أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - رامي أبو جبارة - مصطلح -العرب البائدة- بين الثقافة والسياسية















المزيد.....

مصطلح -العرب البائدة- بين الثقافة والسياسية


رامي أبو جبارة

الحوار المتمدن-العدد: 3606 - 2012 / 1 / 13 - 03:55
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


في البداية لا بد من الاشارة إلى أنني لست باحثا في علم الأعراق (ايثنولوجي)، أو حتى في علم الأنساب (جينيولوجي). كما أنني لست بصدد محاججة النظريات في هذا العلوم المتنوعة على الرغم من تحفظي على الكثير منها بل لنقل على أغلب النظريات في تلك العلوم. ولكن وبحكم قراءاتي المتأنية في التاريخ القديم وتاريخ الحضارات القديمة، واطلاعي على بحوث وآراء في أنساب الشعوب وأصولها، لا يمكن أن تخفى عليّ الدوافع التي تقف خلف الكثير من الآراء والأبحاث والتحليلات المطروحة في هذا المجال، لما لهذه العلوم من صلة كبيرة بالسياسة وبحاضر الشعوب وحتى مستقبلها. فحتى يتسنى تقسيم دولة ما - على سبيل المثال - لا بد من اثبات تمايز أصول الشعب في الدولة المراد تقسيمها، بالإضافة إلى اثبات عدم وجود حضارة موحدة في هذه الدولة عبر العصور، وغيرها من العوامل اللغوية والتاريخية والحضارية. وكذلك الأمر بالنسبة للمشروع الصهيوني في "فلسطين" -على سبيل المثال-، فلولا تزوير التاريخ، وتزوير كم هائل من الأبحاث في بعض العلوم المساندة من اجل اثبات النظرية التوراتية مثل علم الآثار (ِArcheology) وعلم اللغويات (Linguistics) والأعراق (Ethnology) وعلم اللاهوت (Theology) وعلم الأساطير (Mythology) وغيرها، لما تمكنت قوة الارهاب الصهيونية من تدعيم مشروعها الاستيطاني في المنطقة العربية واقناع الغرب (رسميا وشعبيا) به لعقود.

كان للغرب على الدوام مصلحة في تزوير التاريخ الشرقي عموما والعربي خصوصا، ورفد المكتبة العلمية والأكاديمية ببحوث مشوّهة في هذه المجالات وغيرهم من المجالات الحيوية، وذلك لنتفيذ مخططاتهم الاستعمارية وأطماعهم السياسية خصوصا في القرن العشرين، إلا أن هذا الأمر يبقى متوقعا رغم فداحته. ولكن ما يبعث على الدهشة والقلق مشاركة العديد من النخب العربية والاسلامية في هذا التزوير بعمد منهم أو دون عمد، والأدهي أن تلك العملية لا زالت مستمرة ولم تتوقف حتى يومنا هذا.

لعل بداية المشاركة في عملية التشويه والاجتزاء كانت منذ العصور الوسطى، لمؤرخين دفعتهم الحمية الدينية إلى اقتصار الحضارة العربية على الحضارة الاسلامية واختزال التاريخ العربي بالحقبة التاريخية التي تلت بزوغ فجر الاسلام، ووصم كل ما خلا بأنه تاريخ جاهلي وحضارات وثنية لا تستحق الاعتراف. ان هذا الأمر ينطوي على خطورة كبيرة، كونه أولا يلغي حضارات لعبت دورا رئيسيا في ارساء دعائم الحضارة الانسانية جمعاء مثل حضارات بلاد ما بين النهرين وحضارات مهمة في التاريخ البشري مثل الحضارات الكنعانية والفينيقية والآرامية والأنباط والمؤابية والعمونية والحثية وحضارات اليمن وغيرها. كما أن هذا الافتراض ينفي الوجود الحضاري العربي ما قبل الاسلام ويجعل العرب مجموعة من البدو الرعاع الذين انطلقوا من الجزيرة العربية واعتمدوا على غزو الحضارات الآخرى (الفارسية والرومانية والاغريقية) والنسخ عنها وهو ما يعزز الصورة التوراتية المشوهة عن العرب. وبالتالي من شأن هذه الفرضية أن تكرس الصورة النمطية عن شعوب المنطقة العربية باعتبارهم مجموعة من البدو الغارقين في البؤس والهمجية والتخلف. وفي هذا السياق يأتي التقليل من ذكر الحضارات العربية الأخرى التي عاصرت بدايات الفترة الاسلامية قبل أن تنصهر فيها مثل الغساسنة والمناذرة، وتصويرهم على أنهم مجموعة من العملاء التابعين للحضارتين الرومانية والفارسية على التوالي، ولم يكن لهم أي شأن يذكر في التاريخ، متناسين بذلك وجود قادة جيوش عظام من أبناء هذه الحضارات، بل وحتى وصول أباطرة من العرب إلى سدة حكم الامبراطورية الرومانية مثل الامبراطور ماركوس فيليب العربي والذي تربع على عرش روما في أوسط القرن الثالث ميلادي.

رغم تصدى العديد من الباحثين لهذه الاشكالية بالتفصيل، إلا أنه ما زال هناك الكثير من الغبار العالق على هذه القضية والذي لا زال بحاجة لازالة حتى تبدو الصورة كاملة وواضحة، وتحت هذا الاطار يندرج مصطلح "العرب البائدة". لست بصدد مناقشة الأصول التي جاءت منها شعوب ما بلاد النهرين وشعوب بلاد الشام والفينقيين في شمال أفريقيا، وما اذا كانت تلك الأصول نابعة من الجزيرة العربية أم أنها شعوب هندو-أوروبية ومغولية كما يحاول التيار السائد في المدراس الاكاديمية الغربية اقناعنا، لأن الاشكالية الأساسية بتبني العديد من النخب العربية والاسلامية مصطلح "العرب البائدة" وصبغه على تلك الشعوب تنفي هذه الاشكالية الجزئية، بجعل منطقة العراق والشام بل وحتى مصر وشمال أفريقيا أراضي بلا شعوب (أي بادت شعوبها) وهي بتالي حلـّا على جميع الغزاة والفاتحين على اختلاف مشاربهم، وهو ما يعني تدعيم الدعاية الصهيونية نظريا بأن أرض "فلسطين" بل وأراضي شعوب المنطقة العربية بأسرها هي أراض مشاع بادت شعوبها، وأن الزحف العربي من الجزيرة العربية على مر العصور كان غزوا مثله مثل حملات ريتشارد قلب أسد وتيمورلنك وهولاكو وجانكيز خان وغيرهم من الفاتحين. كما يدعم هذا المصطلح الراوية التوراتية عن العرب الحاليين بأنهم مجرد بدو رحّل لم يعرفوا الحضارة والتمدن أبدا، ولا يمتون لأرض فلسطين وغيرها من المناطق المتحضرة بصلة.

رغم عدم اعتقادي بوحدة العرق العربي الخالص وحتى بوجود الهوية العربية الخالصة، لأن هذه النظرة ما هي إلا نظرة شوفينية ومثالية لا وجود لها على أرض الواقع، على اعتبار أن المنطقة العربية احتضنت شعوب كثيرة من أعراق متنوعة وأصول مختلفة تجانست وعاشت واختلطت على نحو رائع، إلا أنني ومع ذلك أرفض رفضا قاطعا استخدام مصطلح "العرب البائدة"، لأنه يعني ضمنا اندثار الاستمرار الحضاري والوجودي لشعوب المنطقة وهو أمر لم يحدث. وذلك من شأنه أيضا تقطيع أوصال جميع الهويات العربية وقلعها من جذروها التاريخية كهويات وجدت وأثرت في الهويات السائدة اليوم كالسومرية والبابلية والكلدانية والآشورية والآرامية والكنعانية والفينقية الخ.... بالإضافة إلى أن تبني هذا المصطلح يسلب شعوب المنطقة موروثها الحضاري وحتى الأثري ويبرر للقوى الاستعمارية سرقة هذا الموروث والعبث بتاريخنا وهوياتنا ومنجزاتنا الحضارية كما تريد، والعبث حتى بجغرافيتنا وديمغرافيتنا وحتى تقسيمنا إلى 100 دولة!!

ان مصطلح "العرب البائدة" هذا بدء تداوله في العصور الوسطى من قبل بعض المؤرخين الاسلاميين مثل الطبري وذلك بتصنيف العرب في ثلاثة أقسام: عرب عاربة وعرب مستعربة وعرب بائدة. وقد كان يستخدم هذا المصطلح حينها لوصف بعض شعوب الجزيرة العربية التي انقرضت وفقا للرواية القرآنية مثل عاد وثمود وسبأ وغيرهم. إلا أن هذا المصطلح بدأ بالتمدد ليشمل أولا بعض الحضارات القريبة من الجزيرة العربية مثل الأنباط، ليبتلع بعد ذلك جميع الحضارات العربية القديمة في الشام وبلاد ما بين النهرين ووصل حتى إلى الفنيقيين في شمال أفريقيا. وفي هذا مغالطة كبيرة وتجني هائل لأن هذه الشعوب بقيت موجودة وحية، وان ما جرى لها لم يكن اندثار وانما مجرد انخفاض في انتاجها الحضاري المتفرّد وانضوائها تحت لواء حضارات أخرى فاقتها قوة، والدليل على ذلك أنه ما زال البعض منـّا يحمل أسماءا مرتبطة بهذه الحضارات العربية القديمة حتى يومنا هذا.

أخيرا أقول بأن الصراع الدائر اليوم بين القوى الامبريالية وشعوب المنطقة العربية وجميع شعوب العالم الأخرى، له أبعادا تتخطى القضايا الراهنة مثل السياسة الاقتصاد والثقافة الخ...، لتصل إلى التاريخ والأصول والآثار واللغويات والأنساب، أي إلى ماضي الشعوب وحضاراتها. ولذلك فإن ضياع الارث الحضاري والموروث التاريخي يعني بالضرورة مزيدا من الضياع الشامل الذي نمر به منذ قرون.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,313,092
- عن السلطة السياسية في سوريا وممانعتها – 3
- عن السلطة السياسية في سوريا وممانعتها – 2
- عن السلطة السياسية في سوريا و-ممانعتها- - 1
- ملكية الفضاء وعولمة ما لا يمكن عولمته..!!
- حرب العملات ونهاية القيامة الأمريكية: هل نحن بحاجة إلى النظا ...


المزيد.....




- وزيرا الخارجية الأردني والتركي يبحثان قضايا إقليمية
- إسرائيل تكشف طرق تهريب الأسلحة من إيران حزب الله
- الحبيب حسيني والمقاربـة التشـاركية لوضـع رؤيـة اسـتراتيجية و ...
- عبد الله البوزيدي : البعد الاستراتيجي للماء يفرض التخطيط له ...
- جمال كريمي بنشقرون: إصلاح المدرسة العمومية في صلب تحقيق النم ...
- عراقجي: إيران ستؤمن مضيق هرمز
- لودريان: فرنسا تؤكد على الحفاظ وتنفيذ الاتفاق النووي
- عراقجي من باريس: إيران ستبذل جهودها لتأمين مضيق هرمز
- عمران خان: سأحاول إقناع طالبان بأن تفاوض الحكومة الأفغانية
- حرب الخليج 1990: العراق يسدد للكويت تعويضات بقيمة 270 مليون ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - رامي أبو جبارة - مصطلح -العرب البائدة- بين الثقافة والسياسية