أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - وليد مهدي - الماسونية و الثيوصوفيا (3)















المزيد.....


الماسونية و الثيوصوفيا (3)


وليد مهدي

الحوار المتمدن-العدد: 3428 - 2011 / 7 / 16 - 21:26
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


(1)

الماسونية كمنظومة محورية أساسية جامعة لجمعيات النخب الرأسمالية السرية حول العالم تنهج بمنهج العقائد الباطنية القديمة التي كانت تعاليمها ومعتقداتها سرية ..
سنسلط الضوء على الثيوصوفيا كعقيدة وفلسفة باطنية قديمة تعود جذورها لما قبل الميلاد وقد تفرعت منها العديد من العقائد الباطنية بل حتى الديانات الكبرى " المسيحية " و " اليهودية " و " الإسلام " و " البوذية " و " الهندوسية وجذورها الفيدية " .. ومنها سنتعرف على غموض الطقوس الماسونية وجذورها ..
حين يتعمق اي باحث في دراسة الثيوصوفيا يكتشف بان الديانات الرئيسية انما تمثل تفرعات من جذع رئيسي مركزي للعقائد الباطنية يسمى في وقتنا الحاضر حسب الروسية " هيلينا بلافاتسكي " بالــ " ثيوصوفيا " ( حسب موسوعتها الباطنية الضخمة المنشورة باسم " العقيدة السرية " في الربع الاخير من القرن التاسع عشر ) .. لكنها في الحقيقة كانت تحمل اسماء متعددة متنوعة تدور حول فكرة " الصنعة السرية " التي تجعل الإنسان متصلاً مع عالم الآلهة ( قريب جداً من " الملكوت " في المسيحية والإسلام ) ..
فدراسة الثيوصوفيا وتفكيكها وتحليلها إلى مركبات قيمية وطقسية وبحث علاقتها بالسلوك بأبعاد نفسية وعصبية علمية معاصرة مهم لأي بحث في تتبع خيوط اي عقيدة باطنية غامضة ..
وكما سنرى بما يتعلق بالماسونية ، سنجد تفسيرات واضحة جداً للعديد من الامور الغامضة التي تتعلق بالعقيدة العامة و رمزية الإشارات والعلامات الماسونية وكذلك بعض الطقوس الغريبة التي تشاع عن حدوثها وراء الابواب المغلقة في المحافل الماسونية ، وذلك عبر كشف وتحليل حقيقة الثيوصوفيا وموقعها " المركزي " المثير للانتباه من خريطة الفكر والفلسفة الإنسانية ..

(2)

تنسب الثيوصوفيا ( دين الحكمة الإلهي ) إلى امونيوس ساكاس وتلاميذه الذين انشاؤا المنهج الثيوصوفي الاصطفائي في الاسكندرية وذلك في القرن الثالث الميلادي ..
لكن جذور هذه الفلسفة او " العلم " تعود إلى الحقبة البطلمية في مصر اي ما قبل القرن الثالث الميلادي بكثير ، وإلى الكاهن المصري بت – آمون ، اي عبد الإله آمون إله الحكمة لدى المصريين ..
( لكن هذه " الصنعة " نجد لها آثاراً واضحة ايضاً لدى السومريين والبابليين حين تتحدث الرقم الطينية عن ممارسات سرية خاصة يقوم بها الكهنة للاتصال مع الآلهة ..)
ثيو Theo – تعني باليونانية الإلهي .. و صوفيا Sophia تعني الحكمة ، والمدرسة الثيوصوفية الحديثة ، و لتأثرها بلغة وخطاب الحضارة الإنسانية العصري فقد وسعت من منهج وفلسفة الثيوصوفيا وقاربته كثيراً مع مفاهيم الانسنة العصرية .. مع احتفاظها بالجوهر الاساس القديم " السراني " المتوارث ..
لهذا السبب ، هي اليوم ترى بان اصل الديانات كلها واحد ، وكذلك فردانية الإنسان هي بالأساس مسرب متصل بوحدة الكون الكلية ، وهدف الثيوصوفيا تنقية الدين البشري ليتجاوز تفرعاته الثقافية المختلفة والعودة إلى طبيعة الإنسان الاصلية المتصلة مع الحقيقة الباطنية الخفية لهذا الكون ، فغاية الثيوصوفيا كما يؤكد شراحها هي ان يصبح الإنسان واعياً مدركاً لطبيعته الحقيقية المختلفة عن طبيعته الظاهرية التي يعتقد بها الإنسان المعاصر ..
فما يعتبره البشر اليوم من قيمة " دينية " او " ثقافية " تشكل هوية خاصة ما هي إلا اوهام بنظر الثيوصوفيا ، فالطبيعة البشرية واحدة وكل البشر اخوة وهم ليسوا بكائنات مميزة منفصلة عن الكون والكائنات الاخرى ، بل هم يشكلون جميعاً مع باقي الكائنات والموجودات كياناً كلياً موحداً وان دأب الثيوصوفي هو العودة إلى طبيعة الإنسان الحقيقية المستورة المحتجبة في اعماق نفسه التي فقد الصلة بها بسبب حياته الحسية وما غلفته من قشور ولدت هذه القطيعة مع جوهره الاساس وقدراته الباطنية التي باتت مغلقة بسبب اعتماده على القدرات العقلية الموضوعية التي يقبلها الحس والعقل السطحي البسيط ..
لكن ، كيف يعود الإنسان إلى جوهره الباطني ويجعل قدراته " الروحانية " تتفتح ؟
حسب اعتقاد سراني يبرهن عليه الكهنة السرانيين عبر تطبيقات من الممارسات " السرية " الخاصة ، التي تعرف باسم " الصنعة الإلهية " أو " الثيورجيا Theorgia" ، فان نقاء الإنسان واخلاقه المثلى يمكنها ان تجعله (بمساعدة الثيورجيا ) يحض " الآلهة " او القوى الباطنية على تعليمه الاسرار الإلهية الكونية بل حتى ان تتجلى هذه الآلهة وتظهر له ككيانات مدركة ..!
( بما يشبه تجلي الله لموسى النبي ، أو جبرائيل للنبي محمد ... أو جورج واشنطن الذي شاهد ملاك الرب الذي ايده بتأسيس الولايات المتحدة الامريكية واعلان الاستقلال عن بريطانيا حسبما يذكر لنا تاريخ الجمهورية الامريكية ..)
أما اذا كان هذا الإنسان مليئاً بالمساوئ والشرور والاحقاد فإن الثيوصوفيون يعتبرون من يمارس شعائر وطقوس الصنعة الإلهية (الثيورجيا) السرية واقعاً في ما يعرف بالوساطة او استحضار الارواح الشريرة التي هي تتناغم مع سريرته الشريرة الانانية وكذلك تحوله من ممارس للانعتاق الروحي إلى مشتغل بالسحر الاسود وعبادة " الشيطان " ..!
وبصورة عامة ، الثيوصوفيا كعقيدة فلسفية باطنية ، تراهن بانها الاقوى والابقى كما يدعي روادها المعاصرين وإنها اساس كل الديانات في العالم التي لا تمثل في النهاية من الثيوصوفيا إلا تفرعات غضة قصيرة المدى ضيقة الافق من جذع الحكمة الإلهية المركزي الخالد ...
ولهذا السبب هم يرون بان كل الديانات وعلى مدى آلاف السنين تغيرت ورحلت كما تتساقط اغصان الاشجار المتيبسة فيما يبقى جذع الثيوصوفيا قائماً يتوارث المعرفة و" الصنعة " بصورة سرية لنخب ٍ " خاصة " لآلاف السنين .. وهو باقٍ حتى النهاية ..!
اما السؤال الهام عن ماهية هذه الطقوس السرية وكيف ولماذا يتم اجراءها ، فهذا ما سنتناوله بالتفصيل بعد قليل وفق تفسير عقلاني علمي ..
{{ هذا ما يمكننا اختصاره في هذا التقديم عن الثيوصوفيا ، ومن اراد الاستزادة يمكنه الرجوع إلى موقع معابر وما كتب فيه بإسهاب عنها ..}}

(3)

بعد هذه المقدمة ، قد يتبادر السؤال :
هل يمكن بالفعل وجود عمق باطني في الإنسان له مثل هذه الإمكانيات في الكشف والاتصال مع حقيقة كلية مطلقة للكون ؟؟
لعل اول ما يتبادر إلى اذهانكم ايها الاخوات والاخوة هو " الباراسايكولوجي " كظواهر تؤشر على وجود مثل هذه الاعماق ، وكذلك للمستفيضين اكثر في البحث في اسرار الثيوصوفيا يمكن ان يخطر في بالهم إن الأنبياء المعروفين في التاريخ وكذلك الروحانيين العظام مثل زارادشت وبوذا ما هم إلا " ممارسين " محترفين للثيورجيا المتوارثة بصورة سرية عبر الحضارات القديمة كبابل ومصر والهند وايران واليونان ..
فاذا ما صح وجود مذهب سراني خفي لاستنباط القوى الباطنية الكامنة في الإنسان ، فهذا يبرر لنا ما تدعيه الجماعة النورانية المعروفة بــ " الالومناتي illuminati " بانها لا تزال تحفظ الصنعة ( الثيورجيا ) وتحاول ضم عموم الثيوصوفيين المعاصرين في العالم تحت اجنحتها .. بل وتذهب ابعد من ذلك بان تعتبر مؤسسي الديانات الكبرى في العالم ( مثل بوذا و موسى والمسيح و محمد ) ما هم إلا تفرعات من العقيدة الباطنية التي تدين بها اقدم " اخوية " عبر التاريخ على حد وصفهم هم يمثلون امتدادها الطبيعي المعاصر ..!
فكما ذكرنا في المقالات السابقة بان " النورانيين " يمثلون راس الهرم الماسوني الاقتصادي – الاجتماعي ، ويعتبرون كل الديانات والثقافات الاخرى " قشور " تدين بوجودها للعقيدة الباطنية السرية التي يصعب ان نسميها بانها الثيوصوفيا " النقية " الصافية كما وصفتها هيلينا بلافاتسكي وكما كتب عنها الكسندر وايلدر في كتاب " الفلسفة الاصطفائية Eclectic Philosophy " ، ما لدى الماسونية وراسها النوراني اليوم من هذه العقيدة هو ما يناسب النزوع الاستعماري الاستعلائي بالاستحواذ والسيطرة على العالم كله واقامة ما يسمى الحكومة العالمية ..
ومثل هكذا ميول ، لا تنتقي من مذهب الثيوصوفيا إلا " الانحرافات " التي حذر منها الكهان القدامى بان من لم يكن نقي السريرة سيقع في شراك السحر الاسود واستحضار الارواح الشريرة ( حسب وجهة نظر كهان الاسكندرية القدامى ) ..
وبغض النظر فيما اذا كانت عموم " النظرية " الثيوصوفية ( لو صحت التسمية ) لها وجود ام هي مجرد خرافات ، فإن الرأسمالية المتوحشة لا يمكنها ان تكون إلا مقنعة بمثالية الثيوصوفيا ، فهي ابعد ما تكون عن النقاء والإنسانية الصافية ، هي تتعكز على " النورانية " و " الاخوية " كمفاهيم براقة ليس إلا ، وليس في هذا تجنٍ عليها ، لكن تكوين الذهنية الرأسمالية لا يتناغم مع شمولية المفهوم الإنساني وطبيعته مطلقاً ، الرأسماليون الكبار ينتمون لذهنية متقوقعة على " الانا " التي تعتبرها محوراً لذاتها ..
العقيدة الباطنية للمنظمات السرية التي يديرها هؤلاء " المستنيرون " تنطلق من فردانية جامحة Untamed Personality كما عرفناها في المقال السابق ..
فما هو راي العلم بالثيوصوفيا والاعماق الكونية الكلية للنفس البشرية ؟
ماذا تقول " عقلانيتنا " المعاصرة في كل هذا ..؟

(4)

العقلانية المعاصرة ، وعبر التحصيل المعرفي الغزير للعلم الحديث ، تجد بان هناك طاقة خيالية في ادمغتنا غير مستخدمة من قبل الفرد العادي ، حتى إن الحديث عن 98% من امكانيات دماغنا غير المستخدمة باتت معروفة حتى لدى بسطاء الوعي والثقافة ..
اذن ، تجد العقلانية نفسها امام لغز " انطواء " أو " تعطيل " نسبة كبيرة من جهد الدماغ الذي فيما لو اتيح للفرد العادي فسيكون إنساناً خارق الذكاء بالفعل ...!
فهل كانت " الثيورجيا " السرية هي التي تتيح تفتح هذه الامكانيات ، او على الاقل القليل منها لتنطوي تحت تسمية القدرات الروحية والاتصال بالآلهة والعمق الكوني الكلي الخالد للنفس البشرية ..؟؟
قد يكون من المبكر الجزم في هذا الامر ، لكن ، وبالعودة إلى فلسفة " التعطيل " التي لا يعاني منها الدماغ وحده بل حتى " الجينات " في الخلايا المتخصصة من الجسد ، حيث تغلق فعالية الجينات في اي عضو في الجسد .. عدا .. الجينات المسؤولة عن وظيفة وتركيب ذلك العضو وخلاياه ، حينها يمكننا تلمس الطريق التي تؤدي بنا إلى حل لغز الثيورجيا والطقوس الماسونية وتوضيح التبريرات التي تعلل تلك الممارسات ، فرغم ما يشاع بانها مجرد اشاعات ترمي لتشويه صورة الماسونية ، سنجد هاهنا إن مثل هذه الممارسات قد تكون ناجعة بالفعل لتفتح وتكشف عن امكانيات جديدة في محتوانا العقلي والدماغي والجيني ..!

(5)

نعيش على الارض كبشرٍ متحضرين منذ عشرة آلاف سنة فقط ..
ونعيش على الارض ككائنات تدعى الجنس البشري منذ مليوني عام ، حسبما كشفته الابحاث الانثروبولوجية في تطور الاجناس البشرية ..( ربما اكثر من هذه المدة بكثير )
هذا يعني ، ان مقارنة مليوني عام بعشرة آلاف سنة تعني إن عمر الحضارة لا يتعدى ان يكون 5% فقط من عمر وجود الجنس البشري ، ولو نزلنا اعمق في تدرج الاطوار التطورية للكائنات منذ ظهور الفقريات الاولى في البحار ( الاسماك الاولى ) نجد بان عمر الحضارة يتناقص كثيراً إلى مرتبة صغيرة بعد الفارزة ..
وهكذا نكتشف بان " مبدأ التعطيل " يكاد أن يصبح قانوناً عاماً وشاملاً لا يحدد عمل الجينات وخلايا الدماغ فقط ، بل إن " الممارسة " و " السلوك " الحيوي على الارض لنا ككائنات حية فقرية تنتمي للرئيسيات العليا Primates هي الاخرى " معطلة " في موروثنا الفطري السلوكي ..!
الكثير من تصرفاتنا اليومية هي مواريث العشرة آلاف سنة فقط ، واقصد مواريث الاجتماع واللغة والثقافة والعمل والانتاج العصريين ..
اما بقية مواريثنا " الوحشية Savage " و " الجامحة Untamed " الموروثة من الغابات والحياة البدائية لملايين السنين.. فلم نعد نستخدمها ..
نحن نعيش حياتنا ونزاول عملنا اليومي رازحين تحت " عبئ " هذا الموروث الوحشي الهمجي بمقاييس الحضارة العصرية ، فكثيرٌ منا يتصور بانه حين يجلس إلى مائدة الطعام ويتناول الشوكة والسكين ليبدأ بتقطيع " اللحم المشوي " أوالمطبوخ بفنٍ حضاري رائع ثم يتناوله بكياسة وادب ضمن قواعد من " الإتكيت " او الذوق العام ، ربما نعتقد باننا نمارس عملاً وحشياً يماثل ما تقوم به الاسود من افتراس .. إلا إن الحقيقة والبحث في تفاصيل عمليتي الافتراس بالنسبة للأسود او البشر تكشف لنا مدى " التباعد " المضطرد الذي يتحرك به المسار الحضاري الإنساني عن مركز " الجموح البري " أو " الوحشي " الاصيل المحتوى في جيناتنا وموروثنا الفطري ...!
لو راقبنا فقط جلوس الاسد وفمه المدمي فوق فريسته وهو يأكل لحمها ، وتناول إمرأة عصرية تضع احمر الشفاه لقطعة اللحم بشوكة و " برقة " انثوية ساحرة نفهم بان هذا التباعد " دائري " يتعاظم قطره .. لكنه لا ينفصل عن " محوره " الوحشي .. الجموح الاساس وإن برمزية خفية لا يفهما انسان الحضارة المعاصر لكنه " يعشقها " بقوة ممثلة في احمر شفاه الانثى ...!
إن احمر الشفاه هذا يستبدل احيانا بالوان اخرى مقاربة , لكنه يبقى " احمر " شفاه ، ويبقى علامة ً اعماقية على الموروث الفطري المتوحش الذي ندأب على ابعاده فيما يحاول الظهور عبر الرمزية او الفن ، ولعل ولع المراهقين بأفلام " الرعب " هو دليل آخر على هذا العمق الذي ربتنا حضارتنا العصرية على نبذه بل والقطيعة معه بشكل شبه تام .. إلا عبر الرمزية ..
فلا يوجد وجه شبه إلا رمزي بين إنسان الغاب الاقدم وطريقته في العيش وتناول الطعام وبين الإنسان المعاصر ، مع ذلك ، نحن البشر المعاصرين نحمل في جيناتنا ( و " الفطرة " العقلية الباطنية التي اعتقد شخصياً بوجودها كبيانات Data منفصلة عن الجينات ) كل هذا التاريخ وهذه الميول إلى درجة إن حياتنا اليوم على هذا الكوكب عبارة عن " قوائم Menus " من التعليمات المتحضرة الثقافية دينية كانت او حداثية علمانية دأبها الاساس مكافحة هذه النوازع وتهذيبها لتوائم القالب الاجتماعي الحضاري ..!
هذا هو " مبدأ التوقف Stop Principle " نفسه في الجينات ، التعليمات تصدر للجينات بان تقفل ولا تعبر عن كل مكنونها ، فقط العضو الذي ستشكله والخلية المطلوب انشائها هي التي تشتغل جيناتها ، فالجسد البشري بالنسبة للخلايا كالمجتمع بالنسبة للأفراد الذين يقومون بإيقاف النوازع الفطرية إلا التي تلائم " الكيان " الاجتماعي وموقعهم الخاص في هيكله وذوق الحضارة العام ..
السؤال الاهم الآن هو :
هل نحن نقوم بصورة مستمرة بهذا الايقاف لموروثنا الهمجي الفطري الذي يعود لأسلافنا عبر ملايين السنين ..؟
الجواب باختصار : نحن نقوم بهذا باستمرار ولكن كلما تقدم بنا العمر ، كانت سيطرتنا على نوازعنا الاعماقية اكبر ، واكثر مرحلة نشهد بها " المعركة " القاسية بين الموروث الجامح و " قوائم تعليمات " الحضارة هي الطفولة ، ما قبل البلوغ ، وبدرجة اقل فترة المراهقة ..
اما حين نصبح كباراً ، خصوصاً بعد تجاوز سن الاربعين ، فإن مواريثنا تكون قد دخلت في " سجن " النضج والعقلانية إلا اصوات يصل ضجيجها بين الحين والآخر تنفس عن صدى ضعيف لبركان مكنونها العميق جداً في اللاشعور عبر لحظات ربما من الانفعال الغريزي او الحزن الشديد بصورة مشاعر مبهمة ، غالبا ما تعود إلى عمقها الغامض المبهم من جديد حتى قبل ان نفهمها بعد ان تهدأ فورة الانفعال وتعاود " العقلانية " لف عقولنا مثل الاخطبوط من جديد ..!
ألهذا السبب ربما قال المسيح : لن تدخلوا ملكوت الله حتى ترجعوا وتعودوا مثل الاطفال ..؟؟
فعلماء السيكولوجيا لا يكفون عن التساؤل حول " الحيوية " الكبيرة التي يتمتع بها الاطفال ، ولماذا تذوي هذه الحيوية والتعلق بالحياة كلما تقدم بالإنسان العمر ؟
وما هو السبيل لإعادة هذه الحيوية الهامة جداً في مجال الصحة النفسية والجسدية على حدٍ سواء ..؟؟

(6)

قد يطول الحديث عن موضوع الحيوية وعلاقتها بانسيابية الموروث الفطري الجامح لدى الاطفال ، قد يحتاج منا شرحه كتاباً متعدد الابواب والفصول ، لكن ما اردنا تقديمه عبر هذا التمهيد ( الفقرة (5) اعلاه ) هو تبيان آلية " التوقف Stop " أو التعطيل التي نقوم بها باستمرار في حياتنا لهذا الموروث الذي اصيب بأكبر الضرر في مرحلة الطفولة ..
هذا الضرر الذي نحصل بمقابله على " تعويض " تكافئنا به الحضارة بان نكون ناجحين محترمين ومقدرين بين الناس ..!
لكن في المقابل ، نجد عبر مقابلة " خلايا الدماغ " وإمكانياتها المعطلة .. و " النفس " وجماحها المكبوحة ما يبرر " سرانية " الطقوس التي كان يمارسها الكهان القدامى .. لان المجتمع لا يقبلها , بل ويحاربها بقسوة !
فالعمل على " تحرير " الجماح الوحشية للنفس البشرية يلزم بالضرورة تحريراً لامكانيات وفاعليات الخلايا الدماغية التي تشكلت عبر ملايين السنين ونضجت افعالها لتأدية اغراض جامحة للإنسان القديم ..!
خلايا ادمغتنا لم يشكلها " رينيه ديكارت " ، ولم يربط توصيلاتها المعقدة " اسحق نيوتن " ، لم يشعل فتيل طاقتها وعملها الكهربائي " برتراند رسل " أو " كارل بوبر " ...
خلايانا الدماغية ومنظومتها المعقدة صنعتها " معاناة " اجدادنا القدامى بوجه ضغوط الظروف البيئية عبر ملايين السنين ..
من الطبيعي جداً إذن ان دماغنا لا يعمل إلا بمقدار " قيمة " حضارتنا ذات العشرة آلاف سنة فقط من عمر الحياة على هذا الكوكب التي تصل لما يزيد على الستمئة مليون عام ..!!!
فدماغنا هذا لم يتشكل جله لعصر الحضارة العصرية , النسبة الطاغية الكبرى من تشكيله تختص بالعصور الوحشية القديمة ، من الطبيعي جداً اذن ان تكون " العودة " لممارسات وحشية قديمة واعزاً سهلاً لاستثارة هذه الإمكانيات ... وهذه هي " الثيورجيا " و الصنعة الإلهية السرية التي وصلت لأيدي الماسونيين " العباقرة " و " الاذكياء " و " المتفوقين " على سواهم في عالم اليوم ، حيث يقبعون مثل كوكبٍ دري في اعلى الهرم الموجود على ظهر ورقة من فئة الواحد دولار ..!!
اذ لطالما يسأل الناس : لماذا تمارس تلك الطقوس بسرية ، ولا احد يعرف الكثير عن ماهية هذه الطقوس .. ؟
الجواب ببساطة شديدة ، لأنها تتضمن افعالاً " وحشية " غير متحضرة كان يمارسها انسان الغاب والبراري والكهوف بشكل ٍ شبه يومي ولمدة تزيد على المليون عام ، غايتها استثارة امكانيات الدماغ المتشكل عبر هذه الحقب ..
ولعل طقوس الصلوات والطواف والنذور للأولياء والآلهة .. وقرع الطبول والموسيقى كلها مواريث في " الفطرة " التي نحملها ونحاول الناي عنها بسبب " عقلانية " حضارتنا المعاصرة ، ولعل مثل هذه الطقوس تعود إلى بضعة مئات الوفٍ من السنين ( حقبة ظهور الدين ) ..
لكن ، تقاسم نخب الدم " البشري " ، او المشاعة الجنسية وتبادل الازواج والزوجات ، بل حتى جماع الاخت والابنة والام ، او افتراس الحيوانات وهي نيئة مدمية وشرب دمائها وجماع " الاطفال " او ما عرف بالبيدوفيليا .. أو عبادة " حيوانات " تمثل الجنس والقوة والسماء والارض .
( ويدلنا على علاقة الماسونية بالرموز الحيوانية ومنها رمز قرني الوعل الممثل برفع السبابة مع الخنصر في اليد وضم بقية الاصابع لباطن الكف )..
وغير هذه من مظاهر الاعتقاد والطقوس للحقبة " السحرية " ما قبل ظهور الدين ، هناك الكثير من " شناعات " بالنسبة لواقعنا الحضاري كانت افعالاً طبيعية مقبولة في عرف الانسان البدائي واسهمت في تكوين " دماغه " الذي ورثناه لا مجال لذكرها هنا .. فأقفلنا جل تفرعات خلاياه عن العمل والطريقة التي كانت تستخدم فيها ..!
هذا يفسر " سرانية " الصنعة ، ويرشدنا إلى وجهٍ قبيح جداً لا تقبله حضارتنا العصرية ..
فالموروث الفطري عميق ، ولعل طقوس العبادات اكثرها قرباً لكونها ممتدة في حقب ظهور الدين ، لكن المشكلة في تزايد شناعتها " النسبية " عند الغور اعمق في ممارسات السحر القديمة وتقديم قرابين " بشرية " للآلهة ..
فهل إن الغرف المغلقة في " لندن " أو " تل ابيب " أو " واشنطن " تحارب بهذا السلاح القديم كما كانت بابل القديمة ومصر الفرعونية ؟ وما علاقة هذا بعبادة الشيطان ؟
هذا سندرسه بالتحليل والتفكيك في المقال القادم ..

(7)

بقي ان نذكر في خاتمة موضوع اليوم بأن العقلانية Rationality كإطار جامع لمنهج العلم والتحضر الإنساني المعاصر لديها من القدرة والامكانيات على تخطي " مبدأ التوقف " على مر الزمن ..
ففي اليابان مثلاً ، بدأت بالظهور مدرسة نفسية تقدم لمرضاها طريقة فريدة بالعلاج تسمى :
العلاج بالغابات ....!
حيث يقوم طاقم متخصص بمرافقة المريض بجولات يومية في غابات طبيعية تخلصه اجواءها من الاكتئاب ..
فسماع اصوات الطيور والحيوانات المختلفة ، وشم روائح الاشجار والاعشاب ، ومشاهدة السهول الطبيعية المنبسطة والجبال الشاهقة العالية والمروج الخضراء والغابات المتشابكة الكثيفة هذه كلها شكلت غالبية تكوين البنية الجينية لخلايانا وكذلك النسق الجهازي لتشابكات منظومتنا العصبية - الدماغية على مر ملايين السنين ، ومن الطبيعي جداً ان تستثير طاقة ولو بسيطة مخزونة في ادمغتنا وتحويلها للتخلص من الكبت والاكتئاب بعد ان يصل الدماغ لمرحلة من النشاط تفوق الحالة الطبيعية التي نعيشها في غابة الاسمنت الكبرى التي تسمى المدينة ..
فالعودة للحياة الفطرية لا يلزم بالضرورة العودة إلى اعماق من الوحشية تمقتها الحضارة ..
فمثلما " يستنير " الثيورجيون بتلك الممارسات لاستخلاص التنبؤات والافكار القوية التي ربما اسهمت في تشييد الحضارات القديمة والامجاد الكبرى للحضارة المعاصرة ، هم في نفس الوقت يجرون انفسهم إلى كهف البربرية حد " الاغتراب " عن الحضارة ..
مثل هؤلاء لن يستطيعوا العيش بسلام مع الآخرين ، ويتحولون إلى متوحشين مقنعين بالعقلانية لكنهم في سرائرهم يعيشون كوحوش آدمية ترفضها الحضارة ..
( كما هو السلوك المتناقض للسياسة الخارجية الامريكية بين قمة الوحشية وقمة الإنسانية .. التي لن تهدأ حتى تحل بهذا العالم كارثة من عيار ثقيل يصعب على البشرية احتماله ..)
العقلانية ستقود الإنسانية مستقبلاً إلى ايسر الطرق التي ستفتح امكانيات ادمغتنا باقل قدر من الخسارة في العودة للحياة الاجتماعية العصرية ، ليست بالإباحية أو الجرع الدموية والقرابين البشرية وحدها تفتح الادمغة .. هناك " الصلاة " والعبادات والسياحة في اعماق البحار والغابات ..فضلاً عن امكانية تحرير الواقع الافتراضي Virtual Space في المستقبل بأدمغتنا ، و الذي من شأنه سحب الإنسان للعيش في تلك الاجواء لاعادة تشغيل دماغه قبل ان تتم إعادة دمجه بالواقع الحقيقي الحضاري المعاصر دون المساس بقابلياته على التواصل او حصول انفلات لمشاعره وقيمه وانجرارها نحو الدخول في مواجهة " خفية " مع الحضارة كما تفعل الماسونية اليوم ، هذا طبعاً ستكفله " العقلانية " والعلم الانساني الجبار الذي يمضي في خطواته قدماً إلى امام وسيهزم في النهاية البربرية وسيتفوق عليها لا محال ..
اتوقع بان العلم الحديث سيقفز نحو المستقبل لإيجاد الطرق الفضلى لاستثمار الدماغ البشري كما يفعل اليوم باستثمار الخلايا الجذعية Stem Cells التي تختلف عن بقية الخلايا بانها لا تعمل وفق مبدأ التوقف وتعطيل الجينات الجزئي ، كل جيناتها تشتغل ويمكنها الاسهام مستقبلاً في تعويض الاعضاء المعطوبة ..!
مثل هذا العمل لابد ان يشمل الدماغ يوماً للحصول على امكانيات عقلية كبرى متفوقة للفرد العادي قد تفتح اسرار " الباراسايكولوجي " أو اسراراً كونية تتيح للإنسان قهر الطبيعة بدرجة اكبر وربما حلت لنا لغز " الاهرامات " و " الجنائن المعلقة " في بابل ..
اكاد اكون متاكداً بانها ستفك شيفراتها بهيئة " آلهة " أو " عفاريت " تتجلى للرائي لتخبره عن اسرار هذا الكون الفسيح تماماً ... كما حدث لجلجامش ، الإنسان السومري واول بشري معروف في هذا العالم ، حتى لو كان هذا الرائي اكثر الناس الحاداً بين البشر ..
لابد ان يعيش لحظات الرؤيا او الانفعال العميق كراهب في معبدٍ بوذي أو عابدٍ وثني يسجد للحيوانات والاشجار ..
فالقضية حين تتعلق بالأعماق لا تخصه وحده ، بل الميراث الفطري التاريخي لمليارات مليارات البشر والكائنات قبل البشرية ، ممن مروا من هنا ، فوق خريطة جيناتنا وتشابكات خلايا ادمغتنا !!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,488,531
- الماسونية والشيعة والسلفية (2)
- الماسونية والهرم الاجتماعي - الاقتصادي (1)
- اقتصادٌ وديمقراطية ..وثورةٌ عربية !
- دولة الاساس القويم .. وهذا الجيل
- فؤآد النمري والمعضلة الماركسية (3)
- جمهورية بابل الاتحادية و عاصمتها بغداد !
- الاحلام في الثقافة الإسلامية : الرموز والدلالة
- فؤآد النمري يبحث عن سوبرمان (2)
- فؤآد النمري يبحث عن سوبرمان (1)
- نوسترداموس برؤية تفكيكية (2)
- وفاء سلطان ودروسٌ في الحرية !
- نوسترداموس برؤية تفكيكية (1)
- الإنسان و الروبوت (2)
- الإنسان و الروبوت (1)
- ولادةُ عالمٍ جديد : تعقيباً على قراءة الرفيق عذري مازغ (2)
- ولادةُ عالمٍ جديد : تعقيباً على قراءة الرفيق عذري مازغ (1)
- التجسس السايكوترونكي وتقنياته الخفية
- السيطرة على العقول ( السايكوترونك ) : توضيحات
- انظمة تشغيل المخ ...مدخل لعلم السايكوترونك ( السيطرة على الع ...
- الوجه الآخر للجنون ..


المزيد.....




- تقرير: مقتل 149 مدنيا باحتجاجات العراق الأخيرة
- ما الذي يحدث في لبنان؟
- بالصور... بيان رسمي من مطار القاهرة بشأن غرق إحدى صالات السف ...
- من أجل مستقبل مشرق... أمريكا توجه دعوة إلى كوريا الشمالية
- زلزال قوي يضرب إندونيسيا
- بريطانيا... افتتاح أول بنك للشعر في العالم
- وليد جنبلاط: رئيس لبنان صامت والمتحدث باسمه جبران باسيل الذي ...
- عالم بريطاني: لا وجود لكائنات غيرنا في الكون!
- إسبر: سأحث الناتو على رفع الإنفاق لتعزيز القدرات الدفاعية لل ...
- خبير موارد مائية لـ RT: إثيوبيا خفضت توربينات سد النهضة لوجو ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - وليد مهدي - الماسونية و الثيوصوفيا (3)