أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - راهنية الانكفاء في العراق ما بعد انهيار الدولة















المزيد.....

راهنية الانكفاء في العراق ما بعد انهيار الدولة


أحمد الناجي
الحوار المتمدن-العدد: 1037 - 2004 / 12 / 4 - 09:59
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


يتفق معظم المفكرين والباحثين على أن بدايات النشوء الاجتماعي (الدولة)، قد أنطلقت عبر عقد اجتماعي معين أبرمه الإنسان مع الآخر، ألزم نفسه الخضوع الى حَكَمْ يتوافق عليه جميع المتعاقدين هو (القانون)، بدلا من الاحتكام الى ما هو سائد من أعراف وعادات وتقاليد. وحول هذه البدايات، يقول الدكتور علي الوردي في كتابه حوارات في الطبيعة البشرية صفحة 47 بالنص، (ان الدولة ظهرت لأول مرة قبل ستة آلاف سنة تقريباً. ومن الممكن القول ان ظهورها خطوة تقدمية كبرى في تاريخ البشرية، فقد كان البشر يعيشون قبل ظهور الدولة في طور النظام القبلي الذي يتميز بالغزو والنهب ولا يساعد على نشوء الحضارة ونموها. وجاءت الدولة اخيراً فقضت على النزاع القبلي وساعدت على نمو الحضارة، غير أنها كانت، في الوقت نفسه، استبدادية ظالمة تتيح لفئة صغيرة من الناس أن تنعم وتجري وراء ملذاتها بلا حدود على حساب الاكثرية الكادحة منهم).
فالدولة التي تجسد المصلحة العامة بعيداً عن الاستلاب السياسي، يمكن أن تصل لتكون (سماء الشعب) بحسب تعبير كارل ماركس، وعلى العموم الدولة هوية حضارية تدل على رقي المجتمع، ويمكن اعتبارها مؤشراً واضحاً لتحديد معالم النظام الاجتماعي وطبيعة العلاقات السائدة، بيد أن انفراط مقوماتها، على الرغم من كونها تسلطية ظالمة، تعبر عن مصالح معينة فئوية أو طبقية، ينعكس على الفرد ومن ثم على العلاقة مابين مكونات المجتمع، وانهيارها يعني فقدان واحد من الشروط الرئيسية لتماسك المجتمع وتقدمه الحضاري.
وليس من باب التهويل إذا ما خلصنا الى أن اشتداد تأثير المتغيرات، وفي مقدمتها، انهيار الدولة العراقية الذي تجسد واقعا أمام الأنظار بعد سقوط النظام الشمولي المقبور، والذي أفضى الى غياب سلطة القانون، كان سببا رئيسياً لصيرورة حالة من الارتداد الى الوراء عن كل القيم والمفاهيم والمثل السائدة التي كانت تحدد السلوك الاجتماعي داخل بنية المجتمع، تلك التي تشكلت وتبلورت بمسار ونسق معين خاص يتماهى مع انتقال العرف الى قانون ( وزد عليه إذا شئت الى دستور) منذ قيام الدولة في بداية عشرينات القرن الماضي، ولحد لحظة الانهيار، تبعاً لجدل الخاص والعام ( جدلية الفرد والمجتمع).
إن الآثار المترتبة من تلاشي الدولة يمكن إسقاطها على الفرد، المكون الأساسي للمجتمع، حينما وَجَدَ نفسه في لحظة ما أمام أنويته الجامحة، متحرراً من ضوابط اجتماعيته، تعصف به مؤثرات عديدة وسط الخوف، ونوازع البقاء والأطماع المتجذرة. ويمكننا تلمس ذلك من خلال التطلع الى نظرة فرويد في تبيان اثر التعارض في العلاقة بين الفرد والمجتمع، في ما يذهب قوله بما معناها، ان التنظيم الاجتماعي يعمل على كبح غرائز الإنسان وطبيعته الشريرة، ويجعله أليفاً، ويذهب الى تسمية هذا الدور أو الفعل المجتمعي المؤثر على الفرد، بالإعلاء الذي يحول الغرائز المكبوحة للإنسان الى سلوك حضاري.
لا أحد يستطيع تحديد مديات التراجع القهقري الذي طال المجتمع العراقي، ولا ما ستؤول اليه الأيام القادمة بسبب ما أنغرس من صفات دونية نكوصية، عبر ما تراكم من فعل منظم جاء عن سابق إصرار، أو جاء من دون وعي و إدراك، خلال حقبة الاستلاب الفكري والجدب المظلمة التي غلفت العراق بالإحباط واليأس والتغييب والتغريب لزمن طويل نسبياً، وأبعدته أيضاً عن المحيط الخارجي، وفضاءات الحضارة الإنسانية بمجالاتها المتعددة في المعرفة والفكر والثقافة، ولا يمكنه أيضاً تحديد مديات ما ينتج في غياب سلطة القانون، أو بسبب استمرار ضعف سطوتها فيما بعد، عبر تفاعلات موروثات تلك المرحلة مع جديد المرحلة الحالية، وخصوصاً بعدما توفرت الأجواء والمناخات الملائمة لإنعاش القيم البالية والمفاهيم المتهالكة التي كانت تمثل لبنات أولى سابقة، وربما كانت هي من سمات المراحل البدائية لتكوين المجتمع العراقي، ويبقى استمرار التدهور في هكذا حال أمراً وارداً، يعتمد على مؤثرات الواقع الموضوعية والذاتية التي ستتداخل معطياتها في تشكيل ملامح حاضر، لا يعدو كونه إلا حاضراً منكفأً تسود فيه الازدواجية، والصفات القهرية، والقيم العائمة، التي تجعله ينحو حثيثاً نحو قيم البداوة.
يصعب استجلاء أمد الانكفاء في هذه الوقفة، وخصوصاً بعدما تزامنت مع محدودية الفعل المعاكس لها، والساعي الى إعادة بناء الدولة والنهوض بالمجتمع، وبالذات ما نجم عن افتقاد دور الجوانب المؤثرة وعلى رأسها الجانب الاقتصادي القادر على تهيئة معالجات سريعة ملموسة تمس حياة شرائح واسعة من المجتمع. لاسيما بعد أن أقترن هذا التلكأ بالإخفاقات الناجمة من قصر نظر أجندة قوات الاحتلال، وبإفرازات حالة فقدان الأمن والأمان، التي قوضت إعادة أعمار البلد وبناه التحتية، وشكلت بمجملها معوقات حقيقية تلعب دورها في إطالة فترة تخطي هذه الوقفة، وفي جعل العديد من المعطيات تساهم في فرض حالات من التمزق الاجتماعي، واللاتجانس بين مكونات المجتمع، تؤسس تلقائياً الى انحسار قيم المواطنة، التي كانت مهزوزة بالأصل نوعما بسبب أساليب التسلط والاستبداد والإلغاء والتهميش والبطش والظلم والنفي التي مارسها النظام الديكتاتوري البائد في السنين الماضية، لتبرز ملامح ذلك التراجع واضحة للعيان في منحى تسيد الولاء للجماعة والقبيلة، والطائفة، والمنطقة، بدلا من الولاء للوطن.
انهيار الدولة ومجمل المعطيات الناشئة بسبب ذلك، عمقت حالة التراجع والانحسار الى الاطر الضيقة، واستنفرت الأطماع الخارجية، مثلما استنفرت ما هو مكنون في الذات من نوازع أنوية، هي أرث وتراكمات السنين الخوالي، في القفص الكبير والمنفى العذاب، وهي مجتمعةً ألقت بظلالها على الساحة السياسية، في ظل ما كانت تعانيه أصلاً في أتون الاستبداد وأطواق التكبيل وممارسات التحييد التي طالت النخب وعامة الشعب، فكشفت بعد انهيار النظام الشمولي البائد عن فراغ سياسي واضح، ذلك ما ساعد على ظهور كم كبير من الأحزاب والقوى والحركات والتجمعات السياسية، تحث الخطى على عجل لإيجاد مكان يًمَكِنَها من الإمساك بخيط من خيوط اللعبة السياسية في الزمن الجديد، سواء في الجهة المنضوية تحت إطار العملية السياسية، أو من خارجها في جهة المعارضة، لاسيما بعد أن وجدت في الحريات المتاحة فرصة سانحة لها، فمنها ما تشكل للتعبير عن حاجات وطنية صادقة، ومنها ما يعبر عن مصالح الأطر الضيقة والذاتية المستعرة، ومنها ربما تشكل استجابة لحاجات الاحتلال، ولا زال الغموض يكتنف البعض من هذه الكيانات تلك التي كانت من ضمن قوى المعارضة سابقاً، أو التي تشكلت للتو، ولعل الأيام القادمة قادرة على كشف ماهيتها، ومصادر تمويلها، فهاجس التشكيك يفرضه المنطق بكون بعضاً منها يمثل استطالات لقوى إقليمية باتت تخشى على مصالحها في العراق الجديد.
تأرجح المواقف وعدم وضوح الرؤية، سمة مميزة وواضحة في مرحلة إعادة بناء الدولة، يتوشح بها معظم الخطاب السياسي المطروح على الساحة، بل البعض منها يتقافز بالمواقف نحو اليمين تارة، ونحو اليسار تارة أخرى وسط الأحداث المتسارعة تبعاً لحاجاته الآنية، والبعض أيضاً يتمادى في تقوقعه داخل أطره الضيقة المحددة سلفاً، غير أبه بالابتعاد عن المصالح الوطنية العليا في أحيان كثيرة، يتغاضى عن العقلانية، وهو لا يدرك بأن ذلك يزيد من أمد بقاء الاحتلال في أرض الفراتين، ويضعف المشروع الوطني العراقي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,011,860,684
- لاعنون لإحتلال العراق وقانعون بالتواجد الأمريكي في الخليج عب ...
- أضواء على ندوة مركز الحوار الديمقراطي التي استضاف فيها مكتب ...
- وقفة مع قرار نادي باريس
- المؤتمر الدولي عن العراق في شرم الشيخ بين الذاكرة والطموح
- عرفات الوجدان الفلسطيني المُوَحِدْ
- مشاركة الناخبين العراقيين في الخارج نجاح للمفوضية في أول اخت ...
- مقاطعة الانتخابات تضع مستقبل العراق في متاهات اللاأفق
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في م ...
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في م ...
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق- إضاءات على دكة عاكف في م ...
- نثار من ذكريات طريق الشعب لإشراقة العدد الألف من الحوار المت ...
- التحالفات.. خيار ستراتيجي أم مناورة تكتيكية
- من أجل انتخابات شاملة في موعدها المقرر
- مناشدة لإطلاق سراح الكاتب السوري جهاد نصره
- الانتخابات المقبلة.. تطلعات مشروعة.. وأفاق رحبة
- مهمات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والدور الإعلامي ال ...
- ما بين حجب الحوار المتمدن وحكاية جحا
- حرائق النفط نزوات لشذاذ الأفاق
- مرحى لضجيج الانفعالات والجدال والنقاش داخل أروقة المؤتمر الو ...
- تأملات لجذوة نصر الرئيس الفنزويلي أوغو تشافيز


المزيد.....




- مزاعم بـ-سرقة- أعضاء سائح بريطاني في الغردقة.. ومصر ترد
- مشهور؟ ذو نفوذ؟ لن يمنع ذلك اختفائك تحت سلطة جين بينغ بالصين ...
- ترامب يبحث مقتل خاشقجي مع ماكرون ويتفق مع أردوغان على -وجوب ...
- مزاعم بـ-سرقة- أعضاء سائح بريطاني في الغردقة.. ومصر ترد
- -سفاح كيرتش- أحرق ممتلكاته الشخصية قبل تنفيذ جريمته البشعة
- أردوغان وترامب يشددان على ضرورة كشف كل ملابسات وفاة خاشقجي
- أردوغان وترامب يشددان على ضرورة كشف كل ملابسات وفاة خاشقجي
- كندا تضغط بالسلاح على السعودية
- اليابان تراقب بحذر شديد انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ
- ترامب مستمر بعناده للصين


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - راهنية الانكفاء في العراق ما بعد انهيار الدولة