أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام غصيب - غوغول وظاهرة الرواية الروسية















المزيد.....

غوغول وظاهرة الرواية الروسية


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 3381 - 2011 / 5 / 30 - 07:25
المحور: الادب والفن
    


نيكولاي غوغول. إنه مدشن هذه الظاهرة الثقافية المذهلة: الرواية الروسية. فلئن كانت الموسيقى الألمانية هي الأفضل بالمطلق، فإن الرواية الروسية هي حتما الأفضل أيضاً. ولئن وجدت ألمانيا ذاتها القومية في الفلسفة، فقد وجدتها روسيا في الرواية. لقد حولت ألمانيا ثقافتها برمتها (موسيقاها وأدبها وسياستها وفنها التشكيلي ودينها) إلى فلسفة. أما روسيا، فقد حولت فلسفتها وعقائدها وتاريخها إلى رواية. لذلك، فإن مسرحية”المفتش العام” أعمق غورا في الوجدان القومي الروسي من فاوست غيته في الوجدان القومي الألماني، ومن شيكسبير في الوجدان القومي الإنجليزي. لقد دشن غوغول عالم الرواية الروسية وحدد فضاءها الفسيح ومنصة انطلاقها وثيماتها الرئيسية وهواجسها وأدواتها الدرامية. لذلك رأى دستويفسكي أن النثر الروسي برمته انبثق من معطف غوغول. أو، كما قال أحد النقاد الروس: “لقد صدرنا جميعا من معطف غوغول”.
لماذا وصف غوغول ” النفوس الميتة” بأنها قصيدة شعرية ؟ إنها تذكرك بدون كيخوته لسيرفانتس وبكويك لديكنز. لكن الروح الروسية تحولها إلى سحر خالص.
لقد أنتجت إنجلترا وفرنسا رواية محكمة تعبر عن نضج حضاري كبير. لكن هناك نكهة خاصة في الرواية الروسية تجعلها أقرب بكثير إلى قلب الإنسان، المثقف والعادي. إن الرواية الروسية، وبخاصة غوغول، تكسر الحواجز التي تفصل القارئ عن شخوص الرواية من الصفحة الأولى، وأحيانا من السطر الأول. انظر مثلاً الطريقة التي يبدأ بها غوغول روايته العظيمة ” النفوس الميتة”. إنه يدخلك إلى عالم روايته، بل إلى قلب هذا العالم، من دون مقدمات ومن دون تعقيدات. لكنه لا يفعل ذلك بالتهويل أو المخيال المفرط ولا بالوصف المفصل المرهق للمخيال، وإنما بواقعية طبيعية تقتصد بالوصف والتفصيلات وتبرز مشهداً عاديا نمطيا يمكن بسهولة أن يتكرر يوميا من دون أن يثير انتباه أحد. لكنه يربطه منذ البداية، بصورة عفوية وطبيعية، بموضوع الرواية: نظام القنانة واستغلاله المالي. وهذا الربط العفوي، الذي يكاد أن لا يلحظ البتة، يشحن الرواية منذ البداية بتوتر درامي ينبئ بما سيأتي لاحقاً من توتر درامي مؤلم بين الكوميديا والتراجيديا في هذه الكوميديا التراجيدية.
إن الرواية الروسية تكسر الحواجز بين القارئ والشخوص لأنها تكشف عن القيمة المطلقة للإنسان حتى في أحط الشخوص وأكثرها اغتراباً وبؤساً وأشدها مثاراً للسخرية. إنها تكشف عن الجوهر الإنساني حتى في أحلك زوايا النفس والمجتمع. وهي تثير فيك الشفقة والتعاطف والاهتمام والطرافة حتى بإزاء مجنون” مفكرة مجنون” ودجال محترف مثل تشتشيكوف، “بطل رواية” النفوس الميتة”. وهي في الواقع تؤنسن كل شئ تمسه مثل ميداس . فهي لا تكتفي بأنسنة الفرد البشري المعذب والمضحك والمغترب، وإنما تؤنسن أيضا الأشياء والطبيعة. انظر مثلا مشاهد الصيد في “الحرب والسلم” “وآنا كاريننا” لتولستوي، والمشاهد التي يصف فيها تولستوي الحيوانات. إنه يؤنسنها إلى حد أنك تخالها شخوصا بشرية نابضة. إن غوغول لا يرحم في سخريته. لكنها سخرية حارة مؤنسنة، وليست سخرية باردة مشيأة ، كما هو الحال في الأدب الإنجليزي والفرنسي. وإذ ترتفع وتيرة سخرية غوغول اللاذعة، يرتفع منسوب الشفقة والأنسنة،فتجد نفسك مدفوعاً إلى الضحك والبكاء المر في آن. ونلحظ ذلك بجلاء في رد فعل شاعر روسيا الأكبر، ألكساندر بوشكين، حين قرأ له غوغول فصولا من رواية “النفوس الميتة” قبيل موت بوشكين. إذ علق الأخير: ” لكم هي حزينة بلادنا، روسيا” .
إن الرواية الروسية التي دشنها نيكولاي غوغول هي مدرسة في الأنسنة ومقاومة الاغتراب وصقل الروح البشرية. إنها مدرسة الأنسنة بامتياز، فيض الأنسنة الذي يذكرنا باللحظات الدينية النادرة في التاريخ: لحظة غوتاما البوذا، ولحظة يسوع المسيح، ولحظة محمد بن عبدالله. وبالفعل، فإن هناك نزعة دينية وفلسفية عميقة الغور في الرواية الروسية لا نجد مثيلا لها في أي شكل أدبي آخر. وبالطبع، فإنها دينية ليس بالمعنى العصبوي الطائفي الظلامي السائد، وإنما بمعنى الشعور بمعجزة العالم وقيمة الإنسان المطلقة، ذلك الشعور الذي نجده في اللحظات النادرة المذكورة، ولا نجده في الأتباع والملل. لذلك، فإن الرواية الروسية لها وقع ثوري على النفوس الحية. إنها لا تترك القارئ على حاله، وكما كان عليه حاله قبل فعل قراءتها. إنها محرك تحويلي يقلب نفس القارئ رأسا على عقب، ويحدث قفزة كونتمية فيها تنقلها من حالة الإغفال والنسيان والاغتراب والمحدودية إلى حالة لانهائية من الإدراك وعودة الروح إلى الروح. إنها مصدر تحولات روحية لا نجد مثيلا لها إلا في النصوص الدينية العظمى. لذلك، فإني أدعو المربين والتربويين إلى اعتماد الرواية الروسية أداة لبناء الوعي المؤنسن المنفتح على لانهائية الطبيعة والإنسان. ولا عجب أن عول غوغول على روايته ” النفوس الميتة” لتحويل روسيا وحل إشكالاتها وتوفير سبل خلاصها. ولربما دفعه الإخفاق في ذلك إلى إتلاف الجزء الثاني من هذه الرواية العظيمة، تمهيداً لموته المؤلم المثير للحيرة. لكنه لم يخفق تماماً . فلئن أخفقت الرواية الروسية في تحقيق خلاص روسيا، فإنها أفلحت تماماً في توفير بلسم لروح الفرد وأداة لخلاصها واستعادتها إنسانيتها المفقودة. ولعل هذا الدور الخلاصي للرواية الروسية نجده يتكرر بعد غوغول في جل العمالقة الذين جاءوا بعده: دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وغوركي. وبهذا المعنى أيضا، فإن الرواية الروسية تذكرنا بالنصوص الدينية الكبرى. أو، ربما، وكما ألمحت سابقا، فإن الروس حولوا كل شيء لديهم، حتى الدين، إلى رواية، تماما كما حول الألمان كل شيء لديهم، حتى الموسيقى، إلى فلسفة.
إن هذا الشعور الدفين لدى الروائيين الروس العظام بأنهم أصحاب رسالة قومية ورسالة عالمية، بأن رواياتهم ليست مجرد صروح فنية، وإنما كلمات حق قادرة على خلاص روسيا والبشرية – هذا الشعور الغامر يطغى على الرواية الروسية في جميع مراحلها ويميزها بجلاء عن غيرها من صنوف الأدب العالمي. لقد كانت رواية ” النفوس الميتة”، عندما بدأ غوغول كتابتها عام 1834، مجرد كوميديا تعبر عن الضحك المكبوت الذي كان يخنق روح غوغول. لكنها سرعان ما بدأت تكتسب طابعا قوميا شاملاً، حتى إن غوغول خاطب الشاعر الروسي جوكفسكي: “أقسم أني سأفعل شيئا لا يقدر على فعله الإنسان العادي. إني لأشعر بقوة أسد في روحي”. وفي هذا السياق، فقد كانت تتملكه لحظات عارمة من الوحي الخلاق في أثناء كتابته هذه الرواية، والتي استغرقته قرابة السنوات الثماني (1834-1842). ويذكر غوغول في هذا المقام كيف دخل ذات يوم فندقا بائسا على قارعة طريق بين قريتين إيطاليتين، وكيف شعر، وهو في صالة الفندق الصاخبة بقرقعات البلياردو، بالحاجة الملحة إلى الكتابة. فما كان منه إلا أن لاذ بزاوية من الصالة وأخذ يكتب ويكتب، غارقا كليا في عالم الرواية، ناسيا ما حوله من صخب وبشر، حتى أكمل فصلا كاملاً عده فيما بعد ذروة عمله الإبداعي.
وتحولت روايته العظيمة من مجرد كوميديا صاخبة عديمة الهدف إلى صورة بانورامية لروسيا النصف الأول من القرن التاسع عشر. لكنها سرعان ما تحولت إلى فعل خلاصي مسياني (نسبة إلى المسيا المخلص). إذ بدأت تأخذ في نظره عملاً ذا رسالة خلاصية مسيانية وأداة زودته بها الذات الإلهية من أجل تحقيق الخلاص المسياني لروسيا والعالم، حتى إنه كتب عام 1841: “أرى بجلاء إرادة الله المقدسة . فمثل هذه الأفكار غير ممكنة بشريا. لا يمكن أن يفكر إنسان بمثل هذه الأفكار” . ونشأت لديه الفكرة الغريبة أن روسيا برمتها تنتظر بفارغ الصبر أن يكشف طريق خلاصها عبر الغوص فنيا في عمق أعماق روحها السلافية. واعتقد أنه بدأ يلامس ما أسماه “سر وجوده”، المتمثل بالكشف عن طريق خلاص روسيا، بالجزء الأول من النفوس الميتة” ، الذي نشره عام 1842، وهو الجزء الوحيد الكامل المتبقي لدينا. واعتقد أن هذا الجزء لن يكون سوى مقدمة عابثة صغيرة للجزئين الثاني والثالث اللذين سيكشفان عن السر. لقد رفع سقف مرماه إذ بنى عمله الخالد ، فارتفع هذا السقف أسيا صوب اللانهاية حتى بات الوصول إليه مستحيلا ، الأمر الذي عطل إبداعه وطاقة الخلق لديه ودفعه إلى القنوط فالعزلة والتقوقع والتصوف الفردي. وقاده ذلك إلى الانهيار العصبي عام 1845، فحرق المخطوطة الأولى للجزء الثاني. بعد ذلك عاد إلى استئناف عمله على الجزء الثاني. لكنه وقع آنذاك تحت تأثير كاهن متعصب ظلامي، اسمه الأب ماثيو، ما لبث أن أقنعه بأن أدبه ليس سوى كفر وفساد، الأمر الذي قاده إلى حرق المخطوطة الثانية من الجزء الثاني قبل ثلاثة أسابيع من موته عام 1852. وبعد حرقه المخطوطة، لاذ بفراشه، رافضا الطعام، حتى وافته المنية بعد بضعة أيام من الآلام المبرحة.
لقد مط الروائيون الروس الرواية إلى حدودها القصوى لكي تسع عالمهم الثقافي من فلسفة ولا هوت وشعر وسياسة ، الأمر الذي أرعب كثيراً من النقاد الغربيين ( ماثيو آرنولد مثلاً) وعدوا الرواية الروسية خالية من الشكل وتعبيراً عن بربرية الروس وفوضاهم.أجل! لقد مطوا الرواية إلى حدودها القصوى. وعندها وصلوا هذه الحدود ولم يستطيعوا تخطيها، كفروا بالرواية وشجبوها وأتلفوا إبداعهم الروائي (كما في غوغول) أو أوقفوه (كما في تولستوي). لقد تمرد الروائيون الروس على الشكل الأدبي الذي خدمهم طويلاً وحققوا عبره مجدهم وعبقريتهم الفذة، ربما لأن روحهم الوثابة كانت أكبر من أن يسعها أي شكل محدد.
وأود أن أختم مداخلتي هذه بإيراد نقطتين؛ أولاهما تتعلق بالجوهر النقدي لأدب غوغول، والثانية تتعلق بخصوصية الواقعية الروسية.
نلاحظ أولا أن الرواية الروسية لا تعبر عن أفكار مبدعيها وآرائهم الظاهرة، وإنما تشكل كيانا حيا نابضا بالحياة له منطقه الخاص وآلياته الداخلية بمعزل عن آراء مبدعيه ومعتقداتهم . إن شرعية الرواية الروسية لا تنبع من شرعية آراء الروائيين الروس، وإنما من جمالياتها الخاصة ومن منطقها الداخلي. لذلك نجد الرواية الروسية في كثير من الأحيان تناقض تماماً الوعي الظاهر لخالقها . هذا ما نلحظه بجلاء في دستويفسكي، الذي يشكل أدبه أبلغ نقد وأعمق نقد للفكر الديني، برغم فكره الظاهر المحافظ والملتزم بفكر ديني متزمت وظلامي. كذلك الأمر مع غوغول الذي كان يؤمن بنظام القنانة الروسي وظن أن أزمة هذا النظام لا تنبع من ذاته، وإنما هي أزمة أخلاقية بحتة. لكن أدبه جاء أبلغ نقد وأعمق نقد لهذا النظام الشنيع وللبيروقراط الإقطاعي برمته. إن “النفوس الميتة” لهي إدانة متواصلة ومركزة لنظام القنانة. كما إن “المفتش العام”، بسخريتها اللاذعة، تعري تهافت البيروقراط الإقطاعي وتفاهته وفساده ولاعقلانيته ولاشرعيته. ومع ذلك، فإن براعة غوغول الفائقة في السخرية الكوميدية جعلت المجتمع الروسي المهيمن عليه الإقطاع الشرقي آنذاك يتقبل هذه السخرية، لا بل يطرب ويتحمس لها. ويقال إن قيصر روسيا آنذاك، الطاغية المحافظ نيقولا الأول، كان حاضراً عندما عرضت المسرحية الساخرة على المسرح للمرة الأولى عام 1836، وأنه قهقه ضاحكا قائلاً: “إنها تمس الجميع، وأنا في المقام الأول “. وأمر مساعديه بتخصيص مبلغ من المال مكافأة لغوغول على هذا العمل العظيم ، لكنه أوعز إليهم ألا يبوحوا له بمصدرها، حتى لا يجد نفسه مضطرا للكتابة من المنظور الرسمي. حقا إن هذا الطاغية الروسي عام 1836 كان متقدما جدا على طغاة الوطن العربي عام 2009 ، والذين لا يطيقون البتة خروج أي مثقف عن النص الرسمي .

وعلى أي حال، فقد أقدم القيصر الإسكندر الثاني على إلغاء نظام القناتة في روسيا عام 1860، أي بعد وفاة غوغول بثماني سنوات. فهل كان لأدب غوغول، وبخاصة “النفوس الميتة” ، أثر على هذا القرار؟ لسنا ندري. لكن ما نعرفه هو أن تنفيذ القرار جاء منقوصا وهاضما لحق الفلاحين. لذلك فقد عزز سلطة القيصر ونفوذ النبلاء وحلفائهم من البرجوازيين الكبار. وفي النهاية ما كان في مقدور قرارات القيصر ولا أدب غوغول أن تمحو عار روسيا الإقطاعي، وإنما احتاج الأمر إلى ثورة عارمة بقيادة عمال روسيا وزعيمهم العملاق، فلاديمير لينين.
أما النقطة الثانية، فهي تتعلق بالواقعية الروسية، التي دشنها نيكولاي غوغول، وخصوصية هذه الواقعية. ومن المفيد أن نستذكر هنا التصنيف الذي وضعه منظر الواقعية الأكبر، الفيلسوف المجري، جورجي لوكاتش. إذ صنف لوكاتش الواقعية الأوروبية إلى ثلاثة أصناف رئيسية: الواقعية النقدية والطبائعية والواقعية الاشتراكية. ومن الواضح أن لوكاتش تحمس أكثر ما تحمس للواقعية النقدية وممثليها الكبار في القرن التاسع عشر (بلزاك وستيندال وتولستوي) وممثلها الأكبر في القرن العشرين (توماس مان). ورأى لوكاتش أن تفوق الواقعية النقدية على الطبائعية (زولا وفلوبير) يكمن في أن النص الروائي الواقعي النقدي يكتب من منظور المشارك المنخرط في صراعات عصره وهمومه، لا من منظور المتفرج الحيادي، كما في الطبائعية . كما إن الطبائعي يعد الواقع الاجتماعي أتفه من أن ينخرط فيه وينأى بنفسه عنه ويراقبه من بعيد باشمئزاز وقرف. لذلك فهو يغرق في التفصيلات السطحية الفوضوية ويضفي عليها وحدة خارجية مصطنعة. أما الواقعي النقدي، فإنه ينقد الواقع من منظور قوى التغيير والتقدم فيه، كاشفا عن وحدته الحقيقية الداخلية. لذلك عد لوكاتش أدب بلزاك وستيندال متفوقا جماليا وفنيا ومعرفيا على أدب فلوبير وزولا.
ولنطبق هذا التصنيف على الرواية الروسية، كما فعل لوكاتش نفسه. وأعتقد أن لوكاتش أخفق بعض الشيء في ذلك، وأدخل نفسه في بعض التناقضات حين تناول أدب دستويفسكي بصورة خاصة . وفي ضوء ذلك، فإني أعتقد أن فهمنا الواقعية الروسية يظل منقوصا ما لم نضف إلى تصنيف لوكاتش صنفا رابعا أسميه الواقعية الحضارية. فلئن كانت اللبنة الأساسية في الواقعية النقدية هي ما أسماه لوكاتش الأنموذج أو النط الاجتماعي Social Type، الذي يبرز العام الاجتماعي في عيانيته الزمنية التاريخية، ويظهر الجوهري عبر العرضي، فإن اللبنة الأساسية في الواقعية الحضارية هي الأنموذج أو النمط الحضاري Cultural Type ، الذي يعكس عبر صراعاته وصداماته أزمة حضارة برمتها تنخر جسد هذا الحضارة في نشوئها وازدهارها وأفولها. وهذه الأنماط الحضارية هي كائنات حضارية تنبض واقعية وكأنها مصنوعة من لحم ودم، وإن كانت رمزية في صميمها، حيث إنها لا تجسد واقعا حياتيا آنيا بقدر ما تجسد واقعا حضارياً أو بنية ثقافية معينة. فهي تجسيدات واقعية لبنى وأفكار ورموز ثقافية تومئ إلى المستقبل بقدر ما تمثل سيرورة الحاضر وتنبع من أعماق الماضي. ولا تنبع واقعيتها من كونها أنماطا اجتماعية ، تلخص جوهر طبقات وفئات اجتماعية عيانية زمنيا، بقدر ما تنبع من كونها ذوات اجتماعية ممكنة، لكن غير محتملة، تجسد نزعات حضارية ثقافية غائرة في قلب الحضارة المعنية. فهي إذاً رموز واقعية تنبض حياة اجتماعية وتكشف جانبا من تناقضات البنية الحضارية الثقافية بماديتها العيانية . فأنت لا تشك لحظة واحدة في واقعية إيفان كرامازوف مثلاً من حيث إمكانية وجود أمثاله أو ربما أطيافه تحت ظروف اجتماعية معينة. لكنك تدرك في الآن ذاته أنه رمز، عيانــي (إن شئت) ، للإلحاد الوجودي، الذي يمثل نزعة رئيسية من النزعات الحضارية الثقافية في الحقبة الحديثة. وقل الشيء ذاته عن ستافروغين (بطل رواية “الشياطين ” لدستويفسكي)، الذي يمثل النزعات الثورية العدمية الانتحارية في الحضارة الحديثة، وليفركين (بطل رواية ” الدكتور فاوستوس” لتوماس مان)،الذي يمثل ما آلت إليه العبقرية الألمانية من انحراف في العصر النازي ، وسفيدريغايلوف ( أحد أبطال “الجريمة والعقاب” لديسويفسكي)، الذي يمثل نزعة الملل الميتافيزيقي الحضاري المدمرة في الحضارة الحديثة . وبرغم واقعيتهاالجلية ، فإنك تشعر أن هذا النماذج الحضارية تختلف بصورة بينة عن آنا كاريننا أو فرونسكي أو دولي أو كيتي أو ألكسي ألكساندروفيتش (من “آنا كاريننا” لتولستوي) أو عن نتاشا أو أناتول أو إلين (من “الحرب والسلام” لتولستوي) أو شخوص بلزاك أو ديكنز. وتكاد أن لا ترى شخصية واحدة لدى دستويفسكي لا تندرج ضمن هذا الصنف . هناك بالطبع شروط وظروف اجتماعية حضارية لنشوء الواقعية الحضارية، لكن الظرف والوقت لا يسمحان بتناولها الآن. وقد أتناولها في مناسبة أخرى.
أكتفي بهذا القدر ، وإن كان لا يفي غوغول ذرة من حقه علينا . فغوغول هو مدشن هذه الظاهرة الروحية العظيمة ، الرواية الروسية، التي تقف شامخة، في الحضارة الأوروبية، جنبا إلى جنب مع التراجيديا الإغريقية والدراما الشيكسبيرية والموسيقى الكلاسيكية الألمانية.
Cancel Reply





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,524,077,570
- أفول الكون البلوري
- شبح اللانهاية
- الماركسية هي نقيض الصهيونية
- دفاعاً عن الماركسية
- لغز الكتلة
- محنة المادية اليوم
- فجر العقل الجدلي
- من فلسفة الثورة إلى علم الثورة
- نحن وعقيدة التنوير
- المكان بوصفه مادة
- تميز العقلانية المادية
- مشروعنا الفلسفي
- هندسة ريمان
- المعزى التاريخي للحضارة العربية الإسلامية
- من الفلسفة إلى علم الإنسان
- فلسفة ماركس
- سمير أمين مستغرباً
- هشام غصيب في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: من الثورة ا ...
- جدل العلم والثورة
- الفلسفة والجماهير


المزيد.....




- بن إسماعيل.. مصور مراكش الثقافية والفنية منذ ثلاثة عقود
- الأمير مولاي رشيد يستقبل الدوق الأكبر ولي عهد اللوكسمبورغ وع ...
- «الخارجية الفلسطينية» تستدعي نائب رئيس الممثلية الأسترالية ع ...
- الفنان التشكيلي المغربي المهدي قطبي
- -قلب خساية-... بشرى تحذف سخريتها من فستانها في -الجونة السين ...
- مصر.. بلاغ عاجل للنائب العام لسحب الجنسية المصرية من الفنان ...
- موسيقار مصري يخاطب الشاعر الراحل صلاح جاهين
- مهرجان المسرح الأمازيغي بالحسيمة يكرم الفنانة المقتدرة سعاد ...
- زمن العرب في صقلية.. رحلة الشعر من ظلال الأمراء إلى بلاط الن ...
- -تبييض السينما-.. لماذا ترفض هوليوود اسم -محمد- في فيلم بميز ...


المزيد.....

- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هشام غصيب - غوغول وظاهرة الرواية الروسية