع) فقلت له : جعلت فداك إني أسالك عن مسألة ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال : فرفع أبوعبدالله (ع9 سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال يا أبا محمد : سل عمّا بدالك, قال : قلت : جعلت فداك ان شيعتك يتحدثون أن رسول الله (ص) علّم عليّا (ع) بابا يفتح له منه ألف باب؟ قال : فقال : يا أبا محمد : علّم رسول الله (ص) عليا (ع) ألف باب يفتح من كل باب ألف باب قال : قلت : هذا والله العلم , قال : فنكت ساعة في الارض ثم قال : إنه لعلم وما هو بذاك قال : ثم قال : يا أبامحمد , وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال : قلت : جعلت فداك وما الجامعة , قال : صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله (ص) وإملائه من فلق فيه وخط عليّ بيمينه , فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس اليه حتى الأرش في الخدش وضرب بيده اليّ وقال : تأذن لي يا أبامحمد؟ قال : قلت: جعلت فداك انما أنا لك فاصنع ما شئت , قال : فغمزني بيده وقال : حتى أرش هذا, قال : قلت : هذا والله العلم ! قال : إنه لعلم وليس بذاك , ثم سكت ساعة , ثم قال : وإن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت : وما الجفر ؟ قال : وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني اسرائيل , قال : قلت : إن هذا هو العلم , قال : إنه لعلم وليس بذاك , ثم سكت ساعة ثم قال : وإن عندنا لمصحف فاطمة (ع) وما يدريهم ما مصحف فاطمة (ع) قال : قلت: وما مصحف فاطمة (ع) قال : مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد , قال : قلت : هذا والله العلم , قال: إنه لعلم وما هو بذاك , ثم سكت ساعة ثم قال : إن عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن الى أن تقوم الساعة , قال : قلت : جعلت فداك هذا والله هو العلم , قال : إنه لعلم وليس بذاك , قال : قلت : جعلت فداك فأي شيء العلم ؟ قال : ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء الى يوم القيامة))
لا ندخل في مناقشة رجال السند في روايات هذا الباب لاختلاف العلماء في وثاقة أو ضعف الرواة في كل واحدة منها فبينما يرى المجلسي في مرأة العقول صحة هاتين الروايتين , يرى البهبودي عدم صحة جميع روايات هذين البابين , ولكن المشكلة ليست في السند. بل لما تتضمنه هذه الروايات من دجل وافتراء ومعارضة للقرآن الكريم والعقل السليم . بل معارضة للروايات التي أوردها الكليني نفسه بعد عدة صفحات من كتابه المذكور في باب ((لولا أن الأئمة (ع) يزدادون لنفذ ما عندهم)) وعلى سبيل المثال يروي الكليني في هذا الباب عن صفوان بن يحيى قال : ((سمعت أبا الحسن (ع) يقول : كان جعفر بن محمد (ع) يقول : لو لا أنا نزداد لأنفدنا))
ويروي أيضا عن المفضل عن أبي عبدالله (ع) قال : ((ما من ليلة جمعة الأ ولأولياء الله فيها سرور .قلت : كيف ذلك جعلت فداك؟ قال : اذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله (ص) العرض ووافى الأئمة (ع) ووافيت معهم فما أرجع الا بعلم مستفاد ولولا ذلك لنفد ما عندي))
نلاحظ هنا أن الكليني نسي ما ذكره قبل صفحات من علم الأئمة بما كان وما يكون الى يوم القيامة وأنهم ورثة النبيين والأوصياء جميعا ليقرر بعدها أن علم الامام عرض للزوال في كل أسبوع!! ولو لم يسافر الى العرش ويسترفد من العلوم والمعارف الغيبية لنفد ما عنده . فلسائل أن يسأل : اذن أين الجفر ومصحف فاطمة الذي فيه ثلاثة أضعاف القرآن الكريم والذي تدعي رواية الكافي أنه موجود عند الأئمة؟! وما هي حقيقة هذا العلم الذي ينفد في كل أسبوع مرة ونحن نرى أن علماء الاسلام وجميع علماء الارض لا يحتاجون في بقاء علومهم الى الصعود الى العرش للتزود منه ولم نسمع من أحدهم أن علمه قد نفد لمدة اسبوع! هذا أولا...
وثانياً: إن مثل هذه الروايات تخالف صريح القرآن الكريم . مثلا نقرأ في الرواية الاولى أن الرضا (ع) يقول (وفي الحقيقة أن الراوي الكذاب يقول ذلك وينسبه الى الامام الرضا (ع) ): ((عندنا علم البلايا والمنايا)) وهذا المعنى يخالف قوله تعالى: ((وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت))
وتقول الرواية : ((وإنا لنعرف الرجل اذا رأيناه بحقيقة الايمان وحقيقة النفاق)) وهو خلاف قوله تعالى : ((وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم)) فهل يعقل أن الله تعالى قد حجب عن رسوله العلم بمن حوله من المنافقين ورزق هذا العلم لذريته!؟
وتقول الرواية : ((ونحن المخصوصون في كتاب الله)) والله تعالى يقول في موارد عديدة من كتابه الكريم أن هذا القرآن ((بيان للناس)) ((هدى للناس)) ((وما أرسلناك الا كافة للناس)) ولم يقل للأئمة خاصة!!
ثالثاً: إن الرواية المذكرة ولغرض دعم وجهة النظر السابقة في تخصيص القرآن بأهل البيت , استدلت بالآية (13) من سورة الشورى موحية بنوع من التحريف المعنوي , وهي قوله تعالى : ((شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا.. )) على أساس أن قوله ((شرع لكم)) خطاب للأئمة من أهل البيت (ع) كما تنص الرواية المذكورة , فاذا علما أن سورة الشورى مكية وقد نزلت في وقت لم يتزوج فيه الامام علي (ع) من فاطمة الزهراء (ع) ولم يكن هدف القرآن حينذاك تقرير مسألة الامامة والولاية للامام علي (ع) ليكون المراد من المشركين في الآية الشريفة هم المشركون بولاية أهل البيت (ع) بل المشركون في مكة الذين كانوا على خلاف مع رسول الله (ص) في مسألة الوحي لا الامامة . حنيئذ نعلم جيدا زيف هذه الرواية وأن غرض الراوي الكذاب لم يكن سوى إلهاء الناس عن الرجوع الى القرآن وصرفهم عن المصدر الاساس للوحي والدين الى أجواء الروايات التي يكثر فيها الدجل والخرافة وبالتالي يتمكن الغلاة وقوى الانحراف من تأويل آيات القرآن الكريم حسب مشتهياتهم والتلاعب بعقول المسلمين والشيعة خاصة ونسبة هذه الأقاويل والاكاذيب الى الائمة (ع) !!
ثم تستمر الرواية بالقول ((ولا تتفرقوا فيه (وكونوا على جماعة)) كبر على المشركين (من أشرك بولاية علي) ما تدعوهم اليه (من ولاية علي) .. )) فاذا علمنا أن الأئمة من أهل البيت كانوا يمارسون الامامة واحدا بعد الآخر فما معنى هذه التوصية لهم بعدم التفرق والكون على جماعة؟ ومتى كان النبي (ص) وهو في مكة يدعو الناس الى ولاية علي بن ابي طالب (ع) وهم لم يؤمنوا بعد برسالته ونبوته؟!
ثم إن الرواية تقرر مبدأ الجبر الباطل بالضرورة لدى جميع العلماء حيث تقول ((وإن شيعتنا لمكتوبون باسمائهم وأسماء آبائهم أخذ الله علينا وعليهم الميثاق.. ليس على ملة الاسلام غيرنا وغيرهم! )) فجميع المسلمين كفار ومرتدين ما عدا الشيعة !! كما تقرره هذه الرواية المزيفة.
رابعا: نصل الى فقرة غريبة اخرى من روايات هذا الباب , وهي أن الأئمة ((ورثة)) النبي أو الوحي, وهنا يحق لنا أن نتساءل عن المراد من ((الارث)) في هذا المورد وهل يعقل أن يرث انسان العلم من غيره؟! لقد وردت هذه المفردة في القرآن الكريم تارة بمعنى إرث الاموال ((الآية 233 من سورة البقرة)) وهو غير مقصود الرواية قطعا, واخرى وردت في مورد أهل الجنة الذين يرثون الفردوس (كالآية 43 من سور الأعراف و105 من سورة الانبياء) وثالثة في مورد زوال قوم من البشر ومجيئ قوم آخرين مكانهم كما في وراثة بني اسرائيل أرض فلسطين (الاعراف : 137) لأن الارض لله يورثها من يشاء من عباده (الاعراف : 128) , ورابعة في مورد الملك (كما في الآية 16 من سورة النمل) حيث تقول الآية ((وورث سليمان داود.. )) وكان السائد في الحكومات الملكية أن منصب الملك ينتقل بعد وفاة الأب الى ابنه . ويحتمل أيضا أن يكون المراد وراثة مقام النبوة حيث إن داود وسليمان من الأنبياء . فاذا علمنا أن جميع هذه الموارد لا تعقل بالنسبة الى ميراث الأئمة من النبي الاكرم (ص) حيث لا نبي بعده , ولم يكن ملكا فيرثه ذريته وليس مقصود الرواية ميراث الأرض أو الجنة , اذن فما معنى كون الائمة هم ورثة النبي (ص) وجميع الأنبياء؟! وما معنى أن النبي (ص) ورث علم الانبياء السابقين ثم أورثه ذريته والحال أن الفاصلة بينه وبين اولئك الانبياء تبلغ مئات السنين ولم يكن نبينا الكريم من ذرية انبياء بني اسرائيل , ولم يكن يعلم شيئا من علومهم قبل سن الاربعين , وبعد أن نزل عليه الوحي استغنى به عن وراثة العلم؟! ثم كيف يرث الامام علي (ع) علوم النبي (ص) وهو ابن عمه وليس من ذريته , بل هو القائل بأن علمه بتعليم النبي (ص) ((علمي رسول الله الف باب من العلم يفتح لي من كل باب الف باب)) وليس عن طريق الميراث؟ نعم اذا كان المراد من ميراث العلم وراثة القابلية الذهنية والاستعداد النفسي أو وراثة الكتب التي فيها العلوم النبوية فهو أمر معقول . الا أنه لا يختص بالائمة فقد يوجد الكثير من الناس ممن يتمتعون بهذه القابلية.
أما الكتب فنعلم أن رسول الله لم يخلف كتابا سوى القرآن , وكذلك يرد الاشكال في كيفية توريث ابن العم (علي بن ابيطالب) هذه القابلية والذكاء. أو في كيفية وراثة الأئمة علوم الانبياء جميعا وبين الطائفتين (الانبياء والأئمة) مئات السنين مع العلم بانهم (الائمة ) ليسوا من ذراري الانبياء؟ فان كان العلم المذكور مجرد الهام الالهي للائمة كما تصرح به بعض روايات الكافي (باب 201 أن الائمة اذا شاؤوا أن يعلموا علموا , وأنهم يزدادون كل ليلة جمعة) فما الحاجة بعد ذلك الى وراثة العلم من الانبياء والاوصياء السابقين؟ وما حاجة النبي (ص) مع وجود الوحي الى علوم الانبياء عن طريق الميراث ولا سيما أن الروايتين (3) و (4) من هذا الباب تصرحان بأن نبينا الكريم (ص) قد ورث سليمان وان سليمان ورث داود (إن سليمان ورث داود وإن محمدا ورث سليمان وإنا ورثنا محمداً)؟
وتستمر روايات الكافي في استغراق مثل هذه الخرافات والاكاذيب حتى أنها تصرح (في الباب 95 ما عند الائمة من آيات الانبياء عليهم السلام) بأنهم ورثوا عصا موسى وأنها تنطق اذا استنطقت وقد أعدت للقائم (ع) يصنع بها ما كان يصنع موسى وكذلك ألواح موسى وخاتم سليمان وحجر موسى الذي كان يضربه فينبع منه الماء وقميص يوسف الذي كان لابراهيم (ع) عندما القي في النار فلم يصبه اذى ببركة هذا القميص الذي أتى به جبرئيل من الجنة .. الى غير ذلك من الخزعبلات التي أوردها رواة الشيعة الكذابون لاخفاء هالة موهومة من عنصر الغيب على الائمة (ع) والحال أن كل عاقل يفهم أن عصا موسى أو قميص يوسف وخاتم سليمان وامثالها لم تكن تحوي عناصر القوة والاعجاز لدى الانبياء بل إن الله أجرى المعجزة للانبياء بواسطتها حيث يقول تعالى : ((قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم)) الانبياء : 69.
وليس لقميص ابراهيم دخل في حمايته من النار . وهكذا الحال في عصا موسى وخاتم سليمان ولكن القصاصين والدجالين أبوا ألا أن ينسجوا حول هذه الادوات والملابس قصصا وأساطير ليوحوا الى أوليائهم أن الائمة يتمتعون بعلوم غريبة وقدرات خارقة لا تتيسر لأحد من البشر!!
خامساً: أما الرواية الثانية وكذلك روايات هذا الباب (الباب 98 وفيه 8 روايات) الذي يتضمن ذكر الجفر والجامعة ومصحف فاطمة (ع) فانها تدل بوضوح تام على عدم انحصار الوحي بالنبي الاكرم (ص) وتتناقض مع خاتمية الرسالة حيث نقرأ فيها أن جبرئيل كان يحدث فاطمة بعد وفاة النبي (ص) وكان الامام علي (ع) يملي احاديث جبرئيل هذه , أو أن الائمة محدثون بواسطة الملائكة في حين أن الامام علي نفسه يقول في نهج البلاغة وهي ينعى رسول الله (( لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء وأخبار السماء)) فان لم يكن مصحف فاطمة يتناول أخبار السماء والغيب بل أحكام الشريعة والدين – كما رجحه بعض الفقهاء والاعلام – فكان الاجدر بفاطمة أن تأخذها من أبيها في حال حياته وحينئذ فلا معنى لنزول جبرئيل عليها بعد وفاء ابيها ليملي عليها كتابا أكبر من القرآن بثلاث مرات ...
ثم ما معنى أن لا يكون في هذا المصحف ولا كلمة من كلمات القرآن كما تقول الرواية ؟ الا يوجد فيه ذكر لكلمة : الله . العدل . الظلم , السماء, الماء, الخير , الشر وامثال ذلك من الكلمات الموجودة كلها في القرآن الكريم؟!
والمشكلة الاخرى التي تواجه هذه الرواية هي أنها تقرر أن علوم الائمة مقتبسة من هذه الكتب , بل نقرأ في كتاب المواريث (فروع الكافي , ج 7 , ص 3) أن زرارة يسأل الامام الباقر (ع) عن سهم الارث للجد , فيطلب منه الامام أن يمهله الى غد ليقرأ هذا الحكم الشرعي من كتاب له : ((قال (ع): اذا كان غدا فالقني حتى اقرئك في كتاب قلت : أصلحك الله , حدثني فان حديثك أحب اليّ من أن تقرئينه في كتاب فقال لي الثانية : اسمع ما أقول لك , اذا كان غدا فالقني حتى اقرأه في كتاب)).
فهنا نرى أن الامام الباقر (ع) يصر على أن يقرأ الحكم الشرعي في كتاب له , وهذا المعنى يتعارض مع ما ذكره الكليني من روايات عديدة في الكافي من أن الائمة محدثون ملهمون وأن علمهم لدنّي يأخذونه كل ليلة جمعة من العرش أو من الهام الملائكة كما مر علينا في الروايات آنفاً!!
ثم إن الرواية تقول إن الامام مضافا الى ما لديه من الجعفر ومصحف فاطمة وما ورثه من علوم الانبياء والوصيين , أنه يعلم بما كان وما يكون الى يوم القيامة!! وهذا هو علم الغيب الذي استأثر به الله تعالى لنفسه ونفاه أهل البيت (ع) عن انفسهم في روايات عديدة يرويها الكليني نفسه في كتابه الكافي (ج1) في باب (نادر فيه ذكر الغيب) حيث ينتقل في الحديث (3) عن سدير أنه قال : ((كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبدالله (ع) اذا خرج الينا وهو مغضب فلما أخذ مجلسه قال : يا عجبا لأقوام يزعمون أنا نعلم الغيب . ما يعلم الغيب الا الله عزوجل لقد هممت بضرب جاريتي فلانة , فهربت مني فما علمت في أي بيوت الدار هي؟..))
فكيف يعقل أن يعلم الامام بما كان وما يكون الى يوم القيامة ولا يعلم مكان الجارية في الدار؟ بل إن الراوي للرواية محل البحث يكذب نفسه بنفسه , فعندما يسأل الامام : هل هاهنا أحد يسمع كلامي؟ فيقوم الامام برفع الستار بينه وبين الغرفة المجاورة ليرى هل هناك شخص آخر يسمع كلامهما: ((فرفع أبوعبدالله سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال : سل.. )) وتستمر الرواية هذه لتقول : إن الامام يعلم ما يحدث بالليل والنهار الأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء الى يوم القيامة!! فكيف يحيط الشخص بكل هذا العلم الواسع وهو لا يعلم ماذا وراء الستر الى جانبه؟!.
ثم هل أن وصل علم الأئمة الى مراتب عظيمة بحيث فاق علم رسول الله (ص) الذي يقول عنه القرآن الكريم: ((وما ادري ما يفعل بي ولا بكم)) ((و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير)) ((ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان))
وفي مقطع من الرواية المذكورة أن ((الجامعة)) عبارة عن صحيفة فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج اليه الناس حتى الارض في الخدش وغمز الامام الراوي بيده وقال : حتى إرش هذا !! ويحق لنا أن نتسائل عن دية هذه الغمزة الخفيفة ما مقدارها؟ وأين هي في أحكام الشريعة؟ ولماذا لم يذكر الامام مقدارها؟ فاذا لم يذكر مقدارها إذن فما فائدة وجودها في الصحيفة المذكورة للامّة الاسلامية؟!
سادساً : وجاء في مقطع آخر من الرواية محل البحث أن الامام قال بأن لديه مصحف فاطمة وهو ثلاثة أضعاف القرآن وليس فيه حرف واحد من القرآن , ولكن الكليني نفسه الذي ينقل هذه الخرافات في كتابه الكافي , ينقل رواية أخرى في روضة الكافي عن ((أبي بصير)) من أصحاب الامام الصادق (ع) يقول فيها: ((... ثم أتى الوحي الى النبي (ص) فقال : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين بولاية علي ليس له دافع من الله ذي المعارج)). قال : قلت : جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا . فقال (ع) : هكذا والله نزل بها جبرئيل علي محمد (ص) , وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة))!! وأنت ترى أن هؤلاء الدجالين والرواة الكذابين يقررون تارة أن مصحف فاطمة ليس فيه شيء من كتاب الله , واخرى يوردون سورة المعارج بعد أن يدسوا فيها سمومهم ويدعون أنها موجودة في مصحفة فاطمة!!
وفي آخر الرواية نقرأ أن الامام يعلم بما كان وما يكون الى يوم القيامة , ثم يقول إن ذلك ليس بعلم , وعندما يسأله الراوي عن العلم أي شيء هو ؟ يقول : ((ما يحدث بالليل والنهار الامر بعد الأمر والشيء بعد الشيء الى يوم القيامة)) ونتساءل : ما الفرق بين هذا العلم وبين العلم بما كان وبما يكون الى يوم القيامة؟ من الواضح أنه لا فرق بينهما البته. ومن البديهي أيضا أن الامام (ع) لم يقل مثل هذا الكلام اطلاقاً , ولكن الراوي فضح نفسه بنفسه عندما أراد أن يثبت علوماً مختلفة وغريبة للامام.
والشيء الآخر عن مصحف فاطمة العجيب أن الامام يقول عنه في الرواية الثانية التي يرويها الكليني في هذا الباب : ((إن الله تعالى لما قبض نبيه (ص) دخل على فاطمة (ع) من وفاته الحزن ما لا يعلمه الا الله عزوجل فأرسل الله اليها ملكا يسلّي غمّها ويحّدثها , فشكت ذلك الى أميرالمؤمنين (ع) فقال : اذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي , فأعلمته بذلك فجعل أميرالمؤمنين (ع) يكتب كما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا , قال : ثم قال : أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه ما يكون)) وهنا نتساءل: اذا كان الملك يحدث فاطمة بما سيكون بعدها , ومن هذه الاخبار ما سيجري على ذريتها من المصائب والمحن كما تصرح الرواية الخامسة من هذا الباب من أن جبرئيل كان يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها وكان علي يكتب ذلك . فهذا مصحف فاطمة – فهل يعقل أن يسلّي جبرئيل فاطمة (ع) بأن يذكر لها مصائب الحسين وزينب وما سيجري عليهم في كربلاء من القتل والأسر والسبي كل ذلك للتخفيف عن آلامها بمصاب أبيها (ص)؟!
هل ترتاح فاطمة لخبر مقتل ابنها الحسن (ع) بالسم ورمي جنازته بالسهام؟!
ثم اذا كان جبرئيل يأتيها لتسليها فلماذا تشكوه الى أميرالمؤمنين (ع) كما تقول الرواية ((فشكت ذلك الى أميرالمؤمنين))؟ واذا كان الامام علي (ع) يسمع صوت الملك ويكتب ما يقول فلماذا طلب من فاطمة أن تخبره بوقت مجيئه؟
ثم ألم يرد في المتواتر من الروايات أن جبرئيل ملك الوحي لم ينزل على أحد بعد رسول الله (ص) , فكيف نزل على فاطمة؟ ولماذا لم ينزل على أمير المؤمنين (ع) وهو أفضل من فاطمة وأجدر ان يعلم بما سيجري على الامة من بعد رسول الله (ص) لموقع الامامة؟ واذا كان يعلم بذلك من رسول الله (ص) فلماذا أخذ يكتب ما يقوله جبرئيل لفاطمة ؟ ولماذا طلب منها أن تخبره بوقت مجيئه ليسمع ما يقول الملك لها ؟ وهل يعقل أن يتضمن هذا الكتاب أو المصحف كل ما سيجري على الامة الاسلامية بعد وفاة الرسول (ص) كما تصرح الرواية الثامنة في هذا الباب : ((قال (ع) : كنت أنظر في كتاب فاطمة (ع) ليس من ملك يملك (الارض) الا وهو مكتوب فيه باسمه واسم ابيه وما وجدت لولد الحسن فيه شيئا)) . أم إنه من وضع دجالين الشيعة الذي كانوا يستخدمون سلاح الروايات في صراعهم مع ابناء الحسن (ع) والزيدية والمعتزلة الذين كانوا يدعون الناس الى اشخاص آخرين غير الأئمة (كمحمد بن عبد الله كما تقول الرواية السابعة من هذا الباب)؟
ومع غض النظر عن كل ذلك تثار هنا علامة استفهام اخرى جديرة بالتأمل وهي أن الأئمة لماذا لم يضعوا هذه الكتب المفيدة التي فيها الحلال والحرام بأيدي أصحابهم ليستنسخوا منها ما يحتاجون اليه وما تحتاج اليه الأمة من احكام الحلال والحرام كما وضع ائمة المذاهب الاسلامية الاخرى كتبا في الفقه والاصول والتفسير وما الى ذلك ؟ ولماذا هذا الاحتكار لأحكام الشرعية أو لعلوم الانبياء الماضين أو لما سيحدث في المستقبل ؟
لقد كنا نسمع أن أطباء اليهود فما يمضى كان أحدهم يحتكر علم الطب وصناعة الادوية ولا يعلّمه أو يطلع عليه أحد الا ابنه ليحتفظ بهذا الامتياز المهم لنفسه وذريته بين الناس وليبقى الناس محتاجون اليهم .. فهل يعقل أن يكون الامام المعصوم الذي يفترض أن يكون معلما للبشرية وحافظا لدين الله ومظهر الرحمة الالهية في عباده , حاله حال أطباء اليهود في كتمان العلم واحتكار المعرفة؟! الا تمثل هذه الروايات المزيفة إهانة لمقام الامام المعصوم (ع) وتكريسا للخرافة والدجل في أذهان العوام باسم مذهب التشيع؟
13 ـ وينقل الكليني أيضا في كتابه ((الكافي)) ج1 في باب مولد الحسن بن علي (ع) : رواية عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن أبي عبدالله (ع) (الحديث الخامس من هذا الباب) أنه قال : ((إن الحسن (ع) قال : إن لله مدينتين إحداهما بالمشرق والاخرى بالمغرب , عليهما سور من حديد وعلى كل واحد منهما الف ألف مصراع وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبها وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما , وما عليهما حجة غيري وغير الحسين أخي)).
أخي القاريء: هذا هو كتاب الكافي الذي قرأت قبل قليل ثناء علماء الشيعة عليه وعلى مؤلفه بأنه أوثق رجال الشيعة وأعلمهم وأصدقهم وأنه رئيس المحدثين وحافظ الملة . وهذا الحديث الى درجة من وضوح البطلان أن المجلسي الذي فاق الجميع بذكر الخرافات والاكاذيب ينتقد بشدة هذا الحديث في كتابه ((مرآة العقول)) بعد أن أعجزه التأويل والتبرير ويقول عنه : ((هذه الكلمات شبيهة بالخرافات وتصحيح النصوص والآيات لا يحتاج الى ارتكاب هذه التكلفات والله يعلم حقائق الموجودات))
ثم هل يعقل أن يكون لمدينة من المدن بناها البشر سور من حديد فيه مليون باب أو نصف مليون باب (لكل باب مصراعان)؟! وكيف يتكلم هؤلاء بسبعين مليون لغة؟ فعلى فرض أن عدد سكان هذه المدينة سبعون مليون شخص وكل واحد يتكلم لغة لوحده , اذن فكيف يتفاهم مع الآخرين ؟ وما فائدة أن يعلم الامام الحسن (ع) سبعين مليون لغة ويعلم بكل ما في هاتين المدينتين؟ وما فائدة كونه حجة على سكان هاتين المدينتين ولم يأت اليه أحد منهما ليتعلم احكام الدين ولم يبعث الامام احدا من اصحابه لتعليم هؤلاء الملايين من البشر الشيعة أحكام دينهم أو على الاقل جباية الخمس والزكاة منهم؟!
أما سند الرواية ففيه ((يعقوب بن يزيد)) وهو كاتب لأحد أعوان بني العباس يسمى ((أبو دلف)) وقد أكثر من رواية الاحاديث الخرافية , وهو الذي ينقل الرواية المشهورة في ثواب زيارة الحسين (ع) في يوم النصف من شعبان عن الامام الصادق (ع) أنه قال : ((من زار قبر الحسين (ع) في النصف من شعبان غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر))
ويروي عن الامام الصادق (ع) أيضا : ((من زار قبر أبي عبدالله (ع) يوم عاشوراء عارفا بحقه كان كمن زار الله تعالى في عرشه))
فلو قبلنا أن ثواب الزيارة يبلغ درجة من العظم بحيث يغفر الله له جميع ذنوبه المتقدمة , فما بال الذنوب المتأخرة ؟ وكيف يعطي الامام (ع) ضمان لشيعته من العذاب مهما ارتكبوا من الذنوب واجترحوا من السيئات بمجرد زيارتهم لقبر الحسين (ع) يوم النصف من شعبان؟1 وما هو فرق هذه الزيارة مع صكوك الغفران التي ابتدعتها الكنيسة في العصور الوسطى وصارت مضرب المثل في الخرافة والدجل من قبل علماء الاسلام؟
ولا بأس هنا بالاشارة الى هذه الحقيقة المهمة ,وهي أن أهل البيت (ع) طالما اشتكوا من هؤلاء الرواة والاصحاب بما لم يشتكوا من حكام الجور وأعوان الظلمة , فالمظلومية التي تعرض لها أهل البيت (ع) من هؤلاء الشيعة الكذابين والمغالين فاقت كل ظلامة واجهها الائمة (ع) حتى أن الامام موسى بن جعفر (ع) كان يقول:
((لو ميّزت شيعتي لم أجد الا واصفة (أي قول بلا عمل) ولو امتحنتهم لما وجدتهم الا مرتدين , ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد , ولو غربلتهم غربلة لم يبق منهم الا ما كان لي . إنهم طال ما اتكؤوا على الأرائك فقالوا : نحن شيعة علي . إنما شيعة علي من صدّق قوله فعله))
وهكذا نرى أن أكثر الشيعة إنما نسبوا أنفسهم للتشيع بدوافع شخصية وأهواء نفسية فكانوا يطرحون تصوراتهم وعقائدهم من خلال ما ينسبونه الى أهل البيت (ع) من أحاديث موضوعة وروايات محرفة , ولو ألقينا نظرة على كتب الرجال وطالعنا سيرة الرواة وأصحاب الائمة لرأينا العجب العجاب من كثرة الدجالين والغلاة وأهل البدع وأصحاب المطامع الذين اتخذوا من صحبة الائمة ستارا وقناعا يسترون به مطامعهم ونواياهم وبذلك تمكنوا من توجيه ضربات مدمرة للدين والمذهب هذه الطريقة .
والأنكى من ذلك أن علماء الشيعة , الذين عرفوا هؤلاء الرواة والدجالين من خلال تحقيقات أصحاب الرجال والمؤرخين وطعنوا في رواياتهم وكتبهم , لا يمتنعون من نقل هذه الروايات بأسناد هؤلاء الكذابين والوضاعين في كتبهم بحيث أن القاريء الشيعي عندما يجد هذه الرواية في كتاب الشيخ المفيد أو الشيخ الطوسي يتصور أن هذه الرواية معتبرة ويلتزم بمضمونها في حين أن الشيخ المفيد نفسه أو الطوسي يعترف في مكان آخر بضعف سندها أو عدم اعتبار الكتاب الذي أخذ منه هذه الرواية, ومثال ذلك ما نراه من موقف علماء الشيعة من كتاب ((سليم بن قيس)) أو ((تفسير العسكري)) حيث يعترف المحققون منهم بعدم اعتبار هذين الكتابين وعدم الوثوق بأسنادهما , الا أنك ترى أن كتب هؤلاء المحققين لا تخلو من أحاديث مأخوذة من هذين الكتابين!!
14 ـ وقد عقد الكليني بابا في الكافي تحت عنوان ((باب أن الائمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم)) ونقل فيه ستة أحاديث في هذا المجال مشحونة بالافتراء على أهل البيت (ع) ولا اعتبار لها سندا ولا دلالة , ولا يخفى أن العنوان المذكور ((لا يخفى عليهم الشيء)) لم يرد في روايات هذا الباب بل وضعه الكليني من عنده تشبيهاً للأئمة (ع) بما ورد في القرآن الكريم من وصف الله تعالى ((إن الله لا يخفى عليه شيء)) وعلى أية حال نقرأ في الحديث الأول من هذا الباب:
((عن سيف التمار قال : كنا مع أبي عبدالله (ع) جماعة من الشيعة في الحجر فقال : علينا عين ؟ فالتفتنا يمنة ويسيرة فلم نر أحداً فقلنا : ليس علينا عين . فقال : ورب الكعبة ورب البينة – ثلاث مرات – لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما , لأن موسى والخضر أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله (ص) وراثة))
ويقول أيضا في الحديث الثاني عن جماعة من أصحابنا أنهم سمعوا أبا عبدالله (ع) يقول:
((إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وما يكون , قال : ثم مكث هنيئة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه قال : علمت ذلك من كتاب الله عزوجل يقول : فيه تبيان كل شيء))
تقدم بعض الكلام عن علم الامام بما كان وما يكون الى يوم القيامة وأنه عبارة اخرى عن علم الغيب الذي نفاه الائمة (ع) عن أنفسهم لاختصاصه بالذات المقدسة , ولكن في هذا الباب يعود الكليني ليؤكد هذه المقولة الباطلة بعدة روايات اخرى تفوح منها رائحة الكذب وتكاد تزكم الانوف , فهذه الروايات , كما تقدم , مخدوشة سندا ودلالة ...
أما السند: ففي رجاله نرى بعض الرواة الضعفاء المعروفين بالكذب والغلو من قبيل ((ابراهيم بن اسحاق الاحمر)) و((محمد بن سنان)) وغيرهما من الرواة , فالاول ((ابراهيم بن اسحاق الاحمر النهاوندي)) يقول عن الشيخ الطوسي في كتاب الفهرست أنه ضعيف ومتهم في دينه . وقال كل من الغضائري والنجاشي والعلامة الحلي إنه ضعيف. ولكن مع الاسف نرى أن رواياته التي يرويها في باب المزار كثيرة ومسطورة في المصادر الحديثية , مثلا يروي حديثا عن الامام الرضا (ع) أنه قال : ((من زارني على بعد داري ومزاري أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن حتى أخلصه من أهوالها : اذا تطايرت الكتب يمينا وشمالا , وعند الصراط , وعند الميزان )) . وقلنا فيما سبق أن أهل البيت (ع) بعد أن رأوا كثرة الكذبة والدجالين من رواة أحاديثهم أمرونا بعرض أخبارهم على القرآن لأنهم لا يقولون شيئا خلاف قول الله عزوجل في كتابه , فما وافق كتاب الله أخذنا به , وما خالفه ضربنا به عرض الجدار . وهذا الحديث يخالف كتاب الله في العديد من آياته الشريفة حيث يقول تعالى عن يوم القيامة: ((يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله)) .
ويقول : ((أفمن حق عليه العذاب أقانت تنقذ من في النار)) .
ويقول : ((كل نفس بما كسبت رهينة)) .
ويقول عن امرأتي نوح ولوط : ((فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا)) وغير ذلك من الآيات القرآنية التي تكشف عن زيف هذا الحديث الموهوم , ولكن ذهنية العوام من الشيعة تتمسك بأمثال هذه الاحاديث الموهموة باعتبارها صادرة من المعصومين (ع) ويتخذونها عقيدة دينية وكأنها من المسلمات , وهكذا يسري الانحراف في العقيدة الى عقول الناس.
الراوي الآخر هو ((محمد بن سنان)) قال عنه النجاشي في رجاله أنه : ضعيف جداً لا يعول عليه ولا يلتفت الى ما تفرد به , وقال النجاشي بأن الفضل بن شاذان قال : لا أحل لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان.
أما الدلالة: فالحديث الاول يناقض بعضه بعضاً , فكيف يعقل أن يعلم انسان بما كان وما يكون الى يوم القيامة وفي نفس الوقت لا يعلم بما حوله من وجود جاسوس أو عدم وجوده بحيث يسأل من أصحابه : علينا عين ؟ فلما نظر أصحابه يمنة ويسره فلم يروا أحداً صرح بذلك التصريح الخطير؟! هذا أولا..
وثانياً: ليس من المعلوم أن موسى والخضر كانا يعلمان بما كان حتى يقول الامام في هذه الرواية : اعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن , وهناك شواهد من القرآن الكريم على أن موسى لم يدّع هذا الادعاء بل لم يكن يعلم بفتنة السامري لقومه حتى اخبره الله ((فانا قد فتنّا قومك من بعدك وأظلهم السامري))
وبعد أن رجع موسى الى قومه وشاهد انحرافهم غضب كثيرا وأخذ يوبخ اخاه هارون الذي قاله له : ((إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني))
بل إن النبي الاكرم (ص) نفسه لم يكن يعلم بما كان حتى أخبره القرآن والوحي ببعض الحوادث التي جرت على الامم والاقوام السالفة مع انبيائهم (غافر:78)
ثالثا: إن الله تعالى خاطب نبيه الكريم مرارا في القرآن بعبارة ((قل إن أدري)) و ((لا تدري)) و ((ما أدري)) فكيف تدعي الرواية أن رسول الله (ص) كان له علم ما كان وما يكون؟!
رابعاً: إن رسول الله (ص) كثيرا ما يؤخر جواب مسألة حتى ينزل عليه الوحي ويخبره بالجواب فكيف يكون له علم كان وما يكون؟
خامساً : تقدم فيما سبق أنه لا معنى لوراثة العلم الا عند الخرافيين.
سادساً: إن هذا الحديث وأمثاله يوجه إهانة كبيرة للامام المعصوم الذي يتعالى عن الانانيات واشكال الفخر بما أنعم الله عليه , وهل سمعنا أن رسول الله (ص) قد تفاخر يوما بمثل هذه المفاخرة ونسب لنفسه علم ما كان وما يكون الى يوم القيامة مع أنه أحوج ما يكون الى اظهار هذه النعمة ليصدقه الناس ويؤمنوا بنبوته؟ إذن فلماذا يتصدى الامام وبدون سؤال مسبق الى التعريف بنفسه وفضائله رغم صعوبة تصديق الناس له واحتمال حدوث أثر سلبي لذلك حسب ما ورد في الرواية الثانية أن الامام رأى أن هذا الكلام كبر على من سمعه من أصحابه فلجأ الى الاستشهاد بالقرآن الكريم؟!
سابعاً: هل يعقل أن الامام المعصوم يخطيء في قراءة آية من القرآن ولا يعرف تلاوتها مهما كانت قصيرة؟ فنحن نقرأ في الرواية الثانية أن الامام استشهد لكلامه بقول الله عزوجل ((فيه تبيان لكل شيء)) مع أن الآية الصحيحة الواردة في القرآن الكريم هي ((نزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)) ولاتوجد آية في القرآن تقول: ((فيه تبيان لكل شيء))؟!
ثامناً: أين العلم بما كان وما يكون في كتاب الله؟ وهل يوجد في القرآن الكريم مهما توغلنا في باطنه ومعانيه , اسماء جميع أهل الجنة وجميع أهل النار؟ وهل يسع كتاب مهما بلغ حجمه أن يسع في طياته أخبار جميع ما في السموات والارض منذ الازل وحتى آخر الدنيا؟! وأما قول القرآن الكريم من كونه ((تبيانا لكل شيء)) فالقرينة الحالية تقرر أن ((كل شيء)) هنا تتعلق بامور الهداية والتشريع والسير في خط الكمال المعنوي كما نقول عن مائدة أعدت للضيوف أن ((فيها كل شيء)) أي كل شيء يؤكل , فلا يتوقع السامع لهذا الكلام أن يجد في المائدة أدوات النجارة والخياطة وانواع السيارات ووسائل النقل!!






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,546,275,010
- القرن التاسع عشر وإستقلال علم النفس ... المدرسة التجريبية
- الديمقراطية والمعنوية
- قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة
- الايمان, السياسة, الحكومة
- العلم الالهي وحرية الانسان
- في نقد برهان النظم
- تحقيق في اخر اللحظات التي عاشها المسيح
- التقليد والتحقيق في سلوك طلاب الجامعة - د. عبد الكريم سروش
- نظرة عامة في براهين وجود الله
- دوافع جعل الحديث عند الشيعة
- مدرسة الجشتلت ... علم نفس الشكل
- المجتمع المدني مجتمع تحت سلطة القانون
- القرآن والتحدي بمجموع الآيات
- منهج العقل الديني في التعامل مع المعارف والمطالب الدينية
- التفسير السيكولوجي لظاهرة الايمان بالله
- التفسير السسيولوجي لظاهرة الايمان بالله
- ابراهيم الخليل وإشكالية ذبح الابن
- هل الدين معيار للعدالة أو العدالة معيار للدين؟
- المنهج الجديد في تفسير النص
- التجربة الدينية للنبي


المزيد.....


- 2 – إعادة تعريف الإسلام بعلوم الأديان / العفيف الأخضر
- قول العباد فى ماورد عن الكنيسة والفساد / جوليا برتو كوكو
- لماذا تفصل الدول المتقدمة الدين عن الدولة في أراضيها وتنمية ... / جاسم محمد كاظم
- القرآن يقر ويعترف بأن إله الإسلام هو إله هذا الدهر ! / رشا نور
- تقديس المُقدَّس تأبيد للثيوقراطيه / فراس عبد الحسين العراقي
- غربلة الكتب المقدسة أو رفع القداسة عنها / سامي الذيب
- اللحية السفليّة تثير السخريّة .. / ماجد عبد الحميد الكعبي
- مبرّرات إصلاح الإسلام - إصلاح الإسلام : 1- دراسته وتدريسه بع ... / العفيف الأخضر
- قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة / أحمد القبانجي
- عبد الغفار مكاوى والبحث فى جذور الاستبداد / طلعت رضوان


المزيد.....

- من هي الدولة الإسلامية وكيف ولدت ؟
- النمسا: اعتقال 9 أشخاص للاشتباه بمحاولة انضمامهم لميليشيات إ ...
- واشنطن تنفذ غارات جوية جديدة في العراق بعد تهديد «الدولة الإ ...
- البطريارك اللبناني يدعو المسيحيين إلى عدم مغادرة بلدهم
- كاتب سعودي: أعمال داعش تستند الى العقيدة السلفية
- الأردن: التيار السلفي يعلن مقتل أحد عناصره في صفوف داعش
- كيف أسقط المصريون الإخوان في 27 يوماً؟
- تنظيم الدولة الاسلامية يشق القاعدة
- السعودية: إدانة 18 شخصا بإحدى أخطر الخلايا الإرهابية التكفير ...
- فابيوس يدعو جميع الدول العربية وإيران للتوحد من أجل مواجهة خ ...


المزيد.....

- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري
- تفنيد البشارات المزعومة بمحمد ويسوع / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - الشيخ الكليني وكتابه الكافي