أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمادي بلخشين - بخل قصة قصيرة















المزيد.....

بخل قصة قصيرة


حمادي بلخشين

الحوار المتمدن-العدد: 3449 - 2011 / 8 / 8 - 01:43
المحور: الادب والفن
    


بخل



" حين تفنى كلّ الرّذائل يظلّ البخل شابّا"
ــ مثل ــ


ـــ 1 ـــــ


كنت على وشك دخول عمارتنا المشتركة، حين لمحت جاري خليل وهو يطارد ولده حسام الدين. ما إن أدرك جاري خليل ولده الصغير، حتى سدّد له ضربة ثم نطحة شفعها بلكمة فثانية ثم ثالثة. كلّ ذلك و الفتى المسكين لا ينفكّ يردّد بين لكمة و أخرى:
" سامحني أبي"
" لن أعود لمثلها"
" سأذهب الي المسجد"
"و الله العظيم"
" سأذهب إلى المسجد"

كان كلام الصبيّ أجلب لدهشتي، و أدعى لعجبي من ضربه بتلك الوحشية البالغة وذلك العنف الأعمى، لأنني ما عرفت جاري خليل إلاّ من أصحاب الكبائر، فأي شيطان مريد زيّن له ضرب ولده بتلك الحماسة الفائقة، من أجل تخلّفه عن إرتياد بيت الله؟!

كانت الدّماء تغطّي وجه الفتى، حين اندفع نحوي لائذا بي، بيد أنني عجزت عن توفير الحماية الكافية له، فقد كنت أحمل بيمني خبزا و بيساري بيضا، لأجل ذلك اكتفيت بتحذير الأب المسعور:
ــ دع الصبي يا خليل.
صاح بي الأب الهائج محذرا:
ـــ واصل طريقك.
صحت في جاري خليل فيما كنت أدفعه بمرفقيّ عن الصبيّ المكلوم:
ــ هل جننت يا رجل؟!
كان جاري خليل يتطلّع الىّ بعيون كالجمر حين أتممت موبّخا:
ــ كيف تأمر الفتى بالذهاب الى..
قاطعني مزمجرا:
ـــ قلت لك واصل طريقك فهذا شأن لا يعنيك.
صحت بخليل و انا أحاول أبعاده ثانية عن الصبي المروّع ــ ممّا كلّفني سقوط بيضي و تهشّم أكثره ــ :
ــ كيف لا يعنيني أمره و أنت توسعه ضربا؟
ردّ عليّ خليل وقد نجح في تسديد ركلة نالني بعضها:
ــ الولد ولدي،، و أنا حرّ في تأديبه كيف أشاء!
حينذاك لم أملك نفسي ــ و قد لحق خبزي ببيضي ــ عن مسك جاري الصائل ثم إلصاقه بالحائط مهدّدا:
ــ ان لم تدع الصبيّ و شأنه فسأدعو لك الشّرطة.
ما ان أكملت جملتي حتى بدت زوجتي بين الوجوه الفضوليّة التي أحاطت بنا.. صحت بها و أنا أدفع إليها بالفتى الجريح:
ــ خذيه الى البيت فهو يحتاج إلى عناية.
لم ألبث بعد تواري زوجتي الا يسيرا، حتى لحقت بها بعد أن تولّى جارنا المتقاعد عبد الفتاح رشدي تهدئة الأب الهائج و إقناعه بضرورة ترك الصبيّ في عهدتي إغلاقا لأبواب الشرّ و تضميدا لجراح الفتى النازفة.

ـــ 2 ـــ
حين ولجت شقتي، وجدت قصاصة بخط زوجتي تنصحني فيها باللجوء إلى أقرب مطعم، لأن الصداع الذي أصابها فور مغادرتي البيت ولم يكف عنها الا منذ ساعة قد حبستها عن طهي الطعام، و لأن جراح الفتى حسام الدين قد أحوجته الى عناية طبية لا تملك أدواتها، لأجل ذلك غادرت البيت مكرهة.

حين كنت، و قبيل ساعة واحدة من رجوعي الى البيت، قد أتيت عل قطعة كبيرة من المرطبات كان زميل العمل جلال والي قد

دعاني اليها بمناسبة احتفاله بمولده الأوّل، فقد خيّرت النوم على ملء بطن نصف جائعة.
حين استلقيت على أقرب أريكة صادفتني، كان جلّ همّي معرفة السبب الحقيقي لغضب جاري المهين، و ما علاقة المسجد بمحنة الفتى حسام الدين.

ــ 3 ـــ
خليل جيلاني جار بغيض.. اثأر احتقاري في أول ساعة جمعتنا .. حصل ذلك حين رجوت منه السماح لي باستعمال هاتفه الجوّال لمكالمة عاجلة عنّت لي، أثناء مساعدته المدفوعة الأجر في إعادة ترتيب أثاث بيتي الجديد، لكنه اعتذر بحجّة نفاذ شحنته الكهربائية، غير انه اضطر بعد دقائق معدودة الى الردّ عن مكالمة تلقّاها دون أن يكلّف نفسه إعتذارا.

رغم خسة جارى فقد تجاوزت عنه حين أوهمني وقد لاحظ نفوري منه، انه كان يومها ينتظر مكالمة مصيرية و ان خشيته من استهلاكي ما بقي في جواله من طاقة كهربائية هو الذي حمله على الكذب. غير أنني، و بعد شهرين من تلك الحادثة

كرهت جاري، حين بلغني أنه قد عجز منذ يومين ــ و للمرّة الثالثة على التوالي ــ عن الحصول على رخصة سياقة، رغم انه كان يوهمني و هو يستعير سيارتي أيام السبت و الأحد، بصلة رحمه أو بقضاء أمور عاجلة عرضت له، فيما كان يستغلّ راحلتي للتدّرب على السياقة توفيرا لثمن ساعات تعليم إضافية! غير ان احتجاج جاري بضيق ذات اليد هو الذي حملني على التجاوز عنه كرة أخرى. غير ان كراهيتي لجار خليل تضاعفت الى حدّ حظري على زوجتي ترك أم عياله و ابنته الكبرى تستمرّان في استخدام حنفيتنا للتزوّد بالماء، و موقدنا الغازي لطهي الطعام، وغسّالتنا لغسل ملابس أسرتها، و موصلنا الكهربائي لشحن بطارية جوّال زوجها و كيّ ثيابه، و ثلاّجتنا لخزن طعامها و التزوّد بالماء البارد صيفا، بعد أن أسرّت لي زوجتي ـ نقلا عن زوجته ــ بأن بخل جاري خليل، لا ضيق يده ــ و هي الذي ورث عن أبيه ثلاث شقق وقاعة أفراح و ضيعة شاسعة، و دخل كراء دكان في شارع الحبيب بورقيبة ــ ، هو الذي حمله على إكراه المسكينتين تحت طائلة العقوبة، و بصفة يوميّة، و على مدى اربعة شهور، على التردّد على شقتنا، للقيام بتلك الخدمات المنزليّة الموجعة التكاليف.

منذ أقل من شهرين، كفّ جاري خليل عن الردّ على تحيتي، بعد أن أعدت اليه سلكا أوصله برأس باربولي للتمكّن ــ و بصفة مجانيةــ من متابعة آخر ما استجدّ من أحداث سياسية، قبل أن تفيد ابنته الشابّة زوجتي، بين إطراقات خجل بان والدها الذي حظر عليهم مشاهدة كلّ برنامج تلفزيّ بما في ذلك نشرت الأخبار و الصّور المتحرّكة، قد دأب فور تمكيني إيّاه من غزو الفضائيّات، على متابعة آخر ما أستجدّ من أفلام البورنو، ممّا زاد في سوء خلقه و ضيق صدره بكلّ أفراد أسرته خصوصا الأمّ، و كثرة تعييرها ـ وهي المليحة ـ بأنها لا تساوي كومة روث في سوق" النساء الحقيقيّات".

ازداد حقد جاري خليل عليّ، حين تصدّر اسمي عريضة وقعّها الجيران ثم قدّموها للهيئة الجديدة المشرفة على نظافة العمارة يناشدونهم فيها منعه من استغلال شرفته لتربية خروف العيد مع بعض الدجاج، بسبب كثرة الذباب و تفشّي الرّوائح الكريهة التي كانت تنبعث من زريبته المعلقة التي حالت شفقته من إضاعة الماء، بين تعهدّها بالتنظيف.


ــــ4 ــــ


فور رجوع زوجتي من مهمتها العاجلة، أفادتني بلهجة حزينة و عيون متناثرة الدمع ــ من تقطيع البصل! ــ بأن الفتى حسام الدين، قد احتاج الى سبع غرز في رأسه و راحة طبية لمدة نصف شهر مع طلب تحقيق جنائي في القضية.. أطالت زوجتي الضحك وهي تفيدني بأن فضولها الشديد قد حملها رغم الحالة الجسديّة و النفسية على استنطاق الفتى و تشديد السؤال عن سرّ تعرّضه لتلك العقوبة العمياء، وقد تردّد الفتى طويلا بدافع الخجل قبل أن يفضي إليها، بأن والده الخسيس قد دأب على إكراهه منذ حرم استخدام ثلاجتنا و فرننا و حنفيتنا و تحت طائلة العقوبة الدامية و مع تشديد الرقابة، على الذهاب الى مسجد التوبة، كلّما عرضت له بول أو غائط من أجل توفير ماء السيفون! فكان الفتى يفعل ذلك على مضض و خشية، غير أنّ حلول بن عمته ضيفا عليهم، قد أوقعه في حرج، فكفّ مؤقتا عن التردّد على المسجد من أجل غايته المثيرة للخجل، خصوصا و أن ابن عمته ـ و هو ترب له ـ كان على دراية بأن الفتى لم يكن من المصلين.. وقد كان حلول عمته ضيفة عليهم، من شأنه تهدئة ثائرة الوالد اللئيم و دفعه الى غضّ الطرف عن إيقاع العقوبة المناسبة بالفتى لحظة" ضبط متلبسا بجرم سحب السيفون"، لو لم يكن قد فجع و بعد دقائق قليلة من أوبته من العمل بفاتورة ماء قد جاوزت حدّها المأمول، فكان ضرب الفتى بتلك الغلظة العمياء و القسوة البالغة، تنفيسا عن غضب الوالد من ضيوف أطالوا البقاء، بقدر ما كان سخطا من أجل إهدار الماء!

ـــ 5 ــ

بخل جاري خليل ذكّرني ببخلاء الجاحظ، كما أن ورود المسجد في محنة الفتى حسام الدين ذكّرني أيضا بالمسجديّين ( أشهر من نظّر للبخل و قعّد له القواعد )، و كانت فئة" من أهل الجمع و المنع" بتعبير أديب المعتزلة الأوّل، قد اتخذت من المسجد مقرّا عامّا للتحدّث عن بخلهم ــ والإستفادة من تجاربهم في حفظ المال.. ورود ذكر الماء في مأساة الفتى حسام الدين حملني ايضا على سؤال زوجتي و نحن نستعد لتناول غداء طال تأخره عمّا اذا كانت زوجة جارنا خليل قد أسرّت إليها بأنّ شريك حياتها كان يحملها ـــ وهي المصلية ــ على تجميع ما تناثر من ماء غسلها بعد كل جماع لإستغلاله في سقي الخروف و الدّجاج!
حين استغربت زوجتي السؤال أفدتها بأن أحد نظراء جارنا خليل كان يفعل ذلك في الزمن الأول! حين أستبعدت وقوع ذلك، هرعت رغم جوعي إلى مكتبتي.. تناولت كتاب الجاحظ فتحته على فصل " قصة أهل البصرة من المسجديين"الصفحة الثالثة و الخمسين، ثم قرأت عليها ما يأتي:
"قال شيخ منهم : ماء بئرنا كما قدعلمتم مالح أجاج، لا يقربه الحمار و لا تسيغه الإبل، و تموت عليه النخل، و النهر منّا بعيد، و في تكلّف العذب علينا مؤونة[ مصاريف كبيرة] فكنا نمزج منه للحمار فأعتلّ منه، و أنتفض علينا من أجله، فصرنا بعد ذلك نسقيه بالعذب صرفا. و كنت أنا و النعجة[الزوجة] كثيرا ما نغتسل بالعذب مخافة أن يعتري جلودنا منه مثلما ما أعترى جوف الحمار، فكان ذلك الماء الصافي يذهب باطلا! ثم انفتح لي فيه باب من الإصلاح، فعمدت إلى ذلك المتوضأ فجعلت في ناحية منه حفرة و صهرجتها و ملّستها[..] وصوّبت إليها المسيل، فنحن الآن إذا اغتسلنا صار الماء إليها صافيا لم يخالطه شيء، ولولا التعبّد لكان جلد المتغوّط أحقّ بالنتن من جلد الجنب، فمقادير طيب الجلود واحدة، و الماء على حاله، و الحمار أيضا لا تقزّز له من ماء الجنابة، و ليس علينا حرج في سقيه منه، و ما علمنا أنّ كتابا حرّمه، و لا سنّة نهت عنه، فربحنا هذه منذ أيام، و أسقطنا مؤونة عن النفس و المال. قال القوم: هذا بتوفيق الله و منّه!"

ــ 6 ـــ

بعد استمتاعنا بقصّة شيخ السوء و حماره المسكين، لام أملك نفسي من إظهار الشماتة في جاري خليل" لتكلّفه العذب" في القرن الحادي و العشرين، و قد كان لا يكلّف المسجدييّن و غير المسجديين إلا جلبه من السبيل أو تحمل مؤونة من يجلبه لهم من السقائين، كما رددت إقتراح زوجتي تسليم جارنا مفتاح بيتنا القديم حتى يستغل ماء بئره ــ و ان كان أجاجا ــ استحماما و تنظيفا للتواليت، ولم يكن ردّى اقتراح " النعجة" ــ و ان كان سيرفع الحرج عن الفتى حسام الدين ــ بخلا، بل بسبب ما قد يعترى غدا جلد الجار، و اهل بيت الجار، ما أعترى قديما جوف ذلك الحمار!

أوسلو 7 أوت 2011





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,283,375,639
- الإخوان هم بغال المرحلة الأمريكة القادمة
- من هبوطيات الكاهن السلفي البوطي 2/2
- من هبوطيات الكاهن السلفي البوطي 1/2
- التسنن و التشيع وجهان لعملة واحدة اسمها الخيانة
- زمزم قصة قصيرة
- لماذا لم ينزع سلاح حزب حسن نصر الله الشيعي؟
- حوار مع بيانو 2
- حوار مع بيانو 1
- اردغان أو فيفي عبده تركيا يطاول السماء بمؤخرته الإخوانية الع ...
- عن موت بن لادن
- عن العداء المستحكم بين السنة و الشيعة قصة بالمناسبة
- بشرى قصة قصيرة
- رجم قصة قصيرة
- لا رجم في الإسلام
- دناءة قصة قصيرة
- ركاكة قصة قصيرة
- جفاء قصة قصيرة
- تفكيك قصة قصيرة
- لا لإعادة علاقة مصر بايران
- أوراق 1 كتابات ساخرة


المزيد.....




- باريس: احتفالية كبيرة بمناسبة مشاركة سلطنة عُمان كضيف خاص في ...
- غدا الأحد ، ندوة لمناقشة المجموعة القصصية (وكأنه هو) للكاتب ...
- شاهد.. من قصر لصدام في البصرة إلى متحف للحضارات
- بالكرم والضيافة.. الكشف عن تفاصيل تصميم متاجر متحف قطر الوطن ...
- لم يعرضوا من قبل في الخليج... 8 أفلام لأول مرة بالسعودية
- حقيقة ماجرى أمام البرلمان ليلة السبت/ الأحد
- -جرح البوح- لجليلة الجشي..نزيف الكتابة
- القرآن الكريم طريق تعلّم العربية
- متحف الدولة الروسي يفتح أبوابه أمام فنانين قطريين
- فنانة مصرية تنشر صور تعرضها لاعتداء (صور)


المزيد.....

- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر
- المسرح الشعبي في الوطن العربي / فاضل خليل
- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمادي بلخشين - بخل قصة قصيرة