أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - بدلا من صَوْمَلَة سيناء















المزيد.....



بدلا من صَوْمَلَة سيناء


خليل كلفت
الحوار المتمدن-العدد: 3819 - 2012 / 8 / 14 - 13:54
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


1: من جديد، أظهر الاعتداء الأخير على الجنود المصريِّين على حدودنا مع فلسطين المحتلة، مع غزة وإسرائيل، مدى خطورة الوضع فى سيناء. ورغم خطورة الحدث فى حد ذاته، يتمثل الأمر الأكثر أهمية فى الأخطار التى تُحْدِق بمستقبل سيناء ، وليس الحدود فقط بل كل أرض سيناء، وأهالى سيناء.
2: وهذه بيانات عامة أولية تشير إلى أهمية سيناء وإمكاناتها الحالية والمحتملة: تبلغ مساحة شبه جزيرة سيناء 60,088 كم2 وتمثل 6% من مساحة مصر الاجمالية، ويسكنها وفقا لتقديرات 2005 حوالى 380 ألف نسمة (ربما نصف مليون نسمة فى الوقت الحالى)، منهم 314 ألف فى محافظة شمال سيناء (وعاصمتها مدينة العريش)، و 66.5 ألفا فى محافظة جنوب سيناء (وعاصمتها مدينة الطور)، ومنهم 60 فى المائة من البدو، و 40 فى المائة من المنتقلين من وادى النيل والدلتا إلى هناك للعمل فى مجال السياحة. وتقع أجزاء من سيناء فى نطاق محافظات القنال الثلاثة: السويس فى الجنوب، والإسماعيلية فى الوسط ، وپورسعيد فى الشمال. وتمثل الزراعة (والرعى والصيد) النشاط الاقتصادى الأساسى. ويبلغ إجمالى المساحات المنزرعة 175 ألف فدان، منها 173.5 ألف فدان فى محافظة شمال سيناء، و 1.5 ألف فدان فقط فى محافظة جنوب سيناء. وتنتج هذه المساحة المنزرعة بكاملها 160 ألف طن من الخضر والفاكهة و 410 ألف أردب من الحبوب. وتقدَّر الثروة الحيوانية ب 265 ألف رأس من الأغنام والماعز والجمال وبعض الأبقار والجاموس، وتعتمد فى معظمها على المراعى الطبيعية. وتعتمد الزراعة بشكل أساسى على الأمطار والسيول والمياه الجوفية. ويقوم اقتصاد سيناء إلى جانب الزراعة على السياحة والسياحة الدينية والسياحة العلاجية. وتشمل الصناعة فى محافظة جنوب سيناء مجالات التعدين، والصناعات الاستخراجية، والمحاجر: الپترول، والنحاس، والفوسفات، والحديد، والمنجنيز، واليورانيوم، والفلسپار، والفحم، والطفلة الكربونية، وأجود أنواع الفيروز فى العالم. وفيما يتعلق بالپترول، تنتج مواقع بحرية فى خليج السويس وحدها حوالى ثلث إنتاج مصر بالإضافة إلى حقول پترول أبو رديس ورأس سدر، وهناك شركات تعمل فى مجال التعدين، منها مصنع جبس، ومصنع لكلسنة الجبس، ومصنع الفيرومنجنيز، ومصنع پتروجاس، وفى مجال الصناعات الاستخراجية تعمل شركات منها شركة پترول بلاعيم، وشركة السويس للزيت، والشركة العامة للپترول، ويوجد فى مجال المحاجر بالمحافظة 20 محجرا، وفى مجال الصناعات الغذائية 22 مخبزا، ومزارع دواجن وتسمين. وتتمثل مرافق النقل والمواصلات فى مجموعة مهمة من الطرق والكبارى والموانئ والمطارات: منها موانئ العريش، وشرم الشيخ، والطور، وشرق بورسعيد، ومطارات شرم الشيخ الدولى، والعريش الدولى، والطور، وسانت كاترين الدولى، وطابا الدولى، وترتبط سيناء بالقاهرة وباقى البلاد بكوبرى السلام، وكوبرى الفردان، ونفق أحمد حمدى (الويكيپيديا).
3: ويبدو أن الاعتداء على حياة جنودنا على حدودنا قد تمَّ على أيدى عناصر مصرية وفلسطينية وربما مع جنسيات أخرى، يبلغ عددها 35 عنصرا، يُعتقد أن عناصر منها جاءت عبر الأنفاق من قطاع غزة بالتنسيق مع عناصر من داخل حدود مصر، وكان هناك تدخُّل عسكرى إسرائيلى سريع. وهكذا تعددت الجهات المسئولة المفترضة، وتعددت التفسيرات ووجهات النظر، وحسب الجهة أو الجهات المفترضة تعددت التكهنات بشأن الدوافع والمصالح والجهات المستفيدة. وتتجه أقوى الشكوك فيما يبدو إلى جهة أو جهات جهادية فلسطينية فى غزة لا تتبع حماس مع أخذ سيطرة حماس على الأنفاق فى الاعتبار بالتنسيق مع عناصر من جماعات جهادية مصرية هجرت مناطق فى مصر إلى سيناء، أو عناصر من أبناء القبائل السيناوية البدوية صارت تتبنى أيديولوچيات جهادية متطرفة، مع احتمال أن العملية كانت موجهة ضد إسرائيل مع ضربة خداعية للتضليل ضد جنودنا. وهناك فرضية إسرائيل بدوافع بعينها منها إثارة القلاقل فى مصر وإضعاف مركز الحكم الإخوانى الناشئ والإيقاع بين المجلس العسكرى والإخوان المسلمين. وهناك فرضية إيران بدافع تخفيف الضغط الواقع على سوريا. وامتدت شكوك الخيال السياسى الشعبى حتى إلى الإخوان المسلمين كضربة ضد المجلس العسكرى وإلى هذا الأخير كضربة ضد الرئيس مرسى ومن ورائه حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين. وبدأت وتواصلت عملية النسر بهدف تطهير سيناء من المجموعات الجهادية المتطرفة. وتعقدت المسألة عندما غاب الرئيس الإخوانى عن المأتم والجنازة العسكرية ورئيس الوزراء الإخوانى عن الجنازة العسكرية بالإضافة إلى قيادات إخوانية بارزة. ومن الجلى أن غياب الرئيس وقيادات الإخوان كان يرجع إلى الاتهامات الموجهة من جانب جماهير مشاركة فى الجنازة ضد مرسى والإخوان إلى حد المطالبة بإسقاط حكمه، وكانت الاتهامات ذاتها تأتى من دوائر تصرّ على استغلال المناسبة سياسيًّا ضد الرئيس مرسى باعتباره المسئول الأول عما حدث، ليس فقط بصفته، بل فى المحل الأول لأن حركة حماس الإخوانية تحكم غزة مثلما تحكم جماعة الإخوان المسلمين مصر، ولأن حماس تسيطر على أنفاق غزة وهى بالتالى مشاركة بدور ما فيما حدث، وذلك بعد زيارة كل من خالد مشعل و إسماعيل هنية للرئيس المصرى الإخوانى، بالإضافة إلى مجموعة من التصريحات التى أطلقها الرئيس مرسى بما يوحى باعتبار غزة أولوية من أولويات رئاسته، بطريقة استفزت مشاعر جمهور لا يرضيه ألَّا يحتل عند رئيسه مركز الأولوية. كما ذهبت تكهنات أخرى فى الاتجاه المعاكس باعتبار أن المجلس العسكرى أو اللهو الخفى المرتبط به وبما يسمى بالفلول خطط ونفذ بهدف القيام بانقلاب عسكرى ضد الرئيس والإخوان المسلمين! والمهم أن الرئيس مرسى صار بطريقة ما فى "فى وِشّ المدفع" فصار موضوعا للاتهامات مرتين: مرة لإسهامه فى العملية بحكم علاقته الوثيقة بحماس التى فتح أمامها معبر رفح، والمتهمة فى كل الأحوال على الأقل بإغماض العين، ومرة أخرى لغيابه عن العزاء والجنازة لأسباب تتعلق بأمنه رغم حضور القيادات العسكرية وغيرها فى ظل نفس الشروط الأمنية. وتعقدت المسألة أكثر عندما وجد الرئيس ومستشاروه وناصحوه ومرشدوه فى الحزب والجماعة فى حالة لا يُحْسَدون عليها باعتبار أنه تعمَّد الغياب عن عزاء وجنازة الشهداء مع أنه رئيس البلاد، فجاءت قراراته الدراماتيكية المفاجئة التى اتخذها بصورة فردية أو بالتنسيق مع المجلس العسكرى بإعفاء مسئولين بارزين من مناصبهم الكبيرة: مدير المخابرات العامة، وقائد الحرس الجمهورى، وغيرهما. ومن جديد اشتعلت التكهنات عن علاقة هذه الإجراءات بالصراع السياسى، وبالتالى عن الخطوات المحتملة فى سياق هذا الصراع الذى جاء فى سياق صراع سياسى أوسع وأعمق على قمة السلطة.
4: وهذا الصراع الذى يتخذ أشكالا عديدة ويستخدم وسائل متعددة يتركز فى هذه اللحظة على الجمعية التأسيسية للدستور وسباقها مع الزمن لإعداد دستور إخوانى قبل صدور أحكام قضائية متوقعة، كأساس لجمهورية إسلامية، ولأخونة السلطة والنظام والدولة، ضمن محاولات قانونية وإدارية متنوعة، لاستعادة كل السلطات المطلقة لرئيس الجمهورية، وإخضاع السلطة القضائية لأجهزة دولة الجمهورية الثانية المزعومة، ويتركز كذلك على مأساة التعيينات الصحفية التى فرضها مجلس الشورى الإخوانى على الصحف المسماة بالقومية. على أن هناك ما لا يقلّ أهمية وهو تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة هشام قنديل، فهى حكومة إخوانية تمثل خطرا جسيما وهجوما ضاريا على الأقل على عدد من المجالات الأساسية لحياة الشعب وحرياته ونضاله. ويزعم رئيس الحكومة أن حكومته تكنوقراطية، غير أن الحكومة لا تكون تكنوقراطية حتى إذا كان كل وزرائها من التكنوقراط ما دام التكنوقراط الذين يمثلون حزب الحرية والعدالة وجماعة الإخوان المسلمين سياسيِّين بطبيعتهم، بينما الوزراء الآخرون غير سياسيِّين، أو من تكنوقراط "الفلول" الخاضعين لبرنامج حكومى إخوانى. ولا يقتصر الطابع الإخوانى وطابع الأخونة على وجود خمسة وزراء من الإخوان أو عدد يصل إلى تسعة من الإسلام السياسى ككل، إذْ إننا نجد أنفسنا إزاء واقع أن رئيس الحكومة وثيق الصلة بالإخوان المسلمين و خيرت الشاطر بالذات، وفقا لبعض التأكيدات، كما تؤكد مصادر مهمة، وهذا فى وضع يتولى فيه السلطة الرئيس الإخوانى محمد مرسى، الذى يُفترض أن تتمثل مهمة الحكومة فى تطبيق برنامجه، وفى وضع يعمل فيه مجلس الشورى على إحكام تبعية المؤسسات الصحفية المسماة بالقومية للحكومة ورئاسة الجمهورية. وبالإضافة إلى وزراء الحرية والعدالة الخمسة هناك وزير من حزب الوسط ووزير من حزب النهضة، بالإضافة إلى الوزيرين الإسلامييْن أحمد مكى و طلعت عفيفى. ولا يمكن بالطبع إنكار أن المجلس العسكرى فرض وزراء منهم سبعة من حكومة الجنزورى ومنهم عسكر وتكنوقراط وفلول، وأنه احتفظ بعيدا عن الإخوان بالوزارات المسماة بالسيادية. ويبرز فى هذا السياق واقع سيطرة الإخوان على قطاعات حكومية جماهيرية حاسمة منها وزارات الإعلام (صلاح عبد المقصود)، والقوى العاملة (خالد محمود الأزهرى)، والشباب (أسامة ياسين)، والتعليم العالى (مصطفى مسعد)، والإسكان (طارق وفيق)، ويتولى طلعت عفيفى وزارة الأوقاف التى تشتمل على قطاع الأئمة والدعاة والوُعَّاظ أىْ قطاع السيطرة الأيديولوچية الدينية، كما يتولى الإسلامى المستشار أحمد مكى وزارة العدل الوثيقة الصلة بقضية استقلال القضاء، وأنواع المحاكم والمحاكمات، والحريات الديمقراطية الوثيقة الارتباط بكل ذلك، ولا ننسى محمد محسوب وزير الشئون الپرلمانية، وهو من حزب الوسط الإسلامى. وهكذا، وفى ضربة واحدة، وقعت جماهير الشباب، والعمال والعاملين، وطلبة الجامعات، ورجال الصحافة والإعلام، وأئمة ودعاة ووُعَّاظ مساجد وزارة الأوقاف، تحت سيطرة الأجهزة الحكومية الإخوانية المباشرة التى ستُباشر مهمة تنظيم تشكيل عقول السكان جميعا.
5: وبعيدا عن استغلال مختلف أطراف الصراع السياسى على قمة السلطة سياسيًّا، بصورة صريحة أو مكتومة، للتقصير الخطير فى سيناء بإلقاء المسئولية من جانب طرف على الطرف الآخر، وبالعكس، فإن التحدِّى الذى يواجه جميع الأطراف، وأهالى سيناء، ومصر كلها، يتمثل فى غياب بديل عملى عن التدهور المتواصل فى وضع سيناء، وما من تدهور يقف من تلقاء نفسه عند حد! فالوضع فى سيناء بالغ التعقيد حقا، سواء من حيث العلاقة مع غزة، أو العلاقة مع إسرائيل، أو بين أجهزة الدولة المصرية مع المواطنين فى سيناء التى يتواصل تدهور أوضاعها ويتواصل بالتالى تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لسكانها. والحقيقة أن المشكلة أكبر من مجاملات الرئيس الإخوانى مرسى لإخوان غزة، ومن تقصير الجيش المصرى والمخابرات المصرية والأمن المصرى فى حماية جنودنا فى مواجهة جماعات جهادية غزاوية أو مصرية، ومن أىّ احتمال آخر عن الفاعل الأصلى الداخلى أو الخارجى، فمثل هذه الأحداث قابلة على كل حال للوقوع فى أىّ مكان فى العالم.
6: ومن الجلى أن وضع غزة، منذ حرب 1967، شأنها فى هذا شأن الضفة الغربية لنهر الأردن، مسئولية مصرية، فقد أضاعت مصر عن طريق تلك الحرب ليس فقط سيناء بل كذلك أيضا الضفة والقطاع الفلسطينييْن وهضبة الجولان السورية، لأن مصر هى التى جرَّت الأردن وسوريا إلى مغامرة الحرب، التى لم تكن قد استعدت لها. وفوق هذا كانت غزة قد صارت، عند قيام دولة إسرائيل فى 1948، وديعة عند مصر وتحت الحكم المصرى عندما تم إلحاقها بها بترتيبات بعينها ولكنْ بحدود مفتوحة.
7: وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه الجبهة فقد كان من نتائج حرب وهزيمة 1967 ضياع غزة وسيناء كلتيهما، وانتهت عملية السلام بين مصر وإسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973 ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل فى 1979 إلى ضياع غزة وبقائها تحت الاحتلال الإسرائيلى وإخضاع سيناء لترتيبات أمنية صارمة حوَّلَتْها من الناحية الجوهرية إلى منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل القصد منها حماية حدود إسرائيل وأمنها. ولا شك فى أن احتمال أن تشكل غزة تحت الحكم المصرى الملكى ثم الجمهورى خطرا على حدود وأمن إسرائيل كان ضئيلا نسبيا، كما كان الحال مع الضفة الغربية التى كانت وديعة عند الأردن تحت الحكم الأردنى فكانت بدورها بترتيبات بعينها ولكنْ بحدود مفتوحة. على أن الكفاح الفلسطينى المسلح ضد إسرائيل بدأ منذ يناير 1965 على يد "فتح"، ولم تجد البداية وقتا للتطور إلى ظاهرة كبيرة تؤدى إلى صدام كبير، فبعد ذلك التاريخ بأقل من عامين ونصف اندلعت حرب يونيو 1967 بنتائجها المتمثلة فى الاحتلال الإسرائيلى الواسع النطاق على جبهة سيناء وغزة وكذلك على الجبهتين الأردنية والسورية.
8: وعندما تمت التسوية المنفردة وتم عقد معاهدة السلام، تخلَّتْ مصر عن كل الأراضى العربية التى كانت هى السبب فى احتلالها، وكان من السهل أن تتخلى عن أراضى غيرها ما دامت قد تخلت عن سيادتها على سيناء المصرية ذاتها، وارتضت تحويل سيناء إلى منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل. ومهما كانت المسئولية المادية والأخلاقية لمصر فى إضاعة هذه الأراضى المصرية والعربية فإن الأخلاق لم تكن، بطبيعة الحال، معيار عملية التسوية وعقد المعاهدة. بل كان الأساس والمعيار يتمثلان فى إدراك واضح لعلاقات القوة بين إسرائيل وحلفائها العاقدى العزم على إعادة مصر إلى الحظيرة الاستعمارية من ناحية ومصر وحلفائها غير المرغوب فيهم أصلا من الناحية الأخرى. وإذا كانت مصر قد ذهبت إلى حد القيام بمغامرة غير محسوبة بالانزلاق إلى الحرب والهزيمة فقد كان عليها أن تعود، مهما كانت الوسائل، إلى مقتضيات الإدراك الواضح من جانب انقلاب 1952 لحقائق علاقات القوة مع إسرائيل، وإنْ كانت قد تحدَّت تلك الحقائق فى حروب 1956، و 1967، و 1973، وتمثلت نتائج تلك الحروب فى الانتصار السياسى فى 1956 على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل رغم الهزيمة العسكرية، والهزيمة الكاملة فى 1967، وتحريك عملية السلام بفضل حرب اللانصر واللاهزيمة التى كانت عنوانا فى الصحافة شبه الرسمية على حرب أكتوبر 1973، فى أعقاب تلك الحرب.
***
[كتبتُ ما سبق فى 11 أغسطس 2012 ثم جاء اليوم التالى 12 أغسطس 2012، بصورة مفاجئة للجميع ومتناقضة مع التوقعات المباشرة لكثيرين منهم كاتب هذه السطور، بقرارات للرئيس محمد مرسى شملت إلغاء الإعلان الدستورى المكمل وإحالة المشير طنطاوى والفريق سامى عنان إلى التقاعد وتعيين عسكرييْن آخرين مكانهما، بالإضافة إلى تعيينات جديدة شملت تعيين نائب لرئيس الجمهورية، فى سياق ثورة تصحيحية إخوانية تذكِّرنا، رغم اختلافات متنوعة، بثورة السادات التصحيحية فى مايو 1971. ويبدو أننا هنا أيضا أمام قوة مطلقة وجهل مطبق لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية كما كانت لدى رجال عبد الناصر أمام ثورة السادات التصحيحية قبل واحد وأربعين سنة، إلا إذا كانت هناك صفقة برعاية أمريكية كما تؤكد بعض التقديرات، وهناك على الأقل تأكيدات بأن الولايات المتحدة كانت على علم بالخطوة التى اتخذها الرئيس مرسى، بالإضافة إلى تأكيدات أمريكية باستمرار علاقات وزارة الدفاع الأمريكية مع الجيش المصرى، وأعتقد أن إجراءات مرسى لا ترقى إلى مستوى أن تكون إطاحةً بقيادة المؤسسة العسكرية ككل أو أن تكون قد زعزعت المكانة الحاسمة لهذه المؤسسة فى الاقتصاد والسياسة، وربما يكون الإخوان المسلمون قد انتقلوا بهذه الخطوة من موقع التحالف الذيلى مع العسكر إلى معادلة جديدة مختلفة إلى حد كبير معهم لفترة تطول أو تقصر وفقا لاتجاه ونتائج التطورات المحتملة. على أنه لم تتضح بعدُ أبعاد وحقائق ودلالات هذا الحدث، خاصة من حيث احتمالات تطورات لاحقة فى سياق مبادرات مرسى ومواقف الجيش والقوى السياسية والثورة فى مواجهتها، غير أننى أظن أن ارتباطه بعملية سيناء ليس بالقوة التى يتصورها البعض رغم استغلاله سياسيا من جانب طرفىْ الصراع: العسكر والإخوان، وأظن بالأخص أن تدهور أوضاع سيناء متواصل سواء أكانت مصر تحت حكم الإخوان المسلمين أو تحت حكم العسكر، بكل النتائج الخطيرة لهذا التدهور. ولهذا فإننى سأتابع فقرات مقالى بشأن سيناء]
9: وبادئ ذى بدء فإن الصوملة هى قَدَر كل منطقة أو دولة ساحلية فاشلة تعانى الفقر والتهميش والتدهور بما يؤدى إلى حرب أهلية طويلة و/أو سيطرة جماعات يقوم اقتصادها بصورة اضطرارية على قطع الطرق البحرية وخطف الرهائن المادية والبشرية للحصول على الفدية. ولهذا تحوم مخاوف الصوملة وترتفع أصوات تعبِّر عنها حول اليمن وغرب أفريقيا ومناطق أخرى نتيجة لذات العوامل التى ألقت بالصومال إلى هذا المصير، ومن الجلى أن الصوملة والأعراض الصومالية تؤدى إذا استمرت إلى نتائج أفظع من الصوملة فى حدّ ذاتها فى الطريق إلى جحيم التدخلات العسكرية الأجنبية بسبب تأثيرها على التجارة العالمية بل حتى إلى جحيم هلاك الشعوب ذاتها. والحقيقة أن مناطق ساحلية وغير ساحلية فى عالمنا المسمى بالثالث تتعرض للإفقار والتهميش والتدهور بصورة متواصلة لتنتهى إلى نفس المصير المرعب. وإذا كانت الصوملة ترتبط بالمناطق الساحلية فإن جوهرها أوسع انتشارا ويشمل مناطق غير ساحلية. وتعانى سيناء من التدهور الاقتصادى والاجتماعى كما أنها شبه جزيرة وبالتالى منطقة ساحلية تشمل سواحلها البحرين الأبيض والأحمر وبالتالى خليج السويس وقناة السويس وخليج العقبة، وتمثل قلب عبور التجارة العالمية.
10: وتكمن مشكلة سيناء فى أن تعميرها وتطويرها وتصنيعها تعترضها مشكلات كبرى بالإضافة إلى التبعية الاقتصادية الاستعمارية التى تشمل باقى مصر بالعجز المنطقى لبلد غير صناعى عن تطوير اقتصاده، من صناعة وزراعة وبنية أساسية وخدمات وسياحة، بحكم تدهور وتخلُّف اقتصاده. وترتبط هذه المشكلات الكبرى قبل كل شيء بواقع أن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل حوَّلت سيناء من الناحية الجوهرية إلى منطقة عازلة بين الدولتين. صحيح أن سيناء ظلت، حتى قبل قيام دولة إسرائيل، فى تخلُّفها الاقتصادى والاجتماعى مثل باقى مصر، وأكثر من باقى مصر شأنها فى ذلك شأن المناطق البعيدة عن القاهرة والإسكندرية والدلتا، مثل كل المناطق الحدودية والصعيد، وتواصَلَ تخلُّفها بعد ذلك حتى معاهدة السلام فى فترة استمرت قرابة عشرين عاما (1948-1967) تخللتها حرب فى 1956 ثم خلال فترة 1967-1979، التى كانت فترة حرب وحالة حرب. غير أن العامل الإضافى الجديد وراء عرقلة تطوير سيناء يتمثل فى تحوُّلها، طوال الفترة 1979-2012، إلى منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل بموجب المعاهدة. وإذا كان من غير المنطقى أن نتصور تطوير وتصنيع سيناء بدون تطوير وتصنيع مصر كلها فإن من الجلىّ أن تطوير سيناء تعترضه هذه العقبة الكبرى الجديدة التى جاءت بها معاهدة السلام وأضافتها إلى العقبات الأصلية المستمرة التى تشكلها التبعية أمام تطوير وتصنيع مصر.
11: وبطبيعة الحال فإن من المستبعد تماما أن يتم فى ظل النظام الرأسمالى التابع الحالى، العسكرى، أو الإخوانى، أو العسكرى-الإخوانى، تطوير وتصنيع مصر، ويعنى هذا أن من المستبعد تماما أيضا تعمير وتطوير وتصنيع مصر. وحتى إذا افترضنا جدلا تطوير وتصنيع مصر فإن عقبة تحويل سيناء إلى منطقة عازلة سوف تَحُول دون تصنيعها أو تطويرها أو حتى تعميرها. وفى أعقاب معاهدة السلام وحتى قبل عقد تلك المعاهدة بل حتى قبل مبادرة السادات فى 1977 ظهرت نظريات الجمع بين العبقرية اليهودية والمال العربى والعمالة المصرية لتعمير وتطوير سيناء اقتصاديا، وظهرت فيما بعد مشاريع أخرى، غير أن شيئا من هذا لم يحدث طوال الثلاثة والثلاثين عاما الماضية وذلك بسبب العقبتين الكبيرتين المشار إليهما: عقبة التبعية وعقبة المنطقة العازلة. وتتمثل عقبة المنطقة العازلة ببساطة فى أن الرأسمال، سواء أكان رأسمال الدولة أو الرأسمال الخاص، المحلى أو الأجنبى، جبان بطبعه فلا يمكن أن يجازف بالملايين والمليارات فى تطوير منطقة كانت منطقة حروب مع إسرائيل طوال عقود منذ قيامها وستظل مرشحة لحرب أو حروب جديدة فى سياقات مختلفة يصعب التنبؤ بها، سواء بسبب التطورات المصرية أو بسبب تطور الأطماع الإسرائيلية فى غزة أو سيناء ذاتها، أو بسبب تطورات فى أوضاع غزة على الحدود بين البلدين.
12: وتتمثل عقبة غزة فى مقتضيات الحصار الإسرائيلى الحديدى لها الآن وفى المستقبل. وتحيط بغزة سبعة معابر تسيطر إسرائيل سيطرة كاملة على خمسة منها معبر المنطار (إسرائيليا: معبر كارنى) وهو أهم المعابر في القطاع وأكبرها من حيث عبور السلع التجارية بين القطاع وإسرائيل وإنْ كان من أكثر المعابر إغلاقا فلم يفتح إلا 150 يوما طوال سنة 2007. ويجرى تنظيم فتح معابر قطاع غزة وفقا لاتفاقية المعابر الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية فى نوڤمبر 2005. ولا مناص من أن يتنقل المواطنون الفلسطينيون الغزاويون بين مصر وغزة فى الاتجاهين عبْرَ معبر رفح. والسيطرة على معبر رفح فلسطينية بالتنسيق مع مصر وبمراقبة الاتحاد الأوروپى، وقد تعطلت هذه الترتيبات منذ عام 2007 مع الانقسام الفلسطينى بين حركتىْ فتح وحماس، وبالتالى رفض حماس لدور منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى هذا صارت التفاهمات الإسرائيلية المصرية هى السبيل الوحيد لفتح معبر رفح لفترات تطول أو تقصر. وبين مصر وغزة يقع، بالقرب من معبر رفح، معبر كرم أبو سالم، والسيطرة عليه إسرائيلية بتنسيق مع مصر، وهذا المعبر مخصص للحركة التجارية بين القطاع وبين إسرائيل، ويستخدم أحيانا لعبور المساعدات إلى القطاع، كما يمر منه بعض الفلسطينيين حين يتعذر عليهم استعمال معبر رفح القريب منه (موقع الجزيرة نت). ولأن الانتقال بين غزة ومصر عبر معبر رفح يشمل الأفراد والسلع مع احتمال عبور أفراد غير مرغوب إسرائيليًّا فى عبورهم بالإضافة إلى احتمال عبور أسلحة، فإن إسرائيل ترى أن إحكام الحصار يقتضى تطبيق الترتيبات المتفق عليها، وتعتمد مضطرة إلى رقابة مصر على السلع العابرة والأفراد العابرين كما تمارس ضغوطها الناجحة كقاعدة عامة لإغلاق هذا المعبر، ولهذا صار من المستحيل فتح معبر رفح بصورة دائمة.
13: ومن الصعب بطبيعة الحال أن نتصور وضعا يتم فيه التخلُّص من مقتضيات الحصار الإسرائيلى لغزة فى إطار تسوية ما. ومن الصعب هضم الفكرة الإسرائيلية التى طالبت بالفصل بين إسرائيل وغزة. ذلك أنه لم يَعُدْ الاعتماد على مصر فى حكم غزة كما كان الأمر فى إطار الهدنة عند قيام دولة إسرائيل مقبولا لا من جانب إسرائيل ولا من جانب مصر. فقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك التاريخ وبالأخص فإنه بدلا من الهدنة التى فرضتها النكبة نشأت وتطورت حركة المقاومة الفلسطينية بمختلف فصائلها وصارت حالة الحرب قائمة وقابلة للانفجار مهما تكررت ترتيبات الهدنة بين هذه الفصائل وإسرائيل. ولأن فى مصر شعبًا فإن أىّ نظام مصرى لن يقبل القيام بتولَّى مسئولية حصار غزة بدلا من إسرائيل عن طريق حكمها حتى إذا كان قادرا عسكريا على ذلك. كما يمكن أن تَحُول أطماع إسرائيل فى غزة أو سيناء بما يؤدى إلى الترحيل (الترانسفير) إلى سيناء إلى إعادة غزة إلى حكم مصر أو سيطرتها. ومن ناحية أخرى فإنه لا يمكن تصوُّر أن تترك إسرائيل غزة وشأنها برفع الحصار البرى والبحرى والجوى عنها لأن إسرائيل ستتعرض، مهما كانت شروط عقد تسوية بينها وبين الفلسطينيِّين أو بينها وبين غزة بصورة منفردة، لهجمات لا يمكن تفاديها وارتفاع خطورتها مع عبور الأفراد والأسلحة عبْرَ حدود برية وبحرية وجوية مفتوحة بين غزة والعالم. ومن هنا فإنه لا ينبغى أن يحلم أحدٌ بكسر الحصار وناهيك عن رفع الحصار إلا فى حالة واحدة هى تدمير دولة إسرائيل كدولة وهى حالة غير واردة فى المدى المرئىّ. وما دام رفع الحصار بل حتى تخفيفه غير وارد فإن حالة غزة ستظل قائمة بكل الاحتمالات التى يمكن أن تنشأ عنها.
14: ونعود إلى غزة للوقوف على الحالة الراهنة التى نشأت نتيجةً لحاجة سكان غزة إلى العبور فى الاتجاهين بين مصر وغزة بصورة أكثر تحررا من قيود معبر رفح حتى فى حالة فتحه بصورة دائمة. وفى ظل الأوضاع المتدهورة لسيناء ورفح المصرية، وفى ظل رغبة جهات عديدة فى القطاع فى أن تفتح العبور على مصراعيه للأفراد بما فيهم الجهاديِّين وللسلع لتشمل ليس فقط ضروريات الحياة والمعيشة وحدها بل أيضا السلع الترفية كالسيارات الفارهة ومختلف أنواع الكماليات وقبل كل شيء تهريب المخدرات والأسلحة، وفى ظل التقاء كل هذا بفساد مستفحل لدى مسئولين أمنيِّين وإداريِّين مصريِّين ومواطنين مصريِّين سيناويِّين وغير سيناويِّين، نشأت وتطورت الأنفاق بين مصر وغزة ليصل عددها الآن إلى حوالى 1200 نفق، وصارت مصدر ثراء فاحش لكثير من المصريِّين الغزاويَّين وغير الغزاويَّين. وبحكم تكاثر الجماعات الجهادية فى كل من غزة وسيناء تفاقمت حالة خروج سيناء عن السيطرة وانتشار الانفلات شبه المطلق فيها. ويشكل هذا بطبيعة الحال خطرا على وضع الأمن فى مصر كلها وليس فى سيناء وحدها، كما أنه يفاقم دور عقبة المنطقة العازلة. وحتى فى حالة التدمير الكامل للأنفاق الحالية ولأىّ أنفاق محتملة فى المستقبل وحصر عبور الأفراد والسلع فى معبر رفح (ومعبر كفر أبو سالم) بعيدا عن فوضى الأنفاق وبعيدا عن انفلات الفساد المصرى الفلسطينى من خلالها فى الوقت الحالى، ومهما تواصلت الحملات والتجريدات العسكرية والأمنية على الجماعات الجهادية فى سيناء فإن هذا لن يقضى على نموّ وتفاقم هذه الجماعات هناك فى ظل الفقر والجهل والمرض وغياب التطوير، وفى ظل غياب الحريات الديمقراطية والاعتماد على الحل الأمنى، ومعنى هذا هو استمرار التدهور والتهميش والسير فى الطريق إلى جحيم الصوملة. وكما شهد عهد السادات وعهد مبارك فقد نشأ وتفاقم جوهر الصوملة فى صعيد مصر، وبين سكان العشوائيات والمقابر والأزقة الضيقة القذرة فى المدن الكبرى وبالأخص العاصمة وفى الأرياف الفقيرة المتدهورة بعيدا عن دعاوى التطوير والرخاء وآخر الحروب مع عهد ألفىّ سعيد من السلام المصرى مع إسرائيل. ووفقا لقاعدة النجيل الجديد الذى ينبت مكان كلّ نجيل يجرى حَشُّهُ فإن أجيال الجماعات الجهادية والإرهابية والمُصَوْمَلَة والمتصوملة سوف تتوالى إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا.
15: ويبقى احتمال تعديل المعاهدة بما يؤدى إلى ارتفاع كبير فى عدد وعُدَّة القوات المسلحة المصرية بحيث تكون قادرة على الضبط الصارم للحدود فى مواجهة سيطرة المنظمات والمجموعات الجهادية المصرية فى سيناء، وكذلك احتمال إلغاء معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وإزالة عقبة المنطقة العازلة أمام تطوير سيناء، ووضع حد للتدهور الاجتماعى الاقتصادى المؤدى إلى الصوملة، بفضل وجود الجيش المصرى والأمن المصرى بكامل قوتهما فى كل شبر من سيناء، مع تفادى الحرب مع إسرائيل رغم إلغاء المعاهدة ما دامت علاقات القوة العسكرية باقية على حالها. وهذه بطبيعة الحال مهمة بالغة التعقيد والصعوبة نظرا للحالة العامة فى مصر. ذلك أن كل هذا يتوقف بالكامل على التصنيع والتحديث الجذرييْن والسريعيْن اللذين من شأنهما أن يؤدِّيا إلى التحرر من التبعية الاستعمارية فى مصر ككل. ولأن مصر ظلت عاجزة عن التصنيع الحقيقى والتحرر من التبعية الاقتصادية كأساس للتبعيات الأخرى فى عهد جمهوريتها الأولى طوال ستين عاما، وستظل عاجزة كذلك عن ذلك فى عهد جمهوريتها الثانية الإخوانية المحتملة التى لم يَعُدْ من الممكن استبعاد قيامها فى حالة استمرار المنعطف الجديد للتطورات السياسية فى مصر. ومع استحالة قيام الرأسمالية الكبيرة التابعة بهذه المهمة التاريخية حقا، يبقى الأمل معقودا على القدرة المحتملة للديمقراطية الشعبية من أسفل على إكراه الرأسمالية التابعة على السير فى هذا الطريق كما فعلت رأسماليات تابعة أخرى فى تجربة النمور الآسيوية الأصلية بالذات.
16: وبالطبع فإنه ينبغى، دون أن نطفئ نور كل أمل، أن نبتعد عن كل تفاؤل شعبوىّ لا يُجدى فتيلا بحتمية أن تسير مصر الرأسمالية التابعة بقيادة نفس الطبقة والسلطة والنظام فى طريق التصنيع والتحديث السريعيْن للتحرر من التبعية الاستعمارية مع احتمال تحقيق ديمقراطية شعبية قادرة على ممارسة دور حاسم فى تطور مصر فى مستقبل الأجل القريب والمتوسط. غير أن المعادلة التى نتحدث عنها هنا هى أن مصر مهدَّدة فى وجودها كشعب وبلد ما لم تكن قادرة على السير الجاد والحثيث فى طريق التحرر من التبعية. وبافتراض أن مصر استطاعت أن تسير فى طريق إزالة عقبة التبعية فإنها ستجد نفسها فى سيناء أمام التحدى الكبير الذى تمثله عقبة المنطقة العازلة.
17: وتفاديا للكتابة من جديد، أنقل فيما يلى قسما من فقرة من مقال لى بعنوان "الثورة المصرية الراهنة وأسئلة طبيعتها وآفاقها" (20 سپتمبر 2011)، وكانت هذه الفقرة بدورها فى أعقاب اعتداء إسرائيلى أدى إلى مقتل عدد من جنودنا داخل حدودنا:
[نصَّت المعاهدة التى قايضت الأرض بالسلام على أساس قرارىْ مجلس الأمن 242 (22 نوڤمبر 1967) و 338 (22 أكتوبر 1973) على الاعتراف المتبادل وإنهاء حالة الحرب والحدود الآمنة والعلاقات الطبيعية مقابل الانسحاب الإسرائيلى على مراحل بالإضافة إلى قيود ثقيلة (وفقا للمادة الرابعة التى تجيز تعديل ترتيبات أمنية وردت فى الفقرتين 1 و2 منها) على الوجود العسكرى والأمنى المصرى فى سيناء باعتبار سيناء بكاملها منطقة عازلة لحماية إسرائيل مع فتح قناة السويس ومضيق تيران وخليج العقبة أمام مرور السفن الإسرائيلية، ومع اشتراط موافقة مجلس الأمن بشرط إجماع الدول الخمس ذات العضوية الدائمة من خلال التصويت "الإيجابى" وبالطبع مع تمركز قوات ومراقبين من الأمم المتحدة فى سيناء، بالإضافة إلى حظر توقيع أىّ اتفاقية تتناقض مع هذه المعاهدة. ويدور الجدال الآن حول المفاضلة بين تعديل المعاهدة وإلغائها كليًّا. ويعنى ما سبق ضآلة ما يجوز تعديله وتفاهته وصعوبته وفقا للمادة الرابعة من المعاهدة. غير أن التخلص النهائى من هذه المعاهدة المشينة المفروضة على مصر بإلغائها النهائى هو الهدف الإستراتيچى للشعب المصرى، وعلى هذا الشعب أن يقوم بهذا دون إبطاء حالما تسمح به الظروف التى قد لا تتكرر فى مستقبل قريب. والحقيقة أن المعاهدة كانت قد فُرضت على مصر فى ظل أوضاع سياسية وإستراتيچية كانت قائمة فى مصر والعالم. كان هناك انسحاب مطلوب لا يمكن أن يتم بدون معاهدة "الأرض مقابل السلام"، وكان هناك تنافس إستراتيچى أمريكى سوڤييتى على المنطقة وقد انتهى الآن، والأهم أن إسرائيل كانت تُحارب بالأصالة وبالوكالة لإعادة دول المنطقة إلى الحظيرة الأمريكية وقد تحقق هذا الهدف بالفعل، ولم تَعُدْ الولايات المتحدة بحاجة إلى إعادة احتلال إسرائيل لسيناء لإعادة مصر إلى حظيرتها، فقد أُعِيدت مصر بالذات إلى تلك الحظيرة منذ وقت طويل، ومعنى هذا أن الولايات المتحدة التى لن تتخلى مطلقا عن إسرائيل وتوسُّعها لأنها الأكثر ضمانا من باقى دول المنطقة، لن تؤيد مع ذلك أىّ احتلال إسرائيلى جديد لسيناء ولا أىّ حرب جديدة تشنها إسرائيل على مصر، رغم أن خطاب الرئيس الأمريكى إلى رئيس الوزراء الإسرائيلى والمرفق بالمعاهدة يجيز لإسرائيل إعادة احتلال سيناء بمساعدة عسكرية أمريكية. وأعتقد أن رد فعل إسرائيل على إلغاء المعاهدة لن يتجاوز شن حملة دعائية واسعة ضد مصر مع مقاضاتها دوليًّا، خاصة وأنها تدرس عن كثب الحروب الأمريكية فى أفغانستان والعراق والأزمة مع إيران وحربها على لبنان وعلى غزة مع أىّ احتمالات لا يمكن استبعادها مع سوريا وتستخلص منها العِبَر الرادعة بالفعل. هذا تقديرى، غير أن خطورة وحساسية هذه المسألة تدعو إلى فتح مناقشة واسعة فى مصر ولفترة كافية حول مختلف التقديرات قبل اتخاذ أىّ قرار بإلغاء المعاهدة. فنحن لا ندعو إلى مغامرة مثل مغامرة عبد الناصر فى 1967 بل ندعو إلى التخلص من العواقب الوخيمة لتلك الحرب التى كانت هذه المعاهدة من نتائجها. على أنه ينبغى أن يكون واضحا أن أىّ قرار بإلغاء المعاهدة لن تتخذه الدولة المصرية دون ضغط شعبى هائل ومتواصل يجبرها على ذلك. وهناك بالطبع مَنْ يرون أن الثورة ينبغى أن تركِّز على تطوراتها وعملياتها الخاصة فلا ينبغى أن تشتت جهودها فى اتجاهات شتى لتحقيق أهداف يمكن تحقيقها بعد عدة سنوات، ويبدو أن مثل هذا الرأى ينطلق من تصوُّر مؤداه أن الثورة سوف تسيطر فى نهاية المطاف على السلطة فى مصر فى أجل قريب، غير أن هذا قد يكون أملا بعيد المنال. وقد يقول قائل إن إصرارى على المناقشة الواسعة والعميقة لمختلف التقديرات الخاصة برد الفعل الإسرائيلى والأمريكى قبل اتخاذ قرار بإلغاء معاهدة السلام يعنى أننى أضحِّى على المستوى النظرى بالموقف المبدئى ضد حق إسرائيل فى الوجود فى حالة وجود احتمال حرب إسرائيلية أمريكية جديدة ضد مصر بدلا من إلغائها فى كل الأحوال. وردِّى هو أن "ثورة" 1952 قد خلقت أمرا واقعًا جديدا بهزيمة 1967 والمعاهدة التى ترتبت عليها ولا يمكن التحرُّر من هذا الأمر الواقع عن طريق حرب تقود إلى هزيمة جديدة بالنظر إلى موازين القوة. ويقتضى هذا التحرُّر أحد أمرين إما انتهاز فرصة تاريخية كهذه التى أراها الآن بإلغاء المعاهدة على أساس هذا التقدير بأن هذا الإلغاء لن يؤدى إلى الحرب وإما الانتظار إلى أن تختلف موازين القوة لأنه لا ينبغى الذهاب إلى حرب بحثا عن هزيمة كما فعلت مصر فى 1967. على أننى لا أضحِّى بأىّ موقف مبدئى فمن الواضح أننى أدعو هنا على العكس إلى إلغاء المعاهدة على أساس تقدير محدَّد].
وكنتُ قد مهَّدتُ لذلك، فى نفس الفقرة من المقال المذكور، بما يلى:
[الحقيقة أن الموقف المبدئى من المعاهدة لا يحتاج إلى نقاش، ذلك أنه ينطبق على معاهدتنا مع إسرائيل المبدأ الذى نشأنا على ترديده بخصوص وعد بلفور "مَنْ لا يملك أعطى لمن لا يستحق"، فليس من حق مصر الاعتراف بقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين التى لا تملكها مصر بالطبع، غير أن الموقف العملى اللاأخلاقى الذى قاد إلى عقد تلك المعاهدة كان يتمثل فى العجز عن مواجهة إسرائيل عسكريا وفى الضرورات الاقتصادية والاجتماعية التى دفعتْ السادات إلى الارتماء فى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص والغرب بوجه عام بالإضافة إلى الميل الطبيعى لدى الرأسمالية التابعة المصرية للتعاون والتحالف وحتى التكامل فى نهاية المطاف مع الرأسمالية العالمية وإسرائيل. وكان السادات يسير فى هذا المجال على طريق عبد الناصر الذى كان قد وافق على قرار مجلس الأمن رقم 242 وعلى وقف إطلاق النار على أساس مبادرة روچرز، وكان موقف كلٍّ من عبد الناصر و السادات و مبارك من بعدهما استمرارًا لموقف حركة 1952 إزاء إسرائيل. ذلك أنه كان هناك إدراك كامل لعجز النظام المصرى عن مواجهة عسكرية بهدف القضاء على إسرائيل وذلك لأسباب تتعلق ليس فقط بالقدرة العسكرية بل كذلك بالحاجة إلى أمريكا والغرب سياسيا واقتصاديا ولهذا تقرر عدم التفكير فى تحرير فلسطين جريا وراء الشعارات السائدة فى المنطقة آنذاك].
18: ولا شك بالطبع فى أن عقبة التبعية الاستعمارية أهمّ من عقبة المنطقة العازلة، بل إن العقبة الأولى هى التى جعلت العقبة الثانية ممكنة. ولا شك فى أن مصر كلها مهدَّدة بالمحتوى الجوهرى للصوملة والتَّصَمْوُل والويل والثبور وعظائم الأمور، ولا يمكن تفادى هذا المصير إلا بالتحوُّل الحثيث إلى بلد صناعى متقدم بالمعنى الحقيقى. وتتمثل العقبة الكأداء أمام هذا التحوُّل فى الطبقة الرأسمالية التابعة تحت سيطرة العسكر وتحت سيطرة الإخوان المسلمين. وبهذا ترتبط إزالة عقبة المنطقة العازلة بإزالة عقبة التبعية، أما نحن المصريِّين فإننا غارقون فى أوهام المناقشات البيزنطية حول انتخابات پرلمانية ورئاسية معروفة النتائج سلفًا، من الناحية الجوهرية بوصفها لصالح هذا الطرف أو ذاك من أطراف الثورة المضادة، وحول إعداد دستور جديد بوصفه قضية القضايا، وحول أسطورة أن إعداد الدستور أولا كان سينقذنا مما نعانيه الآن، مع أن الدستور سيكون فى الحاليْن أسوأ من أىّ دستور سابق فى تاريخ مصر بحكم سيطرة الثورة المضادة من أعلى على التطورات الدستورية والقانونية كجزء لا يتجزأ من التصفية التدريجية للثورة. وكل هذا بدلا من تطوير الديمقراطية الشعبية من أسفل فى مجرى نضال لا هوادة فيه ضد كل مبادرات ومشاريع وإجراءات العسكر والإخوان على رأس الثورة المضادة، فى سبيل تفادى صوملة مصر بكاملها وليس سيناء وحدها.
14 أغسطس 2012





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- النسوية - أندرو ڤنسنت
- النساء يحركن العالم - فيديريكو مايور و چيروم بانديه
- طبيب الأمراض العقلية - ماشادو ده أسيس
- سوريا: الطريق إلى الجحيم
- حدث 25 يناير 2011: ثورة أم ليست ثورة؟ (مفهوم مختلف للثورة ال ...
- قبل تشكيل حكومة هشام قنديل
- أثبتت فحوصى الطبية الأخيرة خلوّ جسمى من سرطان الكبد (لطمأنة ...
- احتمالات الصراع الحالى بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإ ...
- ثورة 25 يناير 2011 فى النصف الأول من 2012 - القسم الثانى
- ثورة 25 يناير 2011 فى النصف الأول من 2012 - القسم الأول
- هل يتمخض الربيع العربى عن تأسيس دول إسلامية؟
- الانقلاب العسكرى المكمِّل
- كلمات فى عشية جولة إعادة الانتخابات الرئاسية فى مصر
- محاكمة ثورية للرئيس مبارك وأسرته ورجاله وإلغاء الانتخابات ال ...
- مع متاهات أرقام الانتخابات فى مصر
- مأتم ديمقراطية المجلس العسكرى والإخوان المسلمين فجر الديمقرا ...
- أساطير الجبال والغابات - برنار كلاﭭيل
- هاجس الحرب الأهلية فى مصر
- أساطير البحيرات والأنهار - برنار كلاڤيل
- أضأل امرأة فى العالم - كلاريس ليسپكتور


المزيد.....




- كيبيك الكندية تحظر تغطية الوجه بمرافق الدولة.. وقلق حول المن ...
- 4.5 مليون طفل يمني قد يحرمون من التعليم
- الدفاع الروسية تنوي تكريم اللواء السوري الراحل عصام زهر الدي ...
- تاريخ محاولات انفصال إقليم كتالونيا
- استقالة وزيرة داخلية البرتغال بسبب الحرائق
- قادة العالم استخدموا -الفوتوشوب- في القرن الـ 19 (صور)
- الكرملين: لا حديث عن منافسي بوتين طالما أنه لم يعلن ترشحه بع ...
- الاستخبارات الأمريكية تعثر على بصمة لـ-داعش- في مقتل الجنود ...
- وسائل إعلام كردية: إنزال علم العراق من فوق نقطة تفتيش في كرك ...
- أردوغان يدعو رؤساء بلديات 3 مدن كبرى للاستقالة


المزيد.....

- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري
- انهيار الدولة المعاصرة في مصر / طارق المهدوي
- البيان السياسي الختامي للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- مدرسة السادات السياسية و اليسار المصري / دكتور لطفي الخولي
- تطور الراسمالية و كفاح الطبقات في مصر / دكتور فواد مرسي
- برنامج الحزب الشيوعي المصري من وثائق الموءتمر الاول _ سلسلة ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - بدلا من صَوْمَلَة سيناء