أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السينو - هل الاسلام دين سياسة ؟















المزيد.....

هل الاسلام دين سياسة ؟


محمد السينو

الحوار المتمدن-العدد: 3495 - 2011 / 9 / 23 - 17:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الإسلام السياسي يمكن تعريفه كمجموعة من الأفكار و الأهداف السياسية النابعة من الشريعة الأسلامية والتي يستخدمها مجموعة يطلق عليهم "المسلمين المتطرفين" الذين يؤمنون ان الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط وأنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي و قانوني و أقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة . يتهم خصوم الحركات الإسلامية هذه الحركات بأنها تحاول بطريقة أو بأخرى اعادة هيكلة الدول وتطبيق تحليل محافظ الشريعة الأسلامية . يلقى فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية بحذافيره في السياسة عدم قبولا من التيارات التي تسمي نفسها الليبرالية او ما يطلق عليهم في بعض الأحيان الحركات العلمانية. ورغم الانتقادات والحملات الأمنية والإعلامية ضدها تمكنت حركات الإسلام السياسي من التحول إلى القوة السياسية الأكبر والأقوى في الشارع العربي. بسب الجهل و الغباء في الشارع العربي دينا و ثقافيا.
بدايات الإسلام السياسي كانت عندما أتاتورك ألغى الخلافة الاسلامية في 3 مارس 1924 . بالرغم من وجود دول و حكومات و أمبراطوريات و دويلات في التاريخ كانت تستند في أدارتها الداخلية و توجهاتها السياسية إلى الشريعة الأسلامية ولكن حركة الإسلام السياسي بمفهومه الحديث بدأت بعد أنهيار الأمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وقيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس جمهورية تركيا على النمط اﻷوروبي والغائه لمفهوم الخلافة الاسلامية في تاريخ 3 مارس 1924 والغائه الشريعة الإسلامية من المؤسسة التشريعية وقام ايضا بحملة تصفية ضد كثير من رموز الدين والمحافظين. وبدأت الأفكار التي مفادها ان تطبيق دين الإسلام في تراجع وان هناك نكسة في العالم الأسلامي بالأنتشار وخاصة بعد وقوع العديد من الدول الأسلامية تحت انتداب الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. كانت ما أعتبره البعض النكسة الثانية للاسلام في العصر الحديث هو نشوء حركة القومية العربية على يد القوميون العرب و جمال عبد الناصر و حزب البعث العربي الاشتراكي والذي كان الأنتماء للقومية العربية و ليس الأنتماء لدين الإسلام هو المحور المركزي لهذا التيار وبدأت تدريجيا نشوء دول عربية و أسلامية مستقلة يظهر فيها تفاوت في مدى تطبيق الشريعة الأسلامية في رسم سياسة الدولة وكان المنحى العام في تلك الفترة هو نحو العلمانية ولم يكن هذا المنحى مقبولا لدى العديد من المواطنين الساكنين في الدول العربية وتم أستعمال القوة في نشر الأفكار القومية العربية و العلمانية في بعض الدول مثل مصر في عهد جمال عبدالناصر و العراق في عهد حكم حزب البعث.
إن عملية تعريف الإسلام السياسي وما يتعلق به من مصطلحات أخرى كالأصولية والصحوة الإسلامية والتطرف الإسلامي والإرهاب والإرهاب الإسلامي أو الإسلاموفوبيا تنطوي على إشكال مفهومي يعزى للتشابك, والتداخل بين هذه المفاهيم, والاختلاف بين الباحثين والأكاديميين في مقاربتها, رغم الخطوط العريضة التي تجمع ما بين جميع التعريفات.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد.”فأي إسلام نعنى, وأي إسلاميين؟ هل هو إسلام الأمة أم إسلام الخاصة؟ هل هو الإسلام الشعبي أم الإسلام الرسمي؟ هل هو إسلام الحكومات أم إسلام الحركات السياسية؟ وإذا كان إسلام الحكومات فهل هو إسلام السعودية أم إيران أم طالبان ...؟ وإذا كان إسلام الحركات السياسية؟ فهل هو إسلام الإخوان المسلمين أم حزب التحرير أم الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي؟ وإذا كان إسلام النخبة المثقفة, فهل هو إسلام سيد قطب أم أبى الأعلى المودودى أم هو إسلام حسن الهضيبى والقرضاوي...
الإسلام السياسي هو الإسلام الذي يدعو إلى المزج بين الدين والسياسة في الشؤون المحلية والعالمية, ويرى في مبدأ«دع ما لله لله”, وما لقيصر لقيصر» شذوذا عن طبيعة الإسلام كدين شامل للدين والدنيا. فالإسلام السياسي, أو دعنا نقول حركات الإسلام السياسي بمجملها لا تؤمن بفصل الدين عن الدولة وتسعى في استراتيجيتها وبرامجها إلى إقامة دولة إسلامية تطبق الإسلام كدين ودولة ونظام حياة.
ولنا تعليق هنا وهو تحفظ على كلمة «مزج» والمزج بالمفهوم المألوف يتم ما بين عنصرين غريبين ,فيما ينظر الإسلاميون على أن نظام الدولة هو جزء لا يتجزأ من الإسلام. يقول عبد القادر عودة, في«كتاب الإسلام وأوضاعنا السياسة» و”الإسلام ليس دينا» فحسب ,وإنما هو دين ودولة. وفي طبيعة الإسلام أن تكون له دولة, فكل أمر في القرآن والسنة يقتضي تنفيذه قيام حكم إسلامي ودولة إسلامية, لأن تنفيذه كما يجب غير مأمون إلا في ظل حكم إسلامي خالص ودولة إسلامية تقوم على أمر الله . وقيام الإسلام نفسه في الحدود التي رسمها الله وبينها الرسول يقتضي قيام دوله إسلامية تقيم الإسلام في حدوده المرسومة, وذلك منطق لا يجحده إلا مكابر.”
فالإسلام السياسي عموما يركز على أن السياسة جزء من الدين وأن الممارسات الإنسانية وكافة جوانبها يجب أن تخضع للمعايير العقيدية, وتطبيق المفهوم الجهادي للوصول إلى الأهداف المنشودة. كما يدعو الإسلام السياسي إلى إعادة البناء الأيديولوجي- الدنيوي للإسلام, بما يتلاءم مع التشريعات العقائدية بالإضافة إلى تفعيل سيادة العدالة واعتماد قواعد التعامل في النطاق الداخلي والممارسات الخارجية على النص القرآني. والإسلام السياسي الذي يرى في الإسلام ديناً ودولة يرى أن تراجع الدور الحضاري للمسلمين هو نتيجة حتمية ومنطقية لعدم تطبيقهم لجزئيات وتفاصيل الشريعة الإسلامية واستبدال هذه الشريعة بالقيم والمبادئ الغربية, وبالتالي فان أي دور مستقبلي للإسلام والمسلمين يجب أن يرتكز على تطبيق كامل للشريعة في المجتمع الإسلامي بكل مظاهرة بما في ذلك نظام الحكم. ومن هنا نخلص إلى أن الإسلام السياسي هو فهم للإسلام كدين شامل متكامل يحتوى على ما يصلح البناء عليه لإقامة مجتمع إسلامي متميز بهويته الإسلامية, حيث تطبق المعايير العقيدية والدينية على كل مناحي الحياة.
يميل علماء الاجتماع الغربيون إلى ربط زيادة الالتزام الديني عند الشعوب بالإحباط الاجتماعي والأزمات الاقتصادية الخانقة, فكأن الجماهير لا تجد ملجأ أمام عجزها المطلق عن حل هذه الأزمات إلا بالرجوع إلى دينها. ومن العلماء الذين يؤيدون هذا الطرح كارل ماركس وكاترل فيبر ودوركهايم. ربما يكون اصطلاح التطرف أقرب لمفهوم الإرهاب والعنف من مصطلح الأصولية، وإن كان لا يعني نفس الشيء تماماً. فالتطرف سياسياً يعني الدعوة الفردية والجماعية إلى إجراء تغيير جذري في النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في البلد. ويرى أبو عرقوب أن المتطرفين في نظر الغرب هم جميع المسلمين بغض النظر عن بلدانهم أو الجماعات التي ينتمون إليها أو لغاتهم أو قضاياهم أو مشاكلهم. إن كان التطرف حسب ما ذكر أعلاه يتعلق بالفكر والنظرة حول التغيير، فإن الإرهاب هو استخدام تكتيكات إرهابية لتنفيذ البرامج المتطرفة، نشأت خلال السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جماعات جديدة وراديكالية مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، وهي جماعات تعتمد أيديولوجية إسلامية ولكنها تستخدم تكتيكات إرهابية لتنفيذ برامجها المتطرفة، وفي نفس مصر قامت الجماعة الإسلامية، وهي جماعة الشيخ عمر عبد الرحمن وهذه الجماعة ذات صلة وثيقة باعتداءات عنيفة على مسؤولين مصريين ومفكرين علمانيين وسياح أجانب بهدف زعزعة حكومة مبارك، إن استغلال هذه الجماعات للجدل السياسي لا ينبغي أن يؤدي بنا إلى الخلط بين الإرهاب والإسلام في أذهاننا. ليس لنا مشكلة بالطبع مع الإسلام أو مع من يمارس تلك العقيدة. إن المشكلة هي مع استخدام أي شخص للعنف والإرهاب..”
أكثر من سؤال يثيره كتاب "لعبة الشيطان" للأمريكي روبرت دريفوس وقبله كتاب "كريستين سمث" عن كيفية تحالف قوى أموال الجناح اليميني الإسلامي مع قوى الأقليات الحاكمة حين تتعرض للتهديد، الكتاب عرض تاريخي طويل الأمد لصعود هذا التيار اليميني الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وصولاً الى أيامنا الراهنة، ولأن هذه المدة الزمنية أكثر طولاً من أن يحتوي تفاصيلها كتاب واحد، فمن الممكن أن يشوبه التعميم المفرط أحياناً، بل الخلط بين التيارات الإسلامية واتجاهاتها ولكن تبقى هناك أسئلة مشروعة وأجوبة موثقة عن دور هذه التيارات الإسلامية اليمينية، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين في تنمية وتطوير قدرات مالية عملاقة استناداً الى تمويل نظم تبادلها الانتفاع في تجنيد قوى كلا الطرفين ضد الحركات الوطنية من قومية ويسارية شغلت ساحة الصراع الاجتماعي- السياسي طيلة القرن الماضي· بالطبع هذا ليس إلا جانبا من القصة أما الجانب الآخر فهو تعامل مخابرات الدول الأجنبية وبخاصة فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة مع هذه التيارات وقدراتها على توجيهها نحو ساحات معاركها، فعلى غرار ما فعل البريطانيون من توجيه لهذه التيارات اليمينية الإسلامية ضد المنافس الروسي في أفغانستان في القرن التاسع عشر وفي البلدان العربية إبان الصراع مع الدولة العثمانية وإيران في القرن التاسع عشر تكررت التجربة مع الأمريكيين الذين حرصوا منذ أوائل الخمسينات على دعوة ممثلي هذه التيارات الى مؤتمرات تديرها وتشرف عليها منظمات تابعة للمخابرات المركزية الأمريكية، واستطاعت أن تثمر في تجنيد هذا اليمين الإسلامي في معركتها ضد الاتحاد السوفييتي وضد الحركات الوطنية العربية وتشوه طبيعة الصراع في المنطقة العربية وتنقله من صراع بين قوى الاستعمار الغربي وقاعدته إسرائيل الى صراع ضد السوفيات والصين·
ما تشهده المنطقة العربية حالياً، حيث تتحالف قوى اليمين الإسلامي السياسي مع الحكومات ضد معارضة وطنية مدعومة بقوى المال والامتداد المسموح به رسميا في كل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية يرسخ ألوان الصورة نفسها وكأن الليلة لا تشبه البارحة، بل هي نسخة عنها، ونسخة دقيقة تجد فيها المخابرات الغربية فرصة للدخول في لعبة مشتركة مع هذا الذي يسميه كتاب "دريفوس شيطانا" ولكن تتبع الوقائع التاريخية يبرهن على أن هذا الشيطان كان مطيعا أكثر من شيطان المصباح السحري، فقد خدم السياسات الغربية في البلدان العربية حين وجه قواه ضد كل قوى التحرر مهما كانت ألوانها ودخل في مغامرات خارجية مهدت لامتداد النفوذ الغربي أو ساهمت فيه كعنصر فعال، في آسيا الوسطى، وفي تقسيم يوغوسلافيا السابقة وتحويلها الى دويلات·· خاضعة لحلف الناتو وهو يستعد الآن كما تشير التقارير المتسربة عن التوجيهات السرية لإشعال الحروب الأهلية في البلدان العربية وتقسيمها، الى الانضمام الى حملة تفتيت الأوطان الى "دويلات" طائفية·
أقر الإسلام -كما العقل الإسلامي- بالتطور والتحول واحتسبه ناموسا في الوجود ورتب على الإقرار به قاعدة فكرية تناسبه هي وجوب العمل بمبدأ التجديد، ويشهد تاريخ الاجتماع السياسي وتاريخ الفكر الإسلامي بالدرجة المتقدمة للاجتهاد التي تجلت في الفقه الإسلامي وأصوله والفلسفة الإسلامية. ثم أغلق باب الاجتهاد وتوقف الإبداع الفكري لأسباب سياسية وحضارية، وتبع ذلك موجة تقليد رأت في الاجتهاد بدعة يجب محاربتها. وقد يصعب الفصل في التمييز بين الاجتهاد والبدعة، وقد أنشأت صدمة الحداثة وما رافقها من احتلال أجنبي وغزو فكري وثقافي مغالاة في الفكر والممارسة ووجد الوعي الإسلامي نفسه في موقف دفاعي لم يستطع دائما أن يتحرر من أحكامه تحررا إيجابيا. ورغم أن الحركة الإسلامية المعاصرة سلكت الدعوة إلى رفض التجديد فإن سلوكها كان أحيانا اضطراريا، وإلا فلن نستطيع أن نفهم المنزع الثوري العنيف في أفكار جمال الدين الأفغاني وسيد قطب على سبيل المثال.
ترد كثير من الدراسات ظاهرة العنف الإسلامي إلى الطبيعة المغلقة للنصوص الدينية الإسلامية والفكرة الأصولية عن الجهاد التي تشرع للعنف وترفعه إلى مرتبة الواجب، ويتجاهل هؤلاء الدارسون أنهم إزاء ظاهرة اجتماعية في المقام الأول، ولذلك فإن فهمها وتحليلها يقع في محيط علاقات الاجتماع المتشابكة التي تصنعها وليس بالانصراف إلى تحليل نصوصي جامد يتوهم الواقع محض إفراز تلقائي للفكرة. وهم يختارون من النصوص ما يؤيد فكرة معدة مسبقا ولا يذهبون في التحليل النصوصي إلى نهايته الطبيعية. ويتكرر التجاهل للأمثلة والنصوص على صعيد وعي واستحضار وقائع التاريخ. إن عناصر الشبه والقرب بين أفكار التكفير القديمة وأفكار التكفير الحديثة قائمة ومتكررة وثابتة وإن تباينت في الإخراج والعبارة، والسبب في ذلك أن التكفير واحد في النوع وإن اختلف في التفاصيل، فالعناصر التأسيسية للتكفير هي سياسية ترتبط بمجمل المصالح الاجتماعية التي تجد في فكرة التكفير واسطة من وسائطها إلى التحقق، ومعرفية تتعلق ببديهيات غير مفحوصة تدفع أصحابها إلى اعتناق التكفير باعتباره صوابا. إن الإيمان بحيازة الحقيقة المطلقة هو الطاقة الحيوية التي تتزود بها فكرة التكفير وتستمد منها الشرعية. ونعيش اليوم تدهورا حادا في رؤية الفكر الإسلامي إلى مسألة السلطة الدينية والسياسية في الإسلام، ونشأ جيل إسلامي جديد مقطوع الصلة بالتراث الإسلامي الإصلاحي، وتشكل لدى إسلاميي ما بعد الإصلاحية جموح متزايد للدفاع عن ممارستين شاذتين: ممارسة السياسة في الدين بإخضاع الإسلام إلى مطالب السياسة والمصلحة والصراع، وممارسة الدين في السياسة عن طريق بقاء موقع قوي فيها باسم المقدس.
استوعبت الكتابات الإسلامية في مجال السياسية الفلسفة السياسية السابقة وأنتجت أدبا فلسفيا جديدا وأصيلا والشريعة السياسية تستند على الوحي فهي ليست عرضة للتغيير والتبديل، ولكن ثمة خلافات ظهرت في تأويل النصوص، وكان ثمة قبول واستيعاب لهذا الاختلاف. وهناك فهمان مغلوطان شائعان عن الفكر السياسي الإسلامي والحكومة الإسلامية أولهما يتصور أنهما ثيوقراطيان تحت هيمنة رجال الدين، والثاني يتصورهما دكتاتوريين استبداديين، ولكن هذين الحكمين يستندان على سوء الفهم ليس إلا، فالإسلام يخلو من طبقة الكهنوت أو أي وساطة بين الله والعبد، كما يخلو من أية هيئة كهنوتية هرمية البنية، ولا وجود في التاريخ الإسلامي لنظراء البابوات والكرادلة، وكان نظام الملات في إيران المعاصرة منفصلا تماما عن السوابق الإسلامية. وتصوير الحكومة الإسلامية على أنها نظام دكتاتوري يكون الحاكم فيه طاغية مطلق الصلاحيات هو تصوير زائف وليس صحيحا، فالشريعة الإسلامية ما خلعت على الحاكم سلطة مطلقة، فسلطة الحاكم رغم أنها العليا فإنها تخضع لتقييد هام جدا يأتي من التصور الإسلامي للشرع، فالدولة في التصور الإسلامي يؤسسها الشرع ويصونها، وواجب الحاكم إنما هو الدفاع عن الشرع وإعلاء شأنه والحفاظ عليه وفرضه. ونشأت هنا مصطلحات مثل "الإمامة" و"الخلافة" ومنها الإمام والخليفة، والسلطة والسلطان للدلالة على الحكم والحكومة والحاكم، والمدينة، ولكن أعم المصطلحات هو الدولة.
وفي ظل سيطرة المظاهر الدنيوية الحديثة على الشكل المادي لحياة الفرد العامي وتعارضها أو عدم توافقها مع غلواء الهاجس الديني على عقليته وحالته النفسية ينشأ إحساس بالذنب، فيبالغ العوام في الرجوع للفقهاء في كل شاردة وواردة من أمور الحياة الاعتيادية دونما حاجة لذلك، وكثير منها ليست من تخصص الفقيه ولا المفتي. وبعض الفقهاء الدعاة يستمتع في التدخل بكل صغيرة وتفصيل دقيق من أمور الناس مكثراً من التحريمات مع كل ما يحتمل عدم توافقه مع الدين وذلك من أجل فك عقدة الذنب لديه ولدى السائل، ومتعارضاً بذلك مع القاعدة الفقهية التقليدية "الأصل في المعاملات الإباحة".. وهنا محاولة نكوصية لتحويل المجتمع إلى حالة من الكهنوتية وكأنه يعيش في دير رهبان وليس في مدن حديثة مليئة بكل من المظاهر والمتع المادية وأيضاً بالمظاهر والشعائر الدينية والروحية..
ينتج عن ذلك كله المبالغة أو الإفراط في الرجوع إلى الداعية في كل الأمور، أو قيامه بأدوار متنوعة ليست من أدواره ولا من تخصصه بحيث يتحول إلى أخصائي نفسي واجتماعي واستشاري جنسي، ومحلل اقتصادي ومنظر سياسي، ومرشد تربوي ورائد كشافة في المخيمات، وناقد أدبي، بل حتى إلى طبيب أخصائي وعلمي في السلوك البيولوجي للبشر وعارف في علم الفلك..إلخ، فيدخل محللاً ومحرماً في كل الأمور، ونحن نعرف أن المفكرين والكتاب المختصين والمحللين السياسيين وأشباههم هم أدرى بهذه الأمور من الفقيه، وكما جاء في الحديث الشريف:" أنتم أعلم بشؤون دنياكم".
من الطبيعي إذن، أن يجنح كثير من الدعاة إلى إقحام وجهة نظره في مسائل سياسية نسبية وغير ثابتة، معطيا آراءه صفة دينية، طالما أن الظروف تتيح له ذلك. صحيح أن من حق الفقيه والداعية أن تكون له وجهة نظر خاصة في أمر من الأمور السياسية، لكن هل من حقه وضع وجهة نظره السياسية كإلزام ديني وتحريم وجهات نظر الآخرين أو تكفيرهم؟ هنا مكمن الخطورة حين يضع الداعية نفسه في موضع المحلل السياسي مصبغاً على تحليله صفة القداسة، وهو غالبا ما ينحاز إلى إحدى فصائل الإسلام السياسي دون الفصائل الأخرى، أو ربما يكون هذا الداعية أو ذاك أحد قيادات الفصائل الأولى، ومن هنا تميل غالبية العوام لتلك الفصائل، ومن هنا تنال الفصائل الإسلاموية نسبا متفوقة في الانتخابات.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,158,011,843
- هدية الاتراك و الارهابين هي اختصاب السوريات
- مشاركة الاطفال في المظاهرات في العالم العربي
- انظر الى الخونة العرب
- وصول ال سلول الى الحكم في السعوديا - الجزء الثالث
- تخلف المجتمع العربي
- وصول ال سلول الى الحكم في السعوديا - الجزء الثاني
- وصول ال سلول الى الحكم في السعوديا - الجزء الاول
- الجامعة العربية و العرب خانو سوريا
- اردوغان و الحلم العثماني في المنطقة العربية
- غباء و جهل و تخلف
- المراة السورية و دورها الحضاري في بناء سوريا
- الاخوان المسلمين و جرائمهم
- هذا ما يجري في سوريا اليوم و تحللي له
- الاعراب و تركيا في تغيب العرب
- كيف يصبح الإنسان ارهابي مجرم و لماذا الاسلام يتهم بالارهاب؟
- خطر الاسلام السياسي على العالم
- الاستعمار التركي الحديث و عودة العثمانين
- سبب تاخر المجتمع هو الاسلام السياسي و الفساد و الرشوة المحسو ...
- نظرة على فكر الاسلام السياسي
- الجهل و التخلف بين الشعوب العربية


المزيد.....




- فرنسا: شوط جديد من احتجاجات -السترات الصفراء- في ظل استمرار ...
- شاهد: أبو إيهاب يتحدى مياه العاصي في أزقة دركوش السورية لمسا ...
- فوائد عدم استخدام الأجهزة الإلكترونية لمدة ساعة يوميا
- شاهد: أبو إيهاب يتحدى مياه العاصي في أزقة دركوش السورية لمسا ...
- العنف يتجدد بطرابلس والمبعوث الأممي يحذر
- بتهم منها -الإزعاج العام-.. السودان يصدر مذكرات توقيف بحق 38 ...
- في ذكرى جمع شمل الروس: تجديد عملية توحيد روسيا
- شركة تطرح تقنية ذكية لتعزيز التفتيش الأمني في المطارات
- النفط المكسيكية: الانفجار وقع نتيجة وصلة لحمها اللصوص بأحد أ ...
- صورة لابن سلمان بـ-تحدي العشر سنوات- تشعل مواقع التواصل


المزيد.....

- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السينو - هل الاسلام دين سياسة ؟