أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - خلق العالم















المزيد.....

خلق العالم


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 3681 - 2012 / 3 / 28 - 16:09
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


التحدي الأعظم للعقل البشري، يتمثل في معضلة خلق العالم.
إنّ هذه المعضلة الرهيبة، هي حجر الأساس لكل الأفكار والتصورات الفلسفية والمعتقدات الدينية والأساطير الخرافية، التي انبثقت مع انبثاق شرارة الوعي الأولى في دماغ الإنسان.
ولهذا فلا غرو أن نقرأ في تاريخ الفلسفة، أنّ بدايات التفكير المنظم، وما سبقها من إرهاص تأملي، كانت بحثاً لاهثاً شغفاً عن أصل العالم، وسؤالاً حائراً ذاهلاً عمن أوجد هذا العالم، وعما عسى أن تكون غايته من إيجاده: فكان أن قال طاليس بالماء، وقال انكسمانس بالهواء، وقال هيركليتس بالنار، وهي في خيالهم عصرئذ روح خالق أو عقل واعٍ.
وما يزال الإنسان يواصل رحلة البحث عن الأصل؛ عن علة العالم. ويتجلى هذا البحث في أروع صوره اليوم، في النظريات العلمية المدهشة المثيرة التي تتفتق عنها عقول علماء الفلك والفيزياء الرياضية، الذين تمكنوا من اختراق أعماق الذرة، ومن معرفة ما بداخلها من الأسرار العجيبة.
وما يزال السؤال الحرج الذي راود عقول الأوائل: "هل العالم مخلوق؟" يراود عقول المتأخرين أيضاً على تنوع مستوياتهم العلمية والفكرية. وأنا أزعم أنه سؤال حرج، لأن الإنسان لم يهتد بعد إلى جواب علمي يطمئن إليه عقله كلّ الاطمئنان.
وأزعم أنه حرج؛ لأنه في غاية الخطورة. إذ على الجواب عنه يتحدد موقف الإنسان من العالم، وتتحدد طرائق تعامله معه، كما تتحدد معه أيضاً كيفيه نظر الإنسان إلى ذاته. فنحن إذن لسنا هنا بإزاء سؤال يلقى جزافاً ولهواً وترفاً، كما قد يخيّل لنفر منا.
وإذا كان الفلاسفة اليونانيون القدماء أنكروا أن يكون العالم مخلوقاً، أو اعتقدوا – بتعبير أدق - بأن العالم أزليّ لم يخلق؛ لأنهم، كما يروي مؤرخو الفلسفة اليونانية، لم يكونوا يتصورون أن العالم يمكن أن يُخلق؛ لأن الخلق يقتضي العدم؛ أي أن يكون العالم قد خلق من العدم. والعدم عندهم عدمٌ، وما كان عدماً، لا يأتي منه شيء. حتى إن افلاطون الذي تخيل العالم صورة (فوتوكوبي) لعالم المثل السماوي، لم تخطر له قط فكرة خلق العالم من العدم. وكذلك تلميذه أرسطوطاليس، فإنه، مع إقراره بوجود محرِّك ثابت مفارق للعالم، كما في الأديان، لم يقل بأن هذا المحرك خلق العالم. بل إن الأديان أيضاً، مع أنها تتصور العالم مخلوقاً، ليس فيها ما يشير إلى أن الخالق قد خلق العالم من عدم.
فإنّ الفلاسفة الإلهيين عند المسلمين أمثال الفارابي وابن سينا، سيذهبون مذهباً آخر مختلفاً يعتمد على التوفيق بين تصورات أساتذتهم اليونانيين، وبين تصورات فقهاء المسلمين، الذين يحاربون الاعتقاد بأزلية العالم. سيحاول هؤلاء أن يثبتوا أنّ الفلسفة، ولا سيما فلسفة افلاطون وأرسطو، لا تتعارض مع فكرة الخلق من عدم. وهي من دون شك، محاولة بائسة عقيمة، ستنتهي إلى انتصار الفقهاء انتصاراً حاسماً باهراً.
وإنها لمحاولة أشد ما تكون قرباً إلى محاولات فئة من الماركسيين المعاصرين للتوفيق بين الماركسية والإسلام، فئةٍ لا تحب أن ترى ماركس إلا لائثاً عمامة على رأسه.
في رسالته الفلسفية (الجمع بين رأيي الحكيمين: افلاطون الإلهي وارسطوطاليس) يعالج الفارابي مسألة قدم العالم وحدوثه. وقد كان غرضه الظاهر من هذه المعالجة أن يوفق بين الحكيمين في نظرتهما إلى معضلة خلق العالم. ولكنّ غرضه الخفيّ من ذلك، كان أبعد من التوفيق بين الحكيمين، كان غرضه البعيد الخفي هو أن يوفق بين الفلسفة والشريعة، يدلنا على ذلك ما كان في عصره من صراع دام بين أهل النظر والشريعة.
يقول الفاربي في شرح هذه المسألة:
((ومن ذلك أيضاً أمر العالم وحدوثه؛ وهل له صانع هو علته الفاعلية، أم لا. ومما يظن بأرسطوطاليس أنه يرى أن العالم قديم، وبافلاطون أنه يرى أن العالم محدث. فأقول: إن الذي دعى هؤلاء إلى هذا الظن القبيح المستنكر بارسطوطاليس الحكيم، هو ما قاله في كتاب "طوبيقا" إنه قد توجد قضية واحدة بعينها يمكن أن يؤتى على كلا طرفيها قياس من مقدمات ذائعة، مثال ذلك: هذا العالم قديم أم ليس بقديم، وقد وجب على هؤلاء المختلفين، إما أولاً، فبأن ما يؤتى به على سبيل المثال لا يجري مجرى الاعتقاد؛ وأيضاً فإن غرض أرسطو في كتاب طوبيقا ليس هو بيان أمر العالم، ولكنه غرضه أمر القياسات المركبة من المقدمات الذائعة. وكان قد وجد أهل زمانه يتناظرون في أمر العالم: هل هو قديم أم محدث، كما كانوا يتناظرون في اللذة، هل هي خير أم شر، وكانوا يأتون على كلا الطرفين من كل مسألة بقياسات ذائعة...)).
أي أن أرسطو في كتابه طوبيقا لم يقل بقدم العالم، وإنما بخلقه، وأنه بهذا القول إنما يجاري رأي افلاطون (علماً بأن افلاطون لا يقول بحدوث العالم ) وإن ما جاء في كتابه لم يكن لغرض أن يؤكد فكرة قدم العالم، وإنما جاء مثالاً لغرض الاستدلال على صحة قياسات منطقية بعينها.
ثم يتبع ذلك بقوله:
(( ومما دعاهم إلى ذلك الظن أيضاً، ما يذكره في كتاب "السماء والعالم" إن الكل ليس له بدء زماني، فيظنون عند ذلك أنه يقول بقدم العالم. وليس الأمر كذلك. إذ قد تقدم فبين في ذلك الكتاب وغيره من الكتب الطبيعية والإلهية، أن الزمان إنما هو عدد حركة الفلك، وعنه يحدث. وما يحدث عن الشيء لا يشتمل ذلك الشيء. ومعنى قوله: "إن العالم ليس له بدؤ زماني" أنه لم يتكون أولاً فأولاً بأجزائه، فإن أجزاءه يتقدم بعضها بعضاً في الزمان. والزمان حادث عن حركة الفلك. فمحال أن يكون لحدوثه بدؤ زماني. ويصح بذلك أنه إنما يكون عن إبداع الباري، جل جلاله، إياه دفعة بلا زمان؛ وعن حركته حدث الزمان. )).
وهو قول أوضح من سابقه في عرض المسألة، إلا أنه لا يختلف عنه في اتكاله على منطق التأويل، الذي لا يبتعد قيد شعرة عن منطق التأويل الديني للآيات، حينما يحوِّل التأويل الآيات عن معانيها الحقيقية، إذا رآها تصطدم بما ينفي صحتها في الواقع، فكأن الفارابي هنا إنما سعى إلى إرضاء أذواق أهل زمانه.
وإني لأربأ بالفارابي، أن يكون معتقداً في دخيلته بأن الباري هو الذي خلق العالم، وأربأ به عن سقطة الاعتقاد في قرارته، بأن الحكيمين، كانا يريان العالم مخلوقاً.
ولكنه الحرص، ولعله الخوف ألجأه إلى هذا الزعم المتهافت، وهذه الطريقة الفاسدة في التأويل.
إنّ القول بخلق العالم، يطرح أمام العقل معضلة لا يبدو حلُّها ممكناً:
فإذا كان العالم مخلوقاً، فكيف خلق؟ أمن ذات الخالق، أم من العدم الذي هو عدم؟
وإذا كان مخلوقاً، فما هي غاية الخالق من خلقه؟






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,561,588
- إيميل من صديقته السورية
- في ضيافة يعقوب ابراهامي
- ماركسيٌّ بل مسلم والحمد لله
- سامي لبيب تحت المطرقة
- المنهج القسري في أطروحة فؤاد النمري (الرسالات السماوية)
- الإباحية في أدب النساء العربيات
- الحوار المتمدن يسهم في التحريض على المسيحيين في بلاد الشام
- ما جاء على وزن الذهان من مقالة السيد حسقيل قوجمان
- حملة الأريب على سامي بن لبيب
- رسالة الطعن في النساء
- الحقيقة بين التلجلج واللجاجة
- الأستاذ حسين علوان متلجلجاً داخل شرك المنطق
- شامل عبد العزيز بين أحضان المسيحية
- سامي لبيب والرصافي خلف قضبان الوعي
- ضد عبد القادر أنيس وفاتن واصل
- إلى الأستاذ جواد البشيتي. ردٌّ على ردّ
- بؤس الفلسفة الماركسية (6)
- بؤس الفلسفة الماركسية (5)
- بؤس الفلسفة الماركسية (4)
- بؤس الفلسفة الماركسية (3)


المزيد.....




- السعودية ردا على تقرير محققة أممية بشأن خاشقجي: يتضمن تناقضا ...
- بيان: المدعي العام الجزائري يحيل رئيس وزراء سابقا ووزيرا حال ...
- هولندا ستحاكم 3 روس وأوكرانياً بتهمة القتل في قضية الطائرة ا ...
- بوريس جونسون يعتذر للمسلمات ويُذكّر بأصوله المسلمة
- هذا هو الاختلاف الأساسي بين تقنية 5جي و 4جي
- هل تكشف وفاة مرسي -وحشية الأنظمة العربية- أم تضع نهاية لـ -ج ...
- حمه الهمامي: أقلية صلب الجبهة الشعبية لم تقبل بالقاعدة الديم ...
- حمّه الهمامي: المصادقة على قانون الانتخابات مهزلة جديدة وبلا ...
- بيان: المدعي العام الجزائري يحيل رئيس وزراء سابقا ووزيرا حال ...
- بوريس جونسون يعتذر للمسلمات ويُذكّر بأصوله المسلمة


المزيد.....

- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نعيم إيليا - خلق العالم