أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - نادية حسن عبدالله - استخدام اللغة الخشبية للتعامل مع شبابنا العربي















المزيد.....

استخدام اللغة الخشبية للتعامل مع شبابنا العربي


نادية حسن عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 3316 - 2011 / 3 / 25 - 08:31
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


اللغة الخشبية أو الإيديولوجية الزائفة
ظهر مصطلح /اللغة الخشبية/ في أول استعماله لتوصيف /الخطاب السياسي/ ووصفه بأنه لا يحتوي أية قيمة أو رصيد في الواقع، أي أنه إيديولوجية زائفة. ولغة الخشب هي أساسا صياغات جاهزة وميتة، صياغات دون روح، لذا أطلق عليها /خشب/ دون حياة•
اللغة الخشبية هي لغة ذات عبارات وتراكيب ثابتة ومعجم محدود متكون من مفردات خالية المعنى، وهي تمثل أيضا أداة للتستر على الواقع. ومن أهم خصوصيات هذه اللغة خلفيتها الفكرية المحدودة للغاية، فهي تتصف بالجمود، وتجنب التعبير عن الحقائق الملموسة، وتتصف بالمبالغة في وصف الأحداث، وعدم قدرتها على التعبير عن الأحكام والآراء المعتدلة الواقعية. وتستعمل اللغة الخشبية أيضا الكلمات المعقدة والدخيلة والاستعارات الرديئة غير القائمة على التشابهات الحقيقية بين الأشياء، والتي يسميها الكاتب الإنكليزي جورج أورول George Orwell ب"الاستعارات المحتضرة".

كان جورج أورول George Orwell، أول من انتقد اللغة الخشبية في السياسة في مقالة تحت عنوان "السياسة واللغة الإنكليزية"، أشار فيها إلى أن اللغة والمصطلحات تتشوه بسبب تدهور التفكير، الذي يعود بدوره إلى الغموض المتزايد للتعبير اللغوي، وهذا كله يُعزى إلى تأثير السياسة، لأنها تتخذ الكلام طريقة من طرق الخداع ، وتميل بالتالي إلى استخدام الأكليشيهات والتعبيرات الجاهزة في الإشارة إلى الأشياء والوقائع المزعجة وغير المرغوب فيها. وفصّل الكاتب أفكار مقالته تلك في مادة تحت عنوان "مبادئ الكلام الجديد"، ألحقها بروايته المشهورة "ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون"، التي صدرت عام 1948.

في دولنا العربية، يكثر استعمال هذه اللغة الخشبية، والمصطلحات والقوالب المعلبة والجاهزة والتي كبرنا ونحن نسمعها يومياً، حتى إننا حفظناها جيدا، وعدد كبير منا يستطيع أن يٌكمل الجملة الخشبية عندما يسمع بدايتها.

سماها البعض أيضاُ باللغة الدعائية للأحزاب ، التي تقوم على فرضية معينة لخبر معين، حتى صرنا نجد أن "معجم اللغات الخشبية" مقسما إلى مفردات إيجابية وسلبية، أي مفردات تنتمي إلى توجهات سياسية محددة ، وكانت الصحف ، وربما مازالت حتى الآن، ترفض أو تمنع استعمال مفردات يعتبرها النظام عدائية بسبب مدلولات توحي بمظهر من مظاهر الرأسمالية أو الحضارة الغربية بشكل عام، مثل مصطلحات ( الشرق الأوسط، أو دول الطوق، حقوق الإنسان)، وتوصيهم باستبدالها بمرادفات لها خالية من تلك المدلولات مثل (دول المواجهة، ودول الصمود والتصدي، الحقوق الإنسانية).

"وفي أواخر الثمانينات من القرن الماضي عالجت المتخصصة الفرنسية بالشؤون السوفييتية Francoise Thom هذا الموضوع معالجة شاملة دقيقة في كتاب بعنوان "اللغة الخشبية"، أشارت فيه إلى أن طريقة الكلام التي روجت لها النظم السياسية في الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة، تسببت في تشويه الكلام والتفكير في آن معا، ومما يثبت ذلك أنها خلفت آثارا متشابهة في لغات مختلفة كالإنكليزية والفرنسية والروسية والصينية والعربية. وكان لهذه اللغة الخشبية وجود واسع في المجتمع، وكانت بمثابة رمز للقوة المطلقة التعسفية للنظام ".

في الثمانينيات من القرن الماضي كان لدينا اختراع في مدارسنا - لا أدري إذا كان لا يزال موجوداً حتى الآن - يدعى ( الفصاحة والخطابة ) حيث يتعلم التلميذ تحريك يديه كالمروحة وهو يتكلم بلغة فصحى وأسلوب خطابي غريب. وقد تعلم عدد كبير من أطفالنا طريقة الكلام هذه، ونجد الآن أنه ما زال يستعمل هذا الأسلوب حتى الآن في نشرات الأخبار، حيث هناك قوالب جاهزة للخبر، ولغة ومصطلحات متفق عليها، ولهذا أصبح عدد كبير من المشاهدين يعرف الخبر حتى قبل أن يقرأه أو يسمعه.

وقد أكدت الدراسات أن اللغة الخشبية تُفرض على الناس فرضا، لا سيما أن محو الأمية وتربية الناس البسطاء في الفترة الماضية تمت عن طريق تدريس اللغة الخشبية ، مما عرقل بلوغ أولئك الناس النضوج النفسي والفكري ومنع تطور شخصيتهم . وتفهم التطور الذي حصل العالم، وشجعت بقاء الناس يعيشون في الماضي، ويعتقدون إن كل كلمة جديدة مستوردة، ولا تليق بمجتمعاتنا العربية، وإنها جزء من نظرية المؤامرة التي تريد أن تفقد الشعب العربي ثقافته العربية. وقد استخدمت هذه اللغة أيضا ، والحق يقال، كوسيلة لإنقاذ النفس عن طريق إبداء الولاء للنظام. حيث تعرف من خلال اللغة الخشبية من يقف مع ومن يقف ضد.

وقد انتشرت هذه اللغة بشكل خاص في الدول العربية التي كانت أو ما زالت تتبع النظم المشابهة للاتحاد السوفيتي سابقاُ

"كانت اللغة الخشبية في الاتحاد السوفيتي سابقاً، قد تحولت إلى كلام غير طبيعي لأنها فقدت علاقتها بالواقع ، بحيث صار من الممكن ادعاء أن الأبيض أسود أو العكس، فإن السيطرة الصارمة المفروضة عليها أفقدتها القدرة على أداء الوظائف الطبيعية لأي لغة من اللغات. فقد كانت نصوص المقالات المنشورة في صحف ذلك العصر كنوع من الضجيج العديم المعنى الذي يراد منه منع الجمهور من الاستماع إلى خطابات أخرى. وكان من أدوار هذه اللغة أيضا إبداء الولاء للنظام، فمن كان يستخدمها كان يُعتبر من أنصار النظام، بخلاف غير متقنيها الذين كانوا يعامَلون معاملة العناصر الخطيرة المهددة للنظام، فلا يجب أن ننسى أن هذا التحول الغريب في وظائف اللغة لم يتم نتيجة لتحولاتها الداخلية فقط، بل كذلك نتيجة للإجراءات المتخذة على الساحة السياسية، إذ لم يكن للغة أن تصبح كيانا قائما بذاته منقطع العلاقة بالواقع لولا عمل الامن السياسي الذي كان يعاقب كل من يستخدم خطابا بديلا عن الخطاب المعتمد رسميا، وهذا ما لا يمكن أن يحدث للغة في ظل النظم الديمقراطية، لأنها تتصف بتنوع الآراء والأفكار والمواقف وتسمح للناس بتفنيد الخطاب السياسي الرسمي".

وقد تطورت هذه اللغة لتصبح مفردات "اللغة الخشبية" تحفة مسجلة باسم هؤلاء الذين لا يرون في قراءة الواقع العربي سوى الحفاظ على مكتسبات المرحلة السابقة، وأنه أصبح من الإجباري إرفاق جميع الأسماء المسمية للحزب أو الرئيس أو الأحداث الحاسمة في تاريخ النظام ببعض الصفات الثابتة، مما أدى إلى ظهور عبارات طويلة جامدة .
لقد جعل بعض الرؤساء مثل "بن علي في تونس" من خلال استعمالهم للغة الخشبية، الدولةَ بلا أسس عقائدية وبلا منظومة قيم حقيقية، فالواقع الثقافي والاجتماعي يكشف اليوم أن قيم الشعارات واللافتات والهتافات والمصطلحات الحزبية ليست إلا عملا دعائا صرفا بلا مفعول حقيقي غير التمادي في إضفاء الحكمة على كل فعل رئاسي إلى أن تصل ذاتُ الرئيس إلى مصافِّ الآلهة" ، وعندما حدثت الثورة في تونس لم توفر هذه الشعارات واللافتات والهتافات والمصطلحات الخشبية أي حماية ل "بن علي"، فقد كان هؤلاء المصفقون أول الهاربين والمتخلين عن رئيسهم لأن الذي كان يربطهم به ما هو الا لغة خشبية بدون أي معنى، بدون أي ولاء، ألا لمصالحهم الشخصية وركوب الموجه للتقرب من الحاكم وتحقيق مصالحهم.
يتضح لنا لدى متابعة تطور اللغة الإعلامية في وصف ثورات الشباب العربي اليوم، أن هناك عبارات تتردد بكثرة طوال تلك الفترة، لكن هناك أيضا بعض التغيرات في لهجة المقالات، حيث تتميز بشدة العنف والعداء تجاه الخصوم المفترضين للنظام، حيث تزايد استعمال تلك اللغة الخشبية تدريجيا لمهاجمة ثورات الشباب العربي ووصفهم بعبارات جاهزة للاستعمال، مثل:
• العصابات المسلحة التي تروع المواطنين
• العملاء المندسين والمؤتمرين من الخارج
• الخونة الذين ينفذون مشاريع خارجية
• بلطجية
• يتعاطون حبوب الهلوسة
• عملاء للأجانب وخونه مندسين
• ينفذون مؤامرة ضد النظام
• ارتكبوا أعمال تخريبية
• يحركهم الفيس بوك بطريقة ثورية صهيونية رجعية ، متآمرة، تدعمها القوى الاستعمارية التي تهدف إلى تدمير الإنجازات التاريخية للحكم


نحن هنا بالتأكيد لا ننتقد اللغة الخشبية بهدف الترويج للغة جديدة عصرية تتطابق مع التوجهات الأمريكية، نحن نرفض لغة التهديد والوعيد والاملاءات بحجة الديمقراطية وحقوق الإنسان، نرفض اللغة إلي تبث الروح الطائفية والمذهبية، نرفض لغة الاستخفاف بالأخر وقيمه ومعتقداته ودينه ، وفرض القيود عليه كحالة منبوذة في الغرب المتحضر مأخوذين بالشبهة ليس إلا، ومحاولة بث روح التفرقة وتحميل المجتمع العربي وثقافته وحدهما مسؤولية كل ما يجري. آن الأوان أن نبتعد عن الأوهام ونواجه الواقع بكل حزم، وان نطور سياساتنا الإعلامية العربية ولغتنا الخشبية، لتكون على الأرض، مع الشعب، توفر المعلومات الصحيحة بدون أي تشويه للحقائق.
25 آذار 2011



#نادية_حسن_عبدالله (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورات شبابنا العربي تطالب بالاصلاح السياسي
- الفوضى الخلاقة وثورة الشباب العربي
- ثورات الشباب العربي لاسقاط الدولة الأمنية - التحرر من الخوف
- ثورة الشباب في وطننا العربي ... تطالب بمكافحة الفساد..
- ليبيا تتعرض لخطر الانقسام، خطر الحرب الاهلية، وخطر التدخل ال ...
- العنف! ..... إلى متى سيعاني شبابنا العربي
- ثقافة الخوف، هل نحن أمام تغيير


المزيد.....




- رئيس الوزراء اليوناني يجري اتصالا بأردوغان ويعرض -المساعدة ا ...
- أردوغان يعلن الحداد وتنكيس الأعلام 7 أيام على أرواح ضحايا ال ...
- رئيس الوزراء اليوناني يجري اتصالا بأردوغان ويعرض -المساعدة ا ...
- أردوغان يعلن الحداد وتنكيس الأعلام 7 أيام على أرواح ضحايا ال ...
- سانا وفرانس برس: حصيلة ضحايا الزلزال في تركيا وسوريا تتجاوز ...
- في ذكرى 20 عاما على جلسة -أنبوبة كولن باول- حديث صريح واعترا ...
- وسائل إعلام: محاولة اغتيال فاشلة استهدفت مقاومين فلسطينيين ف ...
- شاهد: لحظات انهيار مبنيين جراء الزلزال الذي ضرب تركيا
- ما هي أبرز الزلازل المميتة خلال العقدين المنصرمين؟
- العراق: تقنيات أميركية لوقف تهريب الدولار


المزيد.....

- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب
- اطروحة التقاطع والالتقاء بين الواقعية البنيوية والهجومية الد ... / علاء هادي الحطاب
- الاستراتيجيه الاسرائيله تجاه الامن الإقليمي (دراسة نظرية تحل ... / بشير النجاب
- ترامب ... الهيمنة و الحرب الاميركية المنسية / فارس آل سلمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - نادية حسن عبدالله - استخدام اللغة الخشبية للتعامل مع شبابنا العربي