أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - نادية حسن عبدالله - الآثار النفسية والسلوكية والتعليمية والاجتماعية لممارسات الأنظمة العربية ضد الأطفال خلال الثورات العربية






















المزيد.....

الآثار النفسية والسلوكية والتعليمية والاجتماعية لممارسات الأنظمة العربية ضد الأطفال خلال الثورات العربية



نادية حسن عبدالله
الحوار المتمدن-العدد: 3364 - 2011 / 5 / 13 - 00:30
المحور: حقوق الاطفال والشبيبة
    


تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على الآثار النفسية والسلوكية والتعليمية والاجتماعية لممارسات الأنظمة العربية ضد الأطفال خلال الثورات العربية.

إن الآثار النفسية للحرب -أي حرب- تظل جاثمة على نفوس المتضررين المباشرين منها، وتمتد لتطال أولئك المتسمرين أمام الشاشات يراقبون ما يحدث لأبناء جلدتهم. ولما كان الإنسان البالغ قادراً على فهم أبعاد ما يحدث، فإن الطفل المتعرض للعنف أو المشاهد له يتأثر به وينفعل معه دون أن يدرك أسبابه ولا أبعاده، ولأهمية مرحلة الطفولة في حياة الإنسان وبناء شخصيته.

مع بدء الثورات والاحتجاجات في الدول العربية والتي نتج عنها درجة كبيرة من العنف، فإن العديد من الأطفال كانوا يواجهون تحديات تتعلق بصحتهم وسلامتهم إلا أنهم الآن في خطر أكبر بسبب الاحتجاجات والمواجهات التي تسود المنطقة التي تحولت في بعض البلدان إلى قتال بين الحكومة وقوات المعارضة.

أن الصراع الدائر في ليبيا أودى بحياة العديد من الأطفال، وحرم العديد منهم من احتياجاتهم الأساسية، ففي مصراته وحدها قتل على الأقل 20 طفلا وجرح عدد لا يحصى، كما أن التقارير عن استخدام القنابل العنقودية تبعث على القلق الشديد.

وقد أشارت العديد من الصحف إلى التحاق أطفال ليبيا في ركب الثورة الشعبية الساعية لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي، وتحدثت عن الروح القتالية ومشاعر الحماسة التي يتحلى بها المراهقون والأطفال الليبيون الذين التحقوا بصفوف الثوار وحملوا السلاح. ووصفت الصحف بعض المنضمين إلى الثوار بأنهم أطفال ومراهقون ليبيون منخرطون في ميدان المعارك، يحاولون إخفاء عمرهم الحقيقي. وفي لقاء أحد الصحف مع الثائر الصغير على عبد الكريم في رأس لانوف الليبية، " قال أنه يبلغ من العمر 14 عاما، وأنه غادر بيته في بنغازي دون أن يخبر والدته، معربا عن أمله بأن تتاح له الفرصة في مواجهة كتائب القذافي". والتحق عشرات المراهقين الليبيين خلال شهر آذار/مارس 2011 م بالثورة الشعبية، في محاولة من جانبهم لمساعدة الثوار، وحيث يندفع صغار الثوار إلى الحصول على رشاشات كلاشنكوف وإلى تمكينهم من التقدم إلى جبهات القتال.

ثائر صغير آخر هو جمعة عطية (15 عاما) التحق بالثورة بعد أن غادر بلدته قرب بنغازي دون أن يحمل سلاحا ودون أن يخبر عائلته، وشبان ليبيون آخرون التحقوا بالثورة وهم يحملون سكاكين مثل محمد العقيلي ويوسف فرقوي (17 عاما) الذي أوضح أنه قال وداعا لوالدته في بنغازي، وسط مشاعر الحماسة والغضب بضرورة الالتحاق بالجبهة في رأس لانوف. ان هؤلاء المراهقين الليبيين الذين يلتحقون بالثورة الشعبية، يعبرون عن مشاعر الشجاعة وعدم الخوف في سبيل الحصول على الحرية وإسقاط النظام.

في ظل الحرب القائمة بين ثوار الشعب الليبي والكتائب الموالية لمعمر القذافي، يكافح أطفال البلد من أجل التعايش مع العنف. وخلال تنظيم معهد فني في بنغازي، قال الأستاذ/ عمر أحمد العبار مدير مدرسة طيبة المنورة وأحد أعضاء اللجنة المكلفة بالإشراف على المعهد الفني "لاحظنا تغيرا في رؤى الأطفال وتخيلاتهم. مؤخراً رسم طفل مُعمّر يصعد دبابة ويقصف مسجدا، في حين كان الأطفال سابقاً يرسمون الزهور والألعاب .فلا شك أن الحرب قد أثرت على مخيّلة الأطفال." إنه لمن المؤسف مشاهدة أطفال في عمر الزهور يرسمون حروبا ودماء تسفك، فالطفل يعبر عن مشاعره بكل بساطة.

في اليمن، سجل بيان اليونيسف مقتل 26 طفلا على الأقل فيما أصيب ما يزيد على 800 طفل منذ مطلع فبراير/ شباط 2011. وقد اتهمت منظمة سياج لحماية الطفولة الشرطة "باستغلال حالة الطوارئ المعمول بها حالياً في البلاد" لإرتكاب انتهاكات ضد الأطفال. وقد عبر مدراء المدارس بالقلق من التأثير السلبي لتصاعد العنف ليس فقط على حضور الطلاب، ولكن على سلوكهم وتحصيلهم الدراسي أيضاً. وفي هذا الإطار تكلم الكثير من أساتذة المدارس عن قلقهم من العنف السياسي في اليمن، حيث قال أحدهم "لقد وجدت شعارات سياسية مرسومة على أذرع الأطفال. الأطفال ليسوا معتادين على رؤية ومعاينة عنف من هذا القبيل. وما يجري الآن هو جريمة ضد الطفولة، وقال إن الطريق إلى مدرستنا أصبح محفوفاً بالمخاطر بسبب المواجهات العنيفة والمتكررة بين القوات الحكومية والمتظاهرين، ولذلك أصبحت نسبة حضور الطلبة إلى مدرستنا ضعيفة، وهناك أعداد كبيرة من الأطفال تتسرب من المدارس، ويقوم عدد من أطفال الشوارع ببيع المياه والأكل للمتظاهرين" مما قد يعرضهم للعنف.

وفي سورية، لم يكن يخطر على بال مجموعة من أطفال محافظة درعا السورية، دون الرابعة عشرة، وهم يكتبون على بعض الجدران، ببراءة الطفولة المعروفة عبارة ضد النظام، في مشهد تقليدي حاكوا به مشاهد الثورة في تونس ومصر وليبيا، واستوحوه من الفضائيات التي تبث أخبار الثورات التي لم تنقطع منذ مطلع العام. لم يكن يخطر على بالهم أبدًا، بأن هذه الشعارات المكتوبة بطفولية وعفوية ستقود لإشعال ثورة وانتفاضة تعم كل انحاء سورية. حيث تم اعتقال هؤلاء الأطفال الأبرياء وقد سيقوا بعد كتابتهم لهذه العبارات إلى دائرة الأمن السياسي في محافظة درعا، ليجدوا أنفسهم وجهًا لوجه مع قوى أمنية عاملتهم معاملة المعارضين السياسيين.


ويشارك عدد كبير من الأطفال في سورية في الاحتجاجات. هؤلاء الأطفال لم يتهيأوا فطرياً للمشاركة في المظاهرات والاعتصامات، ومشاركتهم تعرضهم لأي خطر أو إصابة أو حتى ضربات الشمس، و ينبغي أن يكون الأطفال في مأمن من صراعات الكبار وجميع الأطراف المشاركة في المظاهرات المؤيدة أو المعارضة، لأن الأطفال لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في المواقف الخطرة ولا يمتلكون الخبرة والقدرة للتحرك أو التصرف.

وقد كتبت الصحف المعارضة السورية عن الضغوط التي يتعرض لها الأطفال من قبل المعلمين في المدارس للتحدث عن بيوتهم، وعائلاتهم وتوجهاتهم السياسية، وماذا يقولون لهم في البيت عن الثورة. حتى ان البعض قال: إنهم يستعملون الأطفال للتحدث على أهاليهم.

وفي تونس، خلال الاحتجاجات، أطلقت السلطات هجوما أمنيا على مكان الاعتصام. وهاجمت القوات الأمنية المكان بعد محاصرته، بقنابل الغاز المسيل للدموع، والهراوات، متهجمة على النساء والأطفال، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير بينهم حالات خطرة، وأكد شهود عيان ان القوى الأمنية جمعت الأطفال التائهين، ووضعتهم في مركباتها.

وفي مصر، تعرض عدد كبير من الأطفال خلال الثورة لانتهاكات كبيرة في حقوق الإنسان، وكان أطفال الشوارع هم الأطفال الأشد تأثرا، عشرات الآلاف من الأطفال الذين يعيشون ويعملون في شوارع القاهرة والمدن الكبرى الأخرى. وتفيد شهادات الأطفال الذين يعيشون في الشوارع أنهم قد تعرضوا لعنف بالغ، حيث شاهدوا الناس وهم يقتلون ويتعرضون لإصابات خطيرة. وقال محمد الذي يبلغ من العمر خمسة عشرعاما أنه ذهب إلى المظاهرات لينضم إلى الحشود. "كان الناس يرمون علينا القنابل المسيلة للدموع ويطلقون علينا الرصاص المطاطي وقد أصبت بطلقة رصاص مطاطي في يدي. كان ذلك مؤلما وذهبت إلى الطبيب لإزالتها"

وقد قامت مصر خلال الثورة بتطوير برنامجا للدعم النفسي والاجتماعي لمساعدة الأطفال المعرضين للخطر، فضلا عن طلاب المدارس في مختلف أنحاء البلاد، للتغلب على محنتهم النفسية. حيث قاموا بتدريب الأخصائيين النفسيين والمعلمين على التعرف على علامات الصدمة والمعاناة النفسية وتقديم الدعم النفسي وكذلك إحالة الحالات إلى الخدمات المتخصصة عند الحاجة إلى ذلك. كما قاموا بتدريب معلمي المدارس عبر خدمة الفيديو كونفرنس للوصول إلى المعلمين في جميع أنحاء البلاد. وسيقوم علماء نفسيون بمتابعة خاصة للمعلمين والأخصائيين الاجتماعيين في المناطق الأكثر تأثرا بالأحداث. وبحسب الدكتور هشام بحري أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر، فإن ما يصل إلى 30% من الأطفال المصريين قد يعانون من القلق والاكتئاب والوسواس القهري، كما قال : "إننا نقوم في هذا البرنامج النفسي والاجتماعي بإعداد المعلم والأخصائي النفسي والأخصائي الاجتماعي للتواصل بإيجابية مع الأطفال." ويضيف : " يقوم هذا التواصل على الاستماع وممارسة الفنون من أجل منح الأطفال فرصة للتعبير عن أنفسهم بدقة وهذا بالطبع سيقلل من قلقهم."

الآثار النفسية والسلوكية والتعليمية والاجتماعية

كانت هناك تأثيرات ايجابية وسلبية على الأطفال من خلال الثورات التي شهدتها وتشهدها المنطقة العربية. فالناحية الايجابية تتلخص في تعلمهم معاني ومبادئ الحرية والكرامة والعدالة من خلال أصوات المتظاهرين المطالبة بها، حتى إن عدد كبير من الأطفال صار يلعب مع أصدقاءه وأخوته وهو يقوم بالمظاهرات مطالبا بحقه في اللعب والمشاركة في اتخاذ القرار. وكم رأينا على شاشات التلفاز أطفالا يطالبون بإسقاط المدرسة والمدير وحتى النظام. مما أدى إلى ضرورة للتعامل مع الأطفال باحترام وبطريقة ديمقراطية، حيث يخجل الوالدين أو المدرس من نفسه عندما يطالب هو بالحرية ويمنعها عن أولاده.

أما من الناحية النفسية، فان غالبية الأهل يتابعون التطورات عبر شاشات الفضائيات، فمن تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسورية وغيرها، صار منظر الدماء والقتل والاضطرابات هو السائد. وصار الأطفال يشاهدون مناظر القتل والدماء والقمع والعنف الا محدود. ويحزنني في الثورات الشعبية التي (استحلَتها) الشعوب العربية هذه الأيام، الاستغلال غير (البريء) للأطفال حيث يقوم عدد من الأشخاص باصطحاب الأطفال للمظاهرات مما يعرضهم للعنف. وقد يقع هؤلاء الأبرياء ضحية التدافع وعدم قدرتهم على حماية أنفسهم أو الهرب من دائرة المصادمات.

ينتابني الآن حزن كبير من صور أشاهدها يومياً على شاشات الفضائيات وتنقلها أيضاً وكالات الأنباء للأطفال الذين (سحقت) كرامتهم، والأطفال الشهداء الذي أصيبوا بطلقة نار عشوائية توفوا أو تشوهوا أو اصيبوا بالإعاقة مدى الحياة.

كما يكابد الأطفال في النزاعات المسلحة عادة أحداثا مؤلمة عاطفيا ونفسيا مثل الموت الشنيع للآباء أو أقرب الأقارب، والانفصال عن الأسرة، ومشاهدة الأحباء وهم يقتلون أو يعذبون، والنزوح من الديار والمجتمع، والتعرض لأعمال القتال والقصف وغيرها من الأوضاع التي تهدد الحياة، وحالات إساءة المعاملة مثل الاختطاف والاعتقال والاحتجاز والتعذيب، والإخلال بالنظام المدرسى وبحياة المجتمع، والفقر والحصار، والحرمان من الطعام والماء، بل وقد يشارك البعض منهم في أعمال العنف ذاتها.

إن إشراك الأطفال في مثل هذه الأعمال تشكل خطراً وعائقاً أمامهم وتتسبب في انتهاك حقوقهم, كما تؤدي إلى اضطرابات وأمراض نفسية مستقبلية في حال تواجدهم في مثل تلك الفعاليات والساحات. إن إشراك الأطفال في المسيرات والاعتصامات وتواجدهم في الساحات يمثل انتهاكاً لحقوقهم وتجاهلاً لمصلحتهم الفضلى..

من حق الطفل التعبير عن رأيه، لكن في مثل هذه الحالة يسقط التعبير على الأطفال تجنبا للمخاطر التي ستترتب على حياته، نحن لا نريد ان نمنع الأطفال في المشاركة والتعبير عن آرائهم ومطالبتهم بحقوقهم لكن ليس في مثل هذه المشاركات التي لا تضمن بتاتاً مصلحتهم.

وخلال المظاهرات والاحتجاجات لا يذهب عدد كير من الأطفال إلى المدارس مما يمثل انتهاك حق الأطفال في التعليم فضلاً عن إغلاق عدد من المدارس لأبوابها وعدم قدرتها على استكمال العملية التعليمية بالإضافة إلى حرمانهم من حقهم في الحماية وتعرضهم للعنف والإساءة بجميع أشكاله ومصرع وإصابة عدد من الأطفال الذين تم الزج بهم في المسيرات والاعتصامات . كما أثرت هذه الممارسات على نسبة التحاق بالمدارس في المرحلتين الأساسية والثانوية، إذ تراجعت هذه ، ويمكن تفسير ذلك بالخوف من إرسال الأطفال إلى المدارس بسبب الحواجز وما يتعرض له الطلبة في ذهابهم وإيابهم إلى المدرسة.

يتأثر الأطفال أكثر مما يتأثر الكبار بالعنف، رغم عدم إدراكهم الكامل لما يجري حولهم، فالصدمة وما ينتج عنها من رعب وخوف ينتقل إلى الطفل بالعدوى، فبالرغم من عدم إدراك الطفل الكامل للصدمة إلا أنه يتأثر بها تماما كما يتأثر بها المدرك وينتقل إليه رعبها نتيجة ما يراه من رعب في عيون الآخرين. ظهرت على الأطفال خلال الانتفاضة العربية آثار نفسية هي آثار عبئ الصدمة، تمثلت بالتشتت وعدم التركيز، وضعف الذاكرة والنسيان، والحزن والاكتئاب، والحركة الزائدة، والعنف تجاه الآخرين، والتمرد وعدم الطاعة، وملازمة الكبار لعدم الشعور بالأمان، الأرق أو النوم الزائد، الكوابيس، واضطرابات هضمية، وعزوف عن الأكل.

وقد تحدث الأهالي ومعلمي المدارس عن معاناة الأطفال خلال فترة الثورات العربية، حيث أن معاناة الذكور كانت أعلى من معاناة الإناث في قضايا نوبات البكاء، والشعور باليأس والإحباط، واضطرابات النوم، وزيادة التفكير في الموت، ونقصان الأكل والوزن، بينما كان نسب الإناث أعلى فقط في الخوف من الوحدة والخوف من الظلام. وقد ترافقت هذه الاضطرابات النفسية مع ظواهر سلوكية أخرى تمثلت في التبول اللاإرادي، وإشعال الحرائق، وضرب وشتم الآخرين، والتكسير، والخوف من الخروج من المنزل، والانعزال والابتعاد عن العائلة والأصدقاء، وممارسة التدخين، وزيادة التعلق بالأم، والرغبة في النوم مع الوالدين والإخوة، بالإضافة إلى السلوك العنيف، وقد كانت هذه الظواهر السلوكية أكثر بين الذكور منها بين الإناث في كل الظواهر السلوكية باستثناء الخوف من الخروج من المنزل فقد كانت نسبة الإناث أكبر منها عند الذكور.

إن العنف في الدول العربية، يلقي بعبئه على حياة الأطفال. ومن الضروري ان تبذل الجهود لحماية الأطفال في المنطقة العربية خلال هذه الفترة. حيث من الضروري ان تقوم الدول العربية بالوفاء بالتزاماتها بموجب معاهدة الطفل والقانون الإنساني الدولي واتخاذ كل الخطوات اللازمة لحماية الأطفال من التأثير المباشر وغير المباشر للعنف.

ان الطفل هو ابرز ضحايا سلوك الأنظمة الشمولية في وجه الثورات العربية المطالبة بالحرية والعدالة ومكافحة الفساد. فالمتابع للأحداث يستهجن حبس الأطفال ، لصرخات بريئة من قبلهم ، بالحرية بين جدران صفوفهم التي سئمت الصمت وقمع حرياتهم. اللافت أن الأطفال انخرطوا في السياسة التي لم تعد حكرا على فئة معينة، وسقطت أمام هذا الجيل ونشأته كل محاولات إبعاده عن السياسة والتخويف منها لينقلوا وعيهم الجديد لمدارسهم ومحيطهم.

وقد تعرّض العديد من الأطفال خلال فترة اعتقالهم لأنماط متنوعة من التعذيب والإهانة والمعاملة القاسية منذ لحظة إلقاء القبض عليهم والطريقة الوحشية التي يتم بها اقتيادهم من منازلهم في ساعات متأخرة من الليل والمعاملة المهينة التي يتعرضون لها أثناء نقلهم للمعتقلات أو مراكز التحقيق، إضافة إلى طرق التحقيق المتنوعة والقاسية التي تمارس ضدهم، وإجراءات المحاكم التعسفية وغير العادلة بحقهم.

يتم اقتياد الأطفال المعتقلين ونقلهم مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين إلى مراكز الاعتقال والتحقيق، حيث ثبت أنهم قد تعرضوا للاعتداء والضرب والشتم من قبل الجهات الأمنية الذين رافقوهم في طريقهم وأثناء نقلهم إلى هذه المراكز، وقد أدلى الأطفال بشهادات كثيرة عن تعرضهم للضرب المبرح أثناء اعتقالهم وقبل وصولهم إلى مراكز التوقيف مثل الركل بقبضات الأيدي والأرجل وأعقاب البنادق والخوذ الحديدية وأصيبوا بالإغماء وبوضع نفسي صعب جداً نتيجة لمثل هذه الاعتداءات. والضرب على جميع أنحاء الجسم وخاصة في المناطق العليا والرأس. والهز بشكل متكرر، الأمر الذي يعرض الطفل إلى فقدان الوعي والإغماء.

ان الأطفال بين سن 6 ـ 18 عاماً مهتمون بالسياسة ويشغلهم الهم الوطني التحرري أكثر من اي أمر أخر. حيث اعتبر الأطفال ان لهم دوراً في الانتفاضة يحتم عليهم المشاركة اليومية في الفعاليات سواء بإخلاء الجرحى أو الانضمام لمسيرات الاحتجاج والتضامن مع الثوار، مما يعني ان الطفل يعيش الحدث، يؤثر ويتأثر به ايجاباً وسلباً بمشاركة كاملة في الوضع الحالي للانتفاضة أو الثورة ويتحمل مسئوليات تفوق قدراته وامكاناته.

من ناحية حقوق الإنسان وحقوق الطفل، كيف ينظر المجتمع الدولي لهذا الموضوع؟

تتميز اتفاقية حقوق الطفل بأنها شملت كافة الجوانب السياسية و الأقتصادية و الأجتماعية و الثقافية التي تتعلق بضمان حقوق الطفل بالإضافة إلى انها تشكل منظومة كاملة تنطبق على كافة فئات أطفال العالم في جميع البلاد دون تمييز. و قد تناولت اتفاقية حقوق الطفل موضوع حق الطفل في المشاركة في بنود كثيرة حيث تضمنت مجموعة من المعايير القانونية و التطبيقية لحماية و رفاهية الطفل.

ومن الضرورى الأخذ في الأعتبار مضمون مشاركة الطفل في كل ما يتعلق بشئونه و يتطلب ترسيخ هذا المفهوم كحق أساسى للطفل وجود التزام واضح و خطوات فعالة من جانب القائمين على شئونه من البالغين و استمرار تبادل الرأي بينه و بينهم عند وضع البرامج و السياسات ذات الصلة بحيات.

في الفترة الأخيرة تعرض الأطفال في وطننا العربي لأعمال عنف وأصبحوا ضحايا له, في خضم الاضطرابات والتجاذبات السياسية. ودعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) كافة الأطرف السياسية وجميع المعنيين في الدول العربية إلى احترام حقوق الأطفال والامتناع عن استخدام العنف والحرص على حماية الأطفال في جميع الظروف وتجنب تعريضهم لأي أعمال عنف من شأنها أن تؤثر على صحتهم البدنية والنفسية.

وكانت بعض الدول العربية قد ضربت بعرض الحائط حقوق الأطفال، وتعاملت معهم "كمشروع مخربين"، وأذاقتهم أصناف العذاب والمعاملة القاسية والمهينة من ضرب وحرمان من النوم ومن الطعام، وتهديد وشتائم ،، واستخدمت معهم أبشع الوسائل وعلى الرغم من أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتحديداً اتفاقية حقوق الطفل دعت إلى حماية الأطفال خلال الأزمات والنزاعات المسلحة.

وقد دعا عدد من المنظمات الحقوقية احترام الإطار القانوني الحامي للأطفال ضحايا النزاعات والمظاهرات من وجه نظر القانون الدولي و الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة، والبروتوكولان الإضافيان لاتفاقيات جنيف واتفاقية حقوق الطفل الدولية، والقانون الدولي الجنائي. وأكدت إلى أهمية حماية الأطفال من الاعتقال السياسي من حيث تأثيره على حياتهم ومستقبلهم ، وعلى ضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية من منظور القانون الدولي لحمايتهم .

يحق للطفل حرية التعبير وإبداء الرأي في الأمور التي لها تأثير مباشر على جوانب حياته الاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية . وتتضمن حقوق المشاركة حق الطفل في الاستماع إلى رأيه والتعبير عن آرائه وإتاحة المعلومات وحق الانتماء إلى جمعيات. وتساعد المعرفة بهذه الحقوق في المراحل المبكرة إعمال الأطفال لجميع حقوقهم في مرحلة نضوجهم و تؤهلهم للقيام بدور فعال في المجتمع. ولكن في هذه الظروف الصعبة لا بد من اتخاذ إجراءات صارمة لحمايتهم. نحن لا نريد ان نمنع الأطفال في المشاركة والتعبير عن آرائهم ومطالبتهم بحقوقهم لكن ليس في مثل هذه المشاركات التي لا تضمن بتاتاً مصلحتهم.

ينص القانون الدولي الإنساني صراحة على وجوب احترام حقوق الأطفال خلال النزاع المسلح. ومع ذلك, لا يكون الأطفال دائما في منأى عن التعرض للعنف في شتى الطرق. ووتوفر اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان لعام 1977 حماية خاصة لصالح الأطفال خلال النزاعات المسلحة. وفي الحقيقة, نؤكد إن الأطفال يحظون بشكلين من الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني: الحماية العامة التي يتمتعون بها بصفتهم مدنيين أو أشخاصا لا يشاركون في أعمال عدائية أو كفوا عن المشاركة فيها, والحماية الخاصة التي يتمتعون بها بصفتهم أطفالا. وهناك أكثر من 25 مادة في اتفاقيات جنيف وبروتوكوليها الإضافيين تشير إلى الأطفال على وجه الخصوص.
ولا يسقط الحق في الحصول على التعليم بسبب النزاع. وللتعليم دور حاسم في النهوض باحتياجات الأطفال وحقوقهم في حالات النزاعات وما بعدها, سواء من حيث الوقاية أو من حيث إعادة التأهيل. وفي ما يتعلق بصحة الطفل النفسية الاجتماعية, يوفر له التعليم وتيرة عمل منتظمة ومجالا للتعبير عن النفس وفرصة للتبادل مع الزملاء. فوضع " الطالب " بالذات وضع ثمين لأن من شأنه أن يوفر للطفل الحماية من التجنيد القسري, مع أن الأطفال يبقون في الوقت نفسه معرضين للخطر, ذلك أن ثمة أطفالاً جندوا حتى خلال وجودهم في المدرسة. وقد توفر المدارس مهارات ضرورية للعيش وحيوية في حالات النزاع على وجه الخصوص. وأخيراً وليس آخراً, ما يمكن أن يتعلمه الطفل في المدرسة شيء من الأشياء القليلة التي لا يمكن انتزاعها منه أينما ذهب!
ومن الضروري التكامل والتعاون بين جميع المنظمات المعنية, بما فيها السلطات الحكومية, عاملين أساسيين لتوفير الرعاية والحماية لجميع المتضررين من النزاعات المسلحة. وبالنسبة إلى الأطفال غير المصحوبين بذويهم والمنفصلين عنهم , يجب تحديد أدوار ريادية معينة في المجالات الرئيسية. فتتولى اللجنة الدولية مثلا البحث عن أفراد الأسرة في حين تضطلع منظمة أخرى (أو السلطات) بتوفير الرعاية المؤقتة للطفل. ويتوقف عمل كل منظمة على المهمة الموكلة إليها وخبرتها وقدرتها على التعامل مع الوضع المحدد. وينبغي لكل منظمة ترغب في العمل لمصلحة الأطفال المنفصلين عن ذويهم أن تعمل بالتنسيق مع الشركاء المعنيين الآخرين.

ان احترام حقوق الأطفال والامتناع عن استخدام العنف، وتجنب تعريضهم لأي أعمال عنف من شأنها أن تؤثر على صحتهم البدنية والنفسية واجب إنساني ودولي. ولذلك يطالب المجتمع الدولي بحماية الأطفال خلال الثورات العربية. وعلى حكوماتنا العربية أن تلتزم بمبادئ القانون الدولي والمعاهدات التي انضمت إليها.

شذى الجندي
دكتوراه في العلوم السياسية
حقوق الانسان ومكافحة






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,646,528,914
- اليوم العالمي لحرية الصحافة -آفاق جديدة حواجز جديدة-
- سورية يا حبيبتي…
- دور الأحزاب السياسية العربية في المرحلة المقبلة
- الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان انتهاك لميث ...
- ننتمي كلنا الى وطن واحد سورية
- عيد الجلاء في سورية: الشعب يطالب بالحرية واحترام الكرامة الا ...
- العصابات المسلحة في الدول العربية: الرأي العام محصن من هذه ا ...
- ثورات شبابنا العربي .. عززت روح المواطنة في المنطقة العربية
- كيف سنكافح الفساد في سورية؟
- الفساد في سورية
- يتهمون شبابنا الذي يشارك في الثورة بأنه غير وطني... بل وصل ب ...
- الاعلام العربي والثورات العربية
- استخدام اللغة الخشبية للتعامل مع شبابنا العربي
- ثورات شبابنا العربي تطالب بالاصلاح السياسي
- الفوضى الخلاقة وثورة الشباب العربي
- ثورات الشباب العربي لاسقاط الدولة الأمنية - التحرر من الخوف
- ثورة الشباب في وطننا العربي ... تطالب بمكافحة الفساد..
- ليبيا تتعرض لخطر الانقسام، خطر الحرب الاهلية، وخطر التدخل ال ...
- العنف! ..... إلى متى سيعاني شبابنا العربي
- ثقافة الخوف، هل نحن أمام تغيير


المزيد.....




- الهجرة الدولية : عدد النازحين العراقيين يفوق قدراتنا وناشدنا ...
- الأمم المتحدة: تفادي «المجاعة» بجنوب السودان «مؤقتا».. والخط ...
- تدهورالوضع الأمني في جمهورية أفريقيا الوسطى
- خبير الأمم المتحدة يحث على التصديق على معاهدة التخلص التدريج ...
- بان يشكل فريقا لمراجعة عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام
- «هيومان رايتس»: وضع الحريات في مصر وصل لمرحلة حرجة للغاية
- الاتحاد الأوروبي قلق من تعامل إسبانيا مع المهاجرين
- الهجرة الدولية : عدد النازحين العراقيين يفوق قدراتنا
- الأمم المتحدة: حصيلة ضحايا النزاع في أوكرانيا تجاوزت 4 آلاف ...
- العمل يشكّل لجنة لمعالجة مشاكل أطفال النازحين


المزيد.....

- حقوق الطفل في التشريع الدستوري العربي - تحليل قانوني مقارن ب ... / قائد محمد طربوش ردمان
- أطفال الشوارع في اليمن / محمد النعماني
- الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة / شمخي جبر
- أوضاع الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية / دنيا الأمل إسماعيل
- دور منظمات المجتمع المدني في الحد من أسوأ أشكال عمل الاطفال / محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
- ماذا يجب أن نقول للأطفال؟ أطفالنا بين الحاخامات والقساوسة وا ... / غازي مسعود
- بحث في بعض إشكاليات الشباب / معتز حيسو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - نادية حسن عبدالله - الآثار النفسية والسلوكية والتعليمية والاجتماعية لممارسات الأنظمة العربية ضد الأطفال خلال الثورات العربية