أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - محمد عادل زكى - الاقتصاد السياسى فى فكر كارل ماركس







المزيد.....


الاقتصاد السياسى فى فكر كارل ماركس


محمد عادل زكى
الحوار المتمدن-العدد: 3819 - 2012 / 8 / 14 - 18:42
المحور: الارشيف الماركسي
    


كارل ماركس (1818 - 1883)
نعاه إنجلز بقوله:". . . لقد كانت رسالته فى الحياة أن يُسهم بطريقة أو بأخرى فى قلب المجتمع الرأسمالى....وأن يُسهم فى تحرير بروليتاريا العصر الحديث الذى كان أول مَن جعلها تعى مركزها وحاجاتها وتدرك الظروف التى يُمكن فى ظلها أن تحصل على حريتها. كان القتال ميدانه . . . وقد قاتل بعنف وإصرار ونجاح لا يُباريه فيها كلها إلا قليل. . . ومن ثم فقد كان أكثر رجل تعرض للعداء فى عصره، ثم مات محبوباً محترماً مبكياً عليه من ملايين العمال الثوريين من زملائه من مناجم سيبريا إلى سواحل كاليفورنيا، وفى كل مكان فى أوروبا وأمريكا. . . إن إسمه وعمله سيخلدان على مر العصور"
وقال عنه شومبيتر فى عبارات معبرة:"حقاً يختفى معظم ما يخلقه العقل أو الخيال بعد أزمنة مختلفة من عمليات الخلق تلك، قد تقصر أو تطول، لكن بعض هذه الاثار لا يختفى أبداً... فقد تعانى الاحتجاب، ولكنها تعود للظهور تارة أخرى، وهى روائع عظيمة، وما من ريب أن ذلك ينطبق على رسالة ماركس... "
تصور كارل ماركس
يبدأ ماركس تحليله إبتداءً من أن ثروة المجتمعات التى يسودها نمط الانتاج الرأسمالى، تبرز بوصفها تكديساً هائلاً من السلع، بينما تبرز كل سلعة على حدة كشكل أولى لهذه الثروة. الامر الذى يستلزم أن يبدأ ماركس من حيث تحليل السلعة، ويتعامل معها إبتداءً من كونها مادة خارجية، شىء، يلبى، بفضل خصائصه، حاجة من الحاجات البشرية، مع وعيه بأن طبيعة تلك الحاجات البشرية، سواء كان مصدرها المعدة أم الخيال، لا تغير من الامر شيئاً، ومع وعيه كذلك بالدور الذى تلعبه السلع على صعيد كل من الإستعمال والتبادل.
ومن هنا يرى ماركس إمكانية النظر إلى كُل شىء نافع، مثل الحديد والورق...إلخ، مِن وجهتى نظر: مِن الجانب الكيفى ومِن الجانب الكمى. فكُل مِن هذه الأشياء هو مجموع للكثير مِن الخصائص ولذلك يُمكنه أن يكون نافعاً بمختلف جوانبه. وإن الكشف عن هذه الجوانب المختلفة، وبالتالى عن الاساليب المتنوعة لإستخدام الأشياء هو عمل مِن عوامل التطور التاريخى. ويصح قول الشىء ذاته فيما يتعلق بإيجاد المقاييس الاجتماعية، فالاختلاف فى مقاييس السلع إما أنها تعود إلى إختلاف طبيعة المواد موضع القياس، وإما أنها إصطلاحية.
إن منفعة الشىء تجعل منه حائزاً لقيمة إستعمالية، ولكن هذه المنفعة، ليست مُعلقة فى الهواء، كما يقول، فهى لكونها مَشروطة بخصائص جسد السلعة، لا توجد بدون السلعة؛ ولذلك فإن جسد السلعة، كالحديد والورق والذهب...إلخ هو بحد ذاته قيمة إستعمالية، ولدى النظر فى القيم الاستعمالية يقتضى الامر دائماً تحديدها كمياً، مثلاً: برميل من النفط، طن مِن حديد، متر مِن القماش، جرام مِن الذهب إلخ، وتُشكل القيم الاستعمالية للسلع، لدى ماركس، موضوع عِلم خاص هو عِلم السلع، ولا تتحقق القيمة الاستعمالية إلا مِن خلال الاستعمال أو الاستهلاك. وأن القيم الاستعمالية تُشكل المضمون المادى للثروة مهما كان الشكل الاجتماعى لهذه الثروة، وفى ظل شكل المجتمع الرأسمالى الذى نحياه حالياً، تُعتبر القيم الاستعمالية فى الوقت نفسه حاملات مادية للقيمة التبادلية.
وتبدو القيمة التبادلية قبل كُل شىء كعلاقة كَمية، كنسبة يجرى بموجبها تبادل قيم إستعمالية مِن نوع ما بقيم إستعمالية مِن نوع آخر. فإن سلعة مُعينة، كيلو مِن القمح مثلاً تجرى مبادلته بمقدار (س) مِن الأرز، و (ص) مِن الحرير، و (ع) مِن الفضة، وما إلى ذلك، وبإختصار: بسلع أخرى بأكثر النسب تبايناً، وبالتالى فليس للقمح قيمة تبادلية واحدة، بل لها، كسلعة، الكثير جداً مِن القيم التبادلية، ولكن بما أن (س) مِن الارز، و (ص) مِن الحرير، و (ع) مِن الفضة، إنما تُشكل القيمة التبادلية للكيلو مِن القمح، فإن (س) من الأرز، و (ص) من الحرير، و (ع) مِن الفضة، وما إليها، يجب أن تَكون قيماً تبادلية قادرة على أن تحل محل بعضها البعض، أى أن تكون متساوية فيما بينها. ومِن هنا ينجم، أن القيم التبادلية المختلفة للسلعة تعبر عن شىء واحد.
ولنأخذ سلعتين للتمثيل المبسط، وليكن الحرير والفضة، فمهما تكن علاقتهما التبادلية يُمكن على الدوام التعبير عن هذه العلاقة بمعادلة تَتَعادل فيها كَمية معينة مِن الحرير مع كَمية معينة مِن الفضة، مثلاً: مبادلة (10) أمتار مِن الحرير بـ(5) جرام مِن الفضة. فعلام تَدُل هذه المعادلة؟ إن تلك المعادلة إنما تدل على وجود أمر مشترك مقداره واحد. إن كلاً مِن هذين الشيئين، الحرير والفضة، مساو لشىء ما ثالث، لا هو الاول ولا هو الثانى، وبالتالى لابد وأن يكون كُلٌ منهما بإعتباره قيمة تبادلية، قابلاً للارجاع إلى هذا الشىء الثالث. وهذا الشىء المشترك لا يُمكن أن يكون متمثلاً فى خصائص هندسية أو فيزيائية أو أية خصائص طبيعية أخرى للسلع، فخصائص السلع الجسدية لا تُؤخذ فى الإعتبار على وجه العموم إلا بقدر ما تتوقف عليها منفعة السلع، أى بقدر ما تجعل مِن السلع قيماً إستعمالية، وفى هذا الشأن يَنقل كارل ماركس، عن "باربون" قوله:"إن نوعاً من البضائع هو صالح تماماً كأى نوع آخر إذا كانت قيمتهما التبادليتان متساوييتين، ولا فرق أو إختلاف بين الاشياء التى لها قيم تبادلية متساوية؛ فكَمية مِن الحديد أو الرصاص بمائة جنيه لها نفس القيمة التبادلية كما لكمية مِن الفضة أو الذهب بمائة جنيه"
إن الامر الثالث المشترك بين(قيمة السلعتين التبادلية) هو العمل، فكلاهما نتاج قوة العمل. ولا محل هنا للقول بأن الرأسمال والارض والمنظم والمواد والالات أيضاً يسهمون فى عملية الانتاج تلك؛ وذلك لأن ماركس هنا يناقش (القيمة التبادلية) للسلع، وليس الاثمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن كل ما ذكر من الرأسمال والارض والمنظم، والنقل، والمواد، الاساسية منها والمساعدة، والالات لا يضيفون إلى الناتج سوى قيمتهم، دون أن يزيدوا الناتج ومن ثم زيادة قيمته التبادلية.
إنشغل ماركس، بشكل رئيسى، بقيمة قوة العمل. متسالاً: ما هى قيمة قوة العمل؟ ويُجيب: إن قيمة كل سلعة تقاس بالعمل اللازم لإنتاجها. وقوة العمل توجد فى شكل العامل الحى الذى يحتاج إلى كمية محددة من وسائل المعيشة لنفسه ولعائلته، مما يضمن إستمرار قوة العمل حتى بعد موته. ومن هنا فإن وقت العمل اللازم لإنتاج وسائل المعيشة هذه يُمثل قيمة قوة العمل. وعلى ذلك يدفع الرأسمالى للعامل أجره أسبوعياً مثلاً، شارياً بذلك إستخدام عمله لهذا الاسبوع. بعد ذلك فان الرأسمالى يجعل عامله يبدأ فى العمل، وفى وقت محدد سيقدم العامل كمية من العمل توازى أجره الاسبوعى، والمثل المعروف مؤداه أننا لو إفترضنا أن أجر العامل الاسبوعى يمثل ثلاثة أيام عمل، فان العامل إذا بدأ العمل يوم الاثنين؛ فانه يكون فى مساء يوم الاربعاء قد "عوض" الرأسمالى عن"القيمة الكاملة للاجر المدفوع". ولكن هل يتوقف العامل عندئذ عن العمل؟ إطلاقاً. لقد اشترى الرأسمالى عمل العامل لمدة أسبوع، وعلى العامل أن يستمر فى العمل خلال الايام الثلاثة الاخيرة من الاسبوع كذلك، وهذا العمل الفائض الذى يقدمه العامل فوق الوقت اللازم لتعويض أجره وزيادة عليه هو"مصدر فائض القيمة"، ومصدر الربح، والتراكم المتزايد بإستمرار لرأس المال.

إعادة فتح ملف القيمة الزائدة، وتصحيح فهمها (إستكمال خطوات ريكاردو وماركس)
القانون الذى يعتنقه ماركس، وهو القانون الذى قام بوضعه ديفيد ريكاردو، بشأن نظرية القيمة الزائدة نصه كالأتى:"ان القيمة الزائدة وقيمة قوة العمل تتغيران فى إتجاهين متعاكسين. فتغير قوة العمل المنتَجة، أى إرتفاعها أو إنخفاضها، يولد تغيراً معاكساً له فى قيمة قوة العمل، وتغيراً طردياً فى القيمة الزائدة. إن القيمة المنتَجة من جديد فى يوم عمل مؤلف من 12 ساعة، هى مقدار ثابت، وليكن 6 جنيهات مثلاً.إن هذا المقدار الثابت يساوى مقدار القيمة الزائدة زائداً قيمة قوة العمل، والقيمة الاخيرة يعوض عنها العامل بما يعادلها. وبديهى انه إذا كان هناك مقدار ثابت يتألف من حدين، فلن يزيد أحدهما دون أن ينقص الآخر. إذاً، فقيمة قوة العمل لا يمكن أن ترتفع من 3 شلنات إلى 4 شلنات، ما لم تنخفض القيمة الزائدة من 3 جنيهات إلى 4 جنيهات دون أن تنخفض قيمة قوة العمل من 3 جنيهات إلى جنيهين. وبالتالى ففى ظل هذه الشروط لا يمكن أن يطرأ تبدل متزامن على مقداريهما النسبيين . . . . إن إرتفاع إنتاجية العمل يولد هبوطاً فى قيمة قوة العمل وإرتفاعاً فى القيمة الزائدة، فى حين أن إنخفاض هذه الانتاجية يوّلد، بالعكس، إرتفاعاً فى قيمة قوة العمل، وهبوطاً فى القيمة الزائدة". رأس المال/ج2/ص23
وفقاً للنص المذكور أعلاه فإن القيمة الزائدة(التى يتحصل عليها الرأسمال) تتناقض مع قيمة قوة العمل(التى يتحصل عليها العمل المأجور) فحينما ترتفع قيمة قوة العمل لابد أن يُصاحب ذلك إنخفاضاً فى القيمة الزائدة، وبالعكس.
ووفقاً للنص كذلك، وفى ظل نفس الظروف، فإن إحلال الالة، على سبيل المثال، من شأنه الارتفاع فى القيمة الزائدة، والانخفاض فى قيمة قوة العمل، وحيث يستخدم ماركس مصطلح "إنتاجية العمل" كمرادف لمصطلح" قوة العمل" فإن هذه الانتاجية لا يمكن زيادتها إلا من خلال فن إنتاجى جديد يُمكّن من إنتاج نفس الكمية من السلع فى عدد ساعات أقل. فحين يحل، أو لا يحل، هذا الفن الانتاجى الجديد، فإنه يستصحب معه، فى جميع الاحوال، عدة فرضيات تتناقض فيما بينها على النحو التالى:
(أولاً) إرتفاع إنتاجية العمل إنخفاض فى قيمة قوة العمل إرتفاع فى القيمة الزائدة.
(ثانياً) إنخفاض إنتاجية العمل إرتفاع فى قيمة قوة العمل إنخفاض فى القيمة الزائدة.
ولنناقش ذلك ببعض التفصيل: مع الوعى بأنه من البديهى، كما قال ماركس:" انه إذا كان مقدار ثابت يتألف من حدين، فلن يزيد أحدهما دون أن ينقص الآخر"
أولاً: إرتفاع إنتاجية العمل:
والارتفاع هنا نتيجة إستخدام الالة، وبحيث تخرج إلى السوق نفس الكمية المنتَجة من السلع فى عدد ساعات أقل، وهو الامر الذى يؤدى إلى إرتفاع فى القيمة الزائدة (التى يتحصل عليها الرأسمال) إذ تم إنتاج نفس الكمية فى عدد ساعات أقل، ومن الناحية الاخرى ونتيجة لإرتفاع القيمة الزائدة، يؤدى هذا الارتفاع فى إنتاجية العمل إلى تقليص فى قيمة قوة العمل، فلا يتحصل العامل على ما كان يحصل عليه قبل إستحداث الفن الانتاجى الجديد. وإنما أقل؛ فإن إفترضنا أن القيمة المنتَجة تساوى (6) جنيهات قيمة سلع منتَجة فى يوم عمل مكون من (12) ساعة عمل، فإن الجنيهات الست تلك هى محل الارتفاع، والانخفاض كذلك، لأنها تعوض عن القيمة الزائدة وقيمة قوة العمل. أى أن القيمة المنتَجة تساوى(القيمة الزائدة + قيمة قوة العمل)ولأن القيمة المنتَجة ثابتة ومحددة بالجنيهات الست المذكورة، فحين ترتفع القيمة الزائدة كى تُصبح مثلاً (4)جنيهات، فيتعين ومباشرة تقلص قيمة قوة العمل إلى جنيهين.
ثانياً: إنخفاض إنتاجية العمل:
وحينما تنخفض الانتاجية فلا شك يستتبع ذلك إنخفاض مماثل فى القيمة الزائدة، ونتيجة لهذا الانخفاض فى القيمة الزائدة، ترتفع معدلات قيمة قوة العمل. فلم يعد الرأسمال يتحصل على ما كان يحصل عليه قبل إنخفاض الانتاجية، وإنما يحصل على أقل مما كان يحصل عليه، فإن إفترضنا، طبقاً لنفس المثال أعلاه، ان قيمة قوة العمل قد إرتفعت من (3) جنيهات إلى (4) جنيهات نتيجة إنخفاض الانتاجية، فإن ذلك الارتفاع يستصحب الانخفاض المباشر فى القيمة الزائدة من (3) جنيهات إلى جنيهين.
هذا هو القانون الذى صاغه ريكاردو، وعدله ماركس، وهو قانون ينتمى إلى الجدلية بإمتياز، بيد أن ثمة ملاحظات نبرزها على القانون بعد إعادة صياغته على يد ماركس، وتتبدى فى الأتى:
- وفقاً للقانون ان الارتفاع فى إنتاجية العمل يؤدى إلى تغير فى أمرين : أولهما: قيمة قوة العمل، أى قيمة وسائل المعيشة التى يستهلكها العامل من أجل تجديد إنتاج نفسه. وهى بمثابة حد الكفاف ثانيهما: القيمة الزائدة، أى قوة العمل غير مدفوعة الاجر. ولكن هذا التغير لا يحدث فى إتجاه واحد، وإنما حين ترتفع قيمة قوة العمل، تنخفض القيمة الزائدة، والعكس: فحين تنخفض قيمة قوة العمل، يطرأ على القيمة الزائدة الارتفاع. والمحور فى هذا التغير بالارتفاع وبالانخفاض هو إنتاجية العمل التى تزيد القيمة الزائدة حين ترتفع، وتقلصها حين تنخفض. والقانون من تلك الوجهة لا يعدو أن يكون سوى أحد نماذج التغير الممكن حصوله فى النظام الانتاجى الرأسمالى، دون أن يصل إلى مرتبة التطوير الجدلى للنظام نفسه.
- ووفقاً للقانون كذلك لا وجود لأى حديث عن باقى ساعات يوم العمل، فكل ما يُفترض هو أن سلعة ما كانت تُنتَج فى عدد ساعات معينة، فظهر فن إنتاجى جديد جعلها تُنتَج فى عدد ساعات أقل، ولكن لم نعرف مصير باقى ساعات يوم العمل. فالافتراض هو: ان يوم عمل مكون من 12 ساعة تُنتِج من السلع ما مقداره 6 جنيهات، فلما ظهر الفن الانتاجى الذى زاد من إنتاجية العمل، جعل الـ 6 جنيهات تلك تُنَتج فى 6 ساعات. فما هو مصير باقى ساعات يوم العمل المؤلف من 12 ساعة، أى ما مصير الـ 6 ساعات المتبقية من اليوم؟ نمط الانتاج الرأسمالى لديه الاجابة، إذ يقول أن الـ 6 ساعات المتبقية هى ساعات عمل غير مدفوعة الاجر، ومن ثم تُضاف إلى جانب القيمة الزائدة، فنكون أمام النسب الاتية:
12 ساعة = 6 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 3 قيمة زائدة.
6 ساعة = 6 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 3 قيمة زائدة + 6 قيمة زائدة إضافية نتيجة إستخدام الفن الإنتاجى الجديد
وعلى حين تنخفض الانتاجية، أى أن نفس الكمية من السلع تنتج بكمية عمل أكثر، فسنكون أما النسب التالية:
12 ساعة = 6 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 3 قيمة زائدة.
12ساعة = 4 جنيهات = 3 قيمة قوة عمل + 1 قيمة زائدة .
- وسأفترض، على غير إعتقادى، إن التغير النسبى ما بين قيمة قوة العمل وبين القيمة الزائدة، المؤسَس على التغير النسبى فى قيمة قوة العمل أمام القيمة الزائدة، ثم التغير ككل (من 3:3) إلى (3:1) أمام الانتاجية، هو ما يمثل الجدلية التى إنطلق منها ماركس بعد تعديله للقانون الذى صاغه ريكاردو. ولكن ما هو مدى إتساق هذا القانون مع مجمل البناء النظرى لماركس؟ وعلى وجه التحديد مدى إتساق القانون المذكور مع قانون "ميل الربح للانخفاض" الذى قال به ماركس وصار من ركائز البناء النظرى الماركسى؟ إذ يقف هذا القانون بالذات فى تضاد وتناقض مع القانون الريكاردى المعدل على يد ماركس، إذ يقول هذا القانون، كما سنرى، ان الارباح تميل إلى الانخفاض كلما تم إستحداث الفن الانتاجى الجديد بإحلال الالة محل عنصر العمل.
علمنا حتى الان ان إستحداث الفن الانتاجى الجديد يؤدى إلى إرتفاع القيمة الزائدة، فى الوقت الذى تنخفض فيه قيمة قوة العمل. وقد إفترضنا ان هذا الفن الانتاجى الجديد يتمثل فى إحلال الالة، الامر الذى كان من شأنه تسريع وتيرة الانتاج؛ فتُنتَج نفس الكمية فى عدد ساعات أقل، ويمسى صحيحاً أيضاً القول بإنتاج كمية أكبر فى نفس عدد الساعات السابقة. ولكن ليس هذا كل ما فى الامر، إذ لم يزل أمامنا نصف الطريق، وهو الذى لم يكمله ريكاردو، ومن ثم ماركس؛ فعلى الجانب الآخر، فإنه طبقاً لقانون ميل الربح للانخفاض فإن إدخال الالة يؤدى إلى إنخفاض معدل الربح (أى النسبة بين القيمة الزائدة ورأس المال الكلى) إذ يعنى دخول الالة تحويل المزيد من المواد الاولية والمواد المساعدة إلى منتجات، وذلك بالعدد نفسه من العمال خلال المدة الزمنية نفسها، أى ببذل عمل أقل.
وكما سنرى حين عرضنا للتركيب العضوى لرأس المال، أن رأس المال ينقسم عند ماركس إلى نوعين، أولهما: رأس المال الثابت : وهو ذلك الجزء مِن وسائل الانتاج(تحديداً وسائل العمل، والمواد الخام، والمواد المساعدة) الذى ينقل جزءً من قيمته(التبادلية) إلى الناتج، دون إستهلاكه كلياً فى"عملية إنتاجية واحدةً". وثانيهما: هو رأس المال المتغير: وهو لا ينقل فقط قيمته إلى الناتج، وإنما ينقل إليه كذلك قيمة زائدة. وهو ما يتمثل فى قوة العمل. فالرأسمال من تلك الوجهة لا يمكنه إستخلاص قيمة زائدة من رأس المال الثابت، على حين يمكنه ذلك من رأس المال المتغير، ومعنى دخول الالة حدوث إنخفاض فى مصدر القيمة الزائدة، الأمر الذى يستتبع إنخفاض فى الربح الذى هو حاصل النسبة ما بين القيمة الزائدة وبين رأس المال الكلى.
وعلى ذلك نكون أمام قانونين متناقضين، أولهما يقول بأن الالة تزيد من القيمة الزائدة بالنسبة لقيمة قوة العمل، والثانى يقول أن الالة تخفض من القيمة الزائدة لتخفيضها رأس المال المتغير بالنسبة لرأس المال الثابت!! فماذا يعنى ذلك؟
إن ذلك، بتصورى، يعنى التناقض الحقيقى. وهو المستتر، يعنى الجدلية فى أوضح صورها، وهو المعنى الذى لم يحققه ريكاردو، وماركس بالتبعية، فحين تم إستحداث الفن الانتاجى تصور ريكاردو، وماركس من بعده أن التناقض يقع بين القيمة الزائدة وبين قيمة قوة العمل، وفى الحقيقة يمكن تسمية ذلك تناقضاً، ولكنه ليس التناقض الذى نعنيه والذى إلتزم به ماركس بوجه عام فى رأس المال.
فحين دخل الفن الانتاجى الجديد حدث تغير فى القيمة الزائدة بالنسبة لتغير مماثل فى قيمة قوة العمل، بيد أن ذلك ليس نهاية الطريق، وإنما نصفه فقط، إذ لا يؤدى الفن الانتاجى الجديد فقط إلى إرتفاع فى القيمة الزائدة بالنسبة لقيمة قوة العمل، وإنما يؤدى، وفى نفس اللحظة، إلى إنخفاض فى القيمة الزائدة بالنسبة لرأس المال الكلى. فتتحدد القيمة الزائدة الكلية على هذا الاساس بالتناقض بين التغير فى القيمة الزائدة(ق ز) بالنسبة لقيمة قوة العمل (ق ع) وبين التغير فى القيمة الزائدة بالنسبة لرأس المال الكلى (ر) القيمة الزائدة الكلية إذاً هى: حاصل التناقض ما بين الارتفاع فى القيمة الزائدة بالنسبة لقيمة قوة العمل وبين الانخفاض فى القيمة الزائدة بالنسبة لرأس المال الكلى.

و تلك هى القيمة الزائدة التى أعتد بها بشأن إعادة طرحى لمفهوم التخلف وإعادة إنتاجه، وعلى ذلك، يمكن القول بأننا أمام إعادة طرح لمفهوم ومحددات القيمة الزائدة، بالتضافر مع إعادة طرح مفهوم التخلف الاجتماعى والاقتصادى، وتجديد إنتاجه، إستكمالاً لخطوات لم يكملها ريكاردو ومن ثم ماركس، وأفترض أننى قد مشيت بعض الخطوات المتقدمة فى هذا الشأن.
التركيب العضوى لرأس المال
لا يهدم ماركس، كما يُقال للطلاب، التقسيم الذى وضعه سميث، وسايره فيه ريكاردو، مع بعض التعديلات، وإنما يُعيد النظر فيه من جهة محتوى التقسيم ومعياره، كى يصل إلى إعادة طرح رأس المال الاساسى ورأس المال الدائر وفقاً لتقسيم الكلاسيك، من جهة المفهوم والمحتوى والمعيار، وإنما إبتداءً من القيمة وإنتقالها، كمياً وكيفياً من رأس المال إلى المنتَج النهائى، الامر الذى قاد ماركس نحو عمل تقسيم مختلف تبدى فى إعادة النظر فى رأس المال الأساسى على وجه التحديد، فرأس المال لديه يتكون، من جهة التركيب القيمى، إلى قسمين: ثابت، ومتغير:
ثابت: وهو ذلك الجزء مِن وسائل الانتاج(تحديداً وسائل العمل، والمواد الخام، والمواد المساعدة) الذى ينقل جزءً من قيمته(التبادلية) إلى الناتج، دون إستهلاكه كلياً فى"عملية إنتاجية واحدةً"، وتستمد صفة الثبات وجودها مِن أن ذلك القسم مِن الرأسمال ينقل جزءً مِن قيمته التبادلية(وهو من تلك الوجه يُعد رأسمالا متداولاً) بينما يظل الجزء الآخر ثابتاً فى وسائل العمل، وبالتالى يبقى فى حقل الانتاج. مُمثلاً لرأس مال أساسى.
والقسم الثانى هو رأس المال المتغير: وهو لا ينقل فقط قيمته إلى الناتج، وإنما ينقل إليه كذلك قيمة زائدة. وهو ما يتمثل فى قوة العمل. كما ينقسم رأس المال كذلك، من الوجهة التكنيكية، إلى: وسائل إنتاج، وقوة عمل حية، وبهذا المعنى يتحدد تركيب رأس المال بالعلاقة بين كتلة وسائل الانتاج المستخدمة، من جهة، وكمية العمل اللازمة لإستخدام هذه الوسائل، من جهة أخرى. وفى ذلك يقول ماركس:" إن ذلك القسم من رأس المال الذى يتحول إلى وسائل إنتاج أى مادة خام ومواد مساعدة ووسائل عمل، لا يغير مقدار قيمته فى عملية الانتاج. لذلك فأنا أسميه بالقسم الثابت للرأسمال، أو بإختصار: الرأسمال الثابت، وعلى العكس، فذلك القسم من الرأسمال الذى تحول إلى قوة عمل، يُغير قيمته فى عملية الإنتاج، فهو يُجدد إنتاج معادله الذاتى وعلاوة على ذلك فائضاً، قيمة زائدة يمكنها أن تتغير بدورها وأن تكون أكبر أو أقل، وهذا القسم للرأسمال يتحول بصورة متواصلة من مقدار ثابت إلى متغير، ولذلك فأنا أسميه بالقسم المتغير للرأسمال، أو بإختصار: الرأسمال المتغير.
القطيعة المعرفية
خلال قرنين من الزمان تبلور الاقتصاد السياسى ونضج كعِلم إجتماعى شغله الاساسى نمط الانتاج الرأسمالى (وإنما إبتداءً من قانون القيمة) فى الانتاج عند آدم سميث، وفى التوزيع لدى ديفيد ريكاردو، وفى هيكل النظام لدى كارل ماركس.
وإننى هنا أستخدم نفس الادوات الفكرية التى إستخدمها مؤسسو عِلم الاقتصاد السياسى، والذى أصابته القطيعة المعرفية مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ومن هنا أعتبر عِلم الاقتصاد السياسى قد توقف عن التطور مع آخر صفحة من كتاب رأس المال، عدا بعض الدراسات والابحاث الجادة(إيمانويل، فرانك، أمين، سنتش، براون، بتلهايم، أوتار، على سبيل المثال) إلا إنها لا تصل لمستوى الحديث عن إستكمال عِلم لم يكتمل، ومن هنا كذلك لا أعتبر إطلاقاً التيار الفكرى الذى سوف يتربع على عرش الفكر المؤسسى إمتداداً لعِلم الاقتصاد السياسى، كما يقولون للطلبة، بل أعتبر ذلك التيار، والذى سنراه أدناه، ممثلاً لفن جديد يستلهم بعض الافكار العامة جداً من عِلم الكلاسيك.
ونتفق هنا تماماً مع الاستاذ الدكتور سمير أمين، حين عبر وببراعة، فى كتابه الفذ عن "التراكم على الصعيد العالمى"، عن ذلك الفن الجديد والذى طغى على المؤسسة التعليمية الرسمية؛ إذ رأى أن فناً "للتسيير"وليس"للاقتصاد" هو الذى يَركن إليه منظروا الرأسمالية والامبريالية العالمية، لكنهم يغلفونه بغلاف العِلم للمزيد مِن التدليس والتضليل، فقد كتب الاستاذ الدكتور سمير أمين:"مات "العِلم" الاقتصادى الجامعى إذاً كعِلم إجتماعى ميتة العجز لصرفه النظر عن النظرية الموضوعية للقيمة. لكنه خلف وراءه فناً فى التسيير. فالملاحظة التجريبية"للارتباطات" القائمة بين الظاهرات تتيح صياغة جُعبة من تقنيات العمل تتفاوت فى مدى فعاليتها. فبمقدار ما تكون مفاهيم العِلم الحدى، التى تدعى" الازلية" لنفسها، مستقاة مِن ملاحظة نمط الانتاج الرأسمالى. بمقدار ما يكون بوسعها إتاحة المجال لصياغة فن فى التسيير الاقتصادى، وهو فن لا شك فى عيبه ونقصانه لأنه يقوم على الملاحظة الوضعية بلا نظرية، سواء على الصعيد الميكرو- إقتصادى(فن تسيير المؤسسة) أو على الصعيد الماكرو- إقتصادى(فن السياسة الإقتصادية الوطنية) فالتحولات البنيوية داخل نمط الانتاج الرأسمالى نفسه، تجعل فن التسيير هذا أمراً لازماً. طبيعة الاشكالية فى هذا الفن تصعيد بعض المقادير الاقتصادية إلى حدها الأقصى(الربح،أو الإنتاج)تحت وطأة بعض الصعوبات المعينة (لا سيما صعوبات ندرة الموارد)فى زمن معين، وفى نظام معين(هنا نمط الانتاج الرأسمالى، الذى غالباً ما يُصار إلى إهمال ذكره) تحول دون أن نرى فى هذه المجموعة مِن (التقنيات) بديلاً للعِلم الاجتماعى: فالفن ينبثق عن عِلم، ظاهراً كان العِلم أم ضمنياً، والعِلم المضمر هنا هو العِلم الحدى. إن أدلجة ما هو إقتصادى وحدها، وهذه هى الاقتصادوية، هى التى تُتيح إنشاء عِلم مِن ما لا يمكن أن يكون عِلما على الاطلاق".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- معالم الإقتصاد السياسى لدى روزا لوكسمبورج
- ماركس المفكر لا الأيديولوجية
- السودان - الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ -
- نظرية جديدة فى جدلية فائض القيمة عند ماركس
- إحياء الفكر العربى. فقر الفكر الثقافى؟ أم فكر الفقر الثقافى؟
- الاقتصاد العالمى المعاصر . . . حينما يقود المخبولون العميان
- الاقتصاد السياسى لتجديد إنتاج التخلف (7)
- الاقتصاد السياسى لتجديد إنتاج التخلف (6)
- الاقتصاد السياسى لتجديد إنتاج التخلف (5)
- الاقتصاد السياسى لتجديد إنتاج التخلف (4)
- الاقتصاد السياسى لتجديد إنتاج التخلف (3)
- الاقتصاد السياسى لتجديد إنتاج التخلف (2)
- الاقتصاد السياسى لتجديد إنتاج التخلف (1)
- خاتمة كتاب الاقتصاد السياسى للتخلف
- مقدمة كتاب الاقتصاد السياسى للتخلف
- ملخص كتاب الاقتصاد السياسى للتخلف
- التكامل الاقتصادى العربى كإمكانية
- تسرب القيمة الزائدة وتجديد إنتاج التخلف
- موجز تاريخ الرأسمالية
- جذور التخلف الاجتماعى والاقتصادى، مصر، كنموذج


المزيد.....




- صدر العدد الجديد من مجلة النداء، بعنوان -القدس لنا... عربيةٌ ...
- شابتان فلسطينيتان تدوسان على صورة الرئيس الأميركي دونالد ترا ...
- تونسي يصنع الأعلام الفلسطينية ويوزعها مجانا على المدارس نصرة ...
- تونس.. حملة -مليون توقيع- لسن قانون يجرم التطبيع مع العدو ال ...
- ندوة -قانون الانتخاب وبرنامج التغيير- للشيوعي الأحد في العين ...
- -الشيوعي- ينظم ندوة حوارية حول -اليسار الأميركي: واقع وتحديا ...
- نقابات التعليم تنظم مسيرة غضب وطني بالرباط
- خطاب ستالين في الساحة الحمراء بمناسبة الذكرى ال24 لثورة أكتو ...
- قصص عن لينين / بمناسبة ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمىمحمد نفا ...
- حول الواقع السياسي الراهن في المملكة.. حوار مع كاتب سعودي


المزيد.....

- حول التحويل التعاوني في الزراعة - بقلم ماو تسي تونغ / الصوت الشيوعي
- .. أيام من ثورة أكتوبر / ألكساندر كولونتاي
- شروط القبول في الأممية الشيوعية / فلاديمير لينين
- العائلة البطريركية الحديثة / فريدريك انجلز
- حول العزة القومية عند الروس العظام / فلاديمير لينين
- الاشتراكية العلمية، نشوؤها ومبادئها، بقلم ميناييف / الصوت الشيوعي
- مُوجز حياة أنطونيو غرامشي / حاتم بشر
- ديالكتيك الطبيعة / انجلس
- مراسلات ماركس انجلس - من انجلس الى فرانتس مهرينغ- / فريدريك انجلز
- حق الأمم في تقرير مصيرها / فلاديمير لينين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - محمد عادل زكى - الاقتصاد السياسى فى فكر كارل ماركس