أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناصري - الانتفاضة الوطنية .. التجربة والدروس















المزيد.....

الانتفاضة الوطنية .. التجربة والدروس


أحمد الناصري

الحوار المتمدن-العدد: 1127 - 2005 / 3 / 4 - 10:43
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


الانتفاضة الوطنية .. التجربة والدروس .
القسم الأول
( هذه الأوراق والملاحظات كتبت أيام الانتفاضة الوطنية وبعدها بقليل ، لذلك يتوجب قراءتها في سياق الأحداث والوقت آنئذ ، ولكن يمكن مقاربة الآراء بالأحداث والتطورات الأخيرة خاصة ما يتعلق بطبيعة السلطة وأساليب المعارضة وآثار الحصار الظالم ودور العامل الخارجي الذي تحول إلى احتلال عسكري مباشر وكامل ، لقد كانت الانتفاضة بمثابة الحل الوطني السحري ، والذي عندما خسرناه خسرنا الوطن بعده ، أعيد نشرها تحية لها ولشهدائها وأبطالها الكثر !! . )

عندما تتطابق عقارب ساعة الصفر في الانتفاضة الشعبية وتكتمل شروط قيامها وانطلاقها فإنها لا تتأخر لحظة ولا تتقدم لحظة ولا تنتظر أحداً ، إنما تنطلق مدوية في موعدها المحدد بالضبط وفق قوانينها الداخلية الخاصة الجديدة لتكنس وتكتسح من أمامها كل ممانعة مضادة وتتجاوز وتلغي الكثير من الخطط والبرامج والشعارات القديمة والآليات الرتيبة السابقة لها ، ثم تفرض شعاراتها وأساليبها التي تتكيف معها الجماهير وتطبقها بإبداع يفوق التقدير. وهذا ما حصل بالضبط أثناء قيام الانتفاضة واشتعالها الهائل ، خاصة في بعض التفاصيل وبعض المجالات . لقد أعلنت عن قيامها وقيامتها !!
ونتيجة لشكل الانتفاضة وسرعتها العاصفة وأساليبها المبتكرة الجديدة وعنفها الثوري المقدس ، فهي تبدو لنا من أوسع الأحداث الوطنية ، التاريخية والجماهيرية منذ قيام الدولة العراقية الحديثة ، وهذا الاستنتاج بحاجة إلى دراسة وتحليل وتأكيد .
فقد تميزت الانتفاضة الوطنية بمواصفات خاصة جديدة حتى بالنسبة للانتفاضات والهبات والتحركات الوطنية العراقية العديدة والكبيرة التي حدثت أبان النضال الوطني والديمقراطي والطبقي العارم لشعبنا العراقي ، إننا بحاجة إلى دراسات موضوعية وتوثيقية و جهد عالي ومكثف لتحديد مواصفاتها وأسباب قيامها وتطورها ونواقصها وأخطاءها ، والأسباب التي أدت إلى تراجعها وفشلها المؤقت في إنجاز مهمتها النهائية ، مهمة حسم الصراع الطويل والمرير مع السلطة الفاشية ، لإيقاف الخراب والدمار والمخاطر المتنوعة والعديدة التي يتعرض لها وطننا وشعبنا ، بسبب تطبيق البرنامج الفاشي للسلطة الحاكمة والمخططات الخارجية ، باعتبارها مهمة لا تقبل التأجيل !!
إن نشر يوميات الانتفاضة وتعميم دروسها وإنجازاتها وأسباب إخفاقها وكشف النواقص والعيوب التي رافقت عملها بصورة موضوعية وواقعية بعيداً عن العواطف ، يعد الآن من بين أهم مهمات الإعداد والتحضير لقيام الانتفاضة القادمة ، والتي يجب أن تنجح نجاحاً كاملاً وتاماً في المستقبل .
نحن نعتقد بأن العوامل والشروط للصراع مع الفاشية ومقاومتها بكافة الأساليب وقيام انتفاضة جديدة ناجحة تتجدد وتتراكم في كل لحظة وفي كل يوم ، ويتصدر هذه العوامل والشروط الرئيسية استمرار النظام الفاشي وبقاءه في السلطة ، والفشل التام والنهائي لجميع برامجه وأساليبه في جميع المجالات ، ووصوله إلى حافة الهاوية والانهيار التامين ، وذلك بسبب تصادمه مع مصالح الشعب ، خاصة بعد مغامرة الكويت ونتائجها الكارثية ، وانطلاق الانتفاضة الشعبية والأساليب الوحشية المنفلتة لقمعها ، وتفاقم الأزمة الاقتصادية العامة نتيجة الحصار الخارجي والسياسات الاقتصادية الرعناء للسلطة ، وانعكاس كل ذلك على حياة الناس اليومية والتي باتت تهددهم وتهدد أطفالهم بالموت والفناء !!
لكن وكما هو معروف فإن هذه العوامل والشروط ليست كافية لوحدها كي تشعل حريق الانتفاضة الناجحة من جديد ، وهي ناقصة في مواجهة نظام فاشي متطور يعتمد على أساليب وآليات قمعية داخلية صارمة ، ويتحسب لكل شيء ، ومستعد لاستخدام أعنف الأساليب في الوحشية والخسة ، والتي لا يتجرأ إي نظام آخر غيره على استخدامها ، ولدية إمكانية استخدام أساليب وتكتيكات وحيل مفاجئة وسريعة ومتنوعة ، كما يمكن أن يلجأ إلى مساومات وصفقات سرية مريبة مع كل الأطراف الداخلية والخارجية ، مما يعقد عملية التعامل معه عسكرياً وتعبوياً ويعرض الجماهير إلى خسائر جديدة غالية وفادحة مثلما حصل في كل تاريخ الصراع الدموي والمواجهات مع هذا النظام ، خاصة في الانتفاضة الأخيرة!!
تقف أمامنا اليوم فرصة تاريخية نادرة وحساسة من وجوه عديدة ، علينا استغلالها ، وعدم تركها تذهب مع الفرص السابقة التي أهدرت في تجارب الصراع المرير بين الشعب الفاشية ، ولأن تحقيق الانتصار يعني إيقاف ومنع وقوع الكوارث الكبيرة والجديدة باعتبارها احتمال واقعي مادامت الفاشية مستمرة في السلطة !! حيث تحاول الفاشية بكل إمكانياتها وقواها وخبرتها السوداء في ترتيب أوضاعها والخروج من الأزمة الخانقة التي تتخبط بها مستفيدة من الخبرة الواسعة في هذا المجال ، وحيث تقوم السلطة الفاشية الآن بمجموعة من الإجراءات والمناورات العلنية والسرية التي أعدتها لمواجهة الأزمات ، ولأنها بدأت تدرك إن أيامها الأخيرة قد حلت ، وإن المواجهة هذه المرة خطيرة وجدية ، وها ما ينعكس في الحملات الإعلامية المسعورة والزعيق الرهيب الذي يطلقه الإعلام الفاشي ، والذي يؤكد من جديد وبشكل نهائي ثابت حقيقة وطبيعة النهج الفاشي الذي لا يتغير ، لأن السلطة الفاشية أدركت أن لا مجال للتغيير أو التراجع ، والذي يعني تآكل مواقعها وسقوطها السريع والحتمي في النهاية ، وهذا ما يغيب عن ذهن بعض القوى السياسية التي تتعاطى مع الوضع السياسي ، والتي لم تفهم بعد طبيعة هذه السلطة !!
إذا أردنا أن نتحدث عن تجربة الانتفاضة وطبيعتها وأساليبها ، فإننا لابد من أن نتوقف عند طبيعتها العنيفة الضاربة واتسامها بالعنف الثوري والحسم السريع لأهدافها العملية ، وهذا يقودنا إلى الحديث عن طبيعة النظام الفاشي ، وإدراك الجماهير الشعبية لهذه الطبيعة عبر تجاربها الدموية المريرة والعنف الرجعي الشامل الذي مارسته السلطة ضدها ما يقارب من ربع قرن دامي وفي تجارب سابقة معروفة .
قبل الانقلاب الرجعي في17 تموز 1968 كان المشروع الفاشي جاهزاً في أذهان الانقلابيين اللذين وصلوا إلى السلطة بطريقة تآمرية شكلت البداية والمقدمة الطبيعية لكل نشاطاتهم وسلوكهم اللاحق ، لقد وصلوا إلى السلطة بطريقة أصبحت معروفة للجميع بكل أسبابها وأساليبها ودوافعها و تفاصيلها وارتباطاتها ، وبدءوا منذ الساعات الأولى لمجيئهم الكريه الثاني ذاك بدق وتثبيت ركائز مشروعهم الفاشي الشامل ، ولم يتباطؤا أو يتركوا فرصة واحدة أو أسلوب لتثبيت حكمهم المقيت ، وبدء الهجوم الشامل والمنظم على الشعب والمجتمع بأساليب همجية محدثة ومطورة ، واستفادوا من خبراتهم السابقة ، واستخدموا أجهزتهم القديمة والمعدة سلفاً لهذه المهام القذرة مثل جهاز (حنين ) الذي أسسه وأشرف علية الدكتاتور صدام حسين نفسه أواسط الستينات ، والذي تحول بعد الإنفلاب مباشرة إلى جهاز الأمن والمخابرات الخاص والعام بكل فروعة في الداخل والخارج ، والذي قاد حملات إرهابية شاملة في داخل الوطن وخارجه . لقد استطاعت السلطة الفاشية في النهاية وبفعل عوامل سياسية واقتصادية داخلية وخارجية من إنجاز مشروعها وبناء منظومة فاشية متطورة شملت كل تفاصيل حياة شعبنا ووطننا القتيل وتغلغلت في جميع خلاياه ووصلت إلى آخر موقع فيه ، ثم انتقلت حسب منطق الفاشية الداخلي الثابت تقريباً إلى خارج الحدود الوطنية لتمارس عدوانها وفلتانها على شكل حروب طويلة عبثية مدمرة في إيران والكويت الشقيق الصغير جغرافياً و( القاصة ) الممتلئة بالعملة الصعبة ، والذي أمد ومول الحرب الطويلة الأولى بسخاء الخائف ولأسباب أخرى أصبحت معروفة الآن!! لقد انطلقت القطعان الفاشية باتجاه إيران في دروب وعرة وحرب طويلة مضنية ، وهي ترفع شعارات ( قومجية ) فارغة لتتنازل عنها في مرحلة لاحقة ، وتختلط هذه الشعارات بأخرى ( إسلاموية ) مختارة بفجاجة متناهية ، أعلنت عن تطوير وتنويع ودفع مفتعل في ديماغوجية النظام ، وتعتبر تأكيد جديد لعدم مصداقيته وإنتقائيته حسب الموقف الذي يواجهه وتخبطاته الأيديولوجية التي لا تقف على منهج معين أو خط ثابت ، إلا ما يوافق المنهج الفاشي ومصالحة الضيقة المتقلبة ، والذي أتسم بالسطحية وعدم الإقناع !!
يبدو لنا إن أبرز منجزات الفاشية عندنا هو إعادة بناء نظام الدولة بشكل آخر يختلف عن الأنظمة السابقة لها والأنظمة المحيطة به في المنطقة العربية ، نظام دولة يستند إلى النفط والمال والقمع المطلق ، مع ماكنة إعلامية صاخبة تثير الضجيج ، وتبث ألوان الديماغوجية السقيمة .
لذلك علينا دراسة وكشف خصائص العقل الفاشي ، وأساليبه الجديدة وتفريخاته ، أن هذا الكشف والتحديد يسهل علينا عملية فهم الطبيعة الداخلية للعقل التجريبي المتقلب والسري ، ولنصل في النهاية إلى طريقة سليمة وفعالة للعمل المضاد له ومقاومته مقاومة ناجحة ، عبر الأساليب الفعالة ، ويبدو لنا أيضاً إن احد أهم الأسباب الرئيسية لاستمرار النظام وبقاءه ، هو عدم التعرف على طبيعته وآلياته الداخلية ، مما سبب قطيعة كبيرة بين عمل المعارضة وطبيعة النظام !!
استخدمت الفاشية أقصى درجات القهر والاستبداد والتدمير الجماعي ، بغض النظر عن النتائج وانعكاساتها الداخلية والخارجية ، وخاضت عمليات الحرب السرية الصامتة في بغداد ومدن الجنوب في كردستان ، تلك الحرب السرية التي تعرضت لها معظم القوى الوطنية اليسارية والقومية والدينية ، والتي لم تكشف تفاصيلها وعدد ضحاياها للآن ، رغم إنها حرب إرهابية واسعة ومنظمة ، تقودها مؤسسات قمعية شرسة عالية الإعداد والإمكانيات ، راح ضحيتها الألآف من خيرة أبناء شعبنا البطل من المفكرين والمثقفين والسياسيين البارزين، وقادت الفاشية منذ البداية حربها الشوفينية السوداء في كردستان كجزء من الهجوم على جميع مكونات الشعب العراقي ومصادرة الديمقراطية وسحقها ، لتتحول بصورة متواترة إلى حرب إبادة جماعية ، والشواهد كثيرة على جسد كردستان المحترق في حلبجة ووادي باليسان والقرى المدمرة والمهجرة ، ومحنة 8 آلاف بارزاني جرى اختطافهم وأبادتهم من مجمع قوش تبه القسري ، ثم عمليات الأنفال القذرة ، والعمليات المستمرة ضد مدن الجنوب قبل وبعد الانتفاضة المغدورة ، في الدجيل والناصرية وكربلاء والنجف والبصرة ومناطق الأهوار ، هذه المدن التي جرى استباحتها وتدميرها بالأساليب الوحشية وتشريد أهلها إلى السعودية وإيران وأعماق الأهوار خوفاُ من البطش والإبادة الجماعية ، حيث جرى قصف المدن المنتفضة بالطائرات الحربية والمدفعية الثقلية وصواريخ أرض- أرض ، كأنها أرض عدوة ، إلى جانب حملات الاعتقال الجماعي العشوائي ، فقد ازدحمت سجون النظام السرية والعلنية بعشرات الآلاف من المعتقلين وخاصة معتقل الرضوانية الرهيب والذي أشرف علية وأداره الأمن الخاص بقيادة شلة من المجرمين القتلة من أمثال قصي وحسين كامل وصدام كامل ومجموعة الأمن الخاص الرئاسي القذرة ، وجرت فيه تصفيات جماعية سريعة تحت كلمة كوميدية سرية (طكه بالدهن ) !!
هذه الأمثلة الأساسية في حياة الفاشية وتجربتها السوداء تعتبر تطبيقاً للبرنامج الفاشي السياسي الاقتصادي والعسكري والأمني ، والذي لا يمكن أن يكون بغير هذه الصورة الوحشية أبداً منذ بداية تنفيذه في 17. تموز .68 وحتى اللحظة الأخيرة من عمر الفاشية وبائقها المشؤوم . وهذا ما يدحض الأوهام والتحليلات الخاطئة التي سادت مع بداية انطلاق المشروع الفاشي ، الذي كان مغلفاً بعناية فائقة . ويتكرر الخطأ القاتل من جديد على شكل مفاوضات مباشرة تقودها الحركة السياسية الكردية مع النظام ، أو دعوات للمصالحة ، يطلقها بعض فرسان السياسات القديمة التي دحضتها الحياة وكانت وبالاً على الجميع ، إنها محاولات ومناورات جديدة لإنقاذ الفاشية من مأزقها الجديد !!
لقد استخدمت الفاشية في تجربتها السياسية مناورات عديدة وخدع كثيرة كانت تمر بسهولة نادرة على الأطراف التي تتعامل معها بسبب ضعف هذه الأطراف ، أو عدم فهمها لطبيعة السلطة ومشاريعها السرية ، أو نتيجة الخوف منها أو حباً في التقرب منها مهما كانت قبيحة ، ومهما كانت النتائج واضحة مسبقاً ومدمرة لاحقاً ، وهذا واحد من الأسباب الرئيسية التي سهلت بقاء الفاشية وأطالت من عمرها حتى اليوم !! ومن الأسباب الأخرى عدم تكيف الحركة السياسية المعارضة مع التغيرات الكبيرة والشاملة التي جرت في جبهة العدو ، وظلت هذه المعارضة تتعامل مع سلطة قمعية حديثة بنفس أساليب العمل السابقة ، لذلك تعرضت إلى ضربات إستباقية قاصمة ومفاجئة ، أدت إلى تهشيمها وتراجعها وعزلها ، وتحولت تدريجياً إلى معارضة ( خارج ) منعزلة عن الوضع في الداخل وغير مؤثرة فيه ، وهذا ما كان واضحاً قبل الانتفاضة وأثنائها!!

الانتفاضة : انطلاقتها وأساليبها ...
في تلك الساعات والأيام الخاصة التي تعادل عشرات السنين من الأحداث العادية ، قررت الجماهير الشعبية أن تصنع تاريخها الخاص ، وتعاقب وتنتقم من الجلادين ، وتلغي الوضع المفروض عليها لسنين طويلة وعصيبة ، لذلك نهضت مدينة البصرة والناصرية وأنظم إليهما الفرات الأوسط واشتعلت كردستان بعد أيام قليلة .
كما ذكرنا في البداية فإن الانتفاضة تعتبر من أبرز الأحداث التاريخية التي شهدتها بلادنا في تاريخه الحديث ، من حيث مشاركة الجماهير الواسعة ، ومن حيث أساليبها العنيفة ، ذلك العنف الثوري المقدس الذي يعد من أبرز صفات الانتفاضة ، والذي جاء كرد طبيعي على العنف الفاشي الرجعي المنفلت الذي مارسه النظام طوال ما يقارب ربع قرن ، وليمنع ويوقف كل محاولات المقاومة والرد المضاد ، وكانت الجماهير تمتلك من التجربة والحقد المتراكم والجرأة والشجاعة النادرة وروح المبادرة والحسم ، تلك المواصفات التي تذكرنا بالثورات والأحداث الكبيرة في التاريخ ، حيث اقتحمت بقبضاتها العارية مقرات السلطة وقلاعها القمعية التي تهاوت بسرعة خاطفة كما حصل في الناصرية والسليمانية ومدن أخرى ، وتحولت هذه المواقع إلى مستودعات ومخازن للسلاح تطبيقاً لمبدأ هام من مبادئ الثورات والتحركات الشعبية ، ثم توسعت الانتفاضة وامتدت بسرعة خاطفة لتمتد من الجنوب إلى كردستان ، وقد كانت السرعة والانتقال الخاطف واحد من مميزاتها التي فاجأت العدو وأربكته وألغت قدرته على الرد المحتمل ، وأفشلت خطط الطواريء المعدة بإتقان كبير ، وتمكنت الجماهير الثائرة ومنذ الساعات الأولى لتحركها أن تحطم الأجهزة القمعية وتشل قطعات الجيش وتفككه ، بينما انحازت قطعات كبيرة منه إلى جانب الجماهير . لقد فشلت مقاومة العدو في جميع المدن وتلاشت بسرعة قياسية أكدت عدم فعالية وجدوى أي إجراءات وأية خطط أمنية مهما كانت شمولية ومحكمة لصد وإيقاف غضب الجماهير وانفجارها بعد إن تجاوزت التردد والخوف وانطلقت في ثورتها العارمة ، تقرر مصيرها بيدها وتصنع مستقبلها !!
لقد زحفت الجماهير الغاضبة ، يتقدمها شباب المدن ، هذا الجيل الذي راهنت علية الفاشية ، من خلال محاولة تخريبه أخلاقياً واجتماعياً وثقافياً ، والذي صار أكبر ضحية لسياسات النظام الهوجاء ، وتحول إلى وقود وأشلاء متناثرة في حروبه الرجعية القذرة ، بينما قضى قسم كبير آخر من الشباب أجمل أيام وأعوام حياتهم في الخنادق الأمامية والسجون الرهيبة والمنافي البعيدة ، مما أدى إلى حدوث قطيعة حقيقية وتامة مع النظام ، وهكذا كانت الشبيبة تنتظر وتتطلع إلى هذه اللحظة الخاصة ، وهذه الفرصة النادرة لتستعيد حياتها ومستقبلها ، وتتخلص من جلاديها من أجل حياة ديمقراطية هادئة مستقرة ، من دون عنف ولا إرهاب . إن مشاركة الشبيبة على نطاق واسع ورئيسي مد الانتفاضة بطاقات جبارة هائلة ، وأسهم في تحقيق نجاحات خاطفة ، بروح ثورية عالية . لقد تدربت الشبيبة على جميع أنواع الأسلحة وخاضت معارك متنوعة قاسية في المدن والأهوار والجبال لمدة عشرات السنين ، إستفادت منها في معركتها الفاصلة مع الفاشية .
إن المشاركة الواسعة للجماهير جعل من الانتفاضة شعبية ووطنية وديمقراطية ، ساهمت بها كل الطبقات والفئات ، كما ساهم فيها عدد كبير من السياسيين الوطنين السابقين ، اللذين عمل النظام على تحيدهم وإخراجهم من دائرة النضال الوطني ، كما رفعت الانتفاضة شعارات ديمقراطية ويسارية ثورية أغاضت الأمريكان وبعض القوى الإقليمية .
لقد عمل النظام على توريط الجماهير في سنين الحرب العراقية الإيرانية من خلال تسليحها الإجباري وزجها في حروب عبثية ، لكن هذه الجماهير تعلمت الدرس واستطاعت في لحظة الانعطاف التاريخي أن تحول البنادق من كتف إلى كتف وتصوبها نحو رأس الفاشية البغيضة .
من النتائج الهامة والكبيرة التي حققتها الانتفاضة فيما بعد وكامتداد لها ، هي طرد النظام وجميع مؤسساته القمعية من مدن كردستان ، مما يجعلها جبهة مفتوحة لاستمرار العمل وتصعيد النضال الموحد للشعب العراقي بعربه وكرده ضد النظام حتى إسقاطه عبر إتباع سياسة سليمة في العمل الجماهيري والتصعيد السياسي والعسكري لتحقيق مكاسب كبيرة ، وتجاوز الأخطاء الفكرية والسياسية والجماهيرية والعسكرية !!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,864,419,135
- توقعات كبيرة وأمنيات صغيرة في العام 2005
- مدينة الموصل خط أحمر وطني وملتهب .
- بطاقة للناس والوطن
- الشهيدان الخالدان سحر أمين منشد وصباح طارش ( ثائر ) . نجمان ...
- دعوة : من أجل كتابة وتوثيق تاريخنا الوطني اليساري ، من اجل ك ...
- السجون والمعتقلات الرهيبة وبارقة أمل مغربية وسط الليل البهيم
- تطورات الوضع السياسي والأمني بين الإرهاب والإنتخابات وحمى ال ...
- نحو تدقيق المصطلحات والمفاهيم والمقولات السياسية . النظام ال ...
- الإعداد والتحضير للعمل الفكري والسياسي في الماركسية . مهزلة ...
- الأهوار : طائر الفينيق الذي عاد إلينا من زهرة الرماد والوجع ...
- الشهيد مناضل عبد العال موسى / مؤيد
- كلمات في عشق النساء . نص من أدب الرسائل
- الرعب ، الصمت ، العار . قضيتان من باريس وبغداد
- اليسار الجديد والقضايا الفكرية والسياسية والإعلامية ، بمناسب ...
- بشتآشان الجرح المفتوح والملف المغلق !!
- عن المبادرة الوطنية والإنتخابات وقضايا أخرى
- رسالة الى الفدائية البطلة لويزه أحريز
- عرس واويه في شرم الشيخ ، وأشياء أخرى
- عن أغراض مؤتمر شرم الشيخ ، وأهمية المبادرات الوطنية الموازية ...
- كيف تعرفت على شعر سعدي يوسف ؟؟


المزيد.....




- تونس: 73 نائبا يودعون رسميا لمكتب البرلمان لائحة لسحب الثقة ...
- تونس.. الرئيس قيس سعيد يقبل استقالة الفخفاخ ويبدأ مشاورات تش ...
- الصباغة التقليدية فن ما زال حيا في أوروبا
- -طيران الإمارات- تعتبر التباعد الاجتماعي داخل الطائرة غير وا ...
- مصري كفيف يشتغل بأعمال البناء بمساعدة طفله
- -حل شامل- لمشاكل بغداد وكوردستان عبر الكونفدرالية بتنسيق أمم ...
- -جنرال الكترك- تتحدث عن حلول آنية لأزمة الكهرباء في العراق
- أحزاب تونسية تمرر عريضة لسحب الثقة من الغنوشي
- رائد أعمال بنغلاديشي ضحية جريمة قتل بشعة في نيويورك
- إيران ستدعم احتياجات سوريا النفطية... لقاء الرئيس المصري بوف ...


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناصري - الانتفاضة الوطنية .. التجربة والدروس