أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - لغز الكتلة








المزيد.....

لغز الكتلة


هشام غصيب

الحوار المتمدن-العدد: 3368 - 2011 / 5 / 17 - 00:23
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


أبرز الفيزيائي النمساوي إرنست ماخ في نهاية القرن التاسع عشر إمكانية الإطاحة بمفهوم المكان المطلق النيوتوني باعتبار القوى القصورية جاذبية الأصل والمصدر. وعلى هذا الأساس، وضع ألبرت آينشتاين نصب عينه مهمة بيان ذلك، وإقامة نظرية مجالية في الجاذبية على هذه القاعدة. وفي هذا السياق، لاحظ آينشتاين ببصيرته الثاقبة دليلاً قويا على الأصل الجاذبي للقوى القصورية يتمثل في علاقة تبدو تافهة وكانت معروفة منذ غاليليو ونيوتن. ومع أن هذه العلاقة كانت معروفة لدى علماء أوروبا مذاك، إلا أنهم لم يعيروها اهتماما كافيا ولم يدركوا مغزاها الكوني، كما فعل آينشتاين. وهذا يشير إلى أن جوهر الممارسة العلمية لا يكمن في تنظيم القراءات والبيانات التجريبية في علاقات تجريبية، كما يدعي أصحاب المدرسة الوضعية في فلسفة العلم، وإنما يكمن في قراءة معنى العلاقات والانتظامات التجريبية والاستدلال عليه على أساس تكوينات وتصورات نظرية معينة.

إن الظاهرة التي اعتبرها آينشتاين مفتاحاً لحل تناقضات النسبية والجاذبية هي ظاهرة سقوط الأجسام على سطح الأرض بالتسارع ذاته، بغض النظر عن كتلها، إذا أهملنا مقاومة الهواء. هذه الظاهرة، التي اكتشفها غاليليو في معرض محاولته دحض نظرية أرسطو في الحركة، أثارت حيرة آينشتاين، برغم أنها ظلت تعتبر من البديهيات العادية لمدة ثلاثة قرون متوالية قبل آينشتاين. ولعل مرد هذه الحيرة كان إلى نظر آينشتاين إلى هذه الظاهرة من منظور نظرية المجال الكهرمغناطيسي، وإلى مقارنة هذا السلوك للجاذبية مع السلوك المناظر للمجال الكهرمغناطيسي. إذ إن تسارع الأجسام المشحونة كهربائيا في المجال الكهرستاتيكي مثلاً يعتمد بصورة جلية على كتلها. ولكن، ماذا يعني بالضبط هذا الفرق بين الجاذبية والكهرمغناطيسية؟

الحق أن أساس المسألة يكمن في التمييز الذي بدأ علماء نهاية القرن التاسع عشر يجرونه بين ما يسمى الكتلة القصورية وما يسمى الكتلة الجاذبية. ونعني بالكتلة القصورية تلك الكتلة المسؤولة عن مقاومة الأجسام لتغيير حالتها الحركية، وهي الكتلة التي تظهر في قانون نيوتن الثاني الذي ينص على أن القوة المؤثرة تساوي حاصل ضرب الكتلة (القصورية) بالتسارع. أما الكتلة الجاذبية، فهي تلك الخاصية المادية التي تولد التفاعل الجاذبي وتجعل الأجسام تتأثر به. وليس هناك سبب منطقي لأن تتساوى هاتان الكتلتان أو الخاصيتان. فالعلاقة بين الكتلة القصورية والكتلة الجاذبية لا تختلف منطقيا عن العلاقة بين الكتلة القصورية والشحنة الكهربائية. ومع ذلك، فإن هاتين الكتلتين تتساويان إلى حدّ مذهل من الدقة، في الوقت الذي تنعدم فيه الصلة المباشرة بين الكتلة القصورية والشحنة الكهربائية. ذلك أن كون الأجسام تسقط على سطح الأرض بالتسارع ذاته يدلّ بوضوح على أن الكتلة القصورية تساوي الكتلة الجاذبية بصورة تامة. وبالفعل، فقد أجرى العالم المجري، البارون فون إيتفيس، تجربة دقيقة عام 1889 بين فيها تساوي الكتلتين ضمن هامش من الدقة بلغ واحداً في المائة مليار. وقد دفع هذا التساوي التام آينشتاين إلى التساؤل: لماذا تتساوى خاصية تخص الوزن مع خاصية تخص القصور الذاتي، أي قدرة الجسم على مقاومة التغير في حالته الحركية؟ إن الكتلة الجاذبية هي بمثابة شحنة جاذبية تولد المجال الجاذبي. والسؤال هو: لماذا تتساوى الشحنة مع الكتلة القصورية في حال الجاذبية، ولا تتساوى في حال الكهرمغناطيسية؟ ألا يدلّ ذلك على وجود علاقة عضوية بين القصور الذاتي والجاذبية؟ بل ألا يدعم ذلك مبدأ ماخ، الذي ينص على أن القوى القصورية (الوهمية) جاذبية المصدر؟ ألا يعدّ ذلك دليلاً واضحاً على صحة مبدأ ماخ، ومن ثم على انطباق مبدأ النسبية العامة على الوجود المادي؟

إن القوى القصورية تشترك مع قوة الجاذبية في أن تسارع الأجسام تحت تأثير أي منها لا يعتمد على الكتلة، أي أن الأجسام جميعا تتسارع بالتسارع ذاته تحت تأثيرها. فإذا اعتبرنا الكتلة القصورية الشحنة التي تولد القوى القصورية، فإن تساوي الكتلة القصورية والكتلة الجاذبية يعني أن شحنة واحدة تولد القوى القصورية وقوة الجاذبية. وهذا يعني أن هذه القوى، التي تبدو مختلفة ، تنتمي إلى المجال ذاته ، أي أنها أشكال مختلفة للمجال ذاته . وهو يعني أيضا أنه يمكن تحويل القوى القصورية إلى قوى جاذبية ، والعكس بالعكس ، بتغيير مرجع الإسناد . فما يظهر في مرجع إسناد على صورة قوة قصورية قد يظهر في مرجع إسناد آخر على صورة قوة جاذبية ، تماما كما هو الحال مع الكهرمغناطيسية . فما يظهر على شكل قوة كهرستاتيكية في مرجع إسناد ، قد يظهر على صورة قوة مغناطيسية في مرجع إسناد آخر . ومثلما أننا نعتبر هاتين القوتين مظهرين مختلفين للمجال الكهرمغناطيسي ، فعلينا اعتبار القوى القصورية وقوة الجاذبية مظاهر مختلفة لمجال جاذبي عام . ومثلما أن معادلات ماكسويل في الكهرمغناطيسية تطيع مبدأ النسيبة الخاصة ، فإننا نتوقع معادلات آينشتاين في الجاذبية أن تطيع مبدأ النسبية العامة .






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محنة المادية اليوم
- فجر العقل الجدلي
- من فلسفة الثورة إلى علم الثورة
- نحن وعقيدة التنوير
- المكان بوصفه مادة
- تميز العقلانية المادية
- مشروعنا الفلسفي
- هندسة ريمان
- المعزى التاريخي للحضارة العربية الإسلامية
- من الفلسفة إلى علم الإنسان
- فلسفة ماركس
- سمير أمين مستغرباً
- هشام غصيب في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: من الثورة ا ...
- جدل العلم والثورة
- الفلسفة والجماهير
- الشيوعية وفخ الوجودية
- المغزى النهضوي للفلسفة
- الاستغراب وتحدي الحداثة
- تميز العقلانية الماركسية
- علمنة الوعي


المزيد.....




- الدبيبة أمام متظاهرين لدعم الحكومة الليبية : سنبني جيشا واحد ...
- تونس.. حزب العمال يبدأ مشاورات لتشكيل جبهة ضد -استبداد سعيّد ...
- استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي ...
- طلاب الاشتراكي بالعاصمة صنعاء ينفي التنسيق مع اي مكون لإقامة ...
- طائرة قادمة إلى موسكو من فاراديرو الكوبية تصطدم بسرب من النس ...
- فلسطين: احتمالات التصعيد العسكريّ
- جيف بيزوس يتبرع بمليار دولار للمساعدة في حماية البيئة
- وكالة حماية البيئة الأميركية تقرّ خفض إنتاج استخدام مركبات ا ...
- الأمين العام لحزب العمال التونسي: ما فعله سعّيد لم يفعله لا ...
- -زواج المثليين- و-ضريبة على الأغنياء- في صناديق الاقتراع


المزيد.....

- الرّئيس غونزالو: حرب الشّعب / حزب الكادحين
- كتاب لينين -المادية ومذهب النقد التجريبي- ونظرية المعرفة الم ... / مالك ابوعليا
- مقدمة كتاب تاريخ الفلسفة: منظور ماركسي / آلان وودز
- في عام الذكرى 150 لميلادها / أربعة محاور هامة في عمل روزا لو ... / رشيد غويلب
- حول استمرار الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا / الشرارة
- - تصنيع - الإستغلال الجنسيّ و العولمة الإمبرياليّة و النزول ... / شادي الشماوي
- أفغانستان: نهاية الاحتلال / سيد صديق
- بعض جوانب دراسة التاريخ الاجتماعي (السيكولوجيا الاجتماعية ال ... / مالك ابوعليا
- الإمبريالية الكينزية الجديدة في زمن الوباء: فهم ومحاربة حكوم ... / تامر خرمه
- الاستقلال السياسي للطبقة العاملة: دروس من السنوات الأولى للح ... / طارق فوزي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام غصيب - لغز الكتلة