أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - بدل فقير حجي - يوميات سائق تاكسي في المانيا الجزء الرابع















المزيد.....



يوميات سائق تاكسي في المانيا الجزء الرابع


بدل فقير حجي

الحوار المتمدن-العدد: 3856 - 2012 / 9 / 20 - 17:59
المحور: سيرة ذاتية
    


منذ اكثر من تسعة سنوات مضت وانا اعمل فيها بصفة سائق تاكسي في المانيا و بالتحديد في مدينة أولدنبورك و التي هي مركز لأحدى المحافظات الثلاث التابعة لولاية نيدرزاكسن و مركز عاصمتها هي هانوفر ، تقع اولدنبورك في الشمال الغربي من المانيا و على مقربة من الحدود الهولندية.
1. أنا قاتل غزالة
بينما كنت واقفا مساء أحدى الايام في محطة القطارات أتاني زبونان (رجل وزوجته ) وطلبا مني أن أنقلهما الى مدينتهما الصغيرة والتي تبعد حوالي ثلاثين كيلومترا من أولدنبورك ، أثناء الطريق تحدث الزبونان وقالا بأنهما قادمين من القاهرة وبأن طائرتهم تأخرت حوالي ساعة ونصف ، وهذا هو سبب وصولهما مساءا ، حيث كان من المفترض أن يكونا في البيت قبل حلول الظلام ، قلت لهما ستكونان في البيت بعد نصف ساعة والمهم أنكما وصلتما بسلامة ، وقبل دخولنا الى احدى القرى الواقعة على الطريق بمسافة مائتي متر تقريبا تفاجئت بدخول غزالة كبيرة الى منتصف الشارع ، رد فعلي كان سريعا وجيدا جدا ، فقمت بعملية الفرملة المعقولة والتدريجية وفكرت بأن أمر في أحد جانبي الطريق بحيث أتجنب الاصطدام بها ، والامر هذا كله طبعا تم خلال ثواني معدودة ، ولو أني أردت أن لايحصل أي شيء للغزالة ، لكان بالامكان فعله ولكن ذلك كان سيكون على حساب نزولي من الشارع الى القناة الصغيرة للمياه الجاري بموازاتها ، أي أن تنقلب السيارة بكل تأكيد وأحتمال الموت كان سيكون واردا جدا لنا نحن الثلاث ، ولو لم يكن ردة فعلي أيجابيا الى أقصى درجاته لتمت عملية دهس الغزالة في وسط مقدمة السيارة وأحتمال تطايرها على الزجاج الامامي كان سيكون واردا أيضا وبالتالي فأن كلا الجزئين من السيارة كانا سيتحطمان بقوة وأن ذلك كان سيحدث لي أرباك وصدمة ، وهذا يعني فقدان السيطرة على القيادة والتي ربما كانت ستؤدي بالنتيجة الى أنقلاب السيارة و العواقب حتما كانت ستكون وخيمة وكارثية.
الحصلية والنتيجة النهائية كانت حدوث أصطدام غطاء العجلة الامامية اليسرى من الجهة الجانبية وليس من مقدمته بالغزالة الكبيرة ، وعلى أثر ذلك أصابت بجروح ووقعت على الجهة الجانبية اليسرى من الشارع ، توقفت في الحال على الجانب الايمن وفتحت أضواء التحذير الاربعة ، ثم أتصلت بكل من مركز التاكسي وشرطة المنطقة وأخبرتهم بالموضوع وحددت لهم موقع الحادثة ، سألت الشرطة عن وضعنا ووضع الغزالة ، فأخبرتهم أننا بخير والغزالة مجروحة ، قال لي الشرطي حسنا أبق في مكانك ، ربما سنتأخر بعض الشيء وسأتصل بالصياد أيضا ليأتي ويعالج أمر الغزالة. بعد أنتظار حوالي النصف ساعة أتت الشرطة وبعدهم بدقائق أتى الصياد وضرب الغزالة بطلقة الرحمة من بندقية الصيد ووضعها في صندوق سيارته وذهب ، وطلبت مني الشرطة الاوراق و الوثائق وقاموا بتدوين البيانات وتسجيل المحضر ، بعدها واصلت السير مع زبائني ووصلتهم الى البيت لكن بعد أن تأخروا ساعة ونصف أضافية أخرى.
أثناء السير في الليل تحصل في الكثير من المرات العبور الفجائي للقطط و الارانب من أحدى جانبي الطريق الى الجانب الاخر ، كما يكثر تواجد القنافذ ايضا في الشوارع و خاصة الفرعية منها ، جدير بالذكر أن الالمان يتشائمون عند رؤيتهم لقطة (هرة) سوداء تعبر من الجانب الايسر الى الجانب الايمن من الشارع ، وحسبما أتذكر فأنه حصل لي ثلاثة حوادث مع القطط ، أودت بحياة أثنتين منهما والثالثة مرت تحت السيارة وكتب لها الحظ فنجت ، وحصل أن أصطدمت مرة حمامة بمرآة الجهة اليسرى من التاكسي أودت بحياتها هي الاخرى . مادمنا بصدد القتل فلأعترف بذنوبي الاخرى التي أقترفتها : أثنا أداء الخدمة العسكرية وبالاشتراك مع جنديين أخرين قتلنا حمارا في الليل وفي ظننا أنه حيوان بريّ ، قتلت أيضا ثعبانين بالكلاشينكوف .
بعد قرائتي لرواية الجريمة والعقاب الرائعة و العظيمة لديستوفسكي ، رأيت مرة في الحلم أني قتلت أنسانا ، كان حلما مرعبا رهيبا مخيفا مدمرا فأبشع مافي الكون والحياة هو القتل حتى ولو كان في الحلم ، أعتقد من يقرأ الرواية الانفة الذكر حتى ولو كان أنسانا سيئا فأنه لن يقدم على أرتكاب جريمة قتل أنسان.
2. أنا قاتل كلبة
جرت أنتخابات برلمان كوردستان العراق للمرة الاولى عام 1992 ، في حينها كنت كادرا نشطا في الاتحاد الوطني الكوردستاني ، السرقات والفساد الاداري والمالي كان قد بدأ قبل ذلك ، كنا نشكو الى المسؤولين الكبار عن مايحصل ، فكانوا يقنعوننا ويقولون : عليكم بالصبر والتحمل و الى أن يتم أجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة وملئ الفراغ الاداري الذي حصل نتيجة سحب صدام لأداراته من كوردستان وعندها سيصبح كل شيء على مايرام ، الانتخابات جرت وتم تشكيل الحكومة و الى اليوم والفساد بكل أشكاله لايزال مستشريا وفي جميع المفاصل والمؤسسات الرسمية الكوردستانية وكذلك العراقية أيضا ، أذ أن مافيات سياسية هي التي تحكم البلاد وتنهب ثروات شعبه .
في فترة الانتخابات الانفة الذكر كلفت من قبل لجنة تنظيمات قضاء الشيخان التابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني بأداء واجبي النتظيمي والاعلامي كمسؤول لقاطع ناحية باعذرة الحالية حيث منطقة سكني وأقامتي ، وفي نفس الوقت كمشرف وممثل للحزب المذكور في المركز الانتخابي الخاص بذلك القاطع . توجهت لوحدي من مقر اللجنة الحزبية في أتروش وعبر الطريق الجبلي الى باعذرة وكنت أحمل معي سلاح كلاشينكوف ومسدس وكيسا مليئا بالكراسات والبوسترات والجرائد والصور الخاصة بالحملة الاعلامية للانتخابات ، وبعد عبوري لسلسلة جبال وصلت الى قمة أحدى التلال ، جلست لأأخذ قسطا من الراحة ولأدخن سيكارة من باكيت (البوند) الذي كان بحوزتي ، رأيت راعيا شابا على قمة التل المقابل يرعى غنمه ، سلمت عليه من بعيد وقلت له تفضل عندي لأقدم لك سيكارة ، رد الشاب على تحيتي وشكرني على الدعوة وقال أنا منشغل مع الغنم وليس لدي الوقت للجلوس والحديث معك . بعدها نزلت من التل بأتجاه الارض المنبسطة حيث يجري جدول صغير من المياه النقية الخارجة من بعض العيون الواقعة بين أطلال قرية قديمة ، الراعي أيضا كان ينزل مع غنمه بذلك الاتجاه ، وما أن رأتني كلبته مع جرواتها الثلاثة أو الاربعة من بعيد بدأت بالنباح المستمر والجري بسرعة كبيرة نحوي ، الشاب في ذلك الاثناء كان يمتطي حماره وكان أيضا مسلحا بكلاشينكوف ، والغريب أنه لم يأمر كلبته بالسكوت عن النباح والوقوف عن الهجوم على أنسان غير معادي لهم ، شكل الكلبة وطريقة هجومها كانا واضحين بأنها تريد الانقضاض عليّ وتمزيقي ، جدير بالذكر بأنه قبل ذلك التأريخ بأيام قليلة كانت مجموعة من الكلاب السائبة قد هاجمت مجموعة من الجنود في مجمع مهد التابع لقضاء الشيخان أيضا ، ونتيجة لعضات تلك الكلاب فأن الجنود أصابوا بداء الكلب أو غيرها من الامراض أيضا ، ولعدم أجراء اللازم فأن الحادثة أودت بحياتهم .
الكلب المهاجم أقترب مني جدا ، لذلك رميت الكيس الذي كان بحوزتي وسحبت أقسام البندقية بقوة جدا ظنا مني أنها ربما ستخاف من صوتها وأن صاحبها ايضا سيقوم بما ينبغي عليه القيام به وسينتهي الامر ، وبما أن ذلك لم يحدث لذا قمت بأطلاق رصاصة في الهواء ، وعلى أثرها تراجعت الكلبة للوراء مسافة خطوة أو خطوتين ومن ثم تقدمت نحوي ثانية ، أطلقت الرصاصة الثانية والوضع لم يتحسن أيضا ، أطلقت الرصاصة الثالثة ولكن من دون جدوى يذكر ، بل أن الكلبة أزدات أكثر ضراوة وشراسة وعلمت باليقين أن الامر أنتهى وأنها ستنقض عليّ ، لذلك وجهت الطلقة الرابعة نحو أطرافها فأصبتها في مكان ما من جسمها ، لذا توقف نباحها في الحال ومن ثم تراجعت نحو الوراء وبدأت تأن من الجرح الذي أصابها ، عندها حضر الراعي الممتطي للحمار أمامي وقال: أذن قتلت كلبتي !؟ أجبت : أعتقد أني أصبتها بجروح ولا أعلم هل ستموت أم لا ؟ لذا أنا أعتذر منك جدا ، أرجوك أصفح عني وأغفر لي فعلتي هذه ، وأنت رأيت بأم عينيك كيف كانت تهاجمني وأطلقت ثلاثة رصاصات في الهواء ولكن من دون جدوى ، كما ذكرت له قصة الجنود وماحدث لهم قبل أيام في مجمع مهد . غضب الراعي الشاب غضبا شديدا وقال : كيف تقتل كلبتي ؟! قلت له : يا أخي أعلم أن ذلك في العرف العشائري يعني الكثير ، لذلك قل لي أسمك وأسم عائلتك كي أئتي الى داركم وأعتذر منكم أمام الملئ والناس أجمعين من أهالي المجمع وليعطوني العقوبة أو الجزاء وحسب العادات والتقاليد الاجتماعية . لكن ذلك أيضا لم يجد نفعا ، قدمت له سيكارة مرتين وأستحلفته بالله والملائكة و الانبياء والرسل والاولياء كي يعفو عني ويسامحني على الحدث ، ذلك أيضا لم يجلب نفعا . يبدو أن الراعي الشاب كان يعرفني لذلك علق عليّ بالقول : تقوم بألقاء الندوات وتتكلم بأسم الاحزاب وبلسان طويل ، وتقرأ شعاراتا في الاحتفالات ، هكذا تظهر نفسك أمام الناس كرجل سياسة ، ولكنك في الحقيقة تخاف من كلبة ، لذلك قتلتها ، أهذه هي رجولتك وبطولتك وسياستك التي تمارسها ، الا تخجل من نفسك ؟!
أعتقد أن الشاب كان شاهد من قبل بعض ماقمنا به نحن مجموعة من شباب المنطقة أيام أنتفاظة 1991 وكذلك بعض نشاطاتي ضمن الجبهة الكوردستانية وأخرى حزبية خاصة بالاتحاد الوطني الكردستاني مابعد مرحلة الانتفاظة ، لذلك صدرت منه العبارات الانفة الذكر . ثم سأل وقال : والان ماذا سأفعل وماذا سأقول للناس والتي ستسأل وتقول : أمام مرأى عيناك قتلت كلبتك وكنت مسلحا بكلاشينكوف ولم تجرئ على الاقدام بأية ردة فعل؟! ومن ثم سيعلقون ويقولون أين ذهبت رجولتك ، هل أصبحت أمرأة لتسكت على من قام بقتل كلبتك؟ وبدأ الشاب يغلي وينفعل ويثور في داخله كالبركان وبلغ الامر مرحلة خطيرة جدا وكان قاب قوسين أو أدنى للبدأ بالانفجار ، لكن زمام الامور كانت في يدي والموقف القتالي بصورة عامة كان لصالحي وكنت على أهبة الاستعداد للقضاء عليه فيما لو كان قد حاول وبادر هو فعل ذلك ضدي ، ولتلك الاسباب لم يستطيع ذلك الشاب على الاقدام في ترجمة مشاعره الغاضبة جدا بالصورة التي كان يريدها ، أستمريت أنا في التوسل والرجاء منه كي يصفح عني أو يذكر أسم عائلته لكي أذهب اليها وأقدم لها أعتذاري ، لكن من دون جدوى كما ذكرت ، جدير بالذكر أنه ظل طوال مدة الحدث و الحديث ممتطيا حماره ولم ينزل من على ظهرها. بدأت أراقبه بحيطة وحذر شديدين والى أن أبتعد بعض الشيء ومن ثم واصلت أنا كذلك السير في أتجاه المجمع وكنت التفت الى ورائي بأستمرار خشية أن يقوم من بعيد بفتح النار عليّ بواسطة بندقيته . جبل صغير كان يفصل بين مكان الحدث والمجمع ، تسلقته وهناك التقيت براعي كبير السن ، عرفته بنفسي وأخبرته بتفاصيل الموضوع ، ثم سألته عن ذلك الراعي الشاب وعائلته وكذلك اسم كبير او الوجه الذي يترأس أو يمثل عشيرته وفخذه في المجمع أو المنطقة . الراعي المسن كان طيبا جدا وحكيما في نفس الوقت ولب طلبي ، كما قال مادمت قدمت اعتذارك واسفك الشديد وبتلك الطريقة التي تقولها وتذكرها ، وبما أننا من أهل مجمع وقرية واحدة ولأنك لم تقتل الكلبة عن عمد بل دفاعا عن النفس لذلك كان لزاما عليه أن يقبل أعتذارك ويصفح عنك، لكنه لازال شابا عنيدا و صغيرا ولم ينضج بصورة جيدة وكافية بعد ،لذلك كان موقفه سلبيا تجاهك ، شكرت ذلك الراعي وأودعته ، بعد مدة عشرين دقيقة وصلت القرية ، القيت جميع ما كان معي في غرفتي بالبيت ثم توجهت الى دار الوجه الاجتماعي الذي يمثل عشيرة ذلك الراعي الشاب ، في وسط المجمع التقيت بأحد الاصدقاء وهو الاخر مقيم حاليا في المانيا وقلت له هيا بسرعة تابع معي السير ، سأل الى أين ؟ قلت له سأشرح لك الامر في الطريق ، وصلنا الى الدار الذي قصدناه ، وبالصدفة الحسنة فأن أحد كبار رجال الدين كان في ضيافة الدار المذكور، وتربطني بالاخير علاقات عائلية خاصة قديمة وقوية جدا ، شرحت لهم تفاصيل الحادثة والقصة ، فقالوا هيا بنا نذهب معا الى دار الراعي الشاب لنلتقي بوالده ولنعالج الامر ، وبالاضافة الى الشخصيات التي ذكرتها فأن رجلا أخرا كان جالسا في دار الوجه الاجتماعي المذكور وبذلك اصبح مجموعنا خمسة أشخاص ، ذهبنا جميعا مشيآ على الاقدام الى الهدف المنشود وفي ذلك الاثناء كان الليل أرخى بسدوله ، رحب بنا صاحب الدار وقدم لنا الشاي ومن ثم قمت بسرد وشرح القصة والحادثة من الفها الى يائها وقلت أنا الان دخيلك وضيفك وأرجو أن تصفح عني وتغفر لي ذنبي وأنا مستعد لتنفيذ الشيء الذي يقرره هذه الشخصيات الكبيرة والمرموقة والمحترمة . في الاول قال والد الراعي ما الذي سأفعله معك ، أنك قتلت الكلبة وأنا لا أطلب منك تعويضا ، لكنك عملت وفعلت شيئا كان يمكن أن لايحدث ، والناس تعودت على الاعتداء علينا وهذه قسمتنا وليس لي كلام أخر أقوله لك ، لهجة وأسلوب تلك اللغة تعني أنه لم يعفى عني ورسالته كانت تحمل بين طياتها معاني وامور غامضة ، السادة الحاضرين كان لهم دورا أيجابيا جدا والحوا عليه كثيرا كي يطيب بخاطر الجميع ويعفى عنيّ ، بعد مضي حوالي النصف ساعة من الحديث وصل الراعي الشاب مع غنمه الى الدار وسأله الحاضرين عن الموضوع ، ولم ينفي هو الاخر تفاصيل الرواية التي قمت بسردها لهم من قبل ، عندها فرح والده وأعلن من أعماق قلبه عفوه الحقيقي عني وذلك لمجموعة من الاسباب منها أن أبنه لم ينفي روايتي ، كما أنه أستنتج بأن أبنه هو الذي أهمل واجبه أو ماكان ينبغي عليه القيام به لتفادي تلك النتيجة السلبية برمتها ، ومن ثم تقديرا وأحتراما للسادة الكرام الذين حضروا الى داره لمعالجة الموضوع ، والرجل لم يقبل بتقديم أية تعويض أو فصل لكلبته والتي ربما يتم تقديمها في هكذا حالات عند بعض العشائر ، وتبين في الاخيربأن الرجل أنسان طيب وكريم ومحترم جدا وأن عدم أعلانه للعفو عني منذ البداية وكذلك لهجته الغير مرنة و المشوبة بالكأبة والحزن في البداية كانت بسبب شعوره بالغبن والظلم الذي الحق به مرتين خلال أسبوع واحد ، حيث بيّن الرجل وقال أن شخصا مجهولا قتل بقرته أيضا أمام داره قبل أسبوع من حادثة مقتل كلبته على يدي في ذلك اليوم . قدرنا نحن جميعا موقفه ووضعه وحالته ، وتأسفنا له كثيرا ، كما قدمنا له شكرنا على كرمه وطيبته ودماثة أخلاقه ، ومن ثم أودعناه .
بعد تلك الحادثة بحوالي أربعة أو خمسة أشهر توجهت يوما ما من مجمع باعذرة الى منطقة أتروش ، أي في هذه المرة بعكس أتجاه رحلتي الاولى في القصة الانفة الذكر ، ولكن خط سير المشاة كان هو نفسه ، وفي هذه المرة كنت أحمل معي مسدسا نوع سميث وبخمسة رصاصات أو طلقات فقط ، تجاوزت منطقة الحادثة الاولى حوالي الخمسة مائة متر تقريبا وهنالك وعلى بعد مسافة مائة متر تقريبا الى اليسار رأيت قطيعا من الغنم وراعيه ومعه ثلاثة أو أربعة كلاب و التي ما أن رأتني حتى بدأت بالنباح وتقدمت نحوي ، في هذه المرة قلت لنفسي لو أتت الكلاب ومزقتني سوف لن اقتلها وما في أستطاعتي فقط هو محاولة رمي بعض الاحجار أمامها عسى أن تتراجع الى الوراء وأتمكن أنا من الفرار ، كما خطر ببالي أن أصرخ وأطلب النجدة من الراعي ليفك ويبعد كلابه عني ، بالفعل قمت بالصياح والمناداة على الراعي قائلا له أرجوك أنقذني ولاتدع كلابك تقترب مني وتهاجمني ، أستجاب الراعي على الفور لطلبي وأمر كلابه بالتراجع وتقدم هو بعض الخطوات نحوي ومن ثم رأيته يبتسم ويقول : أطمئن وأذهب في طريقك ، لن أدعهم يقتربون منك والله معك ، بعد أن تنفست الصعداء وهدأت أعصابي ركزت التمعن في وجه الراعي فتعرفت عليه وتبين أنه هو نفسه بطل قصتي الاولى ، وأن مجموعة الكلاب تلك لم تكن سوى جروات الكلبة التي قتلتها ، وها هي قد كبرت بعد مضي تلك المدة ، وربما أنها بحواسها الخاصة أدركت أيضا أنني قاتل أمهم . لم أستطيع سوى أن أبتسم لذلك الراعي الشاب الطيب و أن أقدم له شكري و أن أودعه وأواصل رحلتي والفرحة تغمرني لتلك النهاية السعيدة.
3. أفلام الكارتون والمسلسلات القديمة
عند الرجوع من العمل الى البيت ، لاأستطيع النوم مباشرة مهما كانت الساعة ، بل أأكل وأشرب وأشاهد التلفزيون والانترنيت لمدة ساعة أو ساعتين ومن ثم أغسل أسناني وأنام ، وفي الكثير من المرات عند مشاهدة القنوات الفضائية العربية في أوقات الفجر أجد أنها تعرض أفلام الكارتون التي كنا نشاهدها في ايام المرحلة الابتدائية والمتوسطة والاعدادية ، مثل السندباد ، مغامرات الفضاء ،عدنان ولينا ، ماجد اللعبة الخشبية صاحب الانف الطويل ، ساسوكي ، بشار النحل وغيرها ، وأستمتع جدا بمشاهدتها ثانية بالرغم من أني تجاوزت الخامسة والاربعين من العمر ، في هذا العام كنت أتابع أيضا مسلسل الخيال العلمي الخاص بالفضاء ( ستارتريك) من أحدى القنوات الالمانية ، جدير بالذكر أن ذلك المسلسل كان يعرض في التلفزيون العراقي عامي 1974 – 1975 حسبما أتذكر ، وأعيد عرضه لاحقا في السنوات التي تلتها ، يتطرق المسلسل في أحدى حلقاته الى القانون الذي وضعه حمورابي في مسلته الشهيرة ، كما تعرض في القنوات الالمانية مسلسلات أخرى قديمة والتي كنا نشاهدها في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم في التلفزيون العراقي ، مثل مسلسل البيت الصغير ودالاس وغيرها. جدير بالذكر أن أفلام الكارتون والمسلسلات لها الدور والتأثير الكبير في تكوين الشخصية الفكرية والثقافية للانسان في جميع المراحل وخاصة في مرحلة الطفولة.
4. عجوزة تلعب القمار
في المساء أستلمت طلبية ، ذهبت للعنوان فكانت زبونتي أمرأة عجوزة ، أعتقدت سلفا أنها ربما زارت أحد أقاربها أو معارفها وها هي ستعود الى منزلها ، سألتها الى أين ياسيدتي ؟ ذكرت أسم القرية السياحية التي تبعد حوالي العشرين كيلومترا من أولدنبورك ، قلت لها هل تسكنين هناك؟ أجابت : كلا ، بل أريد الذهاب الى كازينو القمار في تلك القرية . تعجبت للامر وقلت لفسي أمرأة في العقد الثامن من عمرها وتلعب القمار ليلا ! روت لي تلك السيدة حكايتها بأختصار وقالت : قبل حوالي العشرين سنة تقريبا زارنا بعض أقاربنا من مدينة بعيدة ومكثوا عندنا عدة أيام وسألوا عن عنوان لأحدى كازينويات القمار القريب من مسكننا ، فذكرنا لهم أحد العناوين وأخذوني أنا وزوجي الى ذلك المكان وبدأنا بلعب القمار و منذ ذلك اليوم تعلمنا أنا وزوجي أيضا على ممارسة القمار واصبنا بأدمانها ، ومن ثم ذكرت أن زوجها توفي قبل حوالي السنة وقبلها أضطر الى الاستلقاء في فراش المرض مدة ثلاثة سنوات ، وأكملت قائلة : كنت أحب زوجي جدا وقمت بتقديم أحسن رعاية وخدمة له طيلة السنوات الثلاث من مرضه ، وأنا لا أريد البقاء هنا ، بل أريد الذهاب الى زوجي ، ولكن الذي هنالك في الاعالي (وكانت تقصد به الله ) لايريد ذلك الان ، سأكون سعيدة جدا لو ذهبت الى حيث يقيم زوجي .
5. زميل أيراني أعماه الطمع
يقول ذلك الزميل الايراني : كنت أملك مطعما صغيرا للوجبات السريعة والبسيطة ، وكنت أكسب وأربح منها مالا كثيرا جدا ، ولكن الطمع أعماني وقلت لنفسي لماذا لا أبيع هذا المطعم الصغير وأقوم بشراء مطعم كبير فسأربح منه بالتاكيد أموالا ضخمة جدا ، وبالفعل أشتريت مطعما كبيرا في وسط المدينة ، ولكني لم أحسن أدارتها وذلك لقلة خبرتي وبعدها بحوالي السنة تقريبا أضطررت الى أعلان الافلاس وخسرت كل تلك الاموال التي جنيتها وربحتها لسنوات من مطعمي الصغير السابق ، وها أنتم تروني أعمل معكم كسائق تاكسي لعدم أمتلاكي أي رأسمال لشراء وفتح محل أو مطعم جديد .
6. سوبرتالينت ، افريقي من كونغو
في احدى أيام نهاية شهر أب المنصرم صعد زبون افريقي من الكونغو في محطة القطارات الى التاكسي وكان يحمل معه الة الكيتار الموسيقية ، في الطريق سألته هل تعزف الموسيقى جيدا ؟ أجاب نعم أنا أعزف وأغني أيضا وبلغات مختلفة الانكليزية والفرنسية وأخرى أفريقية ، ثم قال شاركت مؤخرا في برنامج (سوبر تالينت ) لأصحاب المواهب المتميزة وتمكنت من الصعود الى الدور النصف النهائي وقريبا سأدخل المنافسة للدور النهائي ، ثم أراني في هاتفه الجوال صورة الجائزة أو الهدية التي حصل عليها من ذلك البرنامج ، بعد أن أوصلت الزبون المذكور الى داره تمنيت له النجاح والتوفيق في البرنامج المذكور ومن ثم ودعته .
7. لورينس العرب
لست بصدد تعريف لورينس العرب أو تقديم معلومات عنه ، فهنالك العديد من الكتب والافلام الوثائقية التي صدرت عن هذه الشخصية السياسية والتاريخية العالمية و المثيرة ، أضافة الى فيلم سينمائي شهير وكبير حاصل على عدة جوائز الاوسكار والذي شارك في تمثيله كل من بيتر أوتول ، أليك غينيس، أنطونيو كوين و عمر الشريف . ويمكن الاطلاع على المزيد من المعلومات عنه أيضا بواسطة الانترنيت . ولكن ما يهمني القول هو أنه قبل عام تقريبا تم نقل المتحف الخاص به من بريطانيا والذي يحوي على( جميع مقتنياته وآثاره وكل مايتعلق به ، أضافة الى بعض القطع الاثرية السورية ) الى المانيا ليتم عرضها في عدن مدن ومنها مدينة أولدنبورك حيث توجد فيها ثلاثة متاحف رئيسية تقع في وسط المدينة ، وتم عرض متحف لورينس العرب لمدة ثلاثة أشهر في أحدى أقسام متحف (لاندس موزيوم ناتور أوند مينش أولدنبورك ) والذي يبعد حوالي ثلاثمائة متر فقط من مركز التاكسي الذي أعمل فيه ، المتحف كان رائعا وأبلغت الكثيرين من الاصدقاء بصدد الموضوع وضرورة زيارتها خاصة وأن المتحف هو الذي أتى الينا ولم نذهب نحن اليه في بريطانيا .
8. زميل مهندس متقاعد وعازف موسيقى
عمل الزميل هذا مدة خمسة وأربعين عاما بصفة مهندس في عدد من الشركات المختلفة ومن ثم أحيل أو حصل على التقاعد ، يعمل حاليا كسائق تاكسي وكذلك عازف موسيقى في أحدى الفرق المحلية الشعبية للمدينة ، والتي تقيم أمسيات غنائية في بعض المطاعم والفنادق والبارات ، والالة التي يعزف عليها زميلنا تسمى( تسيها مونيكا ) وهي شبيهة جدا بالاوكورديون ، وأسم فرقتهم الغنائية والموسيقية هي : (أولدنبوركس لوستيكه موزيكانتن ).
9. حب عمره سبعة وثلاثون سنة
مدرسة أعدادية تسكن في مدينة صغيرة تقع في وسط المسافة بين أولدنبورك وبحر الشمال والذي يبعد حوال الستين كيلومترا شمالا ، نقلت تلك المدرسة في الليل من محطة القطارات الى مدينتها ، في الطريق قالت لي أنا الان قادمة من الجنوب حيث يسكن صديقي والذي تعرفت عليه قبل سبعة وثلاثين سنة في الجامعة ونشأت بيننا آنذاك علاقة حب ، ولكننا لم نفعل ونتواصل كما كان ينبغي لكي يثمر عن ذلك الحب الزواج المثالي الذي يحلم به أي عاشقين ، بل أن علاقتنا أنقطعت وتزوجت أنا من رجل أخر وأنجبت منه ولدا ، وحسبما أتذكر أنها قالت أن عمره الان ثمانية وعشرون سنة ، ثم قالت أن علاقتي بزوجي طيلة الفترة الماضية لم تكن حميمية ولم تربطني به شيء نابع من اعماق الروح والنفس والفكر ، بالرغم من أني أنجبت منه ولدا وبنينا مع بعضنا البعض بيتا جميلا ، الا أن علاقتنا كانت دائما تتسم بالبرودة والسطحية وخاصة في السنين الاخيرة ، وأخيرا توصلنا الى حل يرضي الطرفين وهو الانفصال بهدوء ، هو لديه الان صديقته وأنا أيضا رجعت الى صديقي الذي أحبني وأحبته قبل سبعة وثلاثين عاما ونحن الان سعداء مع بعضنا البعض ، أذ أنا أزوره بين فترة وأخرى وقريبا سنتمكن من العيش معا تحت سقف واحد و الى الابد . سألتها وهل طيلة الفترة الماضية لم تكونا تلتقيا مع بعضكم البعض أبدا ؟ أجابت : نحن الاثنان كنا نشترك في العلاقة والصداقة مع أناس أخرين ، مناسباتهم وأحتفالاتهم هي التي كانت تجمع شملنا بين فترة وأخرى ، وكنت دائما أحس في داخلي بشيء ما يربطني بذلك الانسان ، لكني هذا لايعني أني لم أحاول في فترة زواجي أن أحب الرجل الذي أقترنت به وأنجبت منه ولدا وبنيت معه بيتا جميلا وأن أنسى علاقتي الاولى ، لكن زوجي لم يجعلني أشعر بأنه يحبني من أعماقه ، بل أنه لم يكن يعطي القدسية للعلاقة الزوجية ، لذلك الانفصال كان هو الافضل لنا نحن الاثنين ، هو الان سعيد مع صديقته وأنا الاخرى سعيدة مع صديقي الجديد القديم .
10. تحذير وتنبيه
عندما يعلم زميل ما بوجود كاميرات ورادارات البلدية أو الشرطة المؤقتة والمتنقلة والخاصة بمراقبة سرعة السيارات بمكان ما فأنه يبلغ مركز التاكسي بصدد ذلك وبدوره يعمم الخبر على جميع الزملاء من خلال راديو التاكسي كي يأخذوا الحيطة والحذر ولايتجاوزوا السرعات المحددة وبالتالي كي لايقعوا في شرك ومصيدة الرادارات والتي تفرض غرامات على المتجاوزين وربما تكون العقوبات قاسية جدا في حالات السرعة الزائدة جدا ، وفي المانيا عموما وكما هو معلوم فأن الكثيرين من الناس يتصلون ببرامج الراديو الحية والمباشرة ويزودنها أيضا بمكان تواجد تلك الرادارات وكاميرات المفارز المتنقلة كي يأخذ سواق السيارات والمركبات حذرهم ولايتجاوزوا السرعة المحددة والقانونية .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,818,835,915
- يوميات سائق تاكسي في المانيا الجزء الثالث
- يوميات سائق تاكسي في المانيا . الجزء الثاني
- يوميات سائق تاكسي في المانيا
- اسنان الرئيس بارزاني
- ما بعد رحيل الرئيس جلال الطالباني


المزيد.....




- بوادر أزمة دبلوماسية.. ألمانيا تستدعي سفير روسيا بشأن هجوم 2 ...
- بعد خطط الضم الإسرائيلية.. الخارجية الأمريكية تحذر من -عنف م ...
- الولايات المتحدة: رجل أسود يستوقف سيدة بيضاء لأن كلبها لم يك ...
- مصر.. مواطن يدعي أنه المهدي المنتظر والأمن يعاقبه (صورة)
- طهران: سنعزز الحزام الأمني للخليج
- ما هي الأعراض الرئيسية لالتهاب اللوزتين ومتى يكون خطيرا؟
- الاتحاد الأوروبي يمدد العقوبات ضد سوريا لمدة عام
- بسبب كورونا.. "إيزي جيت" للطيران تعتزم الاستغناء ع ...
- كازينوهات لاس فيغاس ستفتح من جديد.. ومالك أحدها يعرض 1700 تذ ...
- بسبب كورونا.. "إيزي جيت" للطيران تعتزم الاستغناء ع ...


المزيد.....

- يوميات الحرب والحب والخوف / حسين علي الحمداني
- ادمان السياسة - سيرة من القومية للماركسية للديمقراطية / جورج كتن
- بصراحة.. لا غير.. / وديع العبيدي
- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - بدل فقير حجي - يوميات سائق تاكسي في المانيا الجزء الرابع