أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - صوت السافور-زرين تاج-قرة العين-الطاهرة أعظم امرأة إيرانية (8-10)















المزيد.....

صوت السافور-زرين تاج-قرة العين-الطاهرة أعظم امرأة إيرانية (8-10)


راندا شوقى الحمامصى

الحوار المتمدن-العدد: 3474 - 2011 / 9 / 1 - 23:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


قرة العين تهجر زوجها
غادرت قرة العين همدان قاصدة إلى بلدتها وموطن أسرتها قزوين، وعندما وصلت إليها نزلت في بيت والدها ولم تذهب الى بيت زوجها الملا محمد، فأرسل اليها زوجها نسوة لاقناعها بالعودة إلى بيته غير أنها رفضت بإصرار أن تستجيب له وقالت للنسوة: "قولوا لهذا القريب الأحمق المغرور لو كان قصدك حقاً أن تكون رفيقاً لي وزوجاً لكنت أسرعت لمقابلتي في كربلاء ولسرت على قدمك لحراستي وحراسة هودجي طول الطريق إلى قزوين، وإذ ذاك كنت أثناء سفري معه أقدر أن أوقظه من نوم غفلته وأظهر له طريق الحق. ولكن ذلك لم يقدر عليه، وقد مر على فراقنا ثلاث سنوات فلا يمكن له في هذه الحياة ولا في الحياة الآخرة أن أجتمع به فقد طرحته كلية من حياتي للابد.
إن هذا العمل الذي قامت به قرة العين إذ هي هجرت زوجها خلافاً للتقاليد الشرعية والعرفية السائدة كان بمثابة سلاح ماض في يد خصومها فوجهوا إليها نقداً شديداً وألصقوا بها شتى ألتهم - وقد حاول أحد المؤلفين البهائيين تبرير هذا العمل فقال في ذلك ما نصه: "ولا يخفى أن سيدة مثل قرة العين فاقت الرجال في العلم والعرفان، وذاقت روحها حلاوة شهد الفضل والايقان، وأدهشت كل من سمع بياناتها الفائضة من لسانها الطلق، لن تقبل قط أن تقيم صاغرة كسائر النساء في منزل قرينها المستبد المنتقد لجميع أعمالها وأقوالها وسلوكها، وتقبع في كسر بيتها مكتفية بالاشتغال في بسائط الأمور المنزلية، وتجعل نفسها أسيرة في يد شخص فيه من الأطوار والأخلاق مثل ما كان عليه ابن عمها هذا. فلا جرم إن لم تقبل بوجه من الوجوه أن تجيب هذا الطلب ورفضته الرفض البات، ووقع حينئذٍ فراق البينونة بينهما، وصرفت النظر عن أولادها وتركتهم.
مقتل الملا محمد تقي:
كان هذا القرار الحاسم الذي اتخذته قرة العين في هجران زوجها سبباً في نشوب خصام شديد بينها وبين والد زوجها الملا محمد تقي الذي كان كبير علماء قزوين كما أسلفنا. وقد حاول والد قرة العين التوفيق بين بنته وأخيه فلم يوفق واضطر الى الاعتزال وترك الأمور تجري لمقاديرها.
صار الملا محمد تقي يصعد المنبر بعد كل صلاة فينهال باللعن والطعن على الشيخ احمد الاحسائي والسيد كاظم الرشتي وكل من اتبعهما من البابيين وغيرهم. وانتشر الهياج من جرّاء ذلك بين العامة فأخذوا يطاردون الشيخيين والبابيين جميعاً ويعتدون عليهم. ومن القصص التي تروى في هذا الشأن أن أحد الشيخيين تجرأ في تلك الآونة فأعلن مدح الاحسائي والرشتي وأظهر فضائلهما، ولما سمع الملا محمد تقي بأمره حكم عليه بالكفر وبطرده من البلدة، فتجمع العامة عليه ونزعوا عمامته ثم ربطوا عنقه بها وأخذوا يسحبونه في طرقات البلدة حافياً وينهالون عليه بضرباتهم وشتائمهم. ويُروى عن رجل آخر اسمه الملا جليل الأرومي أنه كان يتجول في البلدان يبشر بظهور الباب، ولما مرَّ بقزوين وعلم به الملا محمد تقي أمر بعض طلبته فقبضوا عليه وجاؤا به إلى داره، ثم أمر بوضعه في "الفلقة" وبضربه على رجليه.
لم يمض على ذلك سوى مدة قصيرة حتى هجم رجل مجهول على الملا محمد تقي وهو يصلي في المسجد فجراً فطعنه بالخنجر طعنات كانت القاضية عليه. فارتجت البلدة كلها لمقتله وذهب ابنه الملا محمد إلى دار الحكومة وقد شق ثوبه وهو يبكي وينتحب فأحدث هياجاً بين العامة واشتعلت نيران الفتنة وصارت حياة الشيخيين والبابيين في خطر شديد.
ومما يلفت النظر في هذا الصدد أن قرة العين كانت قبل مقتل عمها بأيام معدودة قد أوعزت إلى أصحابها بمغادرة قزوين والعودة إلى مواطنهم اذ قالت لهم: "لابد من وقوع زلزلة عظيمة ترتج منها قزوين وتسفك دماؤكم جميعاً، وإن الله يريد بكم خيراً في المستقبل..." غير أنها استثنت من أصحابها رجلين هما الشيخ صالح الكريماوي والملا إبراهيم المحلاتي وقالت لهما أن الشهادة لهما قد حانت.
وقد تحققت نبوءة قرة العين، فكان الشيخ صالح الكريماوي من أوائل المتهمين بقتل الملا محمد تقي، فسيق الى طهران وقتل في الميدان الذي يقع في وسطها، وهو يعتبر أول من سفك دمه في سبيل الدعوة الجديدة في ايران. ثم هجم الغوغاء في قزوين على متهمين آخرين كان منهم الملا إبراهيم المحلاتي فقطعوا أجسامهم إربا إربا. أما قرة العين فقد سُجنت في حرم سراي الحاكم تحت المراقبة الشديدة، فلبثت في ذلك مدة، ولكنها استطاعت أن ترسل رسالة الى المرزا حسين علي النوري في طهران تستنجد به. وكان هذا الرجل من ذوي الثراء والنفوذ ومن السابقين في اعتناق الدعوة البابية وكان الباب قد منحه لقب "بهاءالله". فاستطاع أن يبعث الى قرة العين من تمكن من تهريبها من قزوين وجاء بها إلى طهران، فأخفاها في بيته. وظلت قرة العين مختفية في بيت بهاءالله إلى أن تقرر عقد مؤتمر "بدشت" قرب خراسان فرحلت للمشاركة فيه.
"مؤتمر بدشت":
إن "بدشت" مكان تكثر فيه المروج والبساتين يقع على نهر شهرود بين مازندران وخراسان. وقد قرر البابيون عقد مؤتمر لهم فيه على أثر اعتقال الحكومة للباب في قلعة "ماكو" وهم أنما اختاروا هذا المكان لبعده عن مزدحم الناس وتطفلهم. وكان الغرض من عقد المؤتمر هو للمداولة في أمرين، أولهما كيف يمكن انقاذ الباب من معتقله، والثاني هل تنسخ أحكام الشريعة الاسلامية أم تبقى على حالها. وقد انعقد المؤتمر في حزيران من عام 1848 م وحضره أقطاب البابيين من مختلف البلدان الايرانية فبلغ عددهم واحدا وثمانين كان فيهم قرة العين وبهاء الله، ولم يتغيب منهم سوى "باب الباب" أي الملا حسين البشروئي لانشغاله بأمر آخر في خراسان.
الواقع أن مؤتمر "بدشت" مهم جدا اذ هو يفصل بين عهدين في تاريخ الدعوة البابية. فقد كانت هذه الدعوة قبل مؤتمر "بدشت" تعتبر فرقة من الشيخية لا تختلف عنها الا في بعض الجزئيات التي لا أهمية لها، أما بعد المؤتمر فقد أصبحت الدعوة البابية فرقة قائمة بذاتها أو هي بعبارة أخرى أصبحت دينا جديدا.
يبدو أن المشتركين في المؤتمر لم يهتموا بأمر انقاذ الباب بمقدار ما اهتموا بالأمر الثاني وهو: هل تنسخ الشريعة الاسلامية أم تبقى على حالها. وتشير القرائن الى أنهم منذ بداية المؤتمر انقسموا الى فئتين مختلفتين: احداهما ترى وجوب نسخ الشريعة، وا‎لأخرى ترى وجوب الابقاء عليها.
كانت قرة العين على رأس القائلين بوجوب نسخ الشريعة، وكان رأيها أن الباب أعظم مقاما من جميع الأنبياء الذين سبقوه وأن له الحق في نسخ الأحكام الاسلامية القديمة والاتيان بأحكام جديدة. أما المعارضون لهذا الرأي فكان على رأسهم محمد علي البارفروشي وهو الشاب الذي رافق الباب في رحلة الحج ومنحه الباب لقب "القدوس"، وكان ذا منزلة رفيعة لدى البابيين ويعده البعض منهم في مقام الملا حسين البشروئي أو هو أرفع مقاما منه. وقد وقف هذا "القدوس" يعارض قرة العين معارضة شديدة وتابعه الكثير من البابيين، وكان رأيه أن الباب ليس سوى مروج للشريعة الاسلامية ومصلح لها مما طرأ عليها من الفساد والابتداع، ولهذا فهي يجب أن تبقى على ما كانت عليه في الكليات والجزئيات جميعا.
بينما كان الخلاف يشتد في المؤتمر بين قرة العين والقدوس كان بهاءالله ساكتا ويبدو أنه اتخذ موقف الحياد بين الفريقين وبقي ينتظر ما تتمخض عنه الأيام. وظلت قرة العين تكافح في سبيل رأيها وتسعى الى اجتذاب القوم اليها بكل جهدها، فهي كانت تعلم علم اليقين أن رأيها لو تحقق لانفض عن الدعوة البابية الكثير من أتباعها، ولكنها أصرت على الرأي بالرغم من ذلك وأعلنت قائلة: "أن هذا العمل سيبرز الى ساحة الوجود لا محالة وسيطرق هذا القول اذن العام والخاص، اذن فكلما أسرعنا في الكشف عن هذه الغوامض كان أليق وأوفق وأنفع للأمر وللعمل الذي نقوم به حتى ينفصل عنا كل ضعيف لا يحتمل التجديد ولا يبقى معنا الا كل قوي مخلص يفدي بنفسه هذا السبيل القويم البديع".
عزمت قرة العين أخيرا أن تقوم بعمل تحسم به الجدال الذي استفحل بين القوم، ففي أحد الأيام بينما كان القدوس وأكثر القوم مجتمعين في خيمة بهاءالله فاجأتهم قرة العين وهي تدخل عليهم سافرة الوجه ومتزينة، وكان هذا على خلاف عادتها اذ كانت قبلئذ متمسكة بالحجاب الشديد على طريقة النساء في زمانها، وكأنها أرادت بعملها هذا أن تنسخ حكما من أحكام الشريعة هو تحريم التبرج الذي نزل به القرآن.
أثار دخول قرة العين على القوم بهذه الصورة ذهولا عظيما. يقول صاحب كتاب "مطالع الأنوار" في وصف ما حدث:"فأخذت الناس الدهشة ووقف الكل حائرين أمام هذا المنظر الغير منتظر. وكانوا يظنون أن رؤيتها غير محجبة من أكبر المحال وأن النظر الى خيالها وظلها غير جائز لأنهم يعتبرونها مظهر فاطمة الزهراء ورمزا لعصمة الطهارة".
حاول بعضهم اخفاء وجوههم بأيديهم، ووضع آخرون رؤوسهم تحت عباءاتهم لكي لا يقع نظرهم على وجه قرة العين، ولم يملك واحد منهم نفسه فعمد الى رقبته فحزها بسكين كانت بيده ثم خرج من المجلس والدماء تنزف منه وهو يصرخ مهتاجا، واقتدى به آخرون فخرجوا وراءه ولم يرجعوا اذ هم انفصلوا عن الدعوة وعادوا الى عقيدتهم القديمة. أما الذين صمدوا فقد وقفوا بلا حراك وهم متحيرون في أمرهم لا يدرون ماذا يفعلون. أما القدوس فقد استل سيفه وهو في غضب شديد كأنه يريد أن ينقض على قرة العين ليقتلها.
لم تتأثر قرة العين بما جرى ولم ترهب سيف القدوس بل قامت تخطب في الحاضرين بكل جرأة وبلاغة. يقول صاحب كتاب "مطالع الأنوار" أنها وقفت وقد أضاء وجهها بشعور الفرح والغبطة والنصر وأخذت تخطب ارتجالا باسلوب شبيه باسلوب القرآن، ثم قالت:"
اني أنا الكلمة التي ينطق بها القائم والتي تفر منها نقباء الأرض ونجباؤها"
والتفتت نحو القدوس تلومه على عدم طاعته لها، ثم وجهت كلامها الى الجميع حيث طلبت منهم أن يحتفلوا بهذه المناسبة السعيدة، وقالت: "ان هذا اليوم يوم عيد وسرور عام وهو اليوم الذي تفك فيه قيود الماضي. فليقم كل من يشترك في هذا المجد ويعانق صاحبه".
إن هذا الموقف الجريْ الذي وقفته قرة العين حسب رواية "مطالع الأنوار" يرويه خصوم البابية بشكل اخر، يقول صاحب كتاب "مفتاح باب الأبواب" أن قرة العين صعدت المنبر في المؤتمر وخطبت قائلة:
"اسمعوا أيها الأحباب والأغيار... واعلموا أن أحكام الشريعة المحمدية قد نسخت الآن لظهور الباب، وأن أحكام الشريعة الجديدة البابية لم تصل إلينا، وان اشتغالكم الآن بالصوم والصلاة والزكاة لا يعمل بها بعد الآن إلا كل غافل و جاهل، ان مولانا الباب سيفتح البلاد ويسخر العباد، وستخضع له الأقاليم السبع المسكونة، وسيوحد الأديان الموجودة على وجه البسيطة، حتى لا يبقى إلا دين واحد، وذلك الحق هو دينه الجديد، وشرعه الحديث، الذي لم يصل إلينا الى الآن منه إلا نزر يسير. فبناء على ذلك أقول لكم وقولي هو الحق: لا أمر اليوم ولا تكليف، ولا نهي ولا تعنيف، وإنا نحن الآن في زمن الفترة، فاخرجوا من الوحدة إلى الكثرة، ومزقوا هذا الحجاب الحاجز بينكم وبين نسائكم، بأن تشاركوهن بالأعمال، وتقاسموهن بالأفعال. فليشارك بعضكم بعضا بالأموال، ليرفع عنكم الفقر ويزول الوبال، ساووا فقيركم بغنيكم، ولا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم، اذ لا رادع الآن ولا حد، ولا منع ولا تكليف ولا صد، فخذوا حظكم من هذه الحياة، فلا شيء بعد الممات". أن هذه الخطبة أحدثت نزاعا شديدا بين الحاضرين، فقد تعصب فريق منهم الى رأي قرة العين بينما تعصب آخرون الى رأي القدوس. وقد وصف كتاب "مطالع الأنوار" هذا النزاع الشديد الذي حدث بين البابيين فقال ما نصه:
"وحصل اضطراب عظيم بين الذين قاموا على نشر هذا الاصلاح بكل جهدهم. وكان بعضهم لا يوافق على حصول مثل هذا التغيير الأساسي وظنوا أنه عين الكفر وامتنعوا أن ينسخوا ما يعتبرونه أعظم أحكام الاسلام التي لا تنسخ، وطائفة اعتبرت أن قول الطاهرة هو الفصل في مثل هذه الأحوال وأن طاعتها واجبة على جميع المؤمنين، وتمسك البعض ممن امتعضوا من تصرفها مع القدوس واعتبروه انه هو الممثل والنائب عن الباب والوحيد الذي يحق له أن يحكم في مثل هذه الأمور الخطيرة، ونظر فريق غير هؤلاء الى الحادثة بأجمعها انها عبارة عن امتحان إلهي لفصل الصادقين من الكاذبين، والمؤمنين عن الكافرين، وكانت الطاهرة في كثير من الأحيان ترفض اطاعة القدوس وتقول: (اني أعتبر القدوس تلميذا أرسله إليّ الباب لتعليمه وتهذيبه ولا أنظر إليه بنظر آخر). ولم يمتنع القدوس أن يتهم الطاهرة أنها صاحبة هذه الفتنة وادعى أن الذين يدعون إلى رأيها وقعوا فريسة للخطأ. واستمرت حالة المشادة بين الاثنين بضعة أيام الى أن توسط بهاءالله وبطريقته المثلى وفق بينهما تماما، ولمّ شعثهما، ولأم الجرح الذي سببه هذا الهياج والنزاع الحاد، وبذلك وجه همة كل منهما إلى طريق الخدمة المنتجة. وحصل المقصود من هذا الاجتماع المنشود، لأن النداء بالنظام الجديد كان بمثابة النفخ بالصور، فمسخت التقاليد العقيمة المجمع عليها والتي كانت تقيد ضمائر الناس، ومحيت بكل جسارة وبغير وجل. فتهيأت الطريق لاعلان الأحكام والقواعد الجديدة التي جاء بها الأمر الجديد. وعزم بقية الجمع المحتشد في بدشت على الرحيل الى مازندران. ورحل القدوس مع الطاهرة في هودج واحد أعده لسفرها بهاءالله. وفي الطريق كانت الطاهرة تنظم قصيدة وتأمر الأصحاب أن ينشدوها أثناء سيرهم خلف الهودج، وكانت الجبال والأودية تردد أصوات وأناشيد ذلك الجمع المتحمس أثناء سفرهم إيذانا بمحو القديم وبعث اليوم الجديد".
فترة النسخ:
سابقا فيقول: ان قرة العين كانت موضع ثقة العلماء وقد شهدوا بطهارتها في كل أدوار حياتها.
ان هذه الفترة شملت التكاليف التعبدية فقط كالصوم والصلاة ونحو ذلك، أما التعاليم الاخلاقية فلم يحدث فيها أي تبديل اثناء الفترة لأن الاديان كلها تتشابه في الاخلاق فلا فرق بين القديم والجديد منها.
مصير قرة العين:
في 9 تموز من عام 1850م أعدم الباب في تبريز بناء على فتاوى صدرت من علماء تلك المدينة. وقد أثار مقتله حنق بعض أتباعه فصمموا على اغتيال الشاه ناصر الدين أخذاً بثأره. وفي 15 آب من عام 1852م بينما كان الشاه يتريض خارج قصره عند سفح جبل شمران تقدم نحوه رجلان وبيد احدهما عريضة وهما يصرخان "الظليمة الظليمة، الغوث الغوث"، فلما مد الشاه يده لتسلم العريضة، عاجله الثاني بطلق ناري أصاب فخذه اصابة خفيفة، وسرعان ما تداركه الحرس فقتلوا احد الرجلين وأمسكوا بالثاني جريحا. وكانت محاولة الاغتيال هذه إيذانا ببدء حملة واسعة النطاق في انحاء ايران للبحث عن البابيين وقتلهم، وقد ذهب الكثير من الأبرياء ضحايا من جراء اتهام الخصوم لهم بأنهم من البابيين.
شهدت طهران آنذاك ضروبا من التعذيب والقسوة الفظيعة اشترك فيها الأهالي والحكومة معا. قيل ان البابيين الذين اعتقلوا في طهران وزعوا على مختلف طبقات الناس، فأخذ كل منهم حصته من البابيين وشهروهم في طرقات المدينة وأهانوهم وعذبوهم ثم قتلوهم. وروى سايكس ان بعض البابيين قُطّعوا بالفؤوس، وعندما أُعطي طبيب الشاه الفرنسي حصته من البابيين رفض تقطيع ضحيته بالفؤوس حيث اعتذر قائلا: انه قتل بحكم مهنته من الناس ما فيه الكفاية وهو لا يريد ان يضيف الى القائمة ضحايا جديدة.
كانت قرة العين من جملة الذين ألقي القبض عليهم غير انها أودعت لدى محافظ مدينة طهران محمود خان كلانتر. ومما يلفت النظر انها لم تراع الظروف الإرهابية المحيطة بها فكانت طيلة فترة اعتقالها في دار المحافظ دائبة على التبشير بالدعوة البابية. انها كانت تنتهز مناسبات الولائم والمجالس النسائية التي تعقد في تلك الدار لتلقي فيها أحاديثها المثيرة. والظاهر ان وجود قرة العين في تلك الدار جعل النساء يتهافتن عليها ليحظين بمشاهدة تلك المرأة المشهورة التي أصبح اسمها على كل لسان. وأخذت قرة العين تضرب على أوتار قلوب النساء وتظهر لهن المنزلة الواطئة التي خصصها رجال الدين القديم للمرأة وكيف ان الدين الجديد رفع من شأن المرأة ومنحها حريتها.
أرسل الصدر الأعظم الى قرة العين رجلين من العلماء، هما الملا محمد اندرماني والملا علي كنى، من أجل امتحانها وكتابة تقرير عن عقيدتها الدينية لكي يتخذ الاجراء المناسب لها. وقد عقد الرجلان معها سبع جلسات لامتحانها، فكانت هي في كل جلسة تناقشهما بحماس وتبرهن لهما ان الباب هو الامام المنتظر الموعود، وكان ردهما عليها ان الامام المنتظر يجب ان يظهر من مدينتي "جابلقا" و "جابرسا" حسبما ورد في المصادر الدينية، فكانت تجيبهما بأن هذا باطل محض اخترعه الرواة الكذابون وان المدينتين المذكورتين لا وجود لهما مطلقا وما هما سوى خرافة تليق للمجانين، ثم قالت بتأثر: "ان الأدلة التي تسوقانها هي أشبه بأقوال طفل غبي جاهل، فإلى متى تسيران وراء هذه الأكاذيب والخرافات الجنونية، والى متى لا ترفعان رأسكما لتريا شمس الحقيقة". فغضب الملا علي من هذه الأقوال ونهض قائلا لصاحبه: "ما هي الفائدة من زيادة البحث والمناقشة مع كافرة!". ثم خرجا وكتبا تقريرا ذكرا فيه ان قرة العين قد ارتدت وكفرت ورفضت التوبة وانها تستحق القتل عملا بحكم القرآن.
واختلفت الأقوال في الكيفية التي قتلت بها قرة العين، فمن قائل: انها وضعت في فوهة مدفع وهناك صدر الحكم بإحراقها حيّة، غير ان الحكومة أوعزت بتأخير الإحراق الى ما بعد موتها، فخنقت ثم ألقيت جثتها الى النار. ويروي المستشرق براون نقلا عمن سمع من محمود خان كلانتر: ان الشاه استدعى قرة العين الى قصره في نكارستان وطلب منها التبري من الباب ولما رفضت قرة العين ذلك وأصرت على الرفض أمر الشاه بالقائها في بئر كانت في حديقة القصر، ثم ألقيت فوقها أربعة أحجار ضخام، وهيل عليها التراب. أما صاحب كتاب "مطالع الأنوار" فيذكر: ان قرة العين أخذت من دار المحافظ الى حديقة الايلخانة، وهي حديقة كانت موجودة في ذلك الحين مقابل السفارة البريطانية، فخُنقت بمنديل من الحرير قدمته هي بنفسها الى جلادها، ثم أنزلت في بئر كانت قد حفرت هنالك حديثا، وهيل عليها التراب. (من كتاب لمارثا ل. روت-مترجم من الفارسية)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,487,132
- سر ليلة القدر-ليلة الليالى-ليلة القدس-غرة أيام الله-قرة عين ...
- صوت السافور-زرين تاج-قرة العين-الطاهرة أعظم امرأة إيرانية (7 ...
- الطاهرة-صوت السافور-زرين تاج-قرة العين أعظم امرأة إيرانية (6 ...
- استشهاد (صوت السافور-ذرين تاج-قرة العين-الطاهرة أعظم امرأة إ ...
- صوت السافور-ذرين تاج-قرة العين-الطاهرة أعظم امرأة إيرانية 4- ...
- الطاهرة-صوت السافور-ذرين تاج-قرة العين أعظم امرأة إيرانية (3 ...
- الطاهرة-صوت السافور-ذرين تاج-قرة العين أعظم إمرأة إيرانية (2 ...
- الطاهرة- صوت السافور-زرين تاج-قرة العين أعظم امرأة إيرانية ( ...
- تجدد الدين بعد موته الروحاني -كيف يستعمل القرآن الكريم كلمة ...
- المرأة في البهائية
- الحج في الشريعة البهائية2-2
- الحج في الشريعة البهائية1-2
- حكم الصوم في العقيدة البهائية2-2
- حكم الصوم في العقيدة البهائية1-2
- أهداف الأديان وهدف الدين البهائي 3-3
- أهداف الأديان وهدف الدين البهائي 2-3
- أهداف الأديان وهدف الدين البهائي 1-3
- النبأ العظيم- أنتبهوا
- الإنسان وصناعة الغباء عبر العصور والأزمان2-2
- الإنسان وصناعة الغباء عبر العصور والأزمان2-1


المزيد.....




- في حضور وفد سوري رفيع المستوى.. الشئون العربية للبرلمان: الغ ...
- حركة النهضة الإسلامية تعتبر رئاستها للحكومة الجديدة في تونس ...
- بحماية قوات الاحتلال.. مئات المستوطنين والمتطرفين اليهود يقت ...
- أردوغان: الإسلام تراجع في إفريقيا بسبب الأنشطة التبشيرية وال ...
- لبنان.. عندما تتخطى الاحتجاجات الطائفية والمناطقية والطبقية ...
- زعيم حماس يحذر من خطورة مخططات إسرائيل لـ«تهويد» المسجد الأق ...
- الخريطة السياسية للقوى الشيعية المناهضة للأحزاب الدينية
- تقرير فلسطيني: الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية لتصعيد الاعتد ...
- واشنطن بوست: الانتقام الوحشي من النشطاء في مصر يمكن أن يغذي ...
- بعد استهداف معبد يهودي.. إجراءات بألمانيا لمواجهة -إرهاب أقص ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - راندا شوقى الحمامصى - صوت السافور-زرين تاج-قرة العين-الطاهرة أعظم امرأة إيرانية (8-10)