أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نضال الصالح - ضياع في الزمكان















المزيد.....

ضياع في الزمكان


نضال الصالح

الحوار المتمدن-العدد: 3545 - 2011 / 11 / 13 - 14:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إلتقيته،لا أذكر متى وأين. تصافحنا فعاتبته على طيلة غيابه وسألته: أين كنت طوال هذه المدة الطويلة؟ أجابني: هنا وهناك. سألته وأين أنت ذاهب الآن؟ أجابني: إلى لا مكان. قلت له: تعال معي إذن من هنا فهذا الطريق أقرب.
في الطريق إلى لا مكان قلت له: تعال أدعوك إلى غداء نتحدث خلاله عن ما كان، فأضاف: المهم أن نتحدث عن ما سيكون. إخترت مطعما على الطريق إلى لا مكان ودخلنا واخترنا طاولة في مكان ما من المطعم وجلسنا. جاء صبي المطعم والقى على الطاولة لائحة الطعام واختفى في المكان. سألت صديقي: ماذا تريد أن تأكل: قال:عندي سيان . قلت له: عندهم مجموعة من الأطعمة فاختار ما تشاء. فكرر الإجابة: كله عندي سيان.
إخترت له ما إخترته لنفسي ولا أذكر ما كان. سألته: هل لا تزال تعمل في التجارة؟ أجاب: أعمل ولا أعمل. سألته وبماذا تتاجر؟ أجاب بهذا وذاك. سألته وهل هي تجارة مربحة؟ أجاب: لا، بل خاسرة في أغلب الأحيان.
جاء الطعام. نظر صديقي إليه وأخذ معلقة وراح يحرث في الطعام كأنه يبحث عن شيء مفقود. سألته: ألست بجائع؟ أجاب: لا أدري. تركته يلهو بطعامة وحاولت أن آكل، ولكن منظره وهو يقلب الطعام بمعلقته أفقدني الشهية. سألته: كيف أخبار زوجتك والأولاد؟ قال: تركتني زوجتي وهربت. فاجأني الخبر فسالته، مع من هربت؟ أجاب مع لا أحد. سألته وماذا عن الأولاد، فأجاب، بين بين، بين هنا وهناك.
نظرت إليه متفحصا وسألته: ما بك يا صديقي؟ فإني أراك ضائعا في الزمكان، بين هنا وهناك وبين هذا وذاك، فما الذي حصل لك؟
صمت برهة ثم قال: أنا جزء من هذا العالم الذي تعمه الفوضى الزمكانية، فكل مافيه يسير في الإتجاه المعاكس. فسألته: معاكس لماذا ولمن؟ فأجاب معاكس للإتجاه. سألته بنبرة حادة: وأي إتجاه هذا؟ نظر إلي متعجبا وقال: لقد خلق الله العالم ولكل شيء فيه إتجاه، ولكن العالم اليوم يسير بالمقلوب، وكل ما فيه يسير في الإتجاه المعاكس، لم يعد هناك منطق لمسيرة الأشياء، فكل شيئ يسير عكس إتجاهه، ولم يعد لمسيرة الأشياء معنى أو معقولية أو سببية، فأصبح الناس ضائعين بين هنا وهناك وبين هذا وذاك، إنهم سائرون بدون وعي إلى هاوية أبدية خارجة عن الزمان والمكان.

أمعنت التفكير في ما قاله صديقي فما كان أمامي إلا أن أوافقه الرأي ، فكل شيئ يسير خارج المنطق والمعقول والناس يسيرون في فوضى زمكانية ستجرهم إلى الهاوية.أردت أن أجيبه ولكنه سبقني وقال: أتذكر الحديث النبوي الذي كان والدك يحدثنا فيه في مجالسه؟ قلت: أتقصد حديث الرويبضة؟ قال نعم، ولا زلت أحفظه حيث يقول:" سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. وعندما سألوه عن معنى الرويبضة، قال: هو الرجل التافه يتكلم في أمور العامة". ثم تابع صديقي بحدة: ألا يصف هذا الحديث، سواء قاله النبي أو نسب إليه، وقتنا هذا؟ ألا تجد الرويبضة يصول ويجول، يتحدث في أمور العامة، بدون تخويل أو توكيل. ألم تسمع أمس واحد منهم وتراه على شاشة التلفزيون وهو يقرر ويحكم ويهدد ويتوعد وهو لا يمثل إلا أمثاله من الرويبضات.
نظرت إلى صديقي وقلت: معك حق في ما تقول. فالعالم مريض. مصاب بعدد من الأمراض العقلية، أهمها داء الفصام الأخلاقي. قاطعني صديقي سائلا: أعرف ما هو داء الفصام، ولكن لا أعرف ما هو داء الفصام الأخلاقي.قلت:هو تعبير إصطلحته بنفسي، فمن عوارض داء الفصام أن المريض يرى الواقع واقعين ويختلط عليه الواقع الحقيقي مع الواقع المتخيل المنتج عن تصوره المريض. العالم اليوم مصاب باسوأ نوع من أنواع داء الفصام. في عالم الآخرين، يدعو إلى الديموقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ويقف ضد العنصرية، في نفس الوقت الذي يدافع فيه عن المجتمع في عالمه الذي يقوم على العنصرية وسحق حقوق الإنسان واضطهاد الغير وسلب حقوقهم الإنسانية. عالمنا يتكون من عوالم تشن حربا في بلاد الآخرين على نفس الأسس التي تقوم عليها العلاقات السياسية والإجتماعية في عالمها. تقتل المدنيين وتهدم بيوتهم، تحت غطاء حمايتهم.
عم الصمت مجلسنا، ثم قطع صديقي الصمت قائلا: " جاؤونا بنظرية الفوضى الخلاقة، فهل يمكن أن تكون الفوضى التي نعيشها خلاقة؟ قلت: في رأيي المتواضع لا يوجد فوضى خلاقة، والفوضى تخلق فوضى، وهذا الفكر نابع كما أشرت سابقا من المرض العقلي المصاب به عالمنا. فإلى جانب داء الفصام هو مصاب بالصرع الفوضوي. قاطعني صديقي سائلا: وهل هذا إصطلاح آخر من إختراعك؟

ضحكت وأجبته: إلى حد ما، فمن المعروف أن حركات أعضاء الجسم الإنساني تنتج عن أوامر بيوكهربائية صادرة عن المخ. الصرع هو حالة عصبية تنتج عن اختلال وقتي في النشاط الكهربائي الطبيعي للمخ . وينشأ النشاط الكهربائي الطبيعي للمخ من مرور ملايين الشحنات الكهربائية البسيطة من بين الخلايا العصبية في المخ وأثناء انتشارها إلى جميع أجزاء الجسم ، وهذا النمط الطبيعي من النشاط الكهربائي من الممكن أن يختل بسبب انطلاق شحنات كهربائية شاذة متقطعة لها تأثير كهربائي أقوى من تأثير الشحنات العادية . ويكون لهذه الشحنات تأثير على وعى الإنسان وحركة جسمه وأحاسيسه لمدة من الزمن وهذه التغيرات الفيزيائية تسمى تشنجات صرعية، تظهر بشكل حركات غير إرادية، فوضوية، تشنجية لأعضاء الجسم. وقد تحدث نوبات من النشاط الكهربائي غير الطبيعي في منطقة محددة من المخ وتسمى النوبة حينئذ بالنوبة الصرعية الجزئية أو النوبة الصرعية النوعية . ويحدث في أحيان أخرى اختلال كهربائي في جميع خلايا المخ، وهنا يحدث ما يسمى بالنوبة الصرعية العامة أو الكبرى .
في رأيي أن العالم اليوم مصاب بداء الصرع النوبي أو الجزئي، والذي ينتج عنه بين الحين والآخر تشجنجات فوضوية تترك أثرها السلبي في بعض أجزاء أطراف الجسد العالمي. وإذا إستمر الحال على ما هو عليه بدون علاج حاسم فإن الخلل سيخرج من منطقته المحددة و سينتشر في جميع أجزاء المخ وستكون النتيجة الصرعة الكبرى، العامة والطامة والقاضية.
عم الصمت مجلسنا من جديد، فلقد أرعبني ما سيكون عليه العالم في حالة إصابته بالصرعة الكبرى، ويظهر أن هذه الصورة قد أرعبت صديقي، فلقد أخذ نفسا طويلا وأطلقه بصوت كفحيح الأفعى ثم قال: أرعبتني، ولكنك لست بعيدا عن الحقيقة، مع أنها مرعبة.
دفعت ثم فاتورة الطعام الذي لم نتذوقه وخرجنا من المطعم إلى الشارع، كل مع افكاره. سألته: إلى أين أنت ذاهب. قال بعد أن صافحني مودعا: إلى لا مكان، ثم تركني وذهب. بقيت أراقبه حتى إختفى عن ناظري في اللامكان. إتجهت إلى الجهة المعاكسة وغادرت.

د. نضال الصالح





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,393,644
- بين حكم الطبيب و حكم النصيب
- عندما يكون الصمت موقفا
- ضحايا نظام العولمة المالي، اليونان مثلا
- مصر والإخوان المسلمون، إلى أين؟؟
- المتخيل الجنسي في المخيلة الرجولية
- ضيق الحبل واشدد من خناهموا
- وجهة نظر مغايرة لما يجري في ليبيا
- السيرك العربي
- هل يمكن تطبيق الديموقراطية في ظل أسلمة الدولة؟ وهل الأخوان ا ...
- الرأسمالية المتوحشة والإرهاب الوظيفي
- قراءة سريعة في كتاب إبرهام بورغ: -لننتصر على هتلر
- يد غادرة و فكر ظلامي
- المرأة هي أيضا مسؤولة عن إنتهاك حقوقها
- سوريا، يا وجعا في القلب
- فضائية يسارية حلم كل العلمانيين واليساريين
- إنهيار الأيديولوجية الصهيونية
- كيف تعرفت على الخنزير
- حديث ليلي مع ممرضتي
- حانوت النصوص الدينية الجاهزة، حسب العرض والطلب
- إعرف عدوك قبل أن تلهث في طلب السلام معه


المزيد.....




- روسيا تقرر إرسال قاذفات استراتيجية إلى القرم رداً على الولاي ...
- "داعش" في سوريا يقول إن النزوح من الباغوز لن يضعف ...
- روسيا تقرر إرسال قاذفات استراتيجية إلى القرم رداً على الولاي ...
- "داعش" في سوريا يقول إن النزوح من الباغوز لن يضعف ...
- الجيش النرويجي: روسيا عطلت نظام -جي بي إس- أثناء مناورات -ال ...
- اليمن... -أنصار الله- تعين نائبا عاما وتجري تغييرات في جهاز ...
- الوليد بن طلال: خاشقجي كان صديقا لي ومقتله كارثة استخباراتية ...
- بوتين بالقرم.. في ذكرى عودتها إلى روسيا
- القضاء الفرنسي يضع صهر الرئيس التونسي الأسبق بن علي قيد التو ...
- الوليد بن طلال: الأمير محمد بن سلمان ساعدني في تبليغ رسالة ت ...


المزيد.....

- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ
- الاقتصاد السياسي لثورة يناير في مصر / مجدى عبد الهادى
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2018 - الجزء السابع / غازي الصوراني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ثورة 11 فبراير اليمنية.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- كتاب خط الرمال – بريطانيا وفرنسا والصراع الذي شكل الشرق الأو ... / ترجمة : سلافة الماغوط


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نضال الصالح - ضياع في الزمكان