أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - ثقافة وروح العبودية - لماذا نحن متخلفون (1)















المزيد.....


ثقافة وروح العبودية - لماذا نحن متخلفون (1)


سامى لبيب

الحوار المتمدن-العدد: 3606 - 2012 / 1 / 13 - 12:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة .
فى بعض الأحيان يتردد المرء فى طرح بعض أفكاره ليس من باب عدم الثقة فيها ولكن قد تكون صَادمة ومُصدرة لحالة من اليأس والإحباط للمُتلقى فتسد أمامه الأمل , مما يجعل إثارة هذه الأفكار بمثابة جلد للذات وعملية إغراق فى دوائر الإحباط والقنوط واليأس ,ولكن لا مفر فلن نتجاوز ألمنا إلا عندما نعيه ونتلمسه لنحاول الخروج منه .

لماذا نحن شعوب متخلفة .. وهل لشعوبنا العربية الغارقة فى ثقافتها القديمة أن تُعتق من مستنقع تخلفها لتتقدم حضارياً وإنسانياً أم أن التخلف هو نصيبها وقدرها .. يؤسفنى القول بأنه لا آمال نحو حضارة طالما مازلنا نتمرغ فى التخلف والرجعية ونتباهى بها , فمهما تعاطينا مع وسائل العصر من تكنولوجيا وتقنيات حديثة فلن تخلق فينا مجتمع حضارى فالبنية والمنهجية الفكرية متحجرة فاسدة .!!
هى ليست نظرة تشاؤمية تنتاب المرء من حجم الصور الكئيبة التى تطل علينا ولكن هى رؤية موضوعية لها ما يدعمها .. رؤية تتلمس البئر الذى نتجرع منه , فالبنية الفكرية والثقافية فاسدة مزيفة ينتابها العطب تدفن رأسها فى الرمال ولا تريد أن تُخرجها وإن أخرجتها تباهت بهوانها وبؤسها بل يصل التشوش وإختلال البوصلة أنها تتباهى على الأمم بتخلفها كونها حريصة على الإحتفاظ بموروثاتها وما يقال عنه بالثوابت ليصبح الرجاء فى التطور حلماً بعيد المنال فالأساس الفكرى المتحجر المتجمد لا يريد أن يتغير فهو غارق فى أوحاله ومستمتع به .

التخلف هو نتاج منهج فكرى وثقافى بائس وليس التأخر عن التعاطى مع أدوات وتقنية العصر كما نتصور ففى أحشاءه يكمن تجمد الأفكار والمفاهيم مع حالة من الشلل التام والعجز الكامل يصيب العقل فيكون الأمل فى خلق مناخ من الإبداع والإبتكار والتطور والتحضر أمراً بعيد المنال لنصل فى النهاية إلى حالة إستاتيكية مُفلسة لا تجد ما تمتلكه سوى إجترار الموروث القديم فهو رصيدها الوحيد لتطرح فى النهاية إنسان منتقص الحرية فاقداً مقومات التطور .

أى تعاطى مع العصر وبذل محاولات جادة لتحقيق إصلاحات سياسية وإقتصادية لن تحقق شئ يذكر يبنى الحضارة والتقدم الإنسانى فسنكون كمن يحرث فى الماء طالما لم نبنى إنسان حر الفكر و لم نعالج جذور التخلف المتمثلة فى منهج فكرى عليل وثقافة بائسة لا نريد أن نراجعها وننقدها بموضوعية وجرأة وحرية وشفافية فهى ثوابتنا البعيدة عن المواجهة لتزداد الأمور تعقيداً ويُعيد التخلف إنتاج نفسه .
هى محاولة لرصد جذور التخلف ومواطن تغلغله فى جيناتنا الثقافية وتلافيف أدمغتنا ومنهجنا الفكري .. لذا سنتعرض فى كل بحث عن جذر من جذور التخلف الرابض في أعماقنا .
***

* دعونا نتأمل فى البدايات نهج العبودية الضارب فى أعماق ثقافتنا وتراثنا .

- العبودية أسوأ وأبشع نظام إجتماعى أنتجه البشر فهو الصراع الإنسانى فى أقسى صوره وحشية وبشاعة حيث هيمنة وسخرة وإذلال الإنسان لأخيه الإنسان ولا تكتفى العلاقة بإستغلال قوة عمله بلا مقابل لكن يصاحبها نزع لحريه وكرامة وإنسانية الإنسان لتظهر القسوة المفرطة الباحثة عن متعة السادية والأنانية ... لم يقتصر نمط العبودية على المشهد الحياتى ليسقطها السادة على نفس نمط العلاقة المتخيلة مع الإله سواء أكان ملك أرضى أم رب تم تعليقه فى السماء .. لتتم بنفس الصور والمشاهد من السجود والركوع وتقديم الخضوع والولاء .

- هل لنا أن نتوقف عند تصنيف العلاقة بين الإنسان والإله بأنها علاقة عبودية , لنسأل أولا ما معنى وجود علاقة فاعلة بين طبيعتين مختلفتين .. فهل يمكن أن نقول بتولد علاقة لها أبعاد وسلوك بين الإنسان والحجر . !!!
عندما تتكون علاقة حيوية ذات مشاعر وإنفعالات لتتخذ شكل سلوكى فلابد أن تكون بين طبيعتين متشابهتين وإلا كان الوهم والعبث , فلن نجد هذه العلاقة على الإطلاق بين وجودين ليسا على نفس المستوى من التكوين والتواصل والإدراك ويزداد حجم الوهم عندما يكون إحدى الطرفين غير متواجد , غير ماثل للعيان وذو طبيعة مغايرة فهنا نكون أمام حالة تخيلية تستدعى صور من الواقع لعلاقة مماثلة لتسقطها على صورة تخيلية مُفترضة .

- حسنا ً حينما نقول أن علاقة الإنسان بالإله هى علاقة عبودية فهل الإله هو الذى يطلب هذا كنمط علاقة كما تصور لنا الميثولوجيات الدينية أم أن الإنسان إستعار مشهد العبودية للسادة وأسقطه على الإله ؟!! .. فعندما نرى العبيد فى المجتمعات القديمة يحملون عروش الملوك والاسياد ثم نجد ورود نفس المشهد فى الميثولوجيا الدينية عن الإله الذى يجلس على كرسيه تحمله الملائكة فحينها سنقول من الذى إستعار المشهد من الآخر ؟! .. فالإنسان لم يرى إله سماوى جالساً على عرش بل رأى الملوك والسادة فقط هم الذين يجلسون على عروشهم منذ مئات السنين محمولين فى مواكبهم بمجموعة من العبيد الاشداء ثم يأتى من يقول له بعدها أن الإله المعلق فى السماء يجلس على العرش يحمله ستة من الملائكة - فمن إستعار وإقتبس المشهد .؟!!

- هل لنا أن نندهش من توصيف العلاقة بين الإنسان والإله بالعبودية؟!! - فلما لا تتخذ أى تمظهر آخر غير هذه العلاقة فهل الإله يريد مثل هذه العلاقة أم ان الإنسان هو الذى رسمها وأسقطها على فكرة إلهه ؟!! .. قد يقول المؤمنون بأن الله هو الذى يريد هذا وقد ذكرها فى كتبه المقدسة , وهنا نسألهم مرة ثانية لماذا وضع الإله هذا الشكل من العلاقة فلماذا لم يرسم نمط علاقة خاصة جديدة ويحددها .. وإذا كان يُصر على شكل هذه العلاقة المتمثل فى عبودية الإنسان له , فهل هو خلق مجتمع السادة والعبيد البشع حتى يكون نموذج يُقتدى به فى إدراك مفهوم العبودية لله -- فهل هذا يليق ومقبول.!!

- لو سألت لماذا نحن عبيد الله ستأتى لك إجابة سخيفة لأنه الذى خلقنا ومنحنا النعم والأرزاق والخيرات .. بالرغم أن هذه الإجابة غير مُثبتة فنحن لم نرى ولم نتيقن بأن الحياة والخيرات من فعل إله .. ولكننا سنتجاوز هذا لنقول فى المقابل هل لنا أن نبقى عبيده مع الألم والمصائب والبلايا !! .. ثم لو إعتبرنا أن العبودية لله هى العلاقة الوحيدة نظير وهب الحياة والخير والنعم فهل هذا يؤسس لمنهجية لتتكرر هذه العلاقة لكل ما يعين الإنسان على الحياة ويوهبه الخير ليمنحه فى المقابل قسط من الخضوع والعبودية !!.. وهل هذا يبرر وجود عصور العبودية أم أن السادة هى التى رسخت هذا المفهوم وأسقطته على فكرة الإله ليكون سيداً .!!

- مازالت فكرة الإله الذى يطلب العبودية تلقى بظلالها فهى ستؤطر لفكرة الإله الباحث عن حاجة وغاية مما تسقط عنه كماله وألوهيته فوجود حاجة ورغبة للإله فى أن تكون عبودية الإنسان خالصة له لايشاركه فيها آلهة أخرى , مؤكداً حاجته تلك بوعده منح النعم والمكافآت السخية لمن يُحقق مراده بالعبودية الخالصة له , وفى المقابل فهو لن يتوانى أن ينتقم ويعذب من لا يرضى بعبوديته .. لنسأل هنا هل سيتحقق الكمال مع الحاجة أم ستنال من الألوهية بالضرورة لتضع الفكرة فى حدودها الطبيعية كما رسمها الإنسان بملامحها البشرية .

- الأديان عبودية الهوى والهوية والتكوين بل هى جاءت خصيصاً لتكريس مجتمع السادة والعبيد .. فهى الثقافة التى أرادها السادة وسمح لها بالحضور والتواجد والهيمنة لنجد أن النص الدينى يؤسس لتحديد نهج العبودية لله فتأسر العلاقة مع الإله بنفس النهج
.. ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )
"..لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض . لا تسجد لهن ولا تعبدهن . لأني أنا الرب إلهك إله غيّور .."(خروج 20: 4).

ولكن من سطر النص لا يكفيه أن يحدد الإله فى هذه الصورة فهو جاء من رحم مجتمع السادة وعليه أن يروج لمنهجية ومشروعية مجتمعه .
" ايها العبيد اطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح. 6 لا بخدمة العين كمن يرضي الناس بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب 7 خادمين بنيّة صالحة كما للرب ليس للناس" كولوسي، فصل رقم 3 22
" أيُّها العَبيدُ، أطيعوا في كُلِّ شَيءٍ سادَتكُم في هذِهِ الدُّنيا، لا بِخدمَةِ العَينِ كمَنْ يُرضي الناسَ، بَل بِنَقاوَةِ القَلبِ ومَخافَةِ الرَّبِّ. 23ومَهما تَعمَلوا فاَعمَلوهُ مِنْ كُلِّ قُلوبِكُم كأنَّهُ لِلرَّبِّ لا لِلناسِ " تيموثاوس الاولى
" جميع الذين هم عبيد تحت نير فليحسبوا سادتهم مستحقين كل اكرام لئلا يفترى على اسم الله وتعليمه تيطس فصل رقم 2 9
"والعبيد ان يخضعوا لسادتهم ويرضوهم في كل شيء غير مناقضين , 10 غير مختلسين بل مقدمين كل امانة صالحة لكي يزيّنوا تعليم مخلّصنا الله في كل شيء"
" إذا ضرب إنسان عبده أو أمته بالعصا فمات تحت يده ينتقم منه لكن إن بقي يوما أو يومين لا ينتقم منه لأنه ماله "الخروج 21: 20!!

.( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) صحيح مسلم " آبق أو أبق تعني هارب"
.عن النبي قال: (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة ) صحيح مسلم
. عن النبي قال: أيما عبد مات في إباقة دخل النار وإن كان قُتل في سبيل الله) !!"الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي" .
. (قال رسول الإسلام : أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة) صحيح مسلم .

نصوص تخرم العيون الغافلة بأننا أمام منهج يُكرس لحكم السادة وبقاء العبيد عبيداً ولا مبرر للمتشدقين بأنها رسائل جاءت من السماء كدعوات من إله عادل ورحيم ورسائل من الرحمة المهداة ببقاء هذه الوضعية المنتهكة لحرية وكرامة وإنسانية الإنسان

- نسأل هنا هل الإله الرابض فى السماء يزعجه تجرع الإنسان للخمر ولا يزعجه إهدار كرامة وحرية إنسان ... وهل هو حريص حقاً أن تكون العبودية له كما يروج أتباعه بينما يسمح لإنسان على الأرض أن يأسر إنسان آخر ويستعبده منتهكاً آدميته ..هل ينزعج الإله مرة أخرى لتناول الإنسان لحم الخنزير ولا يزعجه من يذيق إنسان آخر المهانة والإذلال فيُحلل هذا الفعل بل يشرعه ليزجر أى عبد من الخروج عن طاعة وذل سيده لدرجة إعتباره عبد مارق لا تقبل منه صلاة والجحيم مصيره .

- نجد منهج العبودية فى الأديان هو حجر الزاوية للإيمان ويتماهى التراث الدينى وكهنته فى التركيز على هذا النهج وتأكيده لنحصل فى النهاية على إنسان يعيش حالة العبودية لتخرج من المحسوس وتدخل سريعا فى الفكرة وهذا أسوأ أنواع التفكير لأن الإنسان حينها سيستدعى الصورالقديمة للعبودية ليخلق لنفسه فضاء للفكرة تنتج فى النهاية منهجية حياة تسقط صورها على كل مناحى الحياة فإذا كانت فلسفة العبودية هو الخضوع للقوة القاهرة فالواقع المادى يحمل صور أخرى للقوة القاهرة المستبدة متمثلة فى حاكم أو والى أو رئيس فله الركوع فهكذا هو سلوكنا أمام أى قوة مفرطة فى جبروتها بإستحضار الخضوع لها .

- لن تجد أى مبرر فى تسويق نهج العبودية فى الكتب الدينية , فأى مبرر سيتهاوى أمام بشاعة مشهد التشريع والحث على القتال لإستعباد البشر وستتبخر فكرة الإله العادل الرحيم الرءوف الذى يرضى ويشرع لهكذا نهج ولكن لا علينا أن نتجنى على الإله فهو لا يزيد عن فكرة خلقها الإنسان ورسمها بمزاجه لتعبر عن ثقافته وتكرس وتخدم مصالحه ... فالسادة لم يكتفوا بالنصوص التى تشرعن لوجودهم بل أرادوا نسق عام يشرعن للوجود فتكون العبودية منهجية حياة فكما أن هناك عبودية للسادة على الأرض فهى ليست بالشئ الغريب فهناك عبودية الإنسان لإله السماء ... إذن هى طبيعة الوجود أن يوجد سيد وعبد أيها العبيد .

* صور كربونية متكررة .
أتذكر مشهد من فيلم أمريكى شاهدته فى الطفولة يتناول فترة تاريخية قديمة حيث عصر السادة والعبيد ليتسلل فى داخلى مشاعر إستياء من مشاهد الغطرسة والجبروت والقسوة المفرطة للسادة مقابل مشاعر الضعف والخنوع والذل للعبيد لتلقى ظلالها على نفسيتى وتكتمل بمشهد درامى يجسد المهانة والإذلال عندما أرى موكب للملك يحمله مجموعة من العبيد فى زهو وخيلاء ليسجد ويركع العبيد عند مروره ماعدا عبد وقف متسمراً شارداً غاضباً على أثر حزنه على مقتل إبنه على يد ابن الملك , فيجذبه زميله للركوع ويذكره بأن الملك يحق له السجود والطاعة فهو السيد مانح الحياة وما نحن إلا عبيده , ليرضخ هذا العبد البائس ويركع .!

يتكرر هذا المشهد فى الواقع مع اختلاف طفيف فى الصورة ولكن يبقى المضمون واحد فقد رأيت تشييع جناز لصبى فى مثل عمرى لأجد أم مذبوحة تبكى بحرقة وأب مفجوع فقد توازنه واخذ يصرخ : يارب لماذا اخذته منى -انا لم اطمع فى شئ- انت ظالم ..حرام عليك . " !! ليسارع أخيه بتكميم فمه حتى لا يسترسل محتضناً إياه قائلا : لا تكفر ياأخى ولا تجذع فإبنك فى احضان الملائكة والقديسين فإطلب له الرحمة.. إستغفر ربك يا أخى " ثم يحتضنه ليردد بعدها الأب المفجوع :" أستغفرك يارب سامحنى"!.
راجعت هذا المشهد المأساوى مع مشهد الفيلم الأمريكى القديم لأجد تطابقا فى المشهدين مع إختلاف بسيط فالعبد خر راكعاً رغماً عن أنفه متذكراً سطوة الملك بينما الأب المفجوع إستغفر الرب باحثا عن غايتة فهاهو ابنه قد مات .. فالتذمر والسخط لن يفيد بعد أن أصبح ولده وديعة ورهينة فى يد الرب فليطلب منه ان يسامحه حتى يدخله فى ملكوته .!

كنت أتسائل دوماً لماذا يرضى العبيد بهذه المهانة والإذلال والرضوخ لماذا لا يتذمروا ويتمردوا على السيد الذى يسحقهم فهم كثرة وحياتهم هكذا تكون مهينة وقاسية ولكنى تذكرت أن هناك حكام مستبدون يحكمون شعوباً بأكملها بمنتهى القوة والقسوة .. مستعنين بقوات لردع الشعب .. إذن انه الخوف من القوة الباطشة .

عندما إمتلكت درجة أعلى من الوعى أدركت شئ يمكن أن يفسر السلوك الإنسانى ولماذا يبقى العبيد عبيدا والسادة سادة لآلاف السنين ... نعم هناك خوف فاعل ولكن لماذا يبقى الحال كما هو عليه ليأخذ الديمومة فهل العبيد يظلون خائفين دوماً أم يعتادون وجودهم كعبيد .

- السلوك الإنسانى لايمارسه الإنسان بشكل عشوائى بل يحكمه محددات و ظروف موضوعية فى الأساس فلا يكون سلوك العبيد هكذا نتيجة أنهم يعشقون الإذلال والمهانة وإلا أصبح إحساساً مازوخياً وحالة مرضية ولكن لا يجب أن نندهش فسنجد فى السياق أن المؤمنين ينتابهم هذا الشعور .!
بقاء العبيد عبيداً يلزمه وجود الخوف الناتج من قوة السادة المستبدة والطاغية ليصبح رضوخهم رغماً عن أنفهم ولكن هل الأمور تتأطر فى هذا الإطار فقط , فهل الشعور بالخوف هو دائم ومستمر وهل القوة المُستبدة لا تكف عن إستبدادها .
السلوك الإنسانى يأخذ ديمومته ليس بفعل القهر فحسب ولكن عندما يتأطر ليتحول لثقافة يتم إرضاعها للأجيال الجديدة لتتربى على مفردات سلوكية معينة فيتعلم الصغار الخضوع والطاعة للأسياد فنحظى على أجيال من العبيد ويتعلم صغار آخرون الغرور والغطرسة لتنشأ أجيال من السادة

- بالطبع لا يوجد تكوين عضوى يجعل السيد سيداً والعبد عبدأ بل هى تركيبة نفسية يتم إعدادها وترويضها ليصبح العبد عبداً فلا يحتاج فى فترة ما للعصا لكى يكون عبدا ً.. لا يحتاج للخوف فقط لكى يسوقه فقد تم ترويضه ليصبح عبداً ذليلاً ... ومن هنا تأتى خطورة الثقافة التى تستمد حضورها وسطوتها من التراث الدينى والعادات والأعراف لتصبح هى المهيمنة والمكرسة للسلوك الإنسانى ولتساهم الأديان فى خلق مناخ دائم يكرس للعبودية لأنه هكذا هو نهج السماء وإله السماء لتقتل فى العبيد اى قدرة على المقاومة .

* العبودية وظلالها القاتمة وإستمراية المشاهد .
الذى أبقى العبيد عبيدا لآلاف السنين هو ذلك الإحساس النفسى الداخلى الذى يغمر العبد ويتسلل فى أطناب نفسيته بأنه أقل شأنا ودونية وأنه مخلوق لتقديم الطاعة والرضوخ للسيد مع إمتنانه له بأنه يمنحه الحياة والطعام فإستسلم وأنتج فى النهاية حالة من الإستاتيكية ليدوم حكم وغطرسة السادة ... وهكذا الحال بالنسبة لأى سلوك يأخذ ديمومته من خلال ثقافة روضت وكرست له لتخلق أنماط من السادة والعبيد والأجراء والمُلاك والفلاحين والباشوات فتؤطر لديمومة هذا النسق السلوكى الإجتماعى إلا أن يأتى تغير فى علاقات الإنتاج ليدفع لبدايات التغيير ... وهكذا نمط العلاقة مع فكرة الآله فهو فى مقام السيد ويكون الإنسان فى مقام العبد لتستمر المشاهد القديمة لمجتمع السادة والعبيد ممتدة وقائمة بنفس المشاعر والحالة النفسية الراضخة لحكم السيد مع إستبدال الصورة هنا فيصبح السيد معلقا فى السماء .

* العبيد لا يصنعون الحضارة .
يتخلص المجتمع الإنسانى من حكم السادة ولكن لا يتخلص من ثقافة العبودية فتظل حاضرة ببقاء نفس المنهجية والمعطيات متمثلة فى العبودية لله ليمارس الإنسان نفس النسق القديم من الإحساس بالدونية والرضوخ والطاعة لفكرة معلقة فى السماء فهو عبد لإلهه بكل ملامح هذه الصورة و ليس من أمره شئ , فهو لا يمتلك حريته وقراره فقد جاء للعالم برغبة السيد الإله المانح لرزقه ونعمه والمُقدر قدره فعليه السجود والركوع وتقديم الولاء وقبول المصائب والشدائد مع الشكر والحمد للسيد الإله لنجد أنفسنا أمام صورة كربونية من مجتمع السادة القديم وإن كان العبد القديم يتلمس قسوة وغطرسة سيده بينما إنساننا المعاصر لا يرى مشهد للإله السيد بل ينسب المصائب والبلايا له .

العبودية لله لا تتم بشكل حيوى لعدم وجود صورة الإله الشاخص كما فى المشهد القديم لذا تصبح العبودية هنا هو نهج سلوكى تم إستدعائه من تجربة الإنسان القديمة ولا مانع من ممارسته بشكل تجريدى من خلال الطقوس والصلوات ولكن تبقى قضية إستدعاء النهج والسلوك والخبرات هى بذات الأهمية فالإنسان هنا يستدعى منهجية سلوك قديمة من تاريخه ليسقطه على علاقة مُفترضة أحد طرفيها غير ماثل ولا مُتحقق لتمارس الفكرة فعلها فى أسر الإنسان فى وهم لا يتركه إلا بعد أن يسقطه فى الإنحطاط والهوان .

قد يقول قائل أن العبودية والإنكسار تكون لله وحده ولا عبودية لغير الله وبالرغم أن هذه العبارة تحاول ان تخلق حالة محددة للعبودية تكون خالصة لله وحده فهى جملة مراوغة , لأن مفهوم السلوك هنا غير مُدرك بشكل صحيح فالإنسان كيان واحد له إحساس ومشاعر ووجدان وليس ماكينة أو جهاز حاسوب يفصل هذا عن ذاك بشكل حاد , فالسلوك لا يتم بدون مُسبب يخلقه ويشكله ويرسم ملامحه كما لا يتم بلا غاية إلا ويكون هو الهراء بعينه .

- السلوك هو إسقاط خبرة الإنسان أمام الحدث الذى أمامه فيستدعى من خلال وعيه وخبراته والوسائل التى يتعاطى بها مع هذا الحدث ليحقق له الراحة والأمان فهو يعلم مثلا ً أنه سينتهج نهج المقاومة أمام القوة التى يستطيع أن يواجهها ليحظى على سلامه , إما إذا كانت هذه القوة قاهرة مستبدة وغير قادر على مواجتهها فهنا سيتحايل عليها ويقدم لها الرضوخ والإستكانة حتى ينال أمانه وسلامه .. هذا السلوك لا يكون محدد بحالة خاصة متفردة فهو منهجية تعاطى مع أى حدث ليتم إسقاطه مع أى قوة مفرطة قاهرة سواء جار مؤذى أو حاكم او طاغية أو إله يُرسم صورته بأنه سبب البلايا والجبروت فيتم إستدعاء هذا النهج فى التعاطى .. لذا تجد فكرة الإله حضورها المهيمن من هذا الإحساس .

- يصبح السلوك هو الأسلوب الذى يتم التعاطى به مع السبب لتكون منهجية تعاطى ويتم إستدعاء نمط السلوك عندما يواجه الإنسان نفس الموقف فيستدعى خبرته ووعيه المختزن لمواجهة المشهد الذى أمامه فالعبودية جاءت نتيجة قهر حفنة من البشر ليتولد الخوف من القوة الباطشة ليتعلم الإنسان أن يقدم الخنوع والرضوخ إتقاءا ً لبطش هذه القوة المستبدة ليتولد لديه هذا المنهج ليتفادى أى قوة متغطرسة تجلب الأذى فيستدعى على الفور السلوك الذى يتفادى به قسوتها وهو الرضوخ .. لذا من يتوهم أن العبودية لله مقصورة عليه فقط فهى فى الوعى المعلن فقط ولكن كنهج سلوك سيتم إستدعاء نفس الخبرات التى كونها فى معالجة أى قوة قاهرة قادرة على منحه النعم أو إيلامه بقسوة .

نحن إمتلكنا منهجية العبودية وهى الإنبطاح أمام القوة وتعلمنا أن نهادنها بأن نقدم لها فروض الطاعة والرضوخ والإمتنان منذ عصور العبودية التى تمثلت فى عبودية السيد الإنسان والسيد الإله وبنفس هذه المنهجية سنسقطها على أى قوة مستبدة كحكامنا وطغاتنا فما علينا إلا إستدعاء أسلوب النهج القديم فى التعاطى لنسجد أمام حكامنا ونلعق نعالهم فهكذا هو الأسلوب الناجح لنتجاوز قهرنا .

لا يكون الإحتفال والإحتفاء وتقبيل نعال حكامنا كصدام حسين والقذافى وعبد الناصر وتلك القائمة الطويلة التى ننبطح أمامهم ما هو إلا إستدعاء لنهج العبودية فى التعاطى مع القوة الشرسة فإذا كان عصر العبيد القدامى قد إنتهى كشخوص وملامح فهو مازال باقيا مترسخا ً بمنهجه من خلال سطوة فكرة الله السيد التى تجتر طالبة الذل والرضوخ عند التلويح بأى قوة مانحة او شرسة كنهج تعاطى .

- من منهجية العبودية لله تتولد فى الداخل الإنسانى حالة مازوخية تجد حضورها من الإمتنان والشكر والحمد على المصائب .. فعملية القبول بالمصائب والشكر والركوع لله على ما يجلبه علينا ليتأصل هذا الشعور وتلك الحالة النفسية لتجعل من السهولة إستدعائها أمام أى قوة مفرطة وقاهرة فى الواقع لنقدم لها فروض الطاعة والخضوع مصحوباً بحالة فرح وتهليل يصاحب التمجيد ولعق النعال.!!

سر تخلفنا فى بقاء نهج العبودية قائماً فاعلاً بمنهجه وسلوكه وأدائه فلا أمل من الانعتاق من مستنقع التخلف طالما نمارس منهجية تحد من حرية وكرامة الإنسان لتتركه رهينة قوة يظن أنها تبطش به وتقدر خطواته وتخطط له ومعها كل حياته ومستقبله فهى الحاكمة المتحكمة وما هو إلا عبد فهكذا هى تريد وهكذا يكون التعامل معها , ليمتد هذا الشعور بالإنسحاق فى كل الدوائر التى تلوح فيها مشاهد للقوة القاهرة .

لا تقدم لنفوس مرتعشة خاضعة خانعة تمارس الإنبطاح والمهادنة أمام القوة المُستبدة لتتعايش معه بنفاقها وإنكسارها وخنوعها فهكذا هى وسيلتها للوجود .. لن نذوق معنى لحرية إلا عندما نحذف من الداخل الإنسانى أى شعور بالعبودية والإنسحاق أمام أى قوة مفرطة حقيقية أو متوهمة ..فالعبيد لا يصنعون الحضارة .

دمتم بخير .
- "من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " حلم الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,575,089
- الأديان بشرية الهوى والهوية -نحن نتجاوز الآلهة وتشريعاتها (2 ...
- قطرة الماء تتساقط فتسقط معها أوهامنا الكبيرة - خربشة عقل على ...
- الأخلاق والسلوك ما بين الغاية ووهم المقدس - لماذا يؤمنون وكي ...
- نحن نخلق آلهتنا ونمنحها صفاتنا -خربشة عقل على جدران الخرافة ...
- الحجاب بين الوهم والزيف والخداع والقهر - الدين عندما ينتهك إ ...
- هل هو شعب باع ثورته ويبحث عن جلاديه أم هو اليُتم السياسى .. ...
- مراجعة لدور اليسار فى الثورات العربية ونظرة إستشرافية مأمولة
- مشاركة القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهير ...
- فى داخل كل منا ملحد !..إنه الشك يا حبيبى - لماذا يؤمنون وكيف ...
- الثورة الناعمة عرفت طريقها .. شعب سيصنع ثورته من مخاض الألم
- تثبيت المشاهد والمواقف - الدين عندما ينتهك إنسانيتنا (32)
- تحريف الكتب ما بين رغبة السياسى والإخفاق الإلهى - تديين السي ...
- المؤلفة قلوبهم بين الفعل السياسى والأداء الإلهى - تديين السي ...
- العمالة الغبية والثقافة الداعية للتقسيم فى مشروع الشرق الأوس ...
- إبحث عن القضيب !! - لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (15)
- هل التراث والنص بشع أم نحن من نمتلك البشاعة - الدين عندما ين ...
- مشهد ماسبيرو يزيح الأقنعة والأوهام ويكشف الرؤوس المدفونة فى ...
- إشكاليات منطقية حول الإيمان والإله - خربشة عقل على جدران الخ ...
- التتار الجدد قادمون - الدين عندما يمنتهك إنسايتنا ( 30 )
- العلبة دي فيها فيل - خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم ( 9 ...


المزيد.....




- لبنان… مذكرة توقيف ضد سيف الإسلام القذافي 
- إيهود باراك يعتذر عن قتل 13 عربيا عام 2000
- "مشروع ليلى" تقسم لبنان والكنيسة تهدد باللجوء إلى ...
- "مشروع ليلى" تقسم لبنان والكنيسة تهدد باللجوء إلى ...
- خان: الجاسوس الذي ساعد الأمريكيين في تصفية بن لادن أحرج باكس ...
- في لبنان: متطرّفون مسيحيون يهدرون دمّ «مشروع ليلى»
- الاحتلال الإسرائيلي يبعد «مرابطة» مقدسية عن المسجد الأقصى 15 ...
- ما القصة وراء -طرد مدون سعودي- من المسجد الأقصى؟
- 80 مستوطنا وطالبا تلموديا يقتحمون المسجد الأقصى
- باكستان تغير روايتها الرسمية حول دورها في عثور الأمريكيين عل ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - ثقافة وروح العبودية - لماذا نحن متخلفون (1)