أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - البعد الزمني في ديوان - أحوال الحاكي -















المزيد.....



البعد الزمني في ديوان - أحوال الحاكي -


السمّاح عبد الله

الحوار المتمدن-العدد: 3872 - 2012 / 10 / 6 - 10:00
المحور: الادب والفن
    


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البعد الزمني في ديوان " أحوال الحاكي " للشاعر
السمّاح عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. جمال الجزيري



تتجلى إشكالية الزمن بشكل لافت في ديوان أحوال الحاكي (الطبعة الثالثة، دار التلاقي، 2009) للشاعر السماح عبد الله الذي نال عنه جائزة الدولة التشجيعية في الشعر عام 2003. وتتمثل هذه الإشكالية في التأزُّم الغالب على معظم الأحوال في العلاقة بين الزمن الماضي والزمن الحاضر الذي يمثل في الغالب زمن الكتابة. ويضع السماح عبد الله عنوانا فرعيا لديوانه قد يبدو للوهلة الأولى عنوانا يبيِّن شكل الكتابة الشعرية: "ثنائيات"، كأن نقول رباعيات للدلالة على أن القصيدة مكونة من مقطوعة أو أكثر تتكون كل منها من أربعة أبيات. ولكننا عندما نطالع الديوان نجد أن هذه الثنائيات خاصة بتقسيم القصيدة في الغالب على أساس زمني إلى قسمين يفصلهما فاصل طباعي عبارة عن سطر مكوَّن من مجموعة نقاط متراصة بجانب بعضها البعض: يختص الجزء الأول بإبراز لحظة زمنية معينة وهي لحظة خاصة بالزمن الماضي في معظم القصائد إن لم تكن كلها أو بطرحِ سؤال ما أو تسليط الضوء على لقطة ما ذات ثقل دلالي في بنية القصيدة، بينما يختص القسم الثاني بإبراز دلالة أو تطور هذه اللحظة أو اللقطة أو هذا السؤال في وعي الذات الشاعرة أو الصوت المكتوبة من خلاله القصيدة.


الزمن الطويل


نقصد بالزمن الطويل هنا الطول النسبي للفترة الزمنية الفاصلة بين شقَّيِّ الثنائية في القصيدة. ونجد ذلك حاضرا في قصيدتين من قصائد الديوان وهما القصيدتان اللتان تردا في بدايته، ولذلك فضَّلنا أن نبدأ بهما هذه الدراسة. ففي قصيدة "فالتقطتْها بقلب وجيف" يحدد الصوت في القصيدة هذه الفترة الزمنية بـ "عشرين عاما"، أما في القصيدة الثانية "ويدق بيوتَ الأطفال" فهي فترة غير محددة نصًّا ولكن "السنوات المارة كقطار" (ص 10) و"كبرنا" (ص 11) توحي بأنها فترة طويلة ولا تقل عن الفترة السابقة.
تستحضر القصيدة الأولى في الديوان "فالتقطتْها بقلب وجيف" لحظة زمنية "منذ عشرين عاما" من اللحظات التي تتراكم في لاوعي الصوت في القصيدة بطرح سؤال لا يقدم الصوت عليه إجابة ولا يختمه بعلامة استفهام – "لأين ترى ذهبت/طفلة المدرسة" (ص 7) وكأن هذا السؤال ذو دلالة تقريرية توحي بغياب "طفلة المدرسة" المتواصل ولا يمكن العثور عليها أو الوصول إليها، ثم يضع الشاعر الفاصل الطباعي وينتقل إلى فتح ذاكرته وإخراج ما تختزنه عن هذه الطفلة الغائبة.


إذا كان الاستفهام الذي تبدأ به قصيدة "فالتقطتْها بقلب وجيف" يمثل الشق الأول من الثنائية في القصيدة، فإن الشق الثاني منها يحمل العديد من الثنائيات الفرعية: سعاد وصوت الشاعر عندما كان طفلا من جهة والرقابة المدرسية متمثلة في المدرس اللذين يراوغانه من جهة أخرى؛ ثنائية القرشيِّين وسيدنا محمد الذي جاؤوا ليقتلوه ولم يجدوه ووجدوا ابن عمه علي بن أبي طالب؛ ثنائية الحنو والقلق عندما تتناول سعاد في الفصل كلمات "الحب/والشوق"؛ وأخيرا ثنائية حصَّة الدين وما تولده – وإن كان بشكل غير مباشر – من إحساس بالحب وحصَّة الهندسة التي نضع نهاية مأساوية أو كابتة لهذا الإحساس.


تمثل الثنائية الأخيرة – الدين (الروح والقلب)/الهندسة (العلم والعقل) لبَّ القضية التي أثارت الصوت في القصيدة وإن كان لم يتناولها الشاعر بشكل مباشر بل تركها للقارئ ليستنبطها بنفسه. كما أن تماهي شخصية على بن أبي طالب في شخصية النبيِّ محمد وما توحي به كلمة "النبي" التي أوردها الشاعر بدلا عن سيدنا محمد قد توحي بتماهي "طفلة المدرسة" أو "سعاد" وذات الشاعر عندما كان طفلا بالمدرسة. لكن إصرار المدرس على إنهاء هذه القصة التاريخية الدينية بالتوقف عند الغار والعنكبوت: "ثم أنهى المدرِّس قصته/بكلام عن الغار/والعنكبوت/إلى أن أتتنا مُدَرِّسة/الهندسة" (ص 9) – نقول إن هذا الإصرار وهو إصرار أيضا من الشاعر على إنهاء قصيدته عند هذا الحد ينبئ أيضا بنهاية العلاقة البادئة بين "طفلة المدرسة" والصوت في القصيدة.


من الملاحظ في هذه القصيدة تماثل البنية الصوتية في "المدرسة" (التي يختتم بها الشاعر الشق الأول من الثنائية البنائية للقصيدة) و"الهندسة" (التي يختتم بها الشاعر الشق الثاني من هذه الثنائية). كما تأتي مفردة "المدرسة" مضافةً لمفردة "طفلة" – "طفلةُ المدرسة" (ص 7) – تأتي مفردة "الهندسة" مضافةً لمفردة "مُدَرِّسة" – "مُدَرِّسةُ/الهندسة" (ص 9) ولكن الأخيرة (الهندسة) تشغل سطرا شعريا مستقلا، الأمر الذي يوحي ببروزها الدلالي وما تحتله الهندسة من مكانة سلطوية فائقة لدرجة أنها تقضي على كل الجانب الوجداني والروحاني الذي يستحضره الشاعر في القصيدة. ونجد هذه السلطوية في مقارنة بنية مفردة "مدرِّسة" ببنية مفردة "طفلة"، فأولاهما تتكوَّن من ستَّة أحرف في حين أن ثانيهما مكوَّنة من أربعة أحرف فقط. وهذه الزيادة في البنية تقابلها زيادة في السلطة والقدرة على فرض هذه السلطة، بالرغم من أن كلا من "طفلة" و"مدرِّسة" جاءت في موقع الفاعل في الجملتين. لكن فاعلية الطفلة كانت فاعلية مبدئية – من حيث الترتيب الزمني ومن حيث عدم الاكتمال – في حين أن فاعلية المدرِّسة فاعلية نهائية – من حيث الترتيب الزمني أيضا ومن حيث القوة والقدرة على القضاء على فاعلية الطفلة أو على الأقل إقناعها بلاجدوى هذه الفاعلية من خلال الإيهام بأهمية كلمات الهندسة والعلم بوجه عام وعدم أهمية "الكلمات العشيقة" (ص 9).


باختصار، تتغلغل البنية الثنائية في كل ثنايا القصيدة، وقد اعتمد الصوت في القصيدة هذه البنية الثنائية لكي يوحي لنا بأن طرفي الثنائية لابد أن يقضي أحدهما على الآخر؛ واللافت للنظر أن الطرف الجامد أو المتجهم أو الصارم يقضي على الطرف الحميم في حياة الصوت. ومن الملاحظ هنا أن الصوت في القصيدة لا يفرض صوته الحاضر على هذا المشهد الماضوي، بل يترك القارئ يستشف من بين ثنايا القصيدة كم التحوَّلات التي طرأت على حياتنا وأضاعت صوت الطفولة وصوت القلب. ويمكننا أن ننظر لهذه القصيدة على أنها اختزال لرحلة الإنسان (الفلسفية) على الأرض بداية من حصَّة الدين (الحياة الروحية والوجدانية) حتى حصَّة الهندسة (الحياة العملية والذهنية المجردة) مع أن المدرسة (الحياة) هي المدرسة.


وبالرغم من أن الصوت لا يُظهِر تعليقاته على هذا المشهد أو رؤيته الحالية له، إلا أنه لا يَخفى علينا طابع الحنين الذي يغلب بشكل غير مباشر على القصيدة ويمثل علَّة وجود القصيدة أو السبب وراء استحضار الشاعر لهذا المشهد بالذات. ويتجلّّى هذا الحنين بوجه خاص في السؤال الذي يطفو على ذاكرة الصوت في بداية القصيدة – وهو سؤال ينتمي للحاضر وما يمثله هذا السؤال الراهن من افتقاد الصور لما تحمله الإجابة على هذا السؤال؛ وعدم إيراد علامة استفهام في نهاية هذا السؤال قد توحي بأن الصوت يعرف الإجابة عليه وقد توحي أيضا بأنه لا سبيل أمام هذا الصوت لإشباع الحنين الذي جعله يطرح هذا السؤال أصلا.


ومن الجدير بالذكر هنا أن الشاعر وضع في الطبعة الأولى من هذا الديوان (أحوال الحاكي، سلسلة كتابات جديدة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2002) علامة استفهام في نهاية القصيدة بعد كلمة "الهندسة" وأتبع علامة الاستفهام هذه بنقطة، وإن دلَّ ذلك على شيء ربما يدل على أن العبارة التقريرية التي تنتهي بها القصيدة – "إلى أن أتتنا مدرِّسةُ/الهندسة؟." (ص 9) – عبارة عن تقرير بطعم الاستفهام وبالتالي المرارة التي تتولَّد في الحلق والقلب من جرَّاء حالة التذكُّر والحنين هذه. ونجد اختلافا آخر بين الطبعة الأولى للقصيدة (2002) وطبعتها الثالثة (2009) يتمثَّل في البروز الدلالي والتركيبي لمفردة "الشوق" في الطبعة الثالثة مقارنة بالطبعة الأولى: "وكتبتُ لها كلمات عن الحب والشوق في ظهر/كراسة الدين" (2002)؛ "وكتبتُ لها كلماتٍ عن الحب/والشوق/في ظهر كراسة الدينِ" (2009) – الأمر الذي ربما يوحي بازدياد الشوق من طبعة لأخرى ومن استحضار طباعي لآخر، وكأن القصيدة كلما زاد عدد طبعاتها زاد حنين الصوت في القصيدة لتلك اللحظة الزمنية. ومن الملاحظ أيضا في سياق الاختلاف بين الطبعة الأولى والطبعة الثالثة أن "كراسة الدين" في الاقتباس السابق قلَّ بروزها الدلالي، ففي حين كانت تحتل سطرا دلاليا مستقلا في الطبعة الأولى نجدها تزحزحت عن هذا الموقع المتميز في الطبعة الثالثة، الأمر الذي يوحي بأن الحب الذي ربما كان مقترنا بالدين كما أسلفنا صار الآن حبا خالصا وحنينا صافيا نظر لأن الأثر الزمني خلَّص اللحظة الشعرية من سياقها المباشر وأكسبها صفاءً لا يستطيع "العلم" الذي يعتمد على السياق اعتمادا بالغا في تحقيق نظرياته أن يجرِّدها منه.
إذا كان عنوان قصيدة "فالتقطتْها بقلب وجيف" مستمدا من الشق الثاني من الثنائية وبالتالي يبرز هذا الفعل الماضي وما يمثله في ذاكرة الصوت من حنين وشوق وافتقاد، فإن عنوان القصيدة التالية "ويدقُّ بيوتَ الأطفال" التي تستدعي أيضا لقطة من لقطات الماضي البعيد ولكنها لحظة تتكرر في نهاية القصيدة – يوحي هذا العنوان بالحاضر والأمل الذي يتكرر سواء أكان الصوت حاضرا أو مستعدا للحظة التكرار أم لا.


تبدأ قصيدة "ويدقُّ بيوتَ الأطفال" بسطرين شعريين كالقصيدة السابقة:


خبّط في طرقات القرية حتى وصل إلينا
، أعطى كلا منا شجرةْ .
(ص 10)


ثم يليهما الفاصل الطباعي المكوَّن من مجموعة نقاط متراصَّة. ولكن هذين السطرين ينتميان لبداية الحدث، وليسا سؤالا ينتمي للحاضر كما في القصيدة السابقة، أي أن الصوت في قصيدة "فالتقطتْها بقلب وجيف" يبدأ باللحظة الراهنة في زمن الكتابة ثم يعود في الشق الثاني من الثنائية إلى الماضي ليلقي الضوء على اللحظة الماضية التي استحضرتها ذاكرة الصوت، في حين أن الصوت في قصيدة "ويدقُّ بيوت الأطفال" يبدأ من بداية الحدث ذاته وتلك اللحظة المفعمة بالإمكانات، وهي إمكانات تثبت القصيدة أن الصوت لم يستغِلّها أو أنه لم يكن على مستوى حدث أخذه الشجرة.


من الجدير بالذكر هنا أن هذا الشخص الذي يستحضره الصوت في القصيدة ربما يمثِّل الزمن ذاته، فهو حاضر في البدء، حاضر في المنتهى، كأنه كل الوجود وما عداه أشخاص يمرون عليه أو يمر بهم ثم يبتلعهم النسيان. كما أن الفعل "خبَّط" بصيغة التضعيف يوحي بالفاعلية والإصرار والعزيمة؛ و"حتى" تدل على أنه يستهدف الصوت ورفقائه ويقدم لهم الأشجار، الأمر الذي يوحي بأن الحياة تقدم نفسها لكل طفل، وهذا الطفل ذاته هو الذي بيده أن يستثمر إمكانات الحياة داخله أو يطفئها.


إن الفعل "خبط" الذي يضعِّف باءه الصوتُ في القصيدة لا يليه حرفُ الجر "في" في الاستعمال اللغوي المعتاد لهذا الفعل وبهذا المعنى إلا في معان من قبيل "خبط في عمياء" أي فعل ما يفعل بجهالة وغير تبصُّرٍ أو "خبط فيهم بخير" أي نفعهم كما يقول المعجم الوسيط الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة (الطبعة الثالثة 1985). ولكننا يمكننا النظر إلى الاستعمال الحالي في القصيدة على أنه تناص مع تعبيرات من قبيل "سيروا في الأرض" الواردة في القرآن وتحثُّ على الإصرار على معرفة أحوال الأقوام الآخرين كي لا يصدر المرء أحكاما قاطعة بلا أساس؛ كما أن قيام الصوت والشاعر من ورائه بإيراد حرف الجر "في" بين الفعل ومفعوله قد يوحي بالتباعد بين من يخبط الطرقات ومن ينشد الوصول إليهم، وهو أمر يؤيده استعمال الفعل في صيغة التضعيف كما أسلفنا. ويؤيده أيضا إيراد كلمة "طرقات" في صيغة الجمع، فليست هناك طريق واحدة توصل إلى هؤلاء الأطفال، بل على الزمن أن يسلك عدة طرق بحثا وتنقيبا حتى يصل إليهم. وإذا استحضرنا مفهوم الروائي باولو كويليو عن تكاتف روح العالم على تحقيق الأسطورة الذاتية للمرء إذا كان أهلا لذلك، يمكننا القول بأن الزمن يسخِّر كل إمكاناته ليرشد الطفولة والبراءة إلى طريقها من خلال الشجرة التي ربما ترمز للحياة ذاتها وإمكاناتها الواعدة. ومفهوم الشجرة ذاته قد يستدعي في أذهاننا كقراء شجرة المعرفة وبداية الوعي بالعالم المحيط، وأظن أن هذا التفسير أقرب لروح الجزء الثاني من النص والذي يمثل الفترة الزمنية من لحظة أخذ الشجرة حتى لحظة كتابة القصيدة. وإذا كان الفعل "خبط" يعني في أحد معانيه ضرب الشجرة بالمِخْبَط ليسقطَ شجرها كما يقول المعجم الوسيط، وإذا كان فعل الخبط في القصيدة يقترن بإعطاء شجرة، يمكننا القول بأن الزمن ذاته هو الذي يسلب المرء شجرتَه إذا لم يستطع أن يستثمر إمكاناتها ووعودها الإعمارية.


يبدأ الصوت في الشق الثاني من الثنائية بعد الفاصل الطباعي بإبراز دالَّ السنوات:


ألسنوات المارّة كقطارٍ
، مرّت كقطارٍ
، ضربت في الذاكرةِ
، وفي الفودين
، وفي القلبِ
، كمطرقةٍ
كمطارق طرّاقي الحربِ
(ص 10-11)


إذا كان من يوزِّع الأشجار على الأطفال يمثِّل الزمن كمفهوم مطلَق أو مصطلح شامل، فإن "السنوات" (ولا أرى مبررا لاستخدام الهمزة على الألف هنا) تمثل الزمن الخاص، الزمن الشخصي، الزمن الذي يكتنف حياة شخص بعينه. وإذا استدعينا مفهوم سوسير عن اللغة أو اللسان (مجموع القواعد والأعراف والمفردات الافتراضية للغة ما، كاللغة العربية مثلا وكل إمكاناتها) والكلام (الأداء المتحقق كمثال على هذه القواعد والأعراف والمفردات، كالجمل والعبارات التي أكتبها أنا الآن في هذه الدراسة)، يمكننا القول بأن من يوزِّع الأشجار هو لسان الزمن و"السنوات المارّة كقطارٍ" هي مثال على تحقق هذا الزمن أو حالة فردية من حالاته، وحالاته هنا تستحضر عنوان الديوان ككل – "أحوال الحاكي" – بوصفه يشمل أحوالا متعددة تعبِّر افتراضيا عن نفس الذات أو تجلِّياتها المختلفة في الزمن.


في هذا الزمن الخاص، نلاحظ الاتكاء المكثف على توظيف بنية التكرار سواء أكان هذا التكرار تاما كما في "كقطار" أو محوَّرا كما في "المارَّة" و"مرّت" أو "كمطرقة" و"كمطارق" وطرَّاقي" أو تكرارا تركيبيا كما في تكرار شبه جملة الجار والمجرور في "في الذاكرة" و"في الفودين" و"في القلب". ويمكننا أن نلاحظ فكرة التكرار حتى قبل أن نصل إلى تجلياتها من خلال مرور السنوات كقطار بما تمثله حركة القطار من رتابة وروتينية وآلية لا تشي بأي ملمح من ملامح التفرُّد. كما أن استخدم التشبيه "كمطارق طرَّاقي الحرب" يؤكد ما يموج داخل الصوت من صراع وإحساس وشيك بالهزيمة والانكسار. وإذا تمعَّنَّا في الاقتباس الذي أوردناه أعلاه نجد أن كلمة "القلب" تتخذ نفس قافية كلمة "الحرب" وكلتاهما مجرورة ولها نفس الوزن، الأمر الذي قد يوحي بأن الانكسار الذي يعاني منه الصوت ورفاق دربه في القصيدة يميل إلى الجانب الوجداني والروحي في حياتهم. كما أن إضافة "الحرب" إلى "طرَّاقي" بالتضعيف وليس "طارقي" يوحي بأنها حرب مفتعله أو على الأقل ليست في مصلحة من يحاربون فيها، بل في مصلحة من دقوا مطارقها. ومن الملاحظ أيضا أن "طرقات" و"مطرقة" و"مطارق" و"طرَّاقي" تنتمي لنفس الباب المعجمي وكأن الطرقات التي يسلكها الصوت ورفاقه محفوفة بالصراعات والأهوال والحروب.


تتوالي بنية التكرار في باقي القصيدة، مؤكدة كل الإيحاءات والظلال الدلالية السابقة:


، كبرنا
، وتكسّرت الطرقاتُ من الخطو المُرّ
، تكسّرت الخطواتُ من الطرقات المرّةِ
، ورجعنا
، فلقيناه يُخبّط في طرقات القريةِ
، ويدق بيوتَ الأطفالِ
، وفي يده
، الأشجارُ
، المزدهرة .
(ص 11)


من الملاحظ أن "الطرقات" المكسَّرة هنا تختلف عن طرقات القرية، فإذا كانت طرقات القرية تأخذ طابع العموم لتوحي بطرقات الحياة ودروبها بوجه عام أي أنها تمثل الزمن العام، فإن "الطرقات" المتكسِّرة تأخذ طابع الخصوص لتوحي بحياة الصوت ورفاقه بوجه خاص، أي أنها تمثل الزمن الخاص الذي تحدثنا عنه سابقا؛ ويمكننا أن ننظر إلى التكسير هنا على أنه تجسيد لهذا الزمن الخاص، أي أنه سير في الزمن نحو الكبر على الطرقات البكر بداية من مرحلة الطفولة وتلقِّ الأمانة باستلام تلك الشجرة.
ونلاحظ هنا التماثل أو التوازي التركيبي بين "تكسّرت الطرقاتُ من الخطو المُرّ" و"تكسّرت الخطواتُ من الطرقات المرّةِ"، الأمر الذي يوحي بتماثل أو تكافؤ فاعلية "الخطو المرّ" و"الطرقات المرّة" في تكسير الخطوات والطرقات وبالتالي "تكسير" فاعلية الذات في القصيدة وإرادتها. وإذا لاحظنا أن الصوت في القصيدة لا يورد ضمير المتكلم المفرد أو الجمع بعد كلمة "الطرقات" أو "الخطوات" (طرقاتنا، خطواتنا، على سبيل المثال)، يمكننا القول بأن الصوت لا يحس بأي اتصال بينه وبين هذه الطرقات وهذه الخطوات وكأنها لا تمت له بصلة على الإطلاق، الأمر الذي يؤكد أيضا غياب فاعلية الذات وإرادتها، ويستدعي أيضا إلصاق صفة المرارة بالخطو والطرقات في آن، وكأن التقدم في الزمن يقترن بزيادة في الوعي بمرارة الطريق.


من الملاحظ في هذه القصيدة غياب أي فاعلية حقيقية للصوت ورفاقه، فالضمائر النحوية التي تشير إليهم تجردهم من هذه الفاعلية – "إلينا" و"منا" في القسم الأول من القصيدة و"كبرنا" و"ورجعنا" و"فلقيناه" في القسم الثاني منها. فالضمير في "إلينا" و"منا" يأتي بعد حرف جر، وهو أمر يوحي بالتبعية، أو فلنقل إنه يدل على غياب مفهوم الفردية أو الذاتية لدى أطفال لم تتشكل شخصياتهم الفردية بعد. والضمير في "كبرنا" و"لقيناه" يوحي بالتلقي والاستسلام والرضوخ، في حين أن الضمير في "رجعنا" يوحي بفاعلية ولكنها فاعلية سلبية، أي تفتقر للمبادرة والإيجاب، فهي فاعلية تمثل جانبا آخر من جوانب الرضوخ لفعل السنوات، استسلام قهري للموت الماثل في مفهوم الزمن ذاته، وكأن المسافة ما بين طرقات القرية والرحيل عنها إلى الرجوع إليها تمثل دائرة الحياة على الأرض. ومما يؤكد ذلك وإن كان بمدلولات مغايرة البناء الدائري للقصيدة، فهي تبدأ وتنتهي بذلك الذي يخبط في طرقات القرية ويحمل في يده الأشجار. والبناء الدائري ذاته يوحي بتجدد دورة الزمن أو مجرد تكرارها وكذلك عدم التفات الزمن للتجارب الخاصة وإخفاقاتها.


بالرغم من كل هذه الإيحاءات التي قد توحي لدى البعض بنبرة تشاؤم تغلِّف القصيدة ككل، إلا أن التباين في توظيف دلالة الأشجار في مفتتح القصيدة ونهايتها يبرز لنا نبرة تفاؤل ضمنية. ففي مفتتح القصيدة ترد كلمة "شجرة" مفردة وساكنة نهايتها في آن، في حين أن "الأشجار" في نهاية القصيدة جمع ومُعرَّفة وموصوفة بصفة "المزدهرة" أيضا. وتنكير "شجرة" وتسكينها في مطلع القصيدة قد يدل على أن الصوت في القصيدة ورفاقه غير مهيأين لتلقي هذه الشجرة نظرا للسنوات التي تنتظرهما بقطاراتها وحروبها ومرارتها. واستخدام صيغة الجمع في كتابة القصيدة يشي بأن هذا المصير مصير جماعي لجيل بأكمله شهدا حروبا كثيرة، بداية من حرب 1948 ومرورا بحرب 1956 و1967 و1973 وحرب العراق وإيران وغزو الكويت وحرب العراق الأولى والثانية. ويعضِّد هذا التفسير الحضور المكثَّف لصوت الطاء في القصيدة وما يستدعيه من العمل المتواصل لـ "مطارق طرَّاقي الحرب".


أما جمع كلمة "الأشجار" وتعريفها ورفعها في نهاية القصيدة فيوحي بفاعلية وعلو هذه الأشجار من ناحية ويوحي أيضا بالازدهار الذي كانت تفتقده الشجرة الماضية. وصيغة الجمع في حد ذاتها قد توحي بالتعددية وغياب الصوت الواحد والأيديولوجية الشمولية الوحيدة. وهو أمر يؤكده أيضا حضور "الأطفال" في نهاية القصيدة وغيابهم عن بدايتها.


واقتران نهاية القصيدة بصيغة المضارع – حتى وإن كان مضارعا مقترنا بالفعل "لقيناه" – يدل على استمرار بدء الحياة من جديد، ويقترن ذلك بغياب صوت الطاء عن السطور الثلاثة الأخيرة للقصيدة، وهو أمر يدعو في حد ذاته للتفاؤل. وكون الشاعر يستمد عنوان القصيدة "ويدق بيوت الأطفال" من نهاية القصيدة يوحي بإصرار الزمن على بدء الحياة من جديد، كما توحي صيغة المضارع فيه بإمكانية هذا الاستمرار في المستقبل. وتؤكد ذلك الزيادةُ الكمِّيَّةُ في عدد أسطر نهاية القصيدة مقارنة ببدايتها. فإذا كانت بداية القصيدة مكوَّنةً من سطرين شعريين:


خبّط في طرقات القرية حتى وصل إلينا
، أعطى كلا منا شجرةْ .
(ص 10)


فإن نهايتها تتكوَّن من خمسة أسطر:


، فلقيناه يُخبّط في طرقات القريةِ
، ويدق بيوتَ الأطفالِ
، وفي يده
، الأشجارُ
، المزدهرة.
(ص 11)


هذه الزيادة الكمية تناظرها زيادة في المعنى فيما يتعلق بدقِّ بيوت الأطفال وازدهار الأشجار. فهنا لا يكتفي الزمن بالتخبيط في طرقات القرية بل يتبع هذا التخبيط بالدق على بيوت الأطفال، أي أنه يسمِّهم بالاسم أو يختصَّهم دون سواهم. كما أن ازدهار الأشجار في نهاية القصيدة قد يدل على أن الزمن أدرك من خلال تجربته مع الصوت في القصيدة ورفاقه نقاطَ العجز البشري فيهم وبالتالي حاول تعويضها من خلال هذا الازدهار.


يوحي البناء الدائري للقصيدة بامتداد مفهوم الزمن العام واستمرارية تجلياته. ويتجلى ذلك في دلالة الزمن المضارع الذي يبرز في عنوان القصيدة، فكل من يقرأ القصيدة في أي وقت منذ كتابتها إلى أن ينتهي الزمن كلية يوم القيامة سيجد هذا الزمن "يدق بيوت الأطفال". أما بالنسبة للزمن الخاص، فهو زمن نسبي وجزئي يتغيَّر بتغيُّر الأحوال والظروف والطرقات المختلفة للأفراد والذوات. بمعنى آخر، يمدُّ الزمنُ العام الأفرادَ بجزء من ذاته وينظر كيف يتصرفون فيه، وهل بمقدورهم أن يوظِّفوا إمكانات الحياة والانطلاق فيه أم يستسلموا لـ "الخطو المر" و"الطرقات المرة"؟.


الماضي المطلق


يتميز عدد من القصائد التي يستخدم فيها الصوت الزمن الماضي المطلق (إن جاز لنا هذا التعبير، ونقصد به الزمن الماضي الذي لا يتم تحديده على وجه الدقة في القصيدة على عكس قصيدتي "فالتقطتْها بقلب وجيف" و"ويدق بيوت الأطفال" حيث يتم تحديد الزمن بشكل واضح: ففي الأولى هناك عشرون سنة تفصل بين السؤال الذي يطرحه الصوت في زمن الكتابة واللقطة التي يستحضرها من الماضي البعيد، وفي الثانية هناك السنوات التي مرت كقطار وتقدم الصوت ورفاقه في العمر) – نقول يتميز عدد من هذه القصائد بغياب الفاصل الزمني تقريبا بين قسمي القصيدة.


يُظهر القسم الأول من قصيدة "وشكَّل أحبابَه في الدُّخان" السياق الزمني للحدث إن جاز لنا هذا التعبير، أي الإطار الزمني الذي يتحرك خط الحدث من خلاله. وكما في العدد الأكبر من قصائد الديوان، يأتي هذا الجزء الأول في سطرين شعريين يليهما الفاصل الطباعي:


سكت الليلُ
، وانطفأ الشمعدانْ .
(ص 24)


وبالإضافة إلى بيان زمان الحدث، تُبرز هذه الثنائية الشعرية طابعَ المكان أيضا. فنجد هنا السكون الشديد والظلمة التي ربما كانت شديدة أيضا. ويبدو أن مكان وزمان الحدث هنا متباعدان عن لحظة الكتابة التي يستخدم فيها الصوت ضمير الغائب ربما إمعانا في تأكيد وحدة ذلك "الوحيد" الذي يتتبع الصوتُ ما يفعله. واختيار الفعل "سكت" من بدائل من قبيل "هدأ" و"سكن" وما إلى ذلك من أفعال ذات قدر من الترادف – هذا الاختيار يبدو متعمدا لإبراز رغبة "الوحيد" في الكلام، أي أن كلامه يستتبع سكوت كل صوت آخر، أو بتعبير آخر، يبدو أن أصوات الليل ومن قبله النهار هي التي تساعد في إنماء وحدة هذا "الوحيد" أو تسلبه حقه في الكلام، وعليه أن ينتظر سكوتها وسكوت الليل وبالتالي سكوت الزمن ذاته وتوقفه حتى يستطيع هذا "الوحيد" أن يجد له صوتا وكأن صوت الزمن ذاته يمثل قيدا على صوت "الوحيد".


كما أن هذا السياق المتمثل في سكوت الليل وانطفاء الشمعدان (مع ملاحظة أن الفعل "سكت" والفعل "انطفأ" فعلان لازمان، أي أنه لا يوجد من يتسبب في السكوت ولا في الانطفاء وكأن هذان الفعلان يرمزان لتوقف الحياة ربما لبداية نوع آخر من الحياة) ربما يوحي بالتمهيد للقاء المحبين في هدأة الليل وانطفاء الأنوار بعيدا عن عيون الرقباء أو المتلصصين. كما أن السكوت في الحوار مثلا قد يدل على أن الساكت يعطي فرصة للشخص الآخر أمامه كي يأخذ دوره في الكلام turn-taking. وما أدل على ذلك من أن الشاعر يستأنف بعد الفاصل الكتابي قصيدته مباشرة وكأن هذا الفاصل فاصل اصطناعي لا يمثل فاصلا بقدر ما هو التقاط أنفاس بعد النقطة التي جعلت الشاعر يتوقف بعد كلمة "الشمعدان". فيبدأ الشاعر بعد الفاصل مباشرة بحرف العطف الذي يدل على التواصل:


والوحيد ارتدى بزة الوجدِ
، منقوشةً بالتذكّرِ
، والشوقِ
، أشعل تبغته
، وتصدّر مائدة للحنين المصفى
، وشكّل أحبابه في الدخانِ
، وقعّدهم في الكراسي
(ص 24-25)


ومن الملاحظ هنا أن الشاعر لا يطلق اسما أو صفة على هذا الرجل سوى كلمة "الوحيد" المقترنة بالألف واللام، الأمر الذي يجعله يمثِّل أكثر من نفسه ليصير رمزا لكل من يشعرون بالوحدة أو الغربة. كما أن صياغة السطر الشعري من خلال الجملة الاسمية وبالتالي فصل الفاعل ("الوحيد") عن المفعول ("بزة الوجد")، خاصة وأن حرف العطف يوحي بأن هذا السطر الشعري معطوف على السطرين السابقين عليه (المكتوبين بأسلوب الجملة الفعلية) وعلى الفاصل الكتابي – هذه الصياغة قد تدل أسلوبيا على أن "بزة الوجد" تنفصل عن هذا "الوحيد". وإذا تأملنا التعبير "بزة الوجد" ذاته، وجدنا أن كلمة "بزة" كلمة رسمية جدا وقليلة الاستعمال في المعجم الشعري المعاصر وكلمة "الوجد" شائعة الاستعمال وتجمع بين الحزن والمحبة وبالتالي توحي بالحميمية والإحساس، وكأن هذا التعبير يجمع بين دفتيه مفارقة سيجد القارئ تجلياتها في القصيدة ككل.


وحدثُ ارتداء "بزة الوجد" في حد ذاته يستكمل سياقيا الدلالات الضمنية السابقة التي توحي بها الثنائية قبل الفاصل الطباعي والخاصة بجو وصال المحبين. وعندما نواصل القراءة نجد أن السطرين التاليين يصفان هذه البزة، فهي "منقوشة بالتذكّرِ/والشوقِ". وفعل التذكُّر في حد ذاته قرين بالحزن الناشع من كلمة الوجد، وفعل الشوق نتيجة منطقية أو وجدانية لشق المحبة الكامنة في الكلمة نفسها. والتذكُّر أيضا استحضار لزمن غائب، لحدث ما عاد يتكرر، لفقدان لا يمكن تعويضه. أما الشوق الذي يتم التعبير عنه هنا في سطر شعري منفصل كما رأينا من قبل في قصيدة "فالتقطتْها بقلب وجيف" فهو شوق يوحي أيضا بالغياب والرغبة التي لا سبيل إلى إشباعها. ويمكننا القول بأن شِقَّي التذكُّر والشوق اللذين يتقاسمان النقوشَ المرسومة على "بزة الوجد" يرمزان للوحدة الطاغية التي "يعيشها" هذا "الوحيد". لكنهما في نفس الوقت وسيلتاه الوحيدتان للتعبير أو الكلام بعد سكوت الليل وانطفاء الشمعدان.


كما أن إيراد كلمة "تبغ" في صيغة المؤنث "تبغة" وكأنها اسم مرة أو حدث وحيد يتكرر كل ليلة دون تغيير أو تحوير يعزز هذه الوحدة. ونلاحظ هنا أن الضمير المتصل بكلمة "تبغة" هو الضمير الوحيد الذي يتصل بشيء يملكه هذا "الوحيد"، وعندما يقترن هذا الضمير بضمير متصل آخر وحيد يقترن بأشخاص يرتبط بهم هذا "الوحيد" ولا يخرجون إلى حيز الوجود إلا نتيجة لما تُحدثه هذه "التيغة"، يتكثف الإحساس بالوحدة ويتخذ أبعادا نفسية كبيرة. كما أن الحنين المصفَّى للمائدة التي يتصدرها هذا الوحيد – وكأنه المضيف الذي دعا هؤلاء الأحباب إلى مائدته – يستحضر فعل التذكُّر السابق وينبني عليه في آن. ففعل التصفية الذي تقوم به الذاكرة يوحي ببعد المادة أو التجربة المُصفَّاة من جهة ومن الجهة الأخرى يشي بمدى حميميتها وقربها إلى نفسية هذا الوحيد. وكلمة المائدة ذاتها وبالتالي الاستضافة يوحيان بأن المُسْتَضَافين لن يمكثوا طويلا، بل سيبقون لوقت قصير ثم يتركون الوحيد لوحدته، وبالتالي يمكننا القول بأن استحضار أشخاص من الزمن الماضي هنا ليشغلوا حيزا في الزمن الحاضر لفترة معلومة مجرد محاولة للخلاص من رتابة الحاضر، وهو حضور يستحوذ على باقي الزمن اليومي لذلك الوحيد، أي أن ما يحدث في القصيدة مجرد جملة زمنية ومكانية اعتراضية وسط يوم طويل من الملل والوحدة.


عندما نكمل قراءة القصيدة، نكتشف أن هذه الاستضافة لا تطمح إلا إلى "الكلام الجماعي":


، وحين ابتدا مهرجان الكلام الجماعيّ
، حين عَلا صوتهم
، وبدا يتوترُ
، طالبهم بالتروّي
، وقال :
، على رسلكم يا صحابُ
، هنا الماء
، والخمر
، كلٌ له قسمةٌ من خُطا الليلِ
، من خبزة الوقتِ
، من مهرجان الحنينِ
(ص 25-26)


يمثِّل هذا الفاصل الزمني أو الاستراحة الزمنية وسط رتابة الحاضر "مهرجانا"، أي احتفالا يبدو هنا يوميا لكلام جماعي لا يظهر على خشبة المسرح النفسي إلا بعد أن يسكت الليل وينطفئ شمعدان الأحداث اليومية التي يبدو أنها تفرض ضغطا متواصلا على ذلك "الوحيد" ولا يجد مُتَنَفَّسا منها إلا باللجوء إلى هذه الحيلة النفسية الكامنة في التذكُّر والحنين. كما أن وصف "الكلام" بأنه "جماعي" وكون هذا الكلامي الجماعي هدفا للاحتفال أو المهرجان اليومي قد يتعارض ظاهريا مع الجو العام الذي يخلقه مفتتح القصيدة من سكون الليل وانطفاء الشمعدان وتهيئة المقام لمناجاة العاشقين وتواصلهم.


ولكن يمكننا النظر هنا إلى "مهرجان الكلام الجماعيّ" على أنه الوجه الآخر لنوعية الكلام الذي جاء سكوت الليل ليضع نهاية له. ففي حين أن الكلام العام السابق على سكوت الليل (وهو كلام جماعي بالتأكيد لأن الليل ليس خاصا بفرد بعينه كما أن هذا السكوت يرمز لتوقف صخب الحياة المعتاد وما يحمله هذا الصخب من عدم التميُّز أو التفرُّد)، نجد أن "الكلام الجماعي" في سياق القصيدة يكتسب قدرا من الحميمية والتواصل الإنساني الدافئ الذي يدل استحضاره وتذكُّره والحنين إليه على غيابه وسط ذلك الضخب الحياتي الذي يقترن بالموات الجماعي والفردي على حد السواء. كما أن كلمة "المهرجان" في حد ذاتها تعني الاحتفاء أو الاحتفال بشيء غائب بالضرورة أو على الأقل شيء لا يتكرر كثيرا أو شيء له قيمة خاصة كبيرة ينبغي الاحتفاء بها وإبرازها لتعلو على ذلك الضخب المعتاد والمتكرر. وتوتر "الوحيد" من علو صوت أفراد الجماعة الذين يستحضرهم ربما كان ناتجا عن خوفه من أن يتحول كلامهم الجماعي وعلوه المتنامي إلى صخب يشبه الصخب المتكرر.


وفي هذا السياق يكتسب الكلام الذي يوجهه "الوحيد" لرفاقه دلالة خاصة. فهو يعلِّل مطالبتهم بالتروِّي بوجود الماء والخمر. وإذا كان كل شيء حيٍّ مخلوق من الماء، يمكننا القول بأن "الوحيد" يلفت انتباههم هنا إلى حضور الحياة على مائدة هذا "الحنين المصفّى" و"كلٌ له قسمةٌ من خُطا الليل". وعندما تقترن "الخمر" بـ "خبرة الوقت"، يمكننا أن نلمح في القصيدة المفهوم المسيحي الماثل في تجسد السيد المسيح في الخبز والخمر، الأمر الذي قد يوحي بأن "مهرجان الكلام الجماعي" هنا هو "العشاء الأخير". وربما لهذا السبب أورد الشاعر سطر "من مهرجان الحنين" في آخر القائمة التي يلفت "الوحيد" انتباههم إلى تجسُّدها أمامهم؛ أي أن كل هذا المهرجان وما يمثِّله سيكون ذكرى في القريب العاجل وسيكون مأدبة للحنين بدوره، ولكن يبدو أن الأشخاص الذين سيجسدون هذا الحنين لن يكونوا نفس الأشخاص المتحلقين حول المأدبة الآن.


إن اقتران "خبزة" بـ "الوقت" وكلٌ له قسمة من هذه الخبزة يوحي بأن هناك زمنا عاما للحنين يجمع كل المحتفيين في هذا المهرجان وهناك زمنا خاصا يتمثَّل في المخزون الشخصي في ذاكرة كل شخص ممن يحضرون المهرجان وما يستتبعه من "تصفية" أو "فلترة" خاصة لما في هذه الذاكرة وبالتالي خصوصية ما يتولَّد من حنين لدى كل منهم.


تأتي خاتمة القصيدة وخاتمة صوت "الوحيد" في آن لتكثِّف الإحساس بالوحدة:


، وتمتم :
، في الغدِ
، لابد من مقعدين جديدين
، إني أرى اثنين
، لا يجلسان .
(ص 26)


فلقد فاض الحنين لدرجة أن المقاعد المرصوصة حول مائدته لا تكفي لاستضافته والاحتفاء به وظهرَ شخصان لا يجدان مكانا لهما حول هذه المائدة. وعدم كفاية مائدة الحنين يمكن أن يدل على أن "الوحيد" عندما تجسَّد أمامه الحنين واندمج فيه بدأ يشعر بعزلة أكبر وبالتالي رأى أنه في حاجة إلى المزيد من أطياف الزمن الماضي لكي يتخلص من هذه العزلة. أما إذا استكملنا إيحاءات استعارة تجسد المسيح في الخبز والخمر يمكننا القول بأن هذين الشخصين معادلان لمن "صُلِبَا" بجانب السيد المسيح في المعتقد المسيحي. وهذه الاستعارة في حد ذاتها توحي بأن هذا المهرجان هو "العشاء الأخير" وبالتالي لن يتكرر، وهو أمر يُشعِرنا بمدى وحدة هذا "الوحيد" وغربته حتى عن ذكراه وماضيه وحنينه.


يتَّخذ مفهوم الزمن في قصيدة "وشكَّل أحبابَه في الدُّخان" عدة تجليات. فيبدأ الزمن في هذه القصيدة بالابتعاد عن الزمن العام أو الجمعي وما يمثله من صخب يخنق الكلام الخاص. وتبدأ نقطة التحوُّل هذه بسكوت الليل وانطفاء علاماته ومن قبلهما رحيل النهار بكل ملابساته وما يكتنفهما معا من تغييب للخصوصية والحميمية. ثم تتخذ المرحلة التالية طابع الحنين وهو نوع من التذكُّر وبالتالي استحضار زمن في زمن آخر أو الاشتياق للخروج من زمن آني والرجوع أو التعايش المؤقت في زمن سابق وما يستتبعه ذلك من لفت الانتباه إلى غياب القيمة التي يمثلها هذا الزمن الماضي عن الزمن الحاضر. ونجد أن زمن الحنين هذا يتكون من زمنين: زمن عام يشمل كل الذين يشعرون بالحنين ويجتمعون على مائدة واحدة للاحتفاء بهذا الحنين، وزمن خاص بكل منهم وما يمثله له هذا الحنين من قيمة خاصة وفردية. ونلاحظ هنا أنه عندما يكتمل حضور الزمن الخاص، يتسع الزمن العام بالضرورة وبالتالي يزيد عدد من يشغلون حيزه الزماني والمكاني وبالتالي لا تكفيهم مائدة الحنين. وتكمن المفارقة هنا في أن الحنين عندما يبلغ مداه يشي بالتوحد التام في الزمن (الأمر الذي يرمز له "العشاء الأخير" هنا)، أي الخلاص من الإطار المكاني الذي يحدد الزمن الممتد، وتحول الذات إلى نقطة زمنية في لانهائية الزمن الممتد، أي الخروج من إطار المكان للالتحام بالزمن المطلق، وبالتالي الالتحام بمادة أو مصدر هذا الحنين من أشخاص رحلوا بالفعل قبل هذا "الوحيد"، فينضم إليهم في سرمدية زمانهم ويصبح هو بدوره مادة لحنين أشخاص آخرين أو على الأقل حنين مائدته وجماعته الدخانية له.


يجسِّد السمَّاح عبد الله فكرة الزمن في حد ذاتها في قصيدة "وتبتدئان في رفس المياه". وتتخذ هذه القصيدة شكل الأمثولة الشعرية والقصصية في آن. كما أن سرد هذه الأمثولة يأتي في إطار الزمن المطلق الذي لا يتم تحديده بشكل صريح في النص. وكما أن قصيدة "وشكَّل أحبابه في الدخان" تمزج الزمن بين الشق الأول من الثنائية قبل الفاصل الطباعي والشق الثاني بعده، نجد أن قصيدة "وتبتدئان في رفس المياه" لا تترك فاصلا زمنيا بينهما.


تبدأ القصيدة بإعلان خبر مجيء امرأة النهار وامرأة الليل سويا – "أتتا معا" (ص 12) – واقترانهما ببعضهما وتلازمهما. ثم يأتي الفاصل الطباعي ليستأنف بعده صوت الشاعر كيفية هذا المجيء وملابساته. يأتي وصف المرأة الأولى في سطرين شعريين يحددان سماتها:


إمرأة ٌ تلبس فستانا نهاريا له شمسٌ تضوّي
، آنةً وتغيبُ حتى تهطل الأمطارُ
(ص 12)


مع ملاحظة عدم لزوم الهمزة التي تحت ألف امرأة لأن هذه الهمزة تنطق عروضيا مادامت في أول السطر، هذا إذا قبلنا أصلا فكرة جواز انتهاك العروض لقواعد اللغة، فهو الذي لابد أن يخضع للغة، لا هي التي تخضع له). تجسِّد هذه المرأة النهار بكل ما فيه من شمس وضياء يستوليان على رقعة المكان وبحضورهما في المكان يثبتان حضور الزمان، ولا تغيب هذه الشمس طوال النهار إلا لكي تتوارى خلف الغيوم المحمَّلة بالأمطار ووعود الحياة وبالتالي امتداد الزمنين الخاص والعام في آن.
أما بالنسبة للمرأة التي تجسِّد الليل فيصفها الشاعر في سطرين شعريين أيضا كما يلي:


، وامرأة ٌ لها زِيٌّ مسائيٌّ له قمرٌ
، وبضعةُ أنجمٍ وسحابتان وغابة مهجورةٌ
(ص 12)


ومن الملاحظ هنا أن السطر الأول الذي يقدِّم امرأة الليل هذه يكاد يتمثل بنائيا مع السطر الذي قدَّم امرأة النهار، فكلاهما عبارة عن جملة اسمية تصف ما تلبسه كل منهما: تلبس/لها؛ فستانا نهاريا/زي مسائي؛ شمس تضوّي/قمر. وبرغم هذا التشابه البنائي، نجد أن المفردات اللغوية التي يختارها الشاعر في كل موضع بنائي وما يقترن بها من أوصاف تجسِّد تكاملهما وتباينهما في آن. ففي السطرين اللذين يصفان امرأة النهار يحضر الفعل بكل تجلياته: تلبس، تضوّي، تغيب، تهطل؛ في حين أن الفعل يغيب تماما من السطرين اللذين يصفان امرأة الليل. وهذه الأفعال تكاد تكون مرادفة للحياة ذاتها، وحتى الفعل الذي يجسِّد غياب الشمس وليس مغيبها لا يأتي إلا لكي يفسح النهار لهطول الأمطار وبالتالي المزيد من رموز الحياة واستمراريتها. ويوحي غياب الفعل عن السطرين اللذين يصفان امرأة الليل بالسكون والراحة بعد كثرة الفعل في النصف الأول من اليوم، ففي حين أن امرأة النهار "تلبس فستانا نهاريا" نجد أن امرأة الليل "لها زيٌّ مسائيٌّ"، ويكمن الفرق هنا في أن الفستان مفردة توحي بالتزيُّن واستقبال الحياة، بينما كلمة "زي" كلمة محايدة لا يوحي بالاستعداد لاستقبال أحد أو التهيؤ له، وهو أمر تفسِّره الأوصاف التالية لهذا الزي: فقمره لا "يضوِّي" وأنجمه غير موصوفة بشيء وكأنها تستعد للأفول؛ وإذا كان السحاب يحتمل سقوط المطر أو لا يحتمله، فوجود سحابتين فقط في هذا الزي المسائي يزيد من احتمالات عدم إمكانية سقوط الأمطار أصلا، على عكس هطول الأمطار من فستان امرأة النهار، ويعضِّد من هذا الأمر ورود عبارة "غابة مهجورة" بما توحي به من غياب الحياة سواء أكان هذا الغياب متعمدا أم تلقائيا.
بعد أن يقدِّم الشاعر المرأتين في إطار وصفي شبه قصصي يركِّز على الزمن المضارع وبالتالي حضورهما – وإن كان هذا الحضور يشي بالأفول أو على الأقل الزمن اللانهائي من خلال الغابة المهجورة وما تستحضره في الذهن من زمان ومكان غير مشغولين بالبشر – ينتقل الشاعر إلى وصف حركتهما في الزمان والمكان:


، أتتا من الحقل البعيدِ
، تخوّضان البحرَ والمستنقعاتِ
، وتعبران على مماشي الزرعِ
، حتى جاءتا الإسفلتَ في قلق خريفيٍّ
، وريفيٍّ
(ص 12-13)


والمتأمل في تتابع حركاتهما يمكنه أن يري فيها رصدا لرحلة الإنسان على الأرض. فـ"الحقل البعيد" الذي يمكننا أن ننظر إليه بوصفه معادلا موضوعيا معكوسا للغابة المهجورة قد يوحي بنقطة انطلاق الحياة أو حتى الحياة في اكتمالها قبل الهبوط منها إلى الأرض وبداية رحلة الإنسان عليها. كما أن "البحر والمستنقعات" قد يرمزوا للمرحلة الأولى من تشكِّل الحياة على الأرض عندما كانت الدنيا كلها عبارة عن ماء شاسع الامتداد وشكَّل منه الله البحار والمحيطات واليابسة. ثم تنتقل هاتان المرأتان إلى الطور الزراعي من الحضارة البشرية بمشيهما على "مماشي الزرع"، لتنتهي رحلتهما مؤقتا عند الإسفلت وما يرمز إليه من العصر الصناعي والمدنيَّة.


ومن الجدير بالملاحظة هنا أن الشاعر يقدِّم "البحر والمستنقعات" و "مماشي الزرع" بدون أوصاف قد تبرز تقييمه لها أو رؤيته الأخلاقية لها، في حين أنه يصف موقفهما للإسفلت بأن قلقهما إزائه "قلق خريفيّ/وريفيّ". ربما نجد في وصف قلقهما بالخريفي انعكاسا للروية الفلسفية والدينية (القديمة) التي تنظر للتقدم التاريخي والحضاري على أنه تدهور أو أفول بداية من العصر الذهبي مرورا بالعصر الفضي والبرونزي وصولا إلى العصر الحديدي. وإذا نظرنا إلى هذا التطور من منظور الطبيعة الذي تتبناه القصيدة أو المرأتان هنا نجد أن هذا التطور يتخذ شكلا زمنيا من خلال تعاقب الفصول وصولا إلى الخريف. ووصف القلق بأنه"ريفيّ" يوحي أيضا بأن هاتين المرأتين وزمنيهما يمثلان الحياة ذاتها وما فيها من إمكانات الخضرة والنماء والزرع والحصاد.


يبدو أن هاتين المرأتين تجسدِّان الزمن بشقيه داخل الإنسان ذاته، فالنهار يجسِّد الطفولة والشباب، بينما يمثِّل الليلُ الشيخُوخةَ والأفولَ:


، وشمسُ المرأةِ الأولى تضوّي
، تضحك الأخرى تشدّ المرأة الاأولى
، تخاصرها وتتجهان للبحر بخطوٍ واهنٍ
، ذي خلةٍ عرجاء
، تشتجران فيما يشبه الغضب الخفيفَ
، وتقعدان معا على حجر رخاميٍّ
، لملمسه حرير الزغب الطالع من نهدٍ
، بدائيٍّ
، وتبتدئان في رفس المياهِ بفرحةٍ
، ظهراهما للناسِ والشمس الكبيرةِ
، والطيور الراجعات
، وحفنة الشجر المعشق في الخفا
، وجهاهما للبحرِ
، والسمك الذي يقفز بين الحين والحين
، ترشان على وجهيهما الماء المُندّى
، بحنين السمك العريانِ
(ص 13-14)


فأفعال المرأتين هنا تتخذ طابعا رمزيا، فشدُّ المرأة الثانية (الليل) للمرأة الأولى (النهار) يقترن بالاتجاه نحو البحر "بخطو واهن/ذي خلة عرجاء" (ص 13). والخطو الواهن والعرج هنا – وهما فعلان سيتكرران في نهاية القصيدة يوحيان بزوال النهار والشباب والاقتراب من نهاية الشيخوخة والذبول والموت وبالتالي نهاية الزمن الخاص والالتحام بالزمن اللانهائي. وبالرغم من أن كلمة "بدائيّ" تتساوى بنائيا وعروضيا مع كلمتي "خريفيّ" و"ريفيّ"، إلا أننا يمكننا القول بأن البداية هنا تميل نحو الريفية بقدر ما تبتعد عن الخريف وما يرمز له، أي أن هاتين المرأتين بالرغم من اقترابهما من النهاية الحتمية من خلال الموت إلا أن بدائية النهد الكامنة في ملمس الرخام تدفعهما لـ"رفس المياه بفرحة"، وكأنها تولّد فيهما شبق الحياة والحنين إليها، إلى الحنين إلى استرجاع الزمن الماضي لكي تتغلبا أو تتناسيا الخطو الواهن والعرج المقترنين بهما الآن. وكون أنهما توليان ظهريهما في هذا المقطع "للناس والشمس الكبيرة/والطيور الراجعات/وحفنة الشجر المعشق في الخفا" يوحي بزوال مظاهر الحياة بالنهار كما أسلفنا ويوحي أيضا بأنهما تمثلان الزمن في حد ذاته، فـ"الناس" هنا خارج إطار الصورة بالمرة. وكون أن "الماء" الذي ترشَّان منه "على وجهيهما" مندَّى "بحنين السمك العريان" يوحي بحنين الزمن إلى ذاته في مرحلة ولَّت من مسيرته وصيرورته وأبديته في آن. ويستمر طقس الحنين هذا:


، حتى يذكر الله النهار الفاتن الواشي
، فيقبضه
، وتغرب شمسة الأولى فتنهض
، وهي تقفل زر فستان النهار
، فتنهض الأخرى تقول لها :
، مواعيدي أنا هلَّت وها قمري بدا يصعد
، في صمت وبضعة أنجمي برقتْ
، على إيقاع خطو سحابتيّ
، وها هما أتتا إلينا كي تدلانا على درب
، يوصّلنا لشجْر الغابة المهجورة
، الأولى تقول لها :
، مواعيدي ستأتي مرةً أخرى فلا تتعجلي
، وتمهلي إني أخاف الغابة المهجورةَ
، الأخرى تراودها على ضجرٍ
، وتشتجران فيما يشبه الغضب الخفيفَ
، وتمشيان معا بخطو واهنٍ ذي خلة عرجاء
، حتى تدخلا شجرا يشكِّل غابة خربانةً
، ظهراهما للناسِ والقمر الشفيفِ
، وحفنة العربات في جريانها
، تتخاصران
وتحلمان بأن ترشا ورق الأشجار
، حتى يلمعا .
(ص 14-16)


والله هنا هو الذي بيده النهار وبيده الليل وبيده الزمن كله يقبضه متى شاء. وكون الشاعر هنا يصف "النهار" بأنه "الفاتن الواشي" يوحي بفتنة الحياة الأولى أو العصر الذهبي للزمن ذاته، الأمر الذي يدعو امرأة النهار لأن "تقفل" زر فستانها بشمسه وضوئه ومطره ولا تترك فرصة لامرأة الليل لتستمتع بهذه المفاتن ثانية. ومن الملاحظ هنا أن قمر امرأة الليل يصعد في صمت وكأنه ينعي الخطوة المحتومة نحو النهاية، كما أن السحابتين هنا تجلَّت مهمتهما المتمثلة في أنهما مرشدتين تدلان المرأتين "على درب/يوصّلنا لشجر الغابة المهجورة". ونلاحظ أيضا هنا أن امرأة الليل تلصق ضمير الملكية بكل متعلقاتها: "قمري"، "بضعة أنجمي"، "سحابتيّ"، وكأنها تتعلق بأي شيء يثبت أنها حاضرة وستواصل حضورها، وهي أمنية أو رغبة لا تلبيها الغابة المهجورة ولا الغابة الخربانة في نهاية القصيدة.


ومن الملاحظ هنا أن امرأة النهار تؤكد أن مواعيدها ستأتي من جديد، وتعلن خوفها من "الغابة المهجورة" التي قد تكون هنا معادلا للوحشة والقبر وتوقُّف الحياة ونهاية الزمن ذاته. وعندما تعلن عن هذا الخوف، نجد أن المرأة "الأخرى تراودها على ضجر"، وكأنها تعرف مدى سرابيَّة أمل امرأة النهار. ومن الملاحظ أيضا أن هذه المراودة لا تأخذ وقتا طويلا، فسرعان ما تعود المرأتان إلى تكرار أفعالهما السابقة تكرارا لفظيا ومعنويا في آن:


، وتشتجران فيما يشبه الغضب الخفيفَ
، وتمشيان معا بخطو واهنٍ ذي خلة عرجاء
، حتى تدخلا شجرا يشكِّل غابة خربانةً
(ص 16)


وعندما ننظر إلى الصيغة الأولى لهذا الحدث المكرر التي وردت في مقطع سابق من القصيدة كما يلي:


، تضحك الأخرى تشدّ المرأة الاأولى
، تخاصرها وتتجهان للبحر بخطوٍ واهنٍ
، ذي خلةٍ عرجاء
، تشتجران فيما يشبه الغضب الخفيفَ
(ص 13)


نجد تشابها وتباينا بين الموقفين. ففي الحالتين نجد أن الشجار الذي يأخذ شكل "الغضب الخفيف" يوحي بمزاح العجائز، وهو شجار لا يوحي بالغضب بقدر ما يوحي بالملل والرغبة في إمضاء الوقت. وفي المقطع الأول في القصيدة تمسك امرأة الليل بزمام المبادرة من خلال أفعال من قبيل "تضحك" و"تشدّ" و"تخاصرها"، في حين أن المبادرة تكاد تتلاشى في المقطع الأخير وتنحصر في الفعل "تراودها" المقترن بالضجر. كما أن الشجار والغضب الخفيف يأتيان في المقطع الأول بعد المخاصرة والاتجاه "للبحر بخطوٍ واهنٍ" مما يدل على أولوية رغبتهما في الاستمتاع "بحنين السمك العريان"، في حين أن هذا الشجار يسبق أي شيء في المقطع الأخير مما يدل على أنه نتيجة مباشرة للمراودة والضجر ويدل أيضا على أن المرأتين أوشكتا على الوصول إلى الغابة الخراب. ونلاحظ أيضا في المقطع الأول أن الشاعر يستخدم الفعل "تتجهان" الذي يدل على النية والتعمُّد والقصد لأن البحر الذي تتجهان إليه يرمز لبداية الحياة وفطريتها وإمكان الولادة الجديدة لحظة تشكُّل الحياة على الأرض. ولكن الشاعر في المقطع الأخير يحذف الفعل "تتجهان" ويحل محله الفعل "تمشيان" الذي لا يحمل أيا من إيحاءات الفعل الأول. وإذا كان الشاعر قد فصل في القطع الأول عبارة "ذي خلة عرجاء" عن عبارة "بخطو واهن" مما يوحي بضعف هذا العرج أو أن الرغبة في الالتحام بالحياة تجعل المرأتين لا تحسان بالعرج كثيرا، فإنه في المقطع الأخير يصل هاتين العبارتين في سطر شعري واحد: "وتمشيان معا بخطو واهنٍ ذي خلة عرجاء"، الأمر الذي يوحي بالتصاق العرج بالخطو الواهن وكأن خطو المرأتين ينبئ برغبتهما في تأخير وصولهما إلى الغابة الخربانة أو على الأقل بإحساسهما بأن دخول هذه الغابة بمثابة قدر أو مصير لا ترغبان فيه. ونلاحظ أيضا أن امرأة الليل تصف هذه الغابة في بداية القصيدة وفي منتصفها بأنها "غابة مهجورة"، في حين أن الشاعر يصفها في نهاية القصيدة بأنها "غابة خربانة"، وهما وصفان يدلان على التباين بين رؤيتي العالم لدى امرأة الليل والصوت في القصيدة ومن ورائه الشاعر بالطبع. فترى امرأة الليل أن نهاية الزمن ما هو إلا "غابة مهجورة" ستكون فيها المرأتان أو الليل والنهار وحيدتين تحفهما العزلة والشيخوخة ولن تقدرا على مواصلة رحلتهما اليومية، في حين أن الصوت في القصيدة أن أفول الزمن خراب وخيانة للحياة ذاتها، ففي هذه الغابة الخربانة نجد المرأتين "ظهراهما للناس والقمر الشفيف/وحفنة العربات في جريانها"، أي ظهراهما للحياة بأكملها. ويبدو أن المرأتين تستشعران الخراب المحيط بهما، فها هما "تحلمان بأن ترشا ورق الأشجار/حتى تلمعا". والحلم هنا يوحي بمدى عجزهما، فهما لا ترشَّان "ورق الأشجار"، بل تحلمان فقط برشِّه، ولكنه على أي حال حلم يوحي برغبتهما المشتركة في عدم الخلود إلى النوم وبالتالي الموت، ورغبتهما في بدء الحياة من جديد وعودة الزمن.


تصوّر قصيدةُ "وتبتدئان في رفس المياه" مفهوم الزمن في شكل متجسّد يتخذ الطابع السردي أو شبه السردي. والشخصيَّتان الوحيدتان هنا هما امرأة النهار وامرأة الليل، وما سواهما (الناس و"الطيور الراجعات" و"العربات في جريانها"، الخ؛ أي كل مظاهر الحياة على الأرض) مجرَّد خلفية لما تفعلانه. وهو أمر يدفعنا لأن نرى الزمن أكبر من كل هذه الحياة التي تُعَدُّ مجرد تنويعات على لحن الزمن الأكبر أو الزمن العام، وإن كان لكل منها زمنها الخاص. كما أن هذه الرحلة الزمنين ترمز لمسار الحياة على الأرض من بدايتها لنهايتها، بداية من البحر والماء قبل بدء الخليقة حتى الخراب على الأرض في نهاية الزمان. ويمكننا النظر أيضا إلى مفردات الحياة التي تكمن في خلفية القصيدة من ناس وطيور وعربات على أنها لا تعبأ بهذا الزمن العام أصلا، فكل منها مستغرق في زمنه الخاص ولا يخرج منه لتأمل هذا الزمن العام أو دلالته. كما أن توظيف بنية التكرار في القصيدة قد يوحي برتابة جريان الزمن من منظور الزمن ذاته وليس من منظور الكائنات التي تشغل هذا حيِّزَ هذا الزمن.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


د . جمال الجزيري ، المدينة المنورة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,284,515,889
- محمد الفارس يكتب عن مدخل لقراءة العالم الشعري للسمّاح عبد ال ...
- دقة بدقة ولو زدنا لزاد السقا
- حسان علي . . الذي رَأَى فَتَرَقَى
- وجه حسن طلب
- مرثية للعمر الجميل
- الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان
- ديمومة العاشق
- آمال الديب تكتب عن ديوان أحوال الحاكي للشاعر السمّاح عبد الل ...
- سيد حجاب العرّاف الذي رأى الطوفان
- رأيت أمل دنقل
- علي منصور .. التحولات والموقف
- عن جريدة القاهرة وصلاح عيسى
- لن أتخلي عن الموسيقي‏
- كمال عبد الحميد يكتب عن ديوان الرجل بالغليون للشاعر السمّاح ...
- الدكتور عبد الحكم العلامي يكتب عن ديوان الواحدون للشاعر السم ...
- حامل الدم
- اكتمال الحال
- الدكتور جمال الجزيري يكتب عن ديوان متى يأتي الجيش العربي للس ...
- الدكتور صلاح فضل يكتب عن ديوان أحوال الحاكي للسمّاح عبد الله
- عبد المنعم رمضان يكتب عن السمّاح عبد الله


المزيد.....




- بوريطة..القرار رقم 693 يضع قضية الصحراء المغربية في إطارها ا ...
- قالها الكاريكاتير..
- الثقافة تستقبل سيتا هاكوبيان ونوفا عماد
- هموم الواقع العربي في أيام بيروت السينمائية
- الجملة التي أغضبت أم كلثوم من عبد الحليم حافظ و-كادت أن تنهي ...
- جينيفر لوبيز -تهين- الرجال! (فيديو)
- مصر.. معاقبة مطرب مشهور بسبب التهرب الضريبي
- من جديد .. قانون الأمازيغية على طاولة لجنة برلمانية
- انطلاق أشغال المؤتمر الوزاري الإفريقي حول الصحراء المغربية
- 14دولة ببريتوريا لدعم البوليساريو.. و 40 دولة بمراكش لدعم مس ...


المزيد.....

- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السمّاح عبد الله - البعد الزمني في ديوان - أحوال الحاكي -