أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الزبير مهداد - أهمية الثقافة المضادة في التغيير















المزيد.....

أهمية الثقافة المضادة في التغيير


الزبير مهداد

الحوار المتمدن-العدد: 3944 - 2012 / 12 / 17 - 18:59
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


هناك ثلاثة أنواع من الثقافات:
الثقافة السائدة: وهي ثقافة النظام العام والمؤسسات والطبقات والعائلات الحاكمة، إنها الثقافة العامة المشتركة والأكثر انتشارا؛
الثقافات الفرعية: وهي ثقافات خاصة ضمن الثقافة العامة، وتتمثل في المجتمع العربي بشكل خاص في البداوة والفلاحة والحضارة تتنوع بتنوع الطبقات وثقافات الأقليات والجماعات والأقاليم؛
الثقافة المضادة: التي تتناقض مع الثقافة السائدة، وتتداخل في صراع حاد معها، وتتمثل خاصة باتجاهات الرفض المنتشرة في أوساط المثقفين المبدعين والثائرين السياسيين.
وإذا كانت الثقافة بأنواعها تتضمن القيم والغايات التي يوجه الأفراد سلوكهم وأفكارهم واختياراتهم على ضوئها، ويعتمدونها في إصدار الأحكام والمقارنات والاختيار بين بدائل في المناهج والوسائل والغايات ، فإن الثقافة السائدة في مجتمعنا تتصف بالغيبية والنزعة السلفية والتشديد على التقاليد وتسويغ النظام العام؛ بينما تتنوع الثقافات الفرعية حسب أساليب المعيشة والانتماءات الاجتماعية والطبقية والإقليمية، متمثلة بالخصوص بالتباين في حياة البادية والقرية والمدينة. أما الثقافة المضادة، التي ترفض الثقافة السلفية التقليدية والثقافة التغريبية والانتقائية المستعارة من الغرب، فإنها لم تفلح في التعبير عن صوتها والبروز على الساحة الاجتماعية كثقافة منافسة .
الثقافة السائدة واسعة الانتشار، فهي عامل مشترك بين مختلف الفئات الاجتماعية المتعلمة والجاهلة والغنية والفقيرة والحضرية والقروية وغيرها، وانتشارها يحول دون تحقيق التغيير الاجتماعي، لأن الأفراد على اختلاف انتماءاتهم يسايرونها ويخضعون لها، ولا يختلف كثيرا في ذلك الأميون مع المتعلمين أو الفقراء مع الأغنياء.
فالمسايرة الاجتماعية لدى العاملين في الحقل التعليمي تديم كثيرا من التصورات التقليدية المحافظة الرجعية المتفشية في مجتمعاتنا المتخلفة، على الرغم من مناقضتها لما تعلموه في الجامعات أو مراكز التكوين، وهذه التصورات السلبية تشكل مراكز مقاومة التغيير، فهناك دوما تمثلات وأحكام نمطية سائدة، تكرس التخلف التربوي، وتحرم المجتمع من أي فرصة للتغيير والتطور.
إن مسايرة الثقافة الاجتماعية السائدة، لا تساهم في تحقيق التغير الاجتماعي، فالعمل المطبوع بالمسايرة لا يغير شيئا، ولا يعبر عن وجهات النظر المختلفة التي تحملها الثقافة المضادة التقدمية المبشرة بالتغيير، والتي تعبر عن اتجاهات الرفض المنتشرة في أوساط المثقفين المبدعين والثائرين السياسيين، وتدخل في صراع مع الثقافة السائدة.
والدرس البروسي يقف شاهدا على أهمية رفض المسايرة في عملية التغيير السياسي والاجتماعي، ودور الشباب الرافض في دفع عجلة التطور، إذ أن الأمبراطورية البروسية صحت عام 1806 على دوي هزيمة منكرة في مواجهة قوات نابليون، ولتجاوز الأزمة نصح الفيلسوف الألماني فيختة بلده بإرسال مجموعة من المعلمين ليتتلمذوا على يد بيستالوتزي، أعظم مرب حر في العالم آنذاك، وعيا منه بقيمة الفكر الجديد الذي يحمله هذا المربي المبدع.
وبعد انتهاء مرحلة التتلمذ على بيستالوتزي رجع المعلمون الشبان وقد امتلأوا حماسا لأفكارهم الجديدة التي لقنهم إياها بيستالوتزي، فأقاموا المدارس التي تعبر عن طريقة الحياة وتؤهل الأطفال للنمو السوي، فكانوا يتعلمون كل ما يمكن أن يفيدوا منه في حياتهم القادمة، بينما ظلت المدارس الأخرى تصب المعرفة في ذاكرة الأطفال دون فهم ومن غير رباط بين المعرفة والحياة.
هذا الفكر الجديد الذي حمله هؤلاء المدرسون، أدى إلى ثورة ثقافية وسياسية في ألمانيا عام 1848 قادها الشباب المتعلم الحامل للفكر الجديد، فأثار ذلك حفيظة الإمبراطور فريدريك وليم الرابع، فتوجه باللوم إلى القائمين على الشأن التربوي ببلاده، محملا إياهم المسؤولية في قيام الثورة، التي جلبت التعاسة على بروسيا على حد تعبيره، مؤكدا لهم أنه كان دائم التوجس من الفكر الجديد، وقال لهم "إن تلك التربية الشائعة التي كانوا يتباهون بها كانت على الدوام موضع سخطي وكراهيتي".
وإن أفلح الامبراطور في قمع حركة الاحتجاج الشبابية، فإنه لم يستطع محو تأثيرات التربية الجديدة، ومواجهة الثقافة المضادة التي رسختها في نفوس الناشئة الألمانية، الأمر الذي ساهم في إحداث التغيير المطلوب في المجتمع الألماني؛ هذه التربية لم يكن الأمبراطور راضيا عليها لأنها كانت ترسخ الثقافة المضادة وترفض المسايرة ولا ترضى بالأمر الواقع، بل وتحمل مشعل الثورة والتغيير، وقد مهدت السبل لإنشاء الدولة الألمانية الجديدة القوية الديمقراطية، بل وكان القائد الألماني الشهير أوتو فون بيسمارك من أبرز التلاميذ الذين تلقوا تعليمهم على أيدي معلمين تتلمذوا على يد بيستالوتزي وتشبعوا بأفكاره الجديدة.
إن الثقافة المضادة التي كان يحمل لواءها الجماعات الديمقراطية والنخب المتعلمة المثقفة في بلادنا، لم تقو على مواجهة الضغوط الاجتماعية، وانهارت أمام الثقافة السائدة بفعل آلية الضبط الاجتماعي والمسايرة التي أبداها المثقفون والمتعلمون، الذين كانوا إلى عهد قريب يشكلون قوى أساسية اعتمدت عليها الأحزاب التقدمية في مختلف أساليب وحركات النضال السياسي والاجتماعي.
لابد من حمل مشعل الثقافة المضادة، والدفاع عنه، ونشر إشعاعه، والاستضاءة به، ولابد أن يمتلك المعلمون قضايا اجتماعية وثقافية يدافعون عنها، حتى يعيشوا حالة من النهوض الثقافي والفكري والسياسي، فالصراع الثقافي المتصاعد هو روح التفكير الاجتماعي، وهو أداة كل تغيير اجتماعي، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر تعميق التكوين الأكاديمي والمهني، والانشغال بالقراءة والبحث التربوي والاجتماعي؛ فتعميق التكوين، يقوي ذكاء الفرد ويزيد من قدرته على رفض المسايرة. فقد تبين أنه كلما زاد ذكاء الفرد كانت مسايرته التلقائية أضعف وأقل، وذلك لقدرته على الفحص والتمحيص والدراسة المتعمقة والمتأنية للمواقف والمعايير.
إن التحديث ونظمه يؤدي إلى ارتقاء المشاعر الإنسانية، وتعميق تكوين المدرسين في العلوم الاجتماعية بالخصوص، والمداومة عليه، من أفضل وسائل الإصلاح التربوي وتحسين أساليب التربية، لأنه يؤدي إلى الحد من آثار التنشئة الاجتماعية التي خضعوا لها، ويجعلهم يقفون على عيوب ومثالب الثقافة السائدة، ومساوئ التمسك بها أو مسايرتها، وهذا أول سبل التغيير التربوي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,608,017





- -سامسونغ- تطلق هاتفين متطورين بسعر منافس
- موسكو: التصرفات الأمريكية لن تجلب الاستقرار للشرق الأوسط
- الحوثيون يتهمون التحالف العربي بتصعيد خطير يهدد اتفاق السويد ...
- شاهد: الجفاف يتسبب بنفوق عشرات الآلاف من الأسماك في بحيرة با ...
- "بذخ ترامب وذهبه".. في عشاء على شرف رئيس الوزراء ا ...
- التحالف بقيادة السعودية يعترض ويدمر زورقا مفخخا وألغاما بحري ...
- عائشة السعيد: ملف المفقودين بيد سلطات عٌليا معنية به
- الحوثيون يتهمون التحالف العربي بتصعيد خطير يهدد اتفاق السويد ...
- شاهد: الجفاف يتسبب بنفوق عشرات الآلاف من الأسماك في بحيرة با ...
- الهند تحظر السجائر الإلكترونية.. وأميركا على الطريق مع خمسة ...


المزيد.....

- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - الزبير مهداد - أهمية الثقافة المضادة في التغيير