أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محسن ابو رمضان - الماركسية وقضيتي الديمقراطية والحرية















المزيد.....


الماركسية وقضيتي الديمقراطية والحرية


محسن ابو رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3449 - 2011 / 8 / 7 - 15:46
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


اعتبرت الأدبيات الماركسية ان الانجازات التي حققتها البرجوازية خاصة في مجال التحول الديمقراطي وتثبيت أسس دولة الحق والقانون وتجاوز سيطرة الكنيسة التي كانت تعتبر المسوغ الإيديولوجي للحكم الملكي المطلق ولمنع آفاق التقدم العلمي والنهضوي إلى رحاب الاكتشافات العلمية والتقنية الحديثة ، بهدف إبقاء التخلف والظلام ، بأنها انجازات تاريخية .
إن أحد الانجازات التاريخية الهامة للبرجوازية تتجسد بالدخول في مرحلة الحداثة التي تعتمد على أسس سيادة القانون والدستور والانتخابات الدورية واحترام وصون التعددية السياسية والثقافية والفكرية وترسخ أسس المواطنة المتساوية والمتكافئة على قاعدة المساواة وعدم التمييز ضمن جدلية الحقوق والواجبات ما بين المواطن الفرد وبين الدولة .
وإذا كانت اول وثيقة لحقوق الإنسان بالتاريخ تجسيداً وتعبيراً ونتاجاً للثورة الفرنسية في 1789 والتي شكلت القاعدة الفكرية والمعرفية لحقوق المواطنين عبر تشريعات تضمن الحقوق الاجتماعية فإن هذه الوثيقة تعممت على العديد من البلدان الأوروبية والولايات المتحدة في إعلان الدساتير في تلك البلدان وكذلك في الدستور الأمريكي بحيث أصبحت الوثيقة جزءً من المنظومة الفكرية الكونية عبر الإقرار بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وبعد ذلك في عام 66 ، حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة كلاً من العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكذلك الحقوق السياسية والمدنية .
إن الانجازات المذكورة أعلاه لم تكن تعنى ان قوى البرجوازية قد قامت بتطبيق هذه القيم والمفاهيم الحقوقية على الأرض ، حيث انه جرى تقويضها عدة مرات من قبل أجهزة الدولة التي ترعى مصالح البرجوازية كما جرى استخدامها سياسياً من قبل القوى الرأسمالية العالمية ، كأداة في يد قوى العولمة في مواجهة بعض البلدان التي لا تلتقي مع السياسة الرأسمالية ولا تريد ان تسير في فلكها ، حيث دعمت الولايات المتحدة زعيمة العالم الرأسمالي العديد من الأنظمة الشمولية والدكتاتوريات العسكرية لأنها كانت تلبي مصالحها وقد أغمضت عينيها عن انتهاكات تلك الدكتاتوريات لحقوق الإنسان ولأساليب القمع الوحشي التي كانت تمارسه تلك الأنظمة بحق شعوبها وذلك بسبب تبعية تلك الأنظمة وتحقيقها لمصالح الولايات المتحدة ، وهناك أمثلة بارزة بالعالم بهذا الصدد نذكر منها قيامهم بدعم الدكتاتورية في مواجهة القوى التقدمية التي افرزها المواطن التشيلي عبر صندوق الاقتراع ، حيث أدى الانقلاب العسكري بقيادة بينوشيت لإعدام واعتقال مئات التقدميين بما في ذلك زعيمهم المنتخب ديمقراطياً سلفادور اليندي في عام 1973 ، ودعمهم للرئيس الروسي السابق يلتسن عندما قام بقصف البرلمان بمدافع الدبابات ، وتمويلهم لعشرات الأنظمة الشمولية والتي تحكم عبر آليات الحكم العسكري في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، بما في ذلك تمويلهم للأنظمة الشمولية والمستبدة في البلدان العربية .
لقد استخدمت ورقة حقوق الإنسان إبان الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفيتي ، وكذلك في مواجهة الصين ،وكانت تتراجع هذه الورقة عندما يتم تلاقي المصالح المشتركة كما هو الحال بالعلاقة مع الصين أو تسحب هذه الورقة إذا ضمنت القوى الرأسمالية عملية تحول في بنية النظام بحيث يصبح غير متصادم مع المصالح الأمريكية كما هو الحال بالعلاقة مع روسيا .
كما استخدمت قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان بالغزو الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق ، بحجة مواجهة المجموعات الإرهابية والمتطرفة أو في مواجهة النظام الدكتاتوري القمعي ، وذلك كمبررات لعملية الغزو وبهدف نهب الثروات والسيطرة على المقدرات والمساهمة في عملية التجزئة والتفتيت .
من الواضح ان الرأسمالية رغم اقرارها بالتشريعات وبالدستور وحقوق الانسان والمواطنة، إلا أن بنية النظام الطبقية لا تسمح إلا لمرشحين مدعومين من احتكارات سواءً كانت صناعية أم تجارية أم عسكرية بالوصول إلى البرلمان، حيث ان الإنفاق على العملية الانتخابية يتطلب مبالغ باهظة وبأن وسائل الإعلام وأدوات الحشد الجماهيري والدعاية بحاجة إلى قوى اقتصادية لكي تستطيع ان تدعم حزباً سياسياً ما من اجل الوصول إلى السلطة أو عضواً للوصول إلى البرلمان ، ولعل نموذج الانتخابات الأمريكية دليلاً واضحاً على ذلك وهذا يتم ايضاً في العديد من البلدان الأوروبية والرأسمالية الأخرى ضمن خصوصية كل بلد على حدة.
وعليه فإن الديمقراطية والحرية مضبوطة بالانظمة البرجوازية بحيث تحافظ على نسق النظام ولا تخرج عنه كما أن الشق الليبرالي على الصعيد الاجتماعي والقانوني غير مدعم بالشق الاقتصادي ، حيث الاستغلال الطبقي وتراجع دور الدولة واعتماد منهجية الليبرالية الجديدة ضمن اسس آليات السوق ، وتحكم الاحتكارات بالتركيبة الاقتصادية والاجتماعية ووجود التميز الاجتماعي واتساع الهوة بين من يملك وسائل الانتاج وبين من يبيع قوة عمله وانحدار أجزاء واسعة من الطبقة الوسطى ليصبحوا جزءً من الفقراء والمهمشين ، هذا إلى جانب تحكم الاحتكارات الرأسمالية العالمية بتركيبة الاقتصاد العالمي ايضاً عبر أدوات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والضغط على حكومات بلدان العالم الثالث لتبني سياسات الخصخصة واعادة الهيكلة ورفع الدعم عن السلع والمنتجات الوطنية لصالح آليات السوق وفق منهجية العولمة وإيقاف دعم الدولة للتعليم والصحة وتراجع شبكة الحماية الاجتماعية لصالح الفقراء مقابل تعزيز القوى الاحتكارية المتحكمة بالسوق.
لقد فشلت المحاولات الأمريكية المبنية على سياسة الشرق الأوسط الجديد في تحقيق التحول الديمقراطي في كل من أفغانستان والعراق ، وبديلاً لذلك فقد ظهرت النزعات القبلية والطائفية والجهوية على حساب الدولة المركزية ومبدأ المواطنة ، كما هي " الحالة العراقية " وأصبح النظام السياسي يراعي التوازنات الطائفية أكثر من مراعاته للحالة الحزبية والسياسية وللكفاءة ، على اعتبار ان الأحزاب السياسية تعبيراً عن التنظيم الاجتماعي و كشكلاً راقياً منه، هذا عدا عن ارتباطيه النظام " المُّستعمَّر " بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة وتماهية مع النزعة التوسعية والعدوانية الإسرائيلية ، التي استغلت حالات الغزو العسكري ، والتفتت القبلي والطائفي من اجل تثبيت هيمنتها كقوة رأسمالية كبرى بالمنطقة لها أطماعها ونفوذها ، وفي نفس الوقت من اجل ترسيخ فكرة يهودية الدولة " الإسرائيلية " والتي تعبر عن الطابع العنصري للفكر الصهيوني ، تحت ستار استفحال الحالة الطائفية والاثنية بالإقليم وبالمنطقة العربية، الأمر الذي تصبح بموجبه فكرة يهودية الدولة مقبولة وفق المنظور الصهيوني في ظل التفتت الاثني والطائفي والديني بالمنطقة .
إن الرد على " ديمقراطية " الغزو والبوارج البحرية والطائرات الحربية ، جاء عبر الانتفاضات الشعبية العربية تحت شعار إسقاط أنظمة الفساد والاستبداد ومن اجل تحقيق الكرامة والعدالة والحرية ، لوحظ الربط الجدلي بين شعارات الحرية والديمقراطية من جهة وبين العدالة الاجتماعية من جهة ثانية على قاعدة ترابط المفهومين والمنهجين لتحقيق مجتمع جديد على أنقاض المجتمعات المبنية على القهر والاستعباد والاستغلال والتي تستخدم السلطة كمصدر للثروة ولتراكم الربح الهائل على حساب السواد الأعظم من الفقراء وعلى حساب الطبقة الوسطى التي سحقت بأغلبها لتصبح مندرجة في إطار الطبقة الكادحة والفقيرة والمهمشة .
لقد فتحت المرحلة التي نعيشها والتي أدت إلى إسقاط عروش بعض الأنظمة التي كانت تطبق سياسية الليبرالية الجديدة مثل الخصخصة والتي كانت تنهب شعوبها وتبيع ثرواتها بأبخس الأثمان للعدو والقوى الخارجية فتحت الباب على آفاق التغير السياسي والاجتماعي بالبلدان العربية ، فقد اثبتت الثورات العربية أهمية العنصر الشعبي والجماهيري الذي إذا انتفض وتحرك بالشارع فإنه يستطيع تحقيق شعاراته وإسقاط الحكم القديم ، كما اثبت ضعف البنى الحزبية الكلاسيكية والنمطية القائمة والتي كانت تعيش في أزمة بنيوية في ظل امتداد وانتشار تيار الإسلام السياسي ، وأثبتت ان هذا التيار " الإسلام السياسي " لم يستطع ان يكون ريادياً في عملية التغيير بدليل انه لحق بالحراك الشعبي ولم يكن وقوده وأداته المحركة ، وأكدت التحركات الشعبية على أهمية قطاع الشباب كقطاع عريض وواسع وقادر على الترابط والتشبيك عبر استخدام تقنيات " الانترنت والفيس بوك " وغيرهما وذلك بهدف تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي لبنية النظام .
إن الايجابيات الواردة أعلاه لم تلغ نقاط الضعف والتي كان أبرزها غياب الطليعة السياسية القيادية الموجهة ، الأمر الذي اخضع عملية التغير في مبنى النظام القيادي إلى حالة الاستقطاب والتجاذب بين التيارات الداخلية من جهة وكذلك التأثيرات الخارجية ،من جهة أخرى خاصة في ظل التوافق الذي تم مع تيار الإسلام السياسي الذي أصبح يرغب في اعتماد النموذج التركي باتجاه الانخراط في النظام الرسمي والإقرار بالدستور وبالدولة المدنية على أسس سيادة القانون ، على الرغم من استمرارية محاولة هذا التيار لإعادة تكييف الدستور بما ينسجم مع المنظومة العقائدية والمفاهيمية التي يتبناها .
إن غياب القوة القيادية الطليعة أدى إلى رسم علامة استفهام كبيرة بين الشعار الذي تم تبنيه بالميادين والشوارع وبين القدرة على تطبيقه وترجمته في بنية النظام ، فهل نحن نسير باتجاه دولة الحق والقانون المدنية ، ام الدولة الدينية ، ام تحالف الإسلام السياسي مع الجيش ، ام دولة عسكرية مدعومة من قوى الإسلام السياسي وفق النموذج الباكستاني ... إلخ،ام دولة دينية متنورة مثل النموذج التركي ام نسير باتجاه تفكيك تركيبة الدولة وتعزيز النزعات القبلية والجهوية ؟؟ وفق رؤية وزير الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس والقائمة على الشرق الأوسط الجديد والمبنى على التفتيت والتجزئة .
وعليه فقد بات ملحاً ومن منطلق المسؤولية التاريخية قيام القوى اليسارية والتقدمية بتوحيد ذاتها وصياغة رؤيتها وإستراتيجيتها والعمل على إقناع الجماهير بأنها المعبرة عن حقوقه و تطلعاته والقادرة على تحقيق شعاراته التي ناضل من اجلها وانطلق بالشوارع مطالباً بها ، حيث ان غياب ذلك سيؤدي إلى ترك الساحة للقوى الأخرى سواءً امتدادات النظام السابق ضمن تشكيلات سياسية جديدة او لتيار الإسلام السياسي ، أو القوى الليبرالية ذات الميول الرأسمالية والمندمجة مع تيار العولمة ، ومنهجها السياسي ، اعتقد ان النضال السلمي والديمقراطي هو المدخل الأنسب لتحقيق شعارات الديمقراطية والعدالة .
فقد فهمت خطأ تجربة كومونة باريس 1871 ، حيث اكد ماركس على اهمية دك آلة الدولة القديمة ومؤسساتها المالية والاقتصادية والعسكرية كوسيلة ضامنة لتحقيق التحول الاشتراكي خاصة بعدما فاز الشيوعيون والاشتراكيون في معظم مقاعد البرلمان الفرنسي في ذلك الوقت .
فماركس لم يكن ضد المشاركة بالانتخابات وبالعمل الديمقراطي والبرلماني ، بل كان يشجع على هذه الممارسة ، ولكن انتقاده كان يكمن في عدم إشراك الفئات والطبقات الشعبية ذات المصلحة بالتغير الاجتماعي نحو الاشتراكية بالدفاع عن تلك المكتسبات وأن القضاء على آلة الدولة القديمة لا يعنى ممارسة العنف بالضرورة ضدها ، بل عبر اتباع أساليب وآليات من ضمنها التعديلات الدستورية وكذلك بناء المؤسسات الجديدة المبنية على المشاركة الشعبية سواءً كانت اقتصادية او اجتماعية ، هذا إضافة إلى تحشيد وتأطير الجماهير وطبقاتها الاجتماعية وخاصة العمال ،والفلاحين والمثقفين الثوريين باتجاه ازالة آلة الدولة القديمة والمساهمة الفاعلة في تشكيل المؤسسات الديمقراطية والشعبية البديلة على انقاضها .
إن الاستنتاج من قبل العديد من الاحزاب الشيوعية، من دروس كومونة باريس والذي كان يقضى باستخدام العنف كآلية لدك آلة الدولة البرجوازية القديمة وتطبيق مبدأ دكتاتورية البروليتاريا من خلال سيطرة الحزب " الشيوعي " على مقاليد الحكم بما يترتب على ذلك من الغاء للتعددية السياسية ، كان استنتاجاً خاطئ برأي ومتسرع ، حيث ان معالجة الانقضاض على الديمقراطية لا يتم بالنكوص عنها بل بالمزيد منها عبر إعطائها مضامين شعبية ومؤسساتية مبنية على مشاركة الطبقات الكادحة في تركيبة هذه المؤسسات التي يجب تشكيلها على أنقاض النظام البرجوازي القديم .
إن الفوضوية التي كانت تميز الاشتراكين الذين وصلوا إلى مقاعد البرلمان آنذاك بإرادة الناخبين لم تدفعهم إلى العمل على إعادة صياغة الدستور بحيث يضمن تحييد الجيش والمؤسسة العسكرية وتحقيق التداول السلمي للسلطة ، كما لم يدفعهم إلى إشراك الكادحين في آلية إدارة الحكم ومؤسساته .

لقد قاد الاستنتاج الخاطئ من قبل الأحزاب الشيوعية تجاه الدروس والعبر من تجربة كومونة باريس إلى ترسيخ مبدأ دكتاتورية البروليتاريا التي قادت إلى اعتماد حالة التعددية السياسية والدستور المدني المبنى على أسس سيادة القانون والذي يضمن الحق بالتعددية والاختلاف في إطار النظام الاشتراكي ، وقد كرست الحقبة الستالينية تلك الظاهرة القائمة على فكرة دكتاتورية البروليتاريا ، الأمر الذي أدى إلى شطب المسار الديمقراطي من التجربة الاشتراكية التي انهارت في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ، وكان احد الأسباب الرئيسية وراء هذا الانهيار وهو غياب المضمون الديمقراطي للنظام الاشتراكي .
إن التخلي عن الديمقراطية بالتجربة الاشتراكية بحجة التمسك بالديمقراطية الاجتماعية وآليات العدالة ، قد أدى إلى غياب كل من العدالة والديمقراطية معاً لصالح المنهجية الشمولية والتي قادت إلى تحكم نخبة سياسية محددة في مقاليد السلطة بما يترتب على ذلك من امتيازات لها بحجة تمثيل الطبقة العاملة والكادحين كما أدى إلى غياب الحرية بوصفها الفضاء الذي من خلاله تتمكن الطبقات الاجتماعية الكادحة ذات المصلحة بعملية التغيير الاجتماعي والثوري من التعبير عن ذاتها والمساهمة في نفس الوقت في عملة التنمية الاجتماعية والبناء الاشتراكي .
حاول غرامشي تجاوز النمط التقليدي من التفكير الماركسي والذي عززته الستالية ، والقائمة على مبدأ دكتاتورية البروليتاريا وضرورة استخدام العنف سواءً بالتغيير الاجتماعي أو" الثورة " ورفض استخدام النضال الديمقراطي والبرلماني وذلك من خلال تأكيده على أهمية المجتمع المدني ودوره في الهيمنة الثقافية وفي حرب المواقع في مواجهة السيطرة البرجوازية وحلفائها الاجتماعيين ، والتي تستخدم أدوات العنف والثورة المنظمة من قبل الدولة إضافة إلى وسائل الإعلام وأيديولوجيتها الثقافية ، وبالتالي فإن منظمات المجتمع المدني المكونة من الأحزاب السياسية خارج دائرة السلطة إلى جانب المنظمات الأهلية والاتحادات النقابية تلعب دوراً تأثيرياً بالحيز العام عبر تعزيز ثقافتها ورؤيتها من اجل كسب وجذب الجماهير اليها، الأمر الذي يعنى حسم معركة الرأي العام لصالح المعارضة " المجتمع المدني " بواسطة صندوق الاقتراع وعن طريق الانتخابات الديمقراطية كمدخل صحي للوصول إلى الحكم بوصفه الهدف الأبرز للحزب السياسي المعارض لسياسة وتوجهات البرجوازية المسيطرة على مقاليد السلطة .
لقد قامت العديد من الأحزاب الشيوعية في أوروبا بإتباع رؤية غرامشي واستمرت بالعمل السلمي الديمقراطي والبرلماني وقد حُّققت نجاحات في العديد من بلدان اميركا اللاتينية انجازات كبيرة عندما انتصرت عبر صناديق الانتخابات واستلمت الحكم والسلطة مدعومة بقوة الجماهير الشعبية ومشاركتها كضمان لعملة التحول الديمقراطي نحو الاشتراكية وعدم السماح بالنكوص والارتداد عنها .
إن مبدأ دكتاتورية البروليتاريا ينضوى على إكراه شديد ، فلا يمكن التوفيق بين الدكتاتورية والديمقراطية ، فهما ضدان لا يلتقيان ، ولتحقيق أهداف ومصالح البروليتاريا لا بد من تعميق مسار التحول الديمقراطي وكسب ثقة الجماهير وليس ممارسة الإكراه حتى لو كان باسم مصالح العمال والمقهورين .
إن استخدام الوسائل الديمقراطية والمدنية للوصول إلى السلطة لا يعنى عدم استخدام وسائل النضال العنيفة " المسلحة " في مواجهة قوى الاستعمار أو اية قوة رجعية ومستغلة فبواسطة العنف الثوري تم تحقيق العديد من الانتصارات الاشتراكية أبرزها الصين ، فيتنام ، روسيا ، كوبا ... إلخ ، إلا اننا نمر في حقبة جديدة عنوانها الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والكرامة ، وقد استطاعت الثورات العربية السلمية والشعبية والديمقراطية في العديد من البلدان العربية وأبرزها مصر وتونس ان تعطى نموذجاً على أهمية هذه القيم وأدوات العمل في تحقيق التغيير السلمي والديمقراطي من اجل إسقاط أنظمة الفساد والاستبداد وباتجاه فتح مسار جديد مبنى على الديمقراطية والتعددية والمشاركة وصياغة دستور يكرس مبدأ سيادة القانون وأسس المواطنة .
وعليه فإن المباراة ابتدأت الآن بعد إسقاط بعض الأنظمة المستبدة والتي كانت مبنية على تحالف " السياسة والأمن والمال " ، وعلى القوى الماركسية توحيد ذاتها من اجل المشاركة بفاعلية بالمباراة القائمة في مواجهة امتدادات النظام البائد او في مواجهة قوى الإسلام السياسي ، بوصفهما لا يعبران عن أهداف الجماهير وشعارات الثورات العربية بل يتناقضان معها ، حيث ان القوى المعبرة عن حقوق ومصالح وأهداف المواطنين هي القوى اليسارية الديمقراطية ذات الوجهة الاشتراكية بصورة رئيسية .

وعليه فإذا كانت الماركسية تقدر قيم الحرية والديمقراطية الناتجة عن التحول البرجوازي وعبور البرجوازية مرحلة الحداثة فإنها ترفض في نفس الوقت استخدامها كغطاء للاستغلال والقهر الطبقي والاجتماعي ، مؤكدة على ان نضال البشرية يؤشر إلى اهمية الوصول إلى طريق العدالة الاجتماعية " الاشتراكية " .
وإذا كانت التجربة السوفاتية التي انهارت قد اثبتت ان العدالة الاجتماعية مهما كانت مفيدة للمواطنين من تحقيق العمل والتعليم والمأكل والمسكن فإنها تؤكد على أهمية الديمقراطية وقيمة الحرية في نفس الوقت والتي لا تقل أهمية عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين .
وعليه فإنني أرى إن الكفاح باتجاه الديمقراطية يجب أن يترابط مع قضية العدالة الاجتماعية " الاشتراكية " المبنية على الدفاع عن حقوق الفقراء والمهمشين وتلبية مصالحهم .
لقد أثبتت تجربة العديد من بلدان أمريكيا اللاتينية ان العدالة الاجتماعية المسنودة بالقوة الشعبية المشاركة للجمهور تستطيع إسقاط أنظمة الليبرالية الجديدة كما تستطيع ان تحقق آفاق التغيير نحو مجتمع يضمن التوزيع العادل للثروات ويعمل على تمكين وتقوية الفقراء وضمان حقوقهم الاجتماعية، ولعل النموذج الأنجح في ذلك يتجسد ببعض التجارب النوعية في أميركيا اللاتينية .
إن الاشتراكية المبنية على المشاركة الشعبية والتي تصون التعددية في إطار دستور يضمن حقوق المواطنة وتحقيق التداول السلمي للسلطة وحكم القانون والقضاء المستقل هي المدخل الأنسب لكل الأنظمة الشمولية التي تحكم باسم الاشتراكية والتي لم تزكها تجربة الحياة .
إن الدفاع عن الاشتراكية يأتي عبر إقناع الجماهير بصحة الرؤية والتوجه وليس بأساليب القمع والإكراه وأدوات القوة ، ولضمان استمرارية الاشتراكية يمكن ترسيخ ذلك بالدستور من جهة ومن جهة أخرى إقناع الجماهير ذات المصلحة بالدفاع عن الخيار الاشتراكي حيث ان تجربة دكتاتورية البروليتاريا التي تحولت إلى دكتاتورية الحزب ثم المكتب السياسي والأمين العام لم تعمل على استمرارية المسيرة الاشتراكية بل على العكس من ذلك فقد أدت إلى تقهقرها وخلق مزيداً من الغضب والاحتقان بين أوساط الجماهير التي لم تدافع عن تلك الأنظمة الاشتراكية التي انهارت مع انهيار سور برلين الأمر الذي يتطلب تبنى الخيار الاشتراكي باتجاه مغاير لمفاهيم لم تزكها الحياة وخاصة " دكتاتورية البروليتاريا " فلا يمكن الجمع ما بين الدكتاتورية والديمقراطية ، فالاشتراكية المؤسسة على الخيار الشعبي والديمقراطي هي الخيار القادر وحده على الحفاظ على هذا الطريق .

انتهى





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,391,578
- التضامن الشعبي الدولي دروس وعبر
- تأخر المصالحة والعامل الذاتي
- الثورات العربية والمجتمع المدني الفلسطيني
- الحرية والتحرر صنوان لا ينفصلان
- حول مخاطر وابعاد مقالة غولدستون
- المطار والميناء في بحر غزة خدعة اسرائيلية جديدة
- الشباب الفلسطيني بالاتجاه الصحيح
- مفهوم واهمية المواطنة بالأوضاع العربية الراهنة
- الوطنية والمواطنة الخيار البديل للتفتت والطائفية
- الناخب الأمريكي وعقابه للوعود الكاذبة
- في مضمون فكرة يهودية الدولة ذات الطابع العنصري
- البنك العربي واستخلاصاته الخاطئة
- قراءة في تداعيات خطوة البنك العربي في قطاع غزة
- بصدد مراجعة مشروع د. سلام فياض
- من اجل استثمار هبة القدس
- حتى لا يتم اسر الخيار الديمقراطي للأبد
- فى انتخابات النقابة اليسار يضيع الفرصة مرة أخرى
- التضامن الدولي حكومة ام مجتمع مدني
- في 25/1 - هل من حيدر جديد ؟؟ -
- الاتحاد الاوروبي تمويل ام ابتزاز


المزيد.....




- التنسيق النقابي الخماسي يستنكر اعتماد المقاربة الأمنية في ال ...
- لا لترهيب الأساتذة والأستاذات المفروض عليهم/هن التعاقد مزيدا ...
- حزب التجمع الوطني الجزائري ينفي استقالة أمينه العام
- عملية تركية إيرانية ضد حزب العمال
- تناقضات الوزارة الغريبة حول وفاة التعاقد العجيبة
- بلاغ  وزارة التربية الوطنية: تصعيد الحرب على أسرة التعليم، ح ...
- حزب التجمع الوطني الديمقراطي الجزائري: لا ندير ظهرنا للمطالب ...
- وكالة: إيران تنفي مشاركة تركيا في عملية عسكرية ضد حزب العمال ...
- Jamal Saguem // ..........خوارق مخاريق..........
- وكالة: إيران تنفي مشاركة تركيا في عملية عسكرية ضد حزب العمال ...


المزيد.....

- “ثوري قبل أي شيء آخر”: ماركس ومسألة الاستراتيجية / مايكل براي
- تنبّأ «البيان الشيوعي» بأزمتنا الحاليّة ودلَنا على طريق الخل ... / يانيس فاروفاكيس
- حوار مع جورج لابيكا...في العلم والتاريخ من أجل تغيير العالم / حسان خالد شاتيلا)
- سيرة ذاتية للأمل: مقدمة الطبعة العربية من كتاب ليون تروتسكي ... / أشرف عمر
- منظمة / موقع 30 عشت
- موضوعات حول خط الجماهير من أجل أسلوب ماركسي لينيني للعمل ا ... / الشرارة
- وحدانية التطور الرأسمالي والعلاقات الدولية / لطفي حاتم
- ماركس والشرق الأوسط 1/2 / جلبير الأشقر
- أجل .. ماركس كان على حق ! / رضا الظاهر
- خطاب هوغو تشافيز / فيدل كاسترو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محسن ابو رمضان - الماركسية وقضيتي الديمقراطية والحرية