أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف حول قيام الدولة الفلسطينية و القضية الكردية وحقوق الأقليات وحقها في تقرير المصير في العالم العربي - نايف حواتمة - حق تقرير المصير للإثنيات القومية، وللمجتمعات حق المساواة في المواطنة، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية















المزيد.....



حق تقرير المصير للإثنيات القومية، وللمجتمعات حق المساواة في المواطنة، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية


نايف حواتمة
الحوار المتمدن-العدد: 3517 - 2011 / 10 / 15 - 17:43
المحور: ملف حول قيام الدولة الفلسطينية و القضية الكردية وحقوق الأقليات وحقها في تقرير المصير في العالم العربي
    


حواتمة: حق تقرير المصير للإثنيات القومية، وللمجتمعات حق المساواة في المواطنة، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية
حاوره: حميد كشكولي

س1: أيهما أهم برأيك: بناء دولة مدنية على أساس المواطنة بدون تمييز قومي أو ديني واحترام حقوق جميع القوميات والأديان، أم بناء دولة على أساس قومي وإثنية، بغض النظر عن مضمون الحكم فيها ؟

حق تقرير المصير الأساس لحل معضلات التشكيلات القومية ـ الإثنية التاريخية المزمنة، المعلقة، والراهنة في عالمنا المعاصر. وحق تقرر المصير اكتسب ويكتسب "صيغاً ومضامين متعددة"، على قاعدة عملية التطور التاريخي لكل تشكيلة قومية ـ إثنية. وعليه؛ لا يمكن حشر حق تقرير المصير بزاوية مغلقة "إماّ و إمّا" كما ورد بسؤالكم.
علينا جميعاً التمييز بين الإثنيات القومية، الأديان والطوائف والمذاهب الدينية. الحلول تختلف جذرياً: الإثنيات القومية تستدعي حقوق تقرير المصير في إطار "القومية، الشعب، القومية ـ الدولة والاستقلال". تعدد الأديان، الطوائف والمذاهب الدينية، تعدد الإيديولوجيات والثقافة تستدعي "المساواة في المواطنة دون تمييز في الدين والجنس والعرق والطائفة، وبين الرجل والمرأة".
المسار التاريخي قدم ويقدم الصيغ والمضامين المتعددة لحق تقرير المصير: الأمة، الشعب ـ الدولة، الاستقلال التام، الفيدرالية (بريطانيا، ألمانيا، بلجيكا، الاتحاد السوفييتي، يوغسلافيا ... أمثلة على ذلك)، الحكم الذاتي، الهوية الثقافية (اللغة، التاريخ، التكوين الاجتماعي، التكوين النفسي، العادات والتقاليد)، هذا بشأن الإثنيات القومية المكتملة التكوين والتطور التاريخي.
أما بشأن مجتمعات تشكلت من أصول إثنية ـ عرقية متعددة بما فيه أديان متعددة، طوائف ومذاهب متعددة داخل الدين الواحد؛ فقد اتخذ التاريخ مساراً آخراً قاعدته "المساواة في المواطنة" والصراع في صف المجتمع بروح المساواة القانونية، وحتى بحروب أهلية، وصولاً إلى "المساواة في المواطنة بدون تمييز في العرق والجنس والدين، الطائفة والمذهب" لبناء دولة الحق والقانون بصيغ متعددة: دولة مركزية، فيدرالية (الولايات المتحدة، كندا، أمريكا الجنوبية والوسطى والكاريبي، استراليا، نيوزلنده ... وأخيراً جنوب إفريقيا أمثلةً على ذلك).
والآن شهد ويشهد المسار التاريخي لحق تقرير المصير في القرن العشرين والواحد والعشرين صيغاً جديدة: الدولة المركزية المتعددة القوميات في دستورها وحياة مجتمعها (بوليفيا مثالاً). كما شهد تفكك اتحاد القوميات الفيدرالي (الاتحاد السوفييتي، يوغسلافيا) والأزمات الإثنية ـ القومية في فيدرالية بلجيكا، أزمة إيرلندا، اسكوتلندا في بريطانيا الفيدرالية المتحدة، والأزمات الإثنية القومية التاريخية المزمنة في الشرق الأوسط وإفريقيا (العراق، تركيا، إيران، أثيوبيا، السودان ... أمثلة على ذلك ...).
بانوراما حق الشعوب بتقرير المصير لوحة فسيفساء عالمية، والمناخ المغلق على حق تقرير المصير في كثير بلدان العالم يعبر عن غياب الحلول الديمقراطية والاضطهاد القومي بالقوة، يعبر عن عمليات التقسيم والاقتسام، الضم والإلحاق الإقليمية والمحلية والاستعمارية، وهذا ما أوردته في كتابي "اليسار العربي ... رؤيا النهوض الكبير ... نقد وتوقعات" الصادر 2010، وقدمت رؤيا للانتفاضات والثورات الموعودة القادمة، والحلول الديمقراطية الجديدة للمشكلات الإثنية ـ القومية في البلاد العربية والشرق الأوسط، الحلول للخلاص من أنظمة الاستبداد والفساد، انتزاع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وحق تقرير المصير للإثنيات القومية بما فيه حق الخلاص من كل أشكال التوسع والضم والإلحاق الإقليمي والإمبريالي.
شعوب كثيرة تقرر مصيرها بالقوة الإقليمية التوسعية اليمينية والرجعية، بقوة الدول الاستعمارية الطاغية، بالقوة الإسرائيلية الصهيونية التوسعية.
الشعوب الضحايا كثيرة في الشرق الأوسط والبلاد العربية، في مقدمتها "شعب فلسطين، الكرد، السودان الإفريقي، دارفور الإفريقي ...، الأمازيغ في المغرب العربي ..." (كتاب حواتمة: "اليسار العربي ... رؤيا النهوض الكبير"، الفصل الأول ص 16 ـ 74).

س2: كيف ترى سبل حل القضية الفلسطينية وتحقيق سلام عادل يضمن الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني؛ وفقاً للمواثيق الدولية ومقررات الأمم المتحدة ؟

أولاً علينا تدقيق المصطلحات في السؤال، ثمة فرق جوهري كبير بين "سلام عادل" و"سلام متوازن"، وأعتقد أن مقصدكم هو "سلام متوازن".
إن "السلام العادل" يقوم على الحل النهائي المتمثل بدولة فلسطين الديمقراطية الموحّدة، وبعودة اللاجئين الفلسطينيين "جوهر القضية الفلسطينية"، وإنهاء التعبيرات الصهيونية العنصرية وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية على أساس المساواة الكاملة في المواطنة، بعيداً عن الدين والعرق والجنس.
أما بشأن "السلام المتوازن" وإقامة دولة فلسطين على كامل الأراضي المحتلة في 4 حزيران/ يونيو 1967؛ فهو ما نقصد به ونعرفه بـ "السلام المتوازن" (اقترح العودة إلى كتاب حواتمة "أوسلو والسلام الآخر المتوازن" وكتاب "أبعد من أوسلو ... فلسطين إلى أين ؟!" وكتاب "الانتفاضة ـ الاستعصاء ... فلسطين إلى أين")، وسؤالكم يتناول هذا الأمر.
منذ ما يناهز أكثر من عقدين، ومنذ "مؤتمر مدريد" 1991، يمكن تقييم المفاوضات الفلسطينية ـ "الإسرائيلية" بأنها تقوم على أمرين: الاحتفاظ "بإسرائيل الكبرى" "فلسطين بكاملها"، و"اتخاذ المفاوضات" ذريعة للاستيطان وخلق وقائع جديدة تعبر عن جوهر موقف "إسرائيل" بالاحتلال والتمسك بالأراضي العربية المحتلة عام 1967، وموقفها هذا يستهتر بالقانون الدولي، والقواعد والتقاليد المرعيّة في حقل العلاقات الدولية، بما يعبر عن أزمة للاستثناء الإسرائيلي، والمؤيد من الحكومات الغربية، وباعتبارها مفيدة لبعض الطبقات السياسية المهيمنة في العالم، لأن هذا الأمر يعاكس ما جرت عليه العادة في عموم حالات النزاع الدولي الأخرى، حيث لا توجد أي ضغوط جديّة على "إسرائيل" من أجل التسوية في الشرق الأوسط، بل يتواصل دعمها واحتضانها وتقديم ما يلزمها "تشجيعاً" لها على خوض "المفاوضات لإنجاز السلام"، فهي في موقع الرعاية في المنظومة الدولية الغربية.
لقد فرضت هذه السياسة على اللجنة الرباعية وعلى المجموعات الدولية المشاركة في جهود "السلام"، لذلك تركوا الطرف المفاوض الفلسطيني ليحل مشاكله بنفسه معها، واقتصر دور الرباعية كما ارتأته واشنطن بدور المسهل، وعلى أرض الواقع العملي دون فرض اشتراطات وخطة وموقف دولي يؤطر المفاوضات وأهدافها، أي ترك الطرف المحتل والقوي المدعوم، يفعل ما يريد بالطرف الفلسطيني الضعيف بحكم توازن القوى، فهو ينكل بالمفاوضات التي تدور في حلقة مفرغة، كما ينكل بالأرض عبر الاستيطان والتهويد وبعيداً عن دور دولي بما فيه منظمة الأمم المتحدة والقرارات التي أصدرتها بشأن الصراع.
وتتماهى هنا المفاوضات العبثية بأنها بين طرفين متخاصمين، كلاهما مسؤول عن هذا الخصام، بعد أن نكلت "إسرائيل" بالمفاوض الفلسطيني على امتداد عقدين إلى درجة اتخاذه موقف ترك المفاوضات، بعد أن بات كما يقال في المَثَل: "على الأرض يا حَكَمْ"، هنا تبحث الأطراف الدولية عن مصالحة بين متخاصمين كي يعودا إلى المفاوضات ... "فأي مفاوضات هذه" (!) التي لا تقوم على موضوع الاحتلال لأراضي عام 1967 كافة، والوسيط ليس لديه موقف من نتائج المفاوضات وما آلت إليه، أي بوصفها قضية إزالة هذا الاحتلال، إزالة هذا الاستعمار ونزعه ... بقدر ما هي موضوعة "عداد متبادل بين العرب واليهود" ... (!).
لقد شاهدنا خلال عقدين من المفاوضات؛ بأن لغة "دبلوماسية جديدة" ليست من القاموس الدولي المعروف، فهي لا تسمي الأشياء بأسمائها، بل التأويلات والتورية وعلى سبيل المثال مقولة: "الاستيطان عقبة السلام" وليست عدوان استعماري استيطاني مخطط على الأرض، كذلك مقولة: "إن هدم البيوت وطرد السكان لا يخلقان عوامل الثقة الضرورية للسلام" (!) والعديد من هذه النماذج، بدلاً من إعطاء موقف من الانتهاكات اليومية الخطيرة بحق الشعب الفلسطيني.
كما نلاحظ أن ذات المجموعة المعنية، عندما يصل الأمر إلى موقف سلبي من مواقف "إسرائيل"، فإنها تضطر إلى إقامة ديباجة دبلوماسية طويلة تقترن مباشرة بتأكيد أمنها من قبل الأقطاب، وتعهدات ازدهارها وتقدمها، بينما تخضع السلطة الفلسطينية للابتزاز والتهديد، إذا ما قالت أن المفاوضات مراوغة ولن تصل إلى أهدافها.
نتساءل: كيف يمكن حل النزاع العربي ـ الإسرائيلي ؟؛ و"إسرائيل" تتلقى الدعم غير المحدود، والضمانات الأمنية والاقتصادية والتسليحية لقوتها العسكرية، وهي في حالة عدوان دائم ... (!)، بل كيف يمكن فرض المفاوضات الجادة عليها تحت ظلال هكذا معادلة ... (!) ولماذا لا تتغطرس على السلام وتواصل عدوانها كما جرت سابقاً؛ هي أفضل طريقة تتقدم لمشروع "إسرائيل" التوسعي، لدرجة أنها تستهتر بالأوروبيين أيضاً في مقاربتها العمياء، وكذلك باستراتيجياتهم ومصالحهم في المنطقة. أليس هؤلاء هم بالذات مَنْ تواطؤوا معها على حرق "تقرير غولدستون" ... بينما يشترطون على الفلسطينيين عدم مقاومة الاحتلال ... أية مقاربات هذه ... (!).
هنا علينا أن نبحث عن إستراتيجية نضالية أخرى، لدفع "إسرائيل" للتوافق مع الإدارة الدولية والقانون الدولي، والتخلي عن الاستيطان، بدلاً من "المكافآت" التي تقدم لها على الرغم من انتهاكها اليومي لعموم القانون الدولي.
وبالتأكيد علينا جميعاً أن نعيد النظر في السياسة التفاوضية التي مرت على امتداد عشرين عاماً ووصلت إلى طريق مسدود ... إلى الفشل الواضح، لم يعد أمام شعبنا من خيارات إلا العودة للمرجعيات الدولية، أي مجلس الأمن والأمم المتحدة بعد هذا القرار وندخل عضواً بالأمم المتحدة كاملاً دولة وليس فقط مراقب بصفة حركة تحرر وطني، منظمة التحرير، لأن الذي سوف يقدم مشروع القرار لمجلس الأمن والأمم المتحدة منظمة التحرير الفلسطينية، وأبو مازن الذي أدار مفاوضات الطريق المسدود، قدّم بنفسه المشروع للأمين العام للأمم المتحدة يوم 23 أيلول/ سبتمبر 2011 وبجانبه الإجماع العربي وأكثر من 130 دولة بالعالم بينها عديد من الدول الكبرى والعظمى من أجل تنفيذ هذا القرار.
عليها أن نعيد بعدها قراءة مسار المفاوضات واستخلاص الدروس العلمية والعملية بذلك، وإلا نعود إلى المفاوضات التي كانت قائمة قبل اتخاذ هذا القرار؛ بل إلى مفاوضات من نوع جديد تقوم على أساس قرارات الشرعية الدولية وفي المقدمة منها القرار بقبولنا دولة state بالأمم المتحدة وبكل مؤسساتها بلا استثناء بما فيه المحكمة الجزائية الدولية، لأن "إسرائيل" والإدارة الأمريكية يرفضون أن ندخل عضواً كامل العضوية في المحكمة الجزائية الدولية التي تمكنا من وقف الاستيطان في القدس والضفة، وتقرير غولدستون حتى العدوان على غزة حتى الاعتقالات والاغتيالات في الضفة؛ كلها تذهب إلى المحكمة الجزائية لمحاكمة كل الخطوات الأحادية الإسرائيلية.
"إسرائيل" تقول أن خطوتنا أحادية، خطوتنا ليست أحادية، خطوتنا العودة للمرجعية الدولية بشأن القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، بينما الاحتلال خطوة أحادية الجانب، استعمار الاستيطان بالقدس، بالضفة الفلسطينية، وقبلها بقطاع غزة خطوات أحادية الجانب، كلها خطوات أحادية الجانب لأن الاحتلال لا يحترم القرارات الدولية ولا ينزل عن شجرة وضع قانون "إسرائيل" فوق قانون العالم فوق القانون الدولي.
إذاً علينا أن نشتق سياسة إستراتيجية تفاوضية جديدة تقوم على هذه القرارات الدولية وفي إطار مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة، مرجعية هذه القرارات الدولية، وهذا ممكن وممكن جداً وبسقف زمني محدد وليس مفتوح عشرات السنين، فالخمس ـ عشرات السنين الأخرى لن يبقى إمكانية لبناء دولة فلسطينية قابلة للحياة متصلة وحرة مستقلة، لأن غول الاستيطان وزحفه لا يتوقف، أقول لكم التالي: عند حرب تشرين أول/ أكتوبر 1973 بأراضي 67 كان مجموع المستوطنين 35 ألف، وباتفاقات أوسلو (أ ـ ب) كان مجموع المستوطنين بالأراضي المحتلة 67 مائة ألف، الآن بالقدس العربية 300 ألف، وبالضفة 350 ألف، وحكومة نتنياهو وليبرمان تريد أن تصل إلى المليون خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، وبالتالي هذا كله نهب للأرض وإغلاق الطريق على حق شعبنا بدولة مستقلة، إذاً القرار يفتح على مفاوضات جديدة من نوع جديد في إطار هذا القرار وقرارات الشرعية الدولية، ومؤتمر دولي للسلام برعاية الأمم المتحدة.
إن حل الشرعية الدولية يستدعي الجمع بين "سلاح السياسة وسياسة المقاومة"؛ السياسة القائمة على قرارات الأمم المتحدة بتقرير المصير والدولة المستقلة بحدود 4 حزيران/ يونيو 1967 عاصمتها القدس، وحق عودة اللاجئين عملاً بالقرار الأممي 194، والمقاومة الراشدة بجبهة متحدة أولاً، وثانياً إسقاط الانقسام بالعودة للشعب وانتخابات تشريعية وتنفيذية لمؤسسات المجتمع المدني، السلطة، منظمة التحرير الفلسطينية على أساس قوائم التمثيل النسبي الكامل، وسقف أعلى في التضامن العربي والأممي مع حقوق شعبنا الوطنية.

س3: كيف تقيّم الموقف الأمريكي والدول الغربية المناهضة لإعلان دولة فلسطينية مستقلة بعد خطوة رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير رئيس السلطة الفلسطينية وتوجهه إلى الأمم المتحدة لتحقيق ذلك ؟

قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نعيد للأذهان بأن "إسرائيل" ذاتها مسألة أوروبية غربية، أي أقصد "المسألة اليهودية"، وهي ذاتها كمعضلة مصدّرة للشرق الأوسط؛ إنها نتاج المشروع الاستيطاني الصهيوني والضواري الإمبريالية، ففي الشرق الأوسط لم تكن توجد ما وُجِدَ بالغرب "المسألة اليهودية"، هي اضطهاد اليهود كتجمعات بشرية، وكدين إطلاقاً، بل إن المنطقة العربية قد حمت الكثير منهم عندما بلغ الصراع أشده وفقاً لمصطلح "اللاسامية" الدارج، لكن هذا بالغرب ويمكن تذكار قضية "دريفوس" ... "الغيتوات" ... الخ، إلى ... توافق الصهيونية العلمانية مع المصالح الإمبريالية، ما قبل وبين الحربين العالميتين وصراع الضواري الإمبريالية، إلى أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، فتمكنت هذه الضواري الغربية من تحقيق إستراتيجياتها في المنطقة، بالمصلحة المشتركة مع الصهيونية بإيجاد وولادة هذه الدولة، وقد جرى ذلك برعاية بريطانية وأمريكية وغربية في ذلك الزمن ...
أما الإجابة على السؤال بوضوح أقول: الاحتمال ضعيف بأن لا تستخدم الإدارة الأمريكية "الفيتو"، لأن هناك أيضاً جهداً فلسطينياً وعربياً من دول عديدة من العالم الثالث، وكذلك أيضاً دول عديدة بالاتحاد الأوروبي وروسيا والصين ضغطاً على الإدارة الأمريكية ألا تستخدم الفيتو، وأن لا تجتمع سبع أصوات معها لإفشال الجهد الفلسطيني والعربي بحصد تسع أصوات حتى يمر القرار بمجلس الأمن ويذهب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطين بحدود 4 حزيران/ يونيو 1967 عاصمتها القدس العربية المحتلة ودولة كاملة العضوية بالاستناد كما قلت إلى قرارات الشرعية الدولية، وحق الفلسطينيين اللاجئين بحل مشكلتهم وفق القرار الأممي 194، والمرجح أن تستخدم الإدارة الأمريكية "الفيتو" أو تجمع سبع أصوات لتعطيل القرار.
علينا أن لا نرتعد من تهديدات الإدارة الأمريكية بقطع الأموال عن السلطة الفلسطينية، عندئذ كل العالم سيصبح بوجه الإدارة الأمريكية، لا للهيمنة على القرار الدولي ولا للهيمنة على حق الشعوب بتقرير المصير بحرية، وفي إطار المؤسسات الدولية وأيضاً بعدها نذهب إلى الأمم المتحدة نأخذ القرار بأغلبية الثلثين وفق قانون الأمم المتحدة "الاتحاد من أجل السلام"، وباليد أغلبية الثلثين، وهذا سوف يؤدي إلى تطور هائل إيجابي بموقف الاتحاد الأوروبي، الآن أكثر من نصف دول الاتحاد الأوروبي ستصوّت معنا، نسعى إلى أن يصوّت معنا الجميع، والذي لا يصوّت بجانب الحق الدولي للشعب الفلسطيني بإمكانه أن يمتنع عن التصويت وليس ضد هذا الحق.
تطورات كبيرة جداً ستقع في المجتمع الدولي وفي مؤسسات الأمم المتحدة وفي الاتحاد الأوروبي وعلى صعيد دول العالم بمساندة هذه الدولة في بنائها، وحتى الاتحاد الأوروبي أعلن وأعلن البنك الدولي ـ صندوق النقد الدولي وحتى الأمريكان بصيغة أو بأخرى؛ أعلنوا أن البنية التحتية لدولة فلسطينية باتت حاضرة، وعليه هذه التطورات الكبرى ستقع بما فيه، ستقع إستراتيجية جديدة لمفاوضات ولمؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة ومرجعية قراراتها.

س4: ما هي برأيك الأسباب الرئيسية للموقف السلبي من قبل الدول الكبرى تجاه إقامة دولة كردية مستقلة؛ تجمع أطرافها الأربعة في دول الشرق الأوسط، وهو مطلب شعبي كردي وحق من حقوقه، ولماذا يتم تشبيه الحالة الكردية على أنها "إسرائيل" ثانية من قبل بعض الأوساط الفكرية والقومية في العالم العربي ؟

مضطر أن أبدأ من السؤال الثاني لا من الأول، حول تشبيه "الحالة الكردية" التي يصفها السؤال على أنها "إسرائيل ثانية" كما يصفها البعض ...، هنا أقول هذا غير صحيح مطلقاً، وهو ناجم عن ترسبات وأوهام والتباسات قومانية يمينية عربية وغير عربية، المناضلين والمثقفين الأكراد بمن فيهم تلك الشريحة الواسعة من المثقفين العضويين، لهم الدور البارز والمتقدم في عموم مراحل النضال، في إنضاج وتعميق الحراك الديمقراطي وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة والعدالة الاجتماعية، آلاف الكوادر الكردية ناضلت وتأهلت في صفوف الجبهة الديمقراطية والثورة الفلسطينية، وحتى نتحدث عن التاريخ علينا أن نتوخى الدقة العلمية، وعلى سبيل المثال دورهم في العراق، ودورهم في إنجاز "المصالحات المجتمعية الوطنية"، وهنا لا أتحدث عن السياسات الفوقية المعزولة، بل أتحدث عن الحراك الديمقراطي الكفيل بتكريس وحدة المجتمع العراقي على أسس جديدة، وتعميق هويته وثقافاته بين الأوساط الطبقية المغيبة في الحياة السياسية والاجتماعية، وتلك المهمشة والمعممة على جميع مكوناته، أي أقصد طبقات القاع والمهمشين، ونحو تغيير واقعها وإنجاز حاجاتها الاجتماعية والمطلبية، وتنمية إحساسها بالضيّم، قوة هذا الترابط والتقاطه لم تتوقف عند أي انتماء ومكون كان، أو عند هويات المكونات، وكانت تنتقل وتجد ذاتها على امتداد الوطن العراقي تجمعها المصالح المشتركة، ولا تشوهها التمايزات في تصنيف الهويات الفرعية، هذا المفصل الكفاحي شكَّلَ بُعداً رئيسياً لاكتشاف قوة هذه الحركة، تقوم على العناصر والتجمعات الأكثر وعياً والشرائح الاجتماعية المهمشة على اتساع الوطن، وعي كبير ضد الانسلاخ والإقصاء والفصل بشتى أشكاله ...
اليوم يعيش العالم تحت ظلال العولمة، والشعوب تتفاعل نحو عولمة شعبية بديلة، والأهم أن هذا التفاعل يجري في رحاب ما يسمى "القرية العالمية"، وعلينا وعلى الشعوب المكافحة بتحويلها إلى قرية إنسانية عاقلة عادلة من موقع الانغمار بالعلوم والتقدم، الانغمار بالمعارف وتجارب الشعوب، بالثقافة والقيم الرفيعة والفنون، بالإنجازات الرائعة للبشرية ... وهنا مرة أخرى نُعول كثيراً على الثقافة الكردية، لأنها تمتلك مخزون نضالي كبير، ولأن لها مثقفين متميزين على امتداد تاريخها، هذه الثقافة التي لن تفقد خصائصها، كما لن تفقد هويتها القومية والإنسانية التقدمية، وهي ثقافة نضالية إنسانية رفيعة على مستوى التفاعل والتلاقح مع الثقافة العربية والثقافات المجاورة، ومن عمق التاريخ، هذا ما يرفع عناصرها ويحصنها من الذوبان، كما حصنها من الابتلاع الشوفيني التاريخي والراهن على يد أنظمة الهيمنة القومجية الاستبدادية واليمينية في الشرق الأوسط، وهي تتحدى ظروف الانتهاك، كما لا يمكن عزلها أو تواريها، لأنها تستطيع أن تبني وطناً، لا تفرقها المصالح ويضيع فيها الفقير والمحروم، أو يهيمن عليها وتُستلب إرادتها من قبل الأمراء وملوك الطوائف وخنادقهم المتبدلة لحسابات خاصة ومصلحية ذاتية، بديلاً من أن تكون مهمومة بالحرمان والبطالة وغياب الخدمات والنهب والفساد المستشري في الدولة والنُخب الحاكمة باسمها في المألوف السياسي السائد، وفيما اطلع الآن؛ فإن الثقافة الكردية التقدمية وعلى امتداد تراثها هي مع تعميق الشعور الشعبي بوحدة المصالح والتطلعات والهموم على أسس ديمقراطية وتوافق وطني في المشهد العراقي ذاته والبلدان الأربعة في الشرق الأوسط.
أمام هذا المعيار الواقعي فإنه يسقط التوصيف بـ "إسرائيل ثانية"، فلا فوبيا لدى التيارات القومية اليسارية الديمقراطية والتقدمية إطلاقاً، البعض هنا يؤسس طالعه من طبائع الأنظمة الطبقية اليمينية والرجعية، وخصوصية مرجعياتها المركزية في الحكم وفي هيمنة مفاهيم تقليدية لـ "الأمن القومي"، فضلاً عما تركته الانعكاسات السلبية والغائمة للصراع الداخلي في المكونات داخل مجتمعات الشرق الأوسط، من ظواهر الاستبداد السياسي، وتصاعد مدّ الأصوليات السياسية والإيديولوجية والدينية المذهبية، والتي انعكست فيما بعد على إنتاج أزمات أكثر تعقيداً.
سبق وأن تحدثت عن أزمات الجوار التي أطلقت العنان لمكبوتات أصولية وسلفية عبرت عن منظورها الدموي المتطرف للهويات، ثنائيات صراعية بعيدة عن اشتغالات العقل السياسي والثقافي، مثل ثنائيات "الاستبداد والحرية، السلطة والنظام التعددي، الإسلام والآخر، المذهب والمذهب الآخر"، هذه المكبوتات جرى تأجيجها، وهي التي بررت وتبرر وتسهل وجود القوات الأمريكية في العراق، ناهيك عن حساسية المنظور الأمني الذي جاء مع معطيات نشوء العراق الراهن، والناجم عن طبيعة علاقته مع قوات الاحتلال الأمريكي؛ في الوقت الذي تنحاز به الولايات المتحدة بالكامل إلى "إسرائيل"، بما يعني من مكيالين، وبما يستبطن من معضلات أخلاقية، أليس هذا ما دفع بن لادن وعبر توصيفاته بالربط بين الاحتلال والولايات المتحدة والآخر العراقي "المسيحي" بالدعوة للحرب ضد "الكلدانيين ـ الآشوريين المسيحيين" سكان البلاد الأصليين شعوب وحضارات السومريين، الآشوريين، البابليين ... الخ.
وهذا ليس بمعزل عن أزمات الجوار وألاعيبها وصادراتها "الفقهية والبشرية"، فسياسات الدول تقوم على أعراف "التعامل الإيجابي والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشأن الداخلي، وحل مشاكل الشعوب بحق تقرير المصير القومي ـ الإثني بالحوار والمفاوضات والطرق السلمية، فلماذا كان يجري هذا كله تاريخياً وراهناً، وليس فقط منذ مطلع القرن العشرين (معاهدة سيفر 1919) حتى يومنا.
تدفعنا الإجابة إلى العودة إلى الشق الأول من السؤال حول "الموقف السلبي للدول الكبرى تجاه الدولة الكردية"، لنعود إلى الإستراتيجيات التي رُسمت للمنطقة مع مطلع القرن العشرين، فالخرائط الموجودة راهناً على أرض الواقع هي نتاج هذه الإستراتيجيات للدول الراهنة بخرائطها، فظهرت حينها دول جديدة جراء التقسيم، وعلى واقعها القائم الراهن يدور الصراع الإقليمي.
وتبرز القضية الكردية القديمة الجديدة بعد الإطاحة بالنظام السابق على المستوى الإقليمي، مع ملاحقة وملاحظة التغييرات في أجندة الدول الإقليمية والدولية الشرق أوسطية، فالمشروع الأمريكي يمكن حصره بطورين: الأول والأبرز هو محاولة تحكمه بالتطورات في العملية السياسية بكاملها الداخلي والخارجي؛ ويلاحظ تأطيرها في مديات زمنية محددة، من أجل إنجاز وإنضاج قوى لها مصالح وأجندة سياسية تابعة للتطلعات الأمريكية، وفي الثاني إدخالها في مشروعها الشرق أوسطي "الشرق الأوسط الجديد"، والدخول في صراع إقليمي "العراق الجديد" على قاعدة تعقيدات وتشابك المصالح الإقليمية في امتدادها في المنطقة، ونحن نرى أن هذه النتائج التي تحصل في العراق الجديد، حيث برزت قوى إقليمية جديدة تبحث عن دورها ومصالحها في الإقليم عموماَ، وعلى أساس تلك الرؤية دخلت أنظمة الحكم الشرق أوسطية في حروب داخلية عبر مكوناته، كلاً منها يبحث إما عن الإمساك بالسلطة، والآخر يعمل على العودة إليها، فيما شهدناه من حروب إرهابية دموية بائسة، لعبت بها قوى قومجية ودينية طائفية ومذهبية أصولية في تناحر عبثي دموي جرى تصديره في أكثر من بلد في الشرق الأوسط ضد حق الشعوب بتقرير المصير.
وتكتمل اللوحة بها إذا ما أضفنا أن القوى الطبقية والسياسية الحاكمة في الشرق الأوسط تتسم بصفات طائفية ومذهبية، ولا يعني هذا تبرئة الدولة المنهارة باتشاحها رداء العلمانية، حين نرى أنها حصرت الأنشطة الاقتصادية بعمومها الغالب بيد طائفة مستفيدة، لكن ما جرى في السلطة الحاكمة سحب نفسه بالأساس على أحزاب مذهبية ...
في كردستان ـ العراق، رغم خصوصيات الاستقرار السياسي والأمني، وتدفق الموارد المالية من حصص "النفط مقابل الغذاء" إلا أن العملية الاقتصادية التي جرت في الإقليم ونتائجها، تداخلت فيها معطيات في التطور الاقتصادي والسياسي في كردستان، فقد دمجت عضوياً بين الجهازين الحزبي والإداري، في غياب الفصل بين الحزب كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني وبين أجهزة الدولة باعتبارها الفاعل الأساسي في المجتمع، كما تقدمت الوشائج والروابط العشائرية للتشكيلات الحزبية السائدة في أجهزة الدولة الإدارية، وجرى تداخل في البنية مع الأنشطة الاقتصادية بكل ما ينتج عنها، وبروز قوى طبقية بتطلعاتها السياسية، والطفرة في قطاع العقار وتوزيع الأراضي وارتفاعها إلى أرقام خيالية ...
لا نغفل هنا وفرة الموارد المالية، وازدهار قطاع الخدمات، فالشمال مُورد في الحصار من دول الجوار وبما يحمله من ترابط المصالح الاقتصادية والسياسية بين الأطراف المتعاقدة من قبل القوى النافذة في الإقليم، وبرزت سلبيات انحسار مساحة الأراضي الزراعية المزروعة، بسبب الوفرة والمستوردة وامتناع عدد واسع من الفلاحين عن الفلاحة، فالنموذج المصدر هو الرأسمالية المتوحشة، المترافقة مع عشرات الفضائيات وهيمنتها على الفضاء العام، ويفسر هذا أيضاً الكم الهائل من الصحف ومحاولات الهيمنة على الحياة الفكرية والسياسية، هنا لا يخص الأمر كردستان، بقدر ما يخص ذلك الإعلام الطائفي، بدلاً من إعلاء شأن المواطنة والديمقراطية وصيانة مصالح البلاد، وحق الشعوب بتقرير المصير بدون "وصاية استبدادية مدنية أو دينية" ...
على هذا الواقع؛ فضلاً عن المشكلات الموروثة التي صنعها النظام السابق جراء سياساته مع العديد من دول الإقليم الكويت، إيران، سوريا، السعودية، فضلاً عن الديون الكبيرة على المستوى الاقتصادي، وتعقيدات الوضع الأمني العراقي ذاته، فإننا نشاهد التدخل القديم الجديد بالشأن العراقي، وهنا تبرز كردستان العراق في الأعمال والتهديدات التركية العسكرية، بدءاً من قضايا المياه، فضلاً عن دخولها أيضاً على قضية الصراعات القومية في العراق، خاصة بما يتعلق بالتركمان، وقضية كركوك، وتهديدات حزب العمال الكردستاني التركي، والذي يواجه بعمليات عسكرية دائمة داخل الأراضي العراقية كما حال العمليات العسكرية الإيرانية ضد حركات كردستان إيران، وبالنظر إلى أن العلاقات العراقية ـ التركية كانت محكومة بعوامل معقدة مع النظام السابق، فإنها اليوم محكومة بعوامل أخرى، حيث لا يمكن لتركيا القيام بعمليات عسكرية في الأراضي العراقية دون ضوء أخضر ساطع أمريكي، فقد كانت تدخلاتها العسكرية إبان وجود الدولة المركزية وسيلة لإضعاف سلطة بغداد قبل الغزو، بل وإحراج النظام الاستبدادي السابق، تلك التي جرت شمال خط عرض 36، أما بعد الاحتلال والسيطرة على العراق من قبلها، فإن من واجبها وفقاً للقوانين الدولية باعتبارها قوة احتلال أن تمنع أي عدوان خارجي على أراضيه، حتى لو جاء من الحلفاء والتوابع، فبعد سقوط النظام السابق، فقد تحولت جذرياً علاقات الأكراد بالمركز إلى علاقات وديّة تقوم على أساس النظام الفيدرالي الذي أقره الدستور العراقي ...
وإذا ما نظرنا إلى الدور الأمريكي فهو يشكل المفصل في البحث عن أطر جديدة للعلاقة بين تركيا والعراق، من المفترض أن يبرز منذ التاسع من نيسان/ إبريل 2003، وفي سياق اتفاقية "سحب القوات الأمريكية من العراق ومصالح دول الجوار"، وعلى الرغم من إعلان الحكومة العراقية الراهنة موقفها من "حزب العمال الكردستاني في تركيا"، وترتيب أوراق البيت العراقي بدءاً من ترسيخ سيادة العراق، وعودة انتظام الحكم الطائفي، المذهبي في الواقع الإقليمي والدولي، بما يتيح ضمانات حقيقية لحماية مصالح العراق وموارده، وفق الضوابط والقانون الدولي، وحمايته من مخاطر التدخلات والتهديدات، وصولاً إلى خروج العراق من البند السابع لميثاق الأمم الدولي ...
من باب المقارنة يمكن رصد تدخلات الجيش التركي في كردستان العراق، خلال الفترة من آب/ أغسطس 1991 إلى تموز/ يوليو 1996 بأكثر من 14 غارة جوية وثمانية عمليات تدخل عسكري بريّة، فضلاً عن عملية "فولاذ" والتي بدأت في 21 آذار/ مارس 1995 وانتهت في 4 أيار/ مايو 1995، شارك بها 50 ألف جندي ووصلت إلى عمق 100 ـ 200 كم داخل الأراضي العراقية، في النصف الأول من عام 1997 نفذ الجيش التركي 13 عملية داخل الأراضي العراقية هي عمليات غزو بري، و58 عملية قصف جوي، و38 عملية قصف مدفعي، أما تانسو تشيلر وزيرة الخارجية في حكومة نجم الدين أربكان آنذاك ـ عام 1996 ـ 1997، فقد أعلنت حكومتها عزمها على "إنشاء منطقة عازلة على الأراضي العراقية بعمق 20 كم وبطول 331 كم، أي على امتداد الحدود بين البلدين ...
إن الاتفاقية المسماة "اتفاقية سحب القوات الأمريكية من العراق ومصالح دول الجوار" كإطار إستراتيجي للولايات المتحدة مع العراق، تحتوي كثيراً على ما هو حمّال أوجه مختلفة، فهي إن ضمنت "حماية العراق من التدخلات الخارجية" لا سيما دول الجوار، واستهداف من جرى وصفهم بالوثيقة بـ "المتمردين والخارجين على القانون"، لكنها بذات الوقت تتيح إقامة اتفاقيات أخرى مع دول الجوار الإقليمي في سياق قراءة الملفات الأمنية، بما يذكر باتفاقية "سعد اباد واتفاقية الجزائر" بما بها من ذاكرة كردية وأبعاد تاريخية، فضلاً عن العقد التاريخية للدول الإقليمية وأزماتها المعقدة، خاصة وأن الاتفاقية الأمريكية ـ العراقية يمكن أن فحصها وقراءتها على أرض الواقع، بالطموح الإقليمي التركي الراهن، ودوره في الأجندة المرسومة من واشنطن في أزمات الشرق الأوسط في سياق الرؤية الأمريكية ومصالحها ...
إن حق تقرير المصير هو حق شامل لجميع الشعوب، وسبق ومنذ الستينيات والسبعينيات أن أكدنا على حق الشعب الكردي بتقرير مصيره (راجع كتاب حواتمة: "اليسار العربي ... رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات" ص23، ص29)، وهو من المعاني الأكثر إفصاحاً وإشراقاً، لقد خاض الكرد نضالهم المديد من أجل القيم الرفيعة، وبذات الوقت خاضوا نضالهم الديمقراطي من أجل العدالة الاجتماعية ومعهم الملايين غير الكرد الذين يحلمون بنهارٍ آمنٍ وليل مسالم وحياة محبة وحرية وعدالة اجتماعية، هؤلاء لهم الحق في حرية الاختيار العقلاني المدروس، بهذا المعنى يحمل المثقفون الكرد على اتساعهم وإبداعهم مواصلة التقدم، وعبر تاريخ من النضال من أجل القيم الإنسانية الرفيعة، صراع القيم الإنسانية الكونية الحقّة المنحازة للإنسان وتقدمه، رسالة العقل في أعمق نداءاته الإنسانية إلى الحرية التي لا تستقيم بدون محبة، إلى الحياة التي لا تستقيم بدون عدالة ... الحياة الأكثر قداسة ورفعة، وأثمن قيمة ...
أركز هنا على العقلانية الكردية، ودروس الرهانات الخطرة في تاريخ الحركة الوطنية الكردية، واستخلاصاتها منذ عشرينيات القرن الماضي؛ بالتعمق والتفحص للإستراتيجيات الدولية وعدم الانزلاق إلى رهانات إقليمية ودولية غير مضمونة، حين لا يمكن عزل ما يجري في الإقليم من قبل القوى الإقليمية دون حساب التعقيدات والإشكالات عن شروط صناعتها مع الفاعلين الكبار الدوليين في راهنيتها التاريخية ...

س5: هل يمكن للتغيرات الراهنة في المنطقة ـ الانتفاضات والمظاهرات الأخيرة ـ من أن تؤدي إلى خلق آفاق جديدة أرحب للقوميات السائدة كي تستوعب الحقوق القومية للأقليات غير العربية مثل الأكراد ... إلى حدّ الانفصال وإنشاء دولهم المستقلة ؟

الأكيد أن المرحلة العربية الديمقراطية الجديدة تفتح في قادم الأيام آفاقاً جديدة لحل المشكلات الإثنية القومية على قاعدة حق تقرير المصير للشعب الكردي والإثنيات القومية الأخرى في غير بلد عربي.
السمة الرئيسية للثورات والانتفاضات العربية هي انشغالها الرئيسي ومحركها هو شعار ومطلب الدولة المدنية، لأن "المواطنة" في البلدان العربية على مساحة قرون تاريخية طويلة، ومنذ ما بعد الاستعمار لم تبلغ فكرتها التي تستحق؛ والمكانة العملية التي تستحقها؛ لا على الصعيد النظري ـ الفكري، أو القانوني والتشريعي، أو على صعيد الممارسة والصعد العملية والواقع، وكما نرى تحولت هذه الفكرة إلى ما هو غير قابل للمساومة على صعيد هذه الانتفاضات، فهي فعلاً "حق غير قابل للمساومة، وقد اتسعت قاعدتها باحترام حقوق الإنسان ـ الإعلان العالمي ـ كقيمة أساسية لا يمكن التنازل عنها، ونحو بناء مواطنة من خلال حركة فاعلة؛ استناداً إلى مبدأ المشاركة ومبادئ الحرية، تحرير العقل، المساواة، العدالة.
الآن تتهيأ الفرص التاريخية الضرورية لبناء الدولة المدنية، وتحقيق المواطنة إلى مواطنة حيوية فاعلة بدلاً من "الرعيّة" أو التابعية السائدة عموماً على الأغلب، نحو الحقوق والواجبات كما تُبنى الدولة الحديثة، أي بتحويل "الأفراد" التابعين والمأمورين المطيعين لـ "أولي الأمر" إلى مواطنين متساوين أمام القانون الذي تخضع له السلطات التنفيذية؛ وبمثابة عقد اجتماعي يخضع له المحكومين الذين لهم واجبات وعليهم حقوق مكفولة في الدستور، وتتوفر لهم الحماية عبر القانون من خلال المؤسسات، يحققون العدالة من خلال القضاء المستقل في قضايا إنصافهم، إن هذا الاستحقاق هو المطلب الأكبر للبلدان العربية.
مع الانتفاضات العربية أخذت تتبلور بسرعة حقوق للمواطنين في إطار شعب أو "أمة" متكافلة بالقناعات بـ "المعروف" وليس بالإكراه، بدءاً من اختيار المواطنين مَنْ يمثلهم وبشكل دوري، وترسيخ أحقيّة الاستبدال والتداول إذا ما وقع إخلالاً بشروط التداول، فهم ليسوا "مجموعات ـ مكونات ـ رعيّة" يهبهم الحاكم "مكرماته"؛ بل مواطنة عبر علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة، وعلى أساس من الحق بالمشاركة في العقد الاجتماعي، وهذه القيم المقوننة في نطاق الدولة الحديثة هي مبادئ أصيلة غير قابلة للتصرف أو التنازل.
هذه الفكرة الجنينية عربياً على صعيد المطالب والممارسة؛ هي فكرة متأخرة لكنها مفصلية للتقدم؛ فيما تشير له تقارير التنمية الإنسانية العربية وعلى امتداد عقد عربي كامل، بل باتت مصيرية كما أشار تقرير التنمية للعام 2009 تحت عنوان "تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية"؛ عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وقد حمل معه أسئلة هي في ذروة الأهمية حول ضعف "المواطنة"، وشحة فرص المعرفة وعن الحريات، ووضع المرأة وانتهاك حقوق الأقليات، بما يعني للمجتمعات والدول وعلى كل هذه الأصعدة تعزيز وإنجاز مفهوم "المواطنة" بمعناه الحديث في الدولة الحديثة، وبما يتعلق بأساسيات مفاهيم الدولة والهوية ومسألة العلاقة بين الفرد والدولة، وحق الجميع ـ ونقصد كامل المكونات ـ التمتع بالحقوق كافة وبشكل عادل ومتساوي للجميع أفراداً وجماعات، وحق تقرير المصير للإثنيات القومية (الكرد، جنوب السودان الإفريقي، دارفور الإفريقي، ابيي، جنوب كردفان، بحر الغزال، والنيل الأزرق في السودان، الأمازيغ في بلدان المغرب العربي ...).
مع الانتفاضات العربية تحاول ثقافة المواطنة وانشغالاتها الوعي بأهميتها، في مواجهة الإيديولوجيات الشمولية، و"الفلسفات" العربية لمرحلة ما بعد الاستعمار، أي ذلك الإرث الحاكم منذ منتصف القرن العشرين إلى الآن، باستبدال تلك الإيديولوجيات ومنها الدينية والتي سادت؛ وحجج "الصراع العربي ـ الإسرائيلي"، وبدعاويه تخلت عن سيادة القانون "بفرض إرادتها بأنها "شرعية ثورية ـ دينية ... الخ" تمثل الشعب بأكمله، وتنطق باسمه تحت سقف أنظمة استبدادية مدنية أو دينية طائفية ومذهبية في البلاد العربية وبلدان الشرق الأوسط، بدلاً من فرض إرادتها دستورياً ومنعها من تجاوز القانون.
لا نغفل هنا العديد من العوامل الموضوعية التي سببت التراجع في فكرة المواطنة ومعها التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بدءاً من الحروب الإسرائيلية التي شنتها ضد البلدان العربية، والصراعات الحدودية العربية والشرق أوسطية والعربية ـ الإفريقية، ودور الدول الكبرى من خلال فرض هيمنتها واستتباع أنظمة توتاليتارية، بتحويل هذه البلدان إلى أسواق للحصول على المواد الأولية والطاقة، وتحويلها إلى أسواق استهلاكية ضخمة لبضائعها و"كمالياتها"، وهي مجتمعات تعاني أصلاً من استبداد وتمييز وعدم مساواة وتغييب للحريات، وحرمان من العدالة، وكامل المواصفات التي تؤدي إلى التشظي، مع محمولات صراعات مذهبية وطائفية وقبلية، فهي أضعف من أن تواجه استحقاق المواطنة، فكيف يمكن في هذه المستنقعات الآسنة تنمية الوعي بالإحساس المشترك ؟ بأن الجميع متساوون في وطن واحد، يتشاركون معاً في صنع المستقبل، على الرغم من الاختلافات في التكوين والثقافة والخصوصية والتنوع في الأولويات، مع جامع واحد بينهم جميعاً هو "الوطن"؛ ومع حقهم في الاختلاف، وإذا لم تترسخ فكرة مواطنة متساوية عادلة، وحق الإثنيات القومية بتقرير المصير (الاستقلال التام، الفيدرالية، الحكم الذاتي ...) (!) وثمة من يحتكر "الله" ويكفر "الآخر"، ومن ثم آخر يدعي "احتكار العقل، أو احتكار التاريخ" إلى حدود تسفيه الآخرين (!) ...
هنا أرى أن آليات الحوار لا يمكن أن تنضج إلا في ظروف سليمة وسلمية؛ في سياق تراكم وتطور تدريجي على أساس من الفهم الواحد لمقتضيات الواقع، وكل ما يواجه الهويات المؤتلفة والمتعددة والتنافس المشروع لـ "الجمعنة" في إطار الاختلاف والائتلاف.
إن الدولة الحديثة التي نتحدث عنها ونصفها تعود إلى القرن التاسع عشر، وقد استكملت عناصرها بالقرن العشرين، أي أنها صيغة حديثة تأخر عنها العرب طوال هذه المدة، فهي ممارسة منطقية ونتاج التطور الحديث للسلطة التي تنظم العلاقات الاجتماعية في المجتمعات البشرية، هذا من حيث تعريفها وأهم تعريفاتها ومحدداتها التي تستطيع الدولة بفضلها الاستمرار، فهي بحسب التعريف الماركسي: التنظيم السياسي للطبقة السائدة في الاقتصاد، في حين يعتبرها هيغل: "إن الدولة هي وحدة ميتافزيقية" لأنه لا أحد يراها أو يقابلها، أما ماكس فيبر فيعتبرها "المشروع السياسي ذو السمات الدستورية" ... "وهي الجهاز الإنساني الذي يستطيع احتكار الاستخدام الشرعي للقوة داخل منطقة جغرافية معينة"، ويرى البعض الآخر بأنها "نوع من التنظيم الاجتماعي الذي يضمن أمن رعاياه ضد الأقطار الخارجية أو الداخلية، وهو يتمتع لهذا الغرض بقوات مسلحة وأجهزة الإكراه والردع" ... الخ، وصولاً إلى المعنى الحديث لتحديد السمات والمعايير.
لم يبرز مفهوم المواطن إلا بعد نجاح الثورة الفرنسية عام 1789، حيث قبلها كانت الدولة تؤسس بناءً على الدين أو العرق ... وغيرها، واتسع مفهوم المواطنة منذ منتصف القرن السابع عشر مع تطور الفكر الليبرالي وانتصار الثورة الصناعية، وبعد انفصال الدين عن الدولة، فالدولة ينبغي أن لا تنتمي إلى مذهب باعتبارها ممارسة دنيوية، وجاء ذلك مساهمةً في السلم والاستقرار السياسي والأهلي الذي جعل منه مبدءاً ثابتاً في الدولة الديمقراطية وتحت ظلالها، وأصبحت المواطنة في هذه الدولة هي الآلية للحد من الصراعات الإثنية والدينية والمذهبية والطائفية، والاجتماعية والجندرية، على قاعدة عدم التمييز والمساواة القانونية من ناحية الحقوق والواجبات والحمائية القانونية، وقد أقرت في الدساتير والشرائع الداخلية ومن ثم الدولية، هنا بتنا نشاهد مجتمعات متعددة الأعراق والأصول باعتباره فئة موحدة وفق منظومة من البنى القانونية، والمفاهيم الاجتماعية والقيمية التي تشترط عدم التمييز في الحقوق والواجبات؛ وهنا أيضاً يمكن أن نلاحظ بأن التغيير هو نتاج انعكاس، والتغيير حمل ثقافته وسأدد مفاهيمه قبل أن تصبح قانوناً وسلطات ... كثقافة للسواد الأعظم للناس، حيث باتت المفاهيم الطائفية والعرقية والشوفينية ... باتت تثير الاشمئزاز والنفور، وقد تعزز هذا أيضاً عبر كفاح الشعوب ضد الاستعمار ومن أجل إزالة أنظمة التمييز العنصري في بلدان الأبارتهيد، وتعزز أيضاً عبر "حركة الحقوق المدنية" التي أفضت إلى إلغاء كل القوانين العنصرية في الولايات المتحدة ذاتها ضد السود والملونين الحركة التي قادها مارثن لوثر كنغ، فالمواطنة تعبر ضمناً عن المساواة وعن قدر من الحرية بما نضمنه من حقوق وواجبات متساوية للجميع، فضلاً عن القوانين الحمائية، فهي ليست جنسية فقط، بقدر ما هي مكانة قانونية وإحساس بالانتماء والمشاركة والتفاعل ...
والمطلوب هو التحويل العربي نحوها، لأن الأفراد هم "مواطنون" لا "رعايا"، فالمواطنون هم كيان حقوقي مستقل وقائم، وليسوا رعايا للسلطان أو الشيخ أو الأمير أو الإمام أو الوالي أو الملك أو الرئيس ...
كما نرى أيضاً بأن الديمقراطية الحديثة قد تطورت أسسها الفكرية والنظرية وآلياتها العملية في المجتمعات، وفق صيرورتها مع تطور الفكر الديمقراطي، فهي منظومة تُصنع وتتطور باستمرار، لا تقوم على "ثوابت"؛ تطور يقوم على ما كان صالحاً بالأمس قد لا يكون كذلك، والعكس أيضاً ... والجوهر هو سيادة الشعب بكامله، وأن يُعبّر الحكم عن المحكومين بحقوق شاملة للجميع، وضمان حقوق الإنسان الأساسية، والمساواة أمام القانون، والانتخاب الحُرْ النزيه، ومراقبة أداء الحكومة دستورياً، والقبول بالتعددية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالدولة المدنية هي دولة القانون التي لا يمكن شخصنتها، دولة يتم فيها انتقال السلطة بشكل سلمي عن طريق الحرية للشعب في التعامل مع صناديق الانتخابات.
بعد هذه الجرعة من المعايير والمحددات، وبالعودة إلى سؤال الانتفاضات والثورات العربية، وانطلاقاً من الواقع ووعي تعقيدات هذه الثورات أولاً؛ ومنظورها الثقافي والقانوني لمفاهيم الدولة والمجتمع والحريات والحقوق، خاصةً حقوق مكونات المجتمع الإثنية ـ الدينية ـ الطائفية، ينبغي الدخول في المحددات والمعايير وتنصيصها في القوانين والدساتير، فضلاً عن تحديد المفاهيم المتعلقة بالاستعمار والاحتلال وما يتعلق منها بالدولي، درءاً من التأويل كما يجري عادة في "الفقه" ودرءاً لأي افتراءات مفاهيمية، أو إحلالات أهداف مكان أهدافها، المطلوب التعريف بمضمونها ومحمولاتها، فهي تكشف عن عمق الأزمة الفعلية في الواقع العام، لذلك عليها أن تكشف عن قدرتها على التعاطي مع احتياجات المجتمع (الجميع)؛ وفق نظرة حقوقية تتشرعن بفكرة الدولة العادلة، والدولة الحديثة، وتؤسس وتنصص على قيمها وهويتها، أي أن تضع تطلعاتها في سياق تاريخي متفاعل مع قيم الحداثة وقيم واستخلاصات التاريخ، أي المقصود ترسيخها بما يمنع من إعادة إنتاج التاريخ وأزمة المعضلات القديمة المزمنة ومركزياتها الهائلة، حين تجعل من الدولة ذاتها القوة الأخلاقية والقانونية؛ وحريات الرأي والتعبير بدءاً من المواطنة والحريات العامة؛ فضلاً عن مساواة المرأة وحقوق الطفولة، خاصة إزاء التوحش الراهن للعولمة الرأسمالية، والاستيهام بموت الخصوصيات والثقافات الفرعية وإذابة الهويات. وهكذا فالخوف هو من تلك المؤسسات الأصولية السياسية التي تحاول أن تخطف هذه الثورات، خاصةً تلك التي وضعت نفسها كقوة إنقاذ، نحو إنتاج منظور مغلق لمفهوم الحاكمية، ونرى هذا الأمر في مصر طبيعة ما تواجه الثورة من تحديات، في الصراع مع القوى السياسية الدينية الأصولية وبين القوى الجديدة ممثلةً بالشباب، وهو في أساسه صراع ثقافي يعبر عن أزمة في المواقف والانتماءات، فهذه الأحزاب السياسية الدينية باتت ترى في طبيعة التحولات، إمكانية "شرعنة" الإسلام السياسي اليميني، فهو الهوية "الشرعية" للجماعات، تماهياً مع هوية المجتمع الذي يشكل المسلمون أغلبية فيه، على عكس ما ترى القوى الجديدة التي ارتفعت على أكتافها أعباء النهوض بالثورة، فهي ترى الدولة بما ينبغي أن تكون فيه: دولة مدنية ديمقراطية علمانية في نظرتها للبنية المؤسسية للدولة الجامعة، وتحديث العلاقات بين الجماعات على المستويات الاقتصادية والإدارية والسياسية، باعتباره الضمانة الحقوقية لها في بنية الدولة، بما يقترن أساساً بوجود خطط واضحة للتنميات البشرية والعلمية والتعليمية التي تعمق هذه التنميات، فهذه العناوين هي ما يمنع من عودة المركزيات القديمة بأشكال وشخوص وعباءات جديدة، أو سرقة الثورة على يد الإسلام السياسي الطائفي المذهبي المضاد للمساواة في المواطنة دون تمييز في العرق، الجنس، الدين، الطائفة، والمذهب، والمضاد لحق الإثنيات القومية بتقرير المصير بما فيه حق الاستقلال التام ...
إن هذه التعقيدات هي أكثر التحديات إثارة، لأن الدولة المدنية هي نقيض كامل للتصورات الضيقة للمذهب السياسي، والضيقة المحدودة في المفهوم القومي، فالمدنية يعززها القانون، وتتعزز بالحريات والحقوق والقيم المجتمعية الحُرّة، تضطلع بمهمة تنظيم العلاقات بين الناس بصفتهم مواطنين وليسوا "رعاع ... اتباع" وبنظرة إنسانية حقوقية أخلاقية شاملة.
بل إن هذه التحديات وإنجازها؛ هي ما يحدد مديّات التحول التاريخي العام في قوننة شعارات الحرية والديمقراطية والتعددية الحقوقية، في سياق معطياتها، الرؤية المفهومية للتحول التاريخي العربي وفي الشرق الأوسط، كنقطة تاريخية مفارقة للقديم وللنمط التقليدي، وحين يتوفر أنموذج راهن قائم تتبعه عموم الشعوب العربية والشرق أوسطية، خلافاً لثقافات الغلو والتطرف والتكفير الشائع في الثقافات الشعبية وتوجهات التأويلات المتطرف في السياسة التي تشيعها وسائل الإعلام اليمينية العربية، التركية، الإيرانية، وبالذات تلك القنوات الفضائية التي ذهبت بعيداً في تمترسها وحربها على تاريخ ومفهوم الدولة المدنية الديمقراطية.
في هذا المعيار تتضح رؤية الإرهاص الحقيقي للتحول التاريخي، وقد تأخر لدى العرب طويلاً، ونحن الآن أمام عتبات إنجازه، هو ما سيوفر آفاق جديدة عقلانية أرحب للقوميات وفق سؤالكم، وسيسهل التعاطي مع الإشكالي بعيداً عن مظاهر العنف والتعصب والأدلجات (راجع كتاب حواتمة: "اليسار العربي ... رؤيا النهوض الكبير).
دون أن نغفل أنه بهذا الصراع التاريخي، من الطبيعي أن يتدخل القطب المهيمن عالمياً ومن يحالفه من الأقطاب، بالبحث عن أدوار جديدة وعن مصالح وعن قوى اجتماعية يمكن رفعها سياسياً، وبالمعلومات التي باتت في حوزة الإعلام، فإن القطب المهيمن تتمثل محور حركته بقبول دور جديد للجماعات من الإسلام السياسي والسلفية، التي في جوهرها ـ لا مجرد إعلاناتها "الحديثة" التي هي كناية عن يميني طائفي بزّي ليبرالي فضفاض ـ فهي لا ولن تتقبل أية أشكال للحداثة ومفاهيمها (المساواة في المواطنة، حق الإثنيات القومية بتقرير المصير)، طالما أنها ترفض ومن خلال رؤيتها لهذه الحداثة، وفي نظرتها للإنسان وحريته، كما نظرتها للتعدد الثقافي ومكونات الهوية، وهي في عموم نُخبها تعمل على إعادة إنتاج السلطويات والاستبدادات العُصابية التي تراوح بين الاستبداد المدني والآخر الديني الطائفي المذهبي، بدلاً من السلم الأهلي والضمانات السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية لعموم المكونات ...
نقول بوضوح: إن هذا معاكس تاريخي لمسار الثورات والانتفاضات العربية الجارية، وعلى مسار ومصير هذه الانتفاضات والثورات يتوقف الكثير في مصائر حقوق شعوب المنطقة بدول ودساتير مدنية ديمقراطية وحق الإثنيات القومية بتقرير المصير بما فيه حق الاستقلال التام.

س6: هل تعتقدون بأن المرحلة القادمة بعد الربيع العربي ستصبح مرحلة التفاهم والتطبيع وحل النزاعات بين الشعوب السائدة والمضطهدة، أم سندخل مرحلة جديدة من الخلافات وإشعال فتيل النعرات القومية والتناحر الإثني ؟

كما أسلفنا بالنظرة في السؤال السابق حول مفهومنا لِـ "الدولة المدنية" ومحدداته والإجابة على أسئلة "الدولة" في الواقع العربي الجديد، وتناولنا مهيمنات راسخة قروناً، فإن عموم الشعوب العربية عاشت عقوداً طويلة من العنف والعسف والاستبداد، ومن أشكال ما من التوتاليتارية لمشاريع السلطات السياسي، ومرت بانقلابات وانتفاضات وصراعات وتصفيات سياسية؛ وصولاً إلى نماذجها الراهنة التي تمثل حالة انسداد؛ معبرةً عن أزمات مسار المجتمعات العربية التاريخي المزمن بالتخلف في عالم ما قبل الحداثة، هي ناجمة عن أزمات في تاريخها، وفي قراءة التاريخ، وأزمات في الثقافة وحواضنها، بما فيها أزمة إدارة الأزمة ...
سبق وأن تناولنا المواطنة وأزمة المكونات؛ وهنا لا يمكن وضع معيار واحد؛ وقانونية واحدة تشمل عموم الأزمات والصراعات، وعلى سبيل المثال لننظر إلى "حقوق الإقباط في مصر"؛ فهي حقوق مواطنة كاملة في الدولة المدنية، فالأقباط هم المصريون، والمسلمون في مصر هم أقباط تحولوا إلى الإسلام منذ غزو مصر أرض الكنانة وما تلاه، أما الأزمة فهي عامة، وتخص الشعب المصري، كما تخص المسألة الدينية التي لعب عليها نظام تحالف السلطة والمال المنهار، والانتهاكات هي ضد عموم الشعب المصري، وفي تبادلية لتوجهات الإسلام السياسي اليميني هناك، ومن خلال الدمج بين الدين كعقيدة وعبادات وقيم إيمانية وأخلاقية وجدانية في الربط بين مشروعها السياسي ـ الإسلامي والدين، وفق تصورها المتمثل بـ "الدولة الدينية"، والاعتماد على دستور السادات 1971 بأنها مفوضة بـ "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" ومشروعها السياسي ـ الاجتماعي الذي ينحو لخلق هوية "إسلامية للدولة وأسلمة المجتمع" فعلياً، من خلال فرض أنماط محددة للسلوك الاجتماعي، وللثقافة وطرائق الحياة والمعيشة للأفراد، والسلوك اليومي الخاص بالناس عموماً، والناتج الملموس قبل ثورة 25 يناير وبعدها: الصدامات والمذابح الطائفية المنفلتة وآخرها وليس أخيرها مذبحة ميدان التحرير في القاهرة 9/10/2011.
هنا تستند في رؤيتها بأنه ينبغي أن تكسب الأغلبية السكانية، وفي مراميها الهوية الشعبية المتدينة فطرياً ووجدانياً، وتحويلها إلى هوية سياسية ـ دينية من خلال تجليات الالتباس اليومي والطقوسي، بينما الهوية الوطنية ينبغي ألا يدخلها مصطلح "قبطي مسيحي أو مصري مسلم"، لأن السياسة ذاتها طبقية وتعود إلى عوامل ومصالح اجتماعية ـ سياسية، وهي متغيرة ومتبدلة بمواقعها الطبقية بحسب اشتراطاتها ...
إن الجزء الأكبر من هذه المعضلة المفتعلة انعكست على العلاقات الاجتماعية بين ذات الشرائح، الأمر الذي تجاوزته ثورة 25 يناير 2011 المصرية تماماً، ومن موقع ومركزية ورمزية ميدان التحرير؛ تجاوزاً للمسار الملتبس عقوداً للعلاقات الاجتماعية ذاتها، دون أن نغفل أن العلاقات الاجتماعية ذاتها هي متشابكة بعوامل شتى مع المصالح الفئوية التي تدفع بالضرورة بالبحث في العوامل الكامنة، ودور السلطات في التأجيج وتقسيم الشعب وإشغاله، وهذا لم يعد يخفى على أحد بدءاً من تفجير كنيسة الإسكندرية الوحشي والدموي عشية ثورة 25 يناير، والتي ذهبت "قرباناً" لصالح دموية النظام المنهار.
في تفسيرات ما هو خفي، ولما يوضع زوراً "تحت سطح العلاقات الاجتماعية، لأن عوامل الصراع المتواصلة عبر التاريخ هي فقط "المصالح" ومنافعها، وهذه لا يمكن حصرها فقط بالهويات الثقافية ـ الدينية، أو الفرعية وبالقناعات الإيمانية الدينية فقط، إن تستغل في الصراع الاجتماعي الذي يتجلى مظهره الحقيقي في الانحياز من أجل مشاريع سياسية ـ دينية طائفية لفرض تحالفات طبقية رأسمالية استغلالية على الطبقات الشعبية (طبقة وسطى، عمال، فقراء المدينة والريف، مهمشين وبطالة).
إن مادة هذه الصراعات هي الماضي وتراكماته في الحاكميات المختلفة، ومحاولات استعادة الماضي وربطه بالحاضر من خلال الإمساك به نحو المستقبل، ونوهنا إلى أن المصالح متغيرة زماناً ومكاناً، بما يدفع بالبحث عن تأويلات في "النص الدستوري الطبقي اليميني الرجعي والديني الطائفي" لغرض تلبية مصالح لا حدود لها، مصالح بشعة لرجال السلطة السياسية وأحزابهم وطموحاتهم الدائمة في فرض "نص" ما على الناس.
يذهب بعض رجال الدين لإنجاز أنظمة من الرؤى والأحكام، بما يلبي برامج وطموحات السلطان في الغرض والاستنباط وبما ينسجم مع منافعه من ذلك، ولهذه المعضلة عملنا على الإجابة على أسئلة الدولة المدنية، واستيعاب وترسيخ الديمقراطية كقيم وآليات وأسلوب حضاري في الحياة اليومية للبشر قيم المساواة في المواطنة وحق الإثنيات القومية بتقرير المصير، والأهم عدم اختزالها في مفهوم الأقلية والأكثرية، والإغلاق بوجه أي نوازع متطرفة بقوة القانون، وعدم وجود مصطلح "الآخر المصري"، والعودة إلى الحس الشعبي المصري وتوقه للعدالة الاجتماعية ـ الإنسانية، وتكريس حاجته المتزايدة إلى الحريات المدنية المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية ـ الاقتصادية، والهوية الوطنية، من خلال السعي لدمقرطتها، وأن تتحول تلك الحشود البشرية الهائلة لصالح مشروع الدولة المدنية، دولة المواطنة، فلا يستطيع أحد أن يجيرها لصالح مشروعه السياسي من القوى السياسية الطبقية الاستغلالية المدنية والدينية الطائفية.
هنا يختلف الموضوع عن استقلال جنوب السودان بالكامل، والسودان في عقوده الأخيرة لم يكن "دولة مكونات"، بل على امتداد ثلاثة عقود؛ دخل في التجربة الإسلامية للحكم وحروبها الدامية التي راح ضحيتها مليونين من بشر السودان العرب والأفارقة، وأسفرت عن حرب متواصلة (!) فمن حق الشعب في جنوب السودان أن يقرر مصيره، وقد جرى ذلك في استفتاء نتائجه معروفة، وتجربة الكرد ماثلة مع أنظمة الحكم التي تقتسم كردستان تحت رايات "قومية" أو "دينية" ... وهكذا في بلدان أخرى عربية وشرق أوسطية.
كما أن "المواطنة في دولة المكونات" يمكن تناولها من خلال العملية السياسية في العراق وبمسار الآليات الديمقراطية الموجودة، لنتساءل: لماذا لم نتمكن من بناء الدولة الحديثة منذ عام 2005 حتى الآن ؟ أي من نتائج التجربة الديمقراطية الأولى. لقد خططت الانتخابات لبناء الدولة الحديثة، والموجود الآن هو "دولة مكونات"، بالتأكيد نستثني الحالة الخاصة لكوردستان العراق، ويتبقى من العراق هو ما تحرص أطرافه على الدفاع عن مكتسبات مكونه ونقلها إلى صفة دستورية لقوننتها وعدم تجاوزها، وكثيراً ما نسمع بتهديدات بالانفصال في تشكيلات الأقاليم والمحافظات؛ ولكن وفق أي تنوع ؟ للأسف وفق الثنائية المذهبية الإسلامية (سنّة ـ شيعة)، فكيف يمكن بناء هوية وطنية ؟! ... التي يجري ذوبانها على الدوام في اصطراعات الهوية الفرعية الضيقة، على حساب دولة المواطنة الفعلية، وحق تقرير المصير للإثنيات القومية.
أمام هذا الواقع ستتراكم الأزمات الفرعية، وأزمة الثقة بين المكونات، وتغيب الخبرة في الممارسة الديمقراطية، بينما المطلوب هو الوصول إلى مرحلة النضج الديمقراطي الذي يؤهل في إنضاج برلمان يعالج المشاكل، لا منبراً للخطابة وفقط، فالبرلمان هو أداة الشعب الذي يراقب من خلاله الأداء الحكومي ويكشف عن الخروقات والتجاوزات الذي تقوم به الحكومة. إن نظام المحاصصة الطائفية ـ التوافقية جعل من البرلمان ذاته ساحة للصراعات وتبادل التهم، بدلاً من تأطير ودسترة مسألة إعادة البناء والخدمات الأساسية، ودمقرطة القرارات والتشريعات المهمة في الحياة اليومية للمواطن، ونحو دولة الحق والقانون.
ألا يحتاج هذا إلى تغيير آليات الديمقراطية في أساسها نحو "الدولة المدنية" واحتياجات أكبر لبناء الإنسان ذاته (!) أليست هذه مهمة وطنية تقع على عاتق الجميع، وبما تشكل عموم القوى الوطنية والإعلامية والمؤسسة التربوية ومنظمات المجتمع المدني، كشرط من شروط بناء الدولة الديمقراطية الحديثة التي تبنى على أسس سليمة؛ يكون الولاء فيها للوطن وليس للطائفة، بما يدفع لنتائج أي انتخابات مقبلة بالقبول بنتائجها والتسليم بسهولة بالانتقال من السلطة إلى المعارضة ...
وبالإدراك أن السلطة هنا ترث وتحمل إرث الماضي وتشوهاته العميقة، ومعها كامل المعطيات الصادمة التي وقعت في العراق على مساحة دولة العراق منذ عشرينيات القرن العشرين، وقبل وبعد 2003، لكنها أيضاً معنية تماماً في إعادة تأهيل جوانب الواقع والأداء، وإنتاج الفعل الإعلامي والمعرفي المعلوماتي والهوية الثقافية، والسعي إلى إعادة بناء مؤسسات مدنية وثقافية غابت ردحاً من الزمن لصالح ثقافات وإيديولوجيات استبدادية عسكرية وقبلية، طائفية ومذهبية، وقوى احتلال خارجي، إنها معنية أولاً بالتكامل الجديد المدني العلمي واستشراف آفاق لواقع الإنسان المتغير في الزمان والمكان، وتعميق الانتظام في إنتاج الرأي العام والمعارف والقيم المادية والروحية، نحو التخلص من الأمراض القديمة وسطوة الأمن والرقابة غير الواعية ومنطق الشرطي القديم الذي لا يؤمن بحرية الآخر وحقوقه وخصوصيته ولا يؤمن بقيم العدل والشراكة والتعاون والاندماج بالعالم الإنساني الحضاري.

س7: ما هو موقفك من إجراء عملية استفتاء بإشراف الأمم المتحدة حول تقرير المصير للأقليات القومية في العالم العربي مثل الصحراء الغربية وجنوب السودان، ويشمل أقليات أخرى في المستقبل، مع العلم أن حق تقرير المصير لكل شعب حق ديمقراطي وإنساني وشرعي؛ ويضمنه بند من بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ عام 1948 ؟

بالتأكيد والبديهي أن نكون مع حق تقرير المصير، وكما ورد في السؤال: إن حق تقرير المصير لكل شعب هو حق ديمقراطي وإنساني وشرعي، يضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويؤكده مسار تاريخ حركة الشعوب إلى أمام. وهذا ما دفعنا نحوه في مسار نضالنا، ما أبرزناه في الإجابات على أسئلة سبقت. وفي كتب لنا صدرت ومنها: "أوسلو والسلام الآخر المتوازن"، "البرنامج الوطني المرحلي"، "أبعد من أوسلو ... فلسطين إلى أين ؟!"، وآخرها كتاب "اليسار العربي ... رؤيا النهوض الكبير ـ نقد وتوقعات" عام 2010؛ صدر بأحد عشر طبعة حتى الآن ...

س8: ما هي المعوقات التي تواجه قيام دولة كردية وكيانات قومية خاصة بالأقليات الأخرى كالأمازيغ وأهالي الصحراء الغربية ؟

لكل قضية خصوصيتها التي تختلف عن الأخرى، فالصحراء الغربية لها استفتاءها الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، أما الأمازيغ ولهم خصوصياتهم الإثنية والثقافية، ولهم الدور الطليعي في النضال لتأسيس "دولة مدنية ديمقراطية حديثة"، تقوم على مبدأ المواطنة الكاملة وتحقيق المساواة بين المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات، وعدم التفرقة بينهم بسبب العرق والإثنية أو الجنس والعقيدة أو المذهب أو الانتماء السياسي والحزبي، وينظم العلاقات فيها دستور مدني يضعه الشعب، وتتحقق فيه حرية إنشاء الأحزاب والنقابات، وحقوق التجمع والتنظيم، وحرية ممارسة الشعائر الدينية، واحترام الأديان جميعاً، وعدم الخلط بين السياسة والدين، الدستور الجديد حزيران/ جوان 2011 تم دسترة "اللغة الأمازيغية لغة رسمية مساوية للعربية، جامعة للتاريخ والثقافة الأمازيغية، الأمازيغية لغة الدراسة في المدارس والمعاهد الأمازيغية" إنها خطوات إلى أمام نحو عالم أرحب يفتح على حق تقرير المصير ...، وتكون القوات المسلحة فيه مسؤولة عن استقلال وحماية الوطن وأرضه، ولا تتدخل في الشأن السياسي.
ونضيف بالمضمون؛ بأن يعكس الدستور المصادر المتنوعة للهوية الوطنية بأن يكون معززاً للوحدة الوطنية، وعدم فرض تشريعات تنظم حياة المواطنين في المجال الخاص بشكل يتناقض مع معتقداتهم، أو أي تشريع في المجال العام والخاص يتناقض مع ضمانات حقوق الإنسان والحريات العامة، كما أن ينص الدستور المقبل للمجتمعات العربية المختلفة على "دولة مدنية ديمقراطية حديثة" وأن يخلو من أي نصوص تتعارض مع "مدنية الدولة".
أما بشأن المعوقات التي تواجه قيام دولة كردية؛ فقد سبق وأن سردنا ذلك في أجوبة سبقت، حول تشابكات الوضع الدولي والإقليمي، وحول إستراتيجية القطب الدولي المهيمن وتحالفاته مع الأقطاب الأخرى الدولية والإقليمية، بالنظر إلى تعقيدات المسألة في قلب "مشروع الشرق الأوسط الكبير" وتداعيات ذلك ...
كما يمكن تلمس ذلك في الأسئلة المفتوحة لـ "الربيع العربي"، هذه الثورات التي قامت ومن على أساس هويتها ومقدماتها الوطنية، بل من انطلاقها العامل على تحرير العقل الوطني العربي من أمراض الطغيان والاستبداد، وهي تمتلك شرطها الموضوعي التاريخي، وهي تطرح أنسنتها من خلال دورها في سياق الشروط الأخلاقية والحقوقية الأممية، ومن خلال المواثيق والإعلانات الأممية المرسمة عن الأمم المتحدة، وهي تتجه لضرب الفساد وإيقاف حركة الفقر الاضطرارية، والجوع ونسب الأمية، وتقديم العديد من الإجابات على التساؤلات الحادة.
أما السؤال المفصلي فهو: هل تستطيع أن تحمل هذه المشاريع وصولاً إلى إنجازها ؟ والقطب العالمي المهيمن يتحكم بالكثير في مفاصل السياسة الشرق أوسطية !، هنا نرى كيف جرى التعتيم على الحركة الإصلاحية في البحرين، فلا فضائيات، ولا زخم إعلامي؛ ولأسباب لا علاقة لها بالمطالب الإصلاحية المرفوعة، بقدر ما له علاقة بما سميته "جوار الأزمات" وللأجندات الخفيّة لأزمة الإسلام المذهبي السياسي ربطاً بـ "الخندقات" ومفارقات تبدل الخنادق بحكم مصالح الهيمنة الدولية، فواشنطن تتحكم بالكثير من مفاصل السياسة في رموزها وسلطاتها الأوسطية، بما دفع بتدخلات محلية لضرب الثورة الإصلاحية في البحرين.
على ذات المستوى ومن موقع مفارق آخر يمكن النظر إلى ما جرى في ميدان التحرير في العاصمة المصرية؛ بين شباب الثورة المصرية، وكذلك "جمعة استرداد الثورة"، فالإسلام السياسي اليميني يجند كل ما لديه مع بقايا النظام السابق وقواه، وهو يحظى بدعم قوى دولية وإقليمية مهيمنة، كما يحظى بالدعم اللوجستي والإعلامي السياسي من أنظمة حكم وفضائيات الخليج؛ من أجل الاستئثار بالثورة ورسم دستور مصر، والأكثر رعباً هو تلك الأجندات المرسومة من قوى الهيمنة الدولية وبعض الإقليمي المتنفذ، الذي رسمت له قوى الهيمنة دوره في خرائط جديدة ومسارات جديدة أخرى للمصالح، ورسمت له الدور المذهبي السني السياسي، وفي العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية، وبأحلام العودة بشكل جديد إلى تاريخ طويل من العثمانية وبـ "عثمنة" جديدة، كما يحلو للقادة السياسيين أن يطلقوه "نحن أحفاد العثمانيين ...؛ إن هذا ما ينبغي تلمسه ودراسته فيما يواجه الإعلان عن الدولة الكردية، في المتغيرات بالسياسة والأمن والعلاقات الدولية المهيمنة.
إن هذه المشاريع ومحمولاتها المتعددة من عواصف إيديولوجية وطائفية، كنُذُر برمال متحركة، وفتن داخلية عنيفة ودموية، وبناء جبهات وحروب لا مبرر لها، لأنها ستقطع الطريق على أي تنوير جديد في المنطقة، وعلى يد أمراء الفرمانات والفتاوي التكفيرية، التي ستكون بتخلفها تماثل حروب "داحس والغبراء" ... والفارق أنها أجندات مخططات ومصالح بعيدة عن المصلحة الحقيقية للشعوب، تتحرك وفق أجندات، وتُراقبْ خطوطها من قبل الهيمنة وبتحريك غرائبي؛ نحو مهيمنات وتعميّة وتضليل وعُصابية دموية ... وحسابات ضيقة ...
إن الرهان الأكبر هو الخلاص من التعقيدات العربية أولاً، انسداد الأفق والانتهاء من هذه المرحلة، لا البحث عن استبداد ومهيمنات جديدة، هذا ما رفعته توهجات الثورات العربية من شعارات موضوعية وواقعية كبيرة في العدالة والحريات الديمقراطية والحقوق وقيم الدولة العادلة ... الذي سالت من أجلها دماء بريئة مسالمة حالمة بمستقبل عربي أفضل ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- حواتمة:ثورات تونس، مصر، ليبيا لم تكتمل ... دساتير جديدة ودول ...
- حواتمة: لا تراجع تحت الضغط الأمريكي وهستيريا حكومة نتنياهو و ...
- استحقاقات الشعوب لا يمكن أن يفر منها بلد عربي
- نايف حواتمة : كل الشعوب العربية تعاني من الاستبداد والفساد
- حواتمة في برنامج -رحلة في الذاكرة- - الحلقة السادسة والأخيرة
- حواتمة في برنامج -رحلة في الذاكرة- (الحلقة الخامسة)
- اتفاق 4 أيار/ مايو إجماع وطني على إسقاط الانقسام
- حواتمة في برنامج -رحلة في الذاكرة- (الحلقة الرابعة)
- حواتمة في برنامج -رحلة في الذاكرة- الحلقة (3)
- حواتمة في برنامج -رحلة في الذاكرة- الحلقة الثانية
- حواتمة في برنامج -رحلة في الذاكرة-
- حواتمة في حوار مع صحيفة -اليسار والتقدم- اليونانية
- الشعوب في الميادين ... واليسار من القيم والرؤيا إلى النهوض ا ...
- كلمة الرفيق نايف حواتمة في المهرجان السياسي المركزي في ملعب ...
- النهضة العربية الكبرى قادمة والتغيير قادم
- حواتمة في حوار مع فضائية -العالم- الإيرانية
- في حوار شامل مع أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- حواتمة: العودة إلى تجديد العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة ا ...
- حواتمة: مكوك المفاوضات الموازية يدور بين أطراف التفاوض
- الضغط الإسرائيلي لا يواجه بضغط فلسطيني موحد متحد يلتزم بقرار ...


المزيد.....




- في سابقة تاريخية.. إقامة سوق لأعياد الميلاد وسط الجزائر
- ليبرمان يعين كميل أبو ركن بدلا من مردخاي لشؤون الضفة والقطاع ...
- دول غرب إفريقيا تعرب عن قلقها من انتشار جماعات إرهابية في ال ...
- بالفيديو.. قطر تدشن أكبر معلم لها وتطلق عليه اسم -تاريخ الحص ...
- -الماريغونا- لمعالجة الأمراض النفسية!
- السعودية تعدم مواطنا قتل أطفاله خنقا وطعنا
- إصابات خلال مواجهات بالضفة ضد قرار ترامب
- حراك فلسطيني في مجلس الأمن بشأن القدس
- طاهر المصري : إطلاق سراح عمي صبحي كان قرارا سعوديا
- سكة القطار الأشد انحدار في العالم


المزيد.....

- حق تقرير المصير للإثنيات القومية، وللمجتمعات حق المساواة في ... / نايف حواتمة
- نشوء الوعي القومي وتطوره عند الكورد / زهدي الداوودي
- الدولة المدنية والقوميات بين الواقع والطموح / خالد أبو شرخ
- الدولة الوطنية من حلم إلى كابوس / سعيد مضيه
- الربيع العربي وقضايا الأقليات القومية / عبد المجيد حمدان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف حول قيام الدولة الفلسطينية و القضية الكردية وحقوق الأقليات وحقها في تقرير المصير في العالم العربي - نايف حواتمة - حق تقرير المصير للإثنيات القومية، وللمجتمعات حق المساواة في المواطنة، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية