أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد صقر - القضية الاجتماعية في المسرح المصري (سعد الدين وهبة نموذجا )






















المزيد.....

القضية الاجتماعية في المسرح المصري (سعد الدين وهبة نموذجا )



أحمد صقر
الحوار المتمدن-العدد: 3268 - 2011 / 2 / 5 - 13:46
المحور: الادب والفن
    


تعرض مجتمعنا المصرى والعربى لهزات كثيرة، وهى تعد دون شك مجالاً للتغيير، إذ " اختل التوازن داخل النسق، وبفعل عوامل داخلية أو خارجية، أى من داخل النسق، مثل ظهور اختراعات أو تغيرات فى التركيب السكانى، أو من خارج النسق، أى من جانب نسق الشخصية (أثر الشخصيات القيادية) أو نسق الطبيعة (ظهور ثروات جديدة) أو حدوث نكبات طبيعية، أو بسبب الاحتكاك الثقافى لمجتمعات أخرى ".
وهو ما تحقق فى مجتمعنا المصرى، إذ حدثت الهزة الاقتصادية الكبرى المسماة بالانفتاح الاقتصادى، وانقلب كثير من الموازين، وتراجعت بعض القيم، مما أثر سلباً على بنية مجتمعنا، وهو ما يتعارض مع قيم حرب أكتوبر النبيلة التى سعت إلى غرس كثير من القيم الإيجابية، وسعت كذلك إلى محو ما أصاب مجتمعاتنا العربية فى أعقاب هزيمة 1967م .
إن كثيراً من الأعمال المسرحية العربية تعد مادة صالحة للتحليل والتمحيص بهدف استخراج كثير من القيم الإيجابية أو السلبية فى مجتمعنا العربى، وحيث إننا على دراية تامة بأن المسرح يأتى واحداً من وسائل الاتصال الجماهيرى الهامة- إن أردنا له وظيفة حقيقية وجادة – التى تسهم فى تنمية وعى المواطن العربى ووجدانه حتى يحصن فى استشراف المرحلة القادمة، فنقوم بعض التردى فى مجتمعاتنا العربية بعد أن نراها مجسدة أمامنا بين مؤلفات الكاتب المسرحى أو على خشبة المسرح، وهى كاشفة لنا أبعاد الزيف والخداع الذى يحول بيينا وبين مواجهته من أجل التغيير.
تحدث إريك بنتلى عن إبسن حين كتب مسرحياته الاجتماعية التى تحدثت عما بهذا المجتمع الأوروبى من زيف وخداع ونفاق وكذب، بقوله : إن إبسن فضح أوروبا فى أعماله المسرحية، وهو يقصد من وراء ذلك دعوته إلى تغيير أحوال هذا المجتمع بعد كشفه وفضحه، وهو ما يجعلنا نفترض ذلك عند بعض كتاب مسرحنا المصرى والعربى، إذ سعى بعضهم – كما سيتضح عند التحليل – إلى فضح مجتمعنا العربى من خلال أعمالهم المسرحية دون خوف أو مهادنة، من أجل التأكيد على أن ثورة 1952 م بقدر ما كان لها من غاية شريفة بقدر ما خلفت وراءها كثيراًَ من القضايا الاجتماعية التى كانت بحاجة إلى رصد، وكذا الحال بالنسبة إلى حرب 1973 مـ والانفتاح الاقتصادى، فبقدر ما كان للانفتاح الاقتصادى الذى أعقبها مساوئ جمة فى الإقلال من قيمة هذه الحرب، والإطاحة بما حققته من مكاسب عسكرية ليتفرغ الجميع إلى حصد ثمار الانفتاح الاقتصادى، ويتجاهل الجميع ما أحدثته حرب أكتوبر من تغييرات كثيرة سعت جميعها إلى بناء إنسان مصرى بناء سوياً، بقدر ما كان لها – أى حرب 1973م – من مزايا جمة حصدتها منطقتنا العربية جمعاء.
ويتفق رأى جون دوفينيو مع ما أصاب مجتمعنا العربى فى أعقاب حرب أكتوبر فى أنه " يستحيل على المسرح التعبير عن التجربة الاجتماعية لمجتمع ما بأسرها، بل توجد مجتمعات أخذ المسرح فيها موقف الضد بعنف تجاه معتقدات الحياة الجماعية، ومثالى على بعض الأشكال الدرامية التى جابهت الأوضاع الاجتماعية الثابتة هو المدرسة الكلاسيكية الفرنسية فى القرن السابع عشر التى أخذت اتجاهاًَ ضد التيار السائد فى تلك الفترة، فطرحت معاييرها فى جو من الجدل والمعاداة ".
وهو ما نراه يتحقق فى مرحلة ما بعد حرب 1973م، إلا أنه مع ذلك يتحقق فى مرحلة ما بعد ثورة 1952م، إذ جاء المسرح متوافقا من حيث أشكاله الدرامية مع ما أصاب المجتمع من تغيير فرض على المسرح القضايا الاجتماعية والسياسية دون أن يحدث الانفصال.
إن التنوع الشديد فى التجارب الاجتماعية يترتب عليه تنوع فى التعبير الدارمى عنها، وذلك من خلال ما يطرحه المجتمع، وهو ما يتفق مع مقولة جوز فيتس فى أنه إذا كان المسرح منغرساً فى الحياة الاجتماعية بعمق فإن معنى هذا الغرس واتجاهه يتنوعان وفقاً لأنماط المجتمعات ومستويات الواقع.
وهو ما يتبلور فى أعمال كتاب مسرحنا المصرى والعربى، إذ ظهرت مسرحيات اجتماعية أبدعها كتاب أمثال نعمان عاشور ومحمد عنانى وعلى سالم وسعد الدين وهبة وسمير سرحان وعبد العزيز حمودة وفوزى فهمى ونبيل بدران، صورت – من خلال أعمالهم – ما يعترى هذه المجتمعات من تحريات وتطورات يترتب عليها وجود حركة مع أو ضد ، وأعنى بها من هم يحافظون على قيم الماضى وتقاليده أو ضدها، ويسعون إلى الإطاحة بها ، وهو ما يلخصه لنا نبيل السمالوطى بقوله : " يوجد داخل كل تجمع بشرى منظم، سواء كان ذلك المجتمع جماعة أو مجتمعا، محلياً أو عاماً، نوعان من العمليات والقوى الاجتماعية، النوع الأول يتمثل فى تلك العمليات التى تحاول الحفاظ على الاستمرار البنائى للنسق الاجتماعى، أو الجماعة، أما النوع الثانى فإنه يتمثل فى تلك العمليات التى تحاول تغيير بعض العلاقات أو القيم أو النظم السائدة داخل الجماعة".
القضية الاجتماعية فى مسرح سعد الدين وهبة :
إن التحولات الاجتماعية والسياسية التى أحدثتها ثورة 1952م كان لها الآثار الجمة على طبيعة أعمال كتاب المسرح المصرى، إذ جاءت أعمالهم معبرة عن هذا الواقع الجديد بما عكسته من صور التعبير عن الحياة الاجتماعية الجديدة والتحولات السياسية التى مرت بها بلادنا، مما دفع كثيراً من كتاب المسرح إلى تسجيل كثير من القضايا التى شغلت اهتمامهم، وجاءت القضية الوطنية فى طيات مسرحيات كثير من أعمال كتاب المسرح المصرى الذين سعوا إلى تسجيل كثير من القضايا الوطنية، جاء أولها متمثلاً فى العدوان الثلاثى على مصر عام 1956م، وظهرت كاستجابة للحدث الوطنى ثلاث مسرحيات من فصل واحد عرضت فى موسم 1956 و 1957 م، ولاقت إقبالاً واسعاً، وهى : " عفاريت الجبانة " لنعمان عاشور و "صوت مصر" لألفريد فرج و " مش ها نسلم " لمحمد عبد الرحمن خليل.
وهكذا سجل كثير من الكتاب كفاح الشعب المصرى ضد العدوان الثلاثى، معتمدين فى مضامين مسرحياتهم على إبراز القضية المصرية، ليس فقد فى مصر وحسب، بل شمل إهتمام الكتاب عرض القضية الوطنية فى بلدان عربية أخرى، كما تمثل هذا فى مسرحية " مأساة جميلة " لعبد الرحمن الشرقاوى، التى ترصد سعى شعب الجزائر إلى تحرير أرضه.
إن اهتمام كتاب مسرحنا المصرى لم يقتصر على تناول أبعاد القضية الوطنية التحريرية وحسب، بل امتد إلى رصد آفاق التغييرات الاجتماعية فى الريف والمدينة، وظهرت أعمال مسرحية فى مرحلة ما بعد قيام الثورة تقترب من القضية الاجتماعية، وبالفعل احتلت " القضية الاجتماعية مكان الصدارة بين القضايا المطروحة فى الواقع وعلى منصة المسرح ".
وعليه نستطيع القول إن قضايا تحرير الإنسان من الفقر والقضاء على الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاولة تحقيق الغد الآمل، هى جوانب هامة أبرزتها أعمال كتاب المسرح الذين ركزوا بشكل أساسى على القضية.
وقد سعى هؤلاء الكتاب فى كثير من أعمالهم إلى طرح هذه المضامين فى إطار الدراما الواقعية، وإن اتخذوا صيغاً عديدة، منها ما عرف بصيغة الدراما الواقعية الإجتماعية، وأخرى عرفت بصيغة الدراما الواقعية الاجتماعية الانتقادية، وبعضها عرف بالدراما الواقعية السياسية.
ومهما تعددت صيغها إلا أنها جميعاً سعت إلى تحقيق قدر من التوافق، خاصة فيما يتعلق بأسلوب رسم الشخصيات أو اللغة المستخدمة التى جاءت فى أغلبها عامية أو قريبة مما سماها توفيق الحكيم باللغة الثالثة.
اتخذت القضية الاجتماعية فى مسرح كتاب مرحلة الستينات والسبعينات العديد من المحاور التى تصب جميعها فى إطار القضية الاجتماعية، فبعضهم ركز على قضية الصراع الطبقى كما عند سعد الدين وهبة فى : المحروسة والسبنسة وكوبرى الناموس وكفر البطيخ وأحذية الدكتور طه حسين، وعند نعمان عاشور فى : وابور الطحين، والناس اللى تحت، والناس اللى فوق، وغيرها من أعمال كتاب مسرحنا المصرى.
المحروسة والقضية الاجتماعية فى مسرح الستينيات:
سعى سعد الدين وهبة فى الكثير من أعماله المسرحية إلى ضرورة الثورة على القيم البالية السلبية، وسعى إلى ضرورة تحقيق قيم إيجابية، قيم تنادى بضرورة التغيير والقضاء على سلبيات الماضى.
على أن هذا المنهج قد تحقق – بشكل مباشر – فى أعماله الأولى منذ مسرحيته الأولى " المحروسة " وصولاً إلى " سكة السلامة " 1967 م.
يلح سعد الدين وهبة على ضرورة التغيير، إلى أن نصل إلى مسرحيته " أحذية الدكتور طه حسين " تلك المسرحية التى تطرح كثيراً من القيم السلبية التى أصابت مجتمعنا المصرى فى أعقاب الانفتاح الاقتصادى، إلا أنه لا ينادى بضرورة الثورة بشكل مباشر كما فعل فى أعماله السابقة، بل نجده يعرض هذه السلبيات وما وصلنا إليه فى حال، دون أن يتحرك، وبشكل واضح، نحو التغيير كما فعل فى مسرحياته السابقة.
اهتم سعد الدين وهبة من خلال مسرحياته: كفر البطيخ والمحروسة والسبنسة وسكة السلامة، برصد أبعاد القضية الاجتماعية التى تمركزت حول محاولة إظهار جوانب الظلم الاجتماعى الواقع على فئات الشعب المصرى، سواء الفلاحون أو أبناء المدينة.
ومن خلال هذه المسرحيات التى تركز على إبراز القضية الإجتماعية " يصور إنسانية الإنسان الضائعة فى عوالم النفاق والاستغلال الطبقى ممثلة فى : " المحروسة، و كوبرى الناموس، وسكة السلامة ، وبير السلم ".
فها هو فى مسرحيته " المحروسة " يعرض الظلم والفساد الذى استشرى فى ريف مصر من خلال عدد من الشخصيات النمطية الجاهزة، حيث تعرض كل شخصية حكايتها الصغيرة فتنمو أبعاد الحكاية إلى أن تكتمل الجزئيات فى مشهد واحد كبير يمثل المسرحية ككل، فمنذ بداية المسرحية يعرض المؤلف أطراف قضيته الاجتماعية، وهى الشخصيات الحاكمة المستبدة كل العصور الذى يتلون ويتصرف دون معاناة، ومفتش الصحة المنافق، والخواجة الخبيث، هذا إلى جانب بعض الشخصيات المغلوبة على أمرها، مثل: عبد الحميد وأخوه اللذان يعدان نموذجين للفلاح المصرى قبل الثورة، وأم عباس قارئة الفنجان وصانعة الأحجبة وبائعة المناديل، ووكيل النيابة الذى يمثل العدل ومحاولة إنصاف المظلومين ضد الظالمين، وكذا عبده مدرس الإلزامى، إلى جانب غيرهم من الشخصيات.
يتحدث عبده الإلزامى الثائر على كل شئ ، الرافض للظلم الواقع عليه من قبل مفتش التربية والتعليم الذى لا يرحمه ويطلب منه الكثير من الهدايا، سواء الزبدة والبيض أو أى شئ، ويعلن عبده أفندى عجزه عن مجاراة هذا النفاق لأنه عاجز عن تحقيق طلبات المفتش.
منصور : يعنى أربع برايز كانوا حايضلعوك ؟
عبده : أيوه يضلعونى، ثم حتى لو كانوا ما يضلعونيش .. أجيب له ليه ؟ طلب الزبدة ، قلنا رطلين موش حاجة، يا عبده الست عاوزة رطلين حلوين. جبناهم. قلنا الفلوس يمكن بكرة، يمكن بعده، وادى وش الضيف، فات ييجى جمعة، وبعدين يا عبده (يقلد المفتش) شم النسيم إمتى ؟ يوم ثمانية يا حضرة المفتش، يا عبده شم النسيم قرب، كل عام وجنابك بخير يا سعادة المفتش، يا عبده شم النسيم الجمعة الجاية . أهلاً وسهلاً يا حضرة المفتش، كل ده ولا إنى هنا ".
ويستمر عبده مدرس الإلزامى فى عرض قضيته التى أرقته، ويعلن رفضه فى تحقيق مطالب المفتش، وأنه سوف يرفع شكوى إلى المسئولين، ووصل به الأمر إلى أكثر من الوزير والوزارة ، إنه قرر أن يرسل شكواه إلى الملك الصالح، وبالفعل يرسل عبده شكوى إلى الملك، ويجعل الأوبرج عنوان رسالته، وبالفعل يأتيه الرد بالرفد :
الحكيمباشى : الرد ... الرد جه كمان ؟
عبده : وحياتك فى ثلاث ساعات ... الجواب راح فى تلاث تيام، والرد جه فى تلات ساعات.
الحكيمباشى : وكان أيه الرد ؟
عبده : حاجة بسيطة .. يوم فى سجن المديرية ... وترحيل على مصر فى ديوان درجة أولى عمر أبويا ما ركبه ، ويوم تحقيق فى القلم السياسى، وجمعة فى سجن الأجانب، وبعدين إفراج وقرار الفصل ".
شخصية أخرى من شخصيات المسرحية تعكس لنا جانباً من جوانب القضية الإجتماعية فى هذه المسرحية، وأقصد بها زوجة المأمور التى تعيش حياة الدجل والأحجبة والسحر وقراءة الفنجان، وكل ما تفكر فيه هو أنها صاحبة هذه المحروسة، وأن زوجها هو رجل المحروسة الأول، ولابد أن يعلم الجميع ذلك، وأن زوجة هو رجل المحروسة الأول، ولابد أن يعلم الجميع ذلك، وأن زوجة وكيل النيابة لابد أن تعلم ذلك، ويدور الصدام بينهما طوال المسرحية من أجل سيطرة كل واحدة منهما على مقاليد الأمور ليجتمع حولها النساء، ويقررن بأنها هى سيدة المحروسة:
حرم المأمور : أنا عايزاها تقعد فى بيتها زى الكلب، لا حد يدخل لها ولا حد يخرج لها.
أم عباس : من بكرة وحياتك ما حد حايعتب عندها ... وأبقى قولى أم عباس قالت لى.
حرم المأمور : قال بنت العفاريت عاملة ست على ... إلهى يستتوكى فى التراب .. قال تدخل السيما وتتجعص فى اللوج وتحط رجل على رجل .. ويقولوا لها مرات المأمور عايزة اللوج، تقوم تقول تيجى تقعد معايا.
أم عباس : يا ستى ما هو آخر زمن ... ما عدش حد عارف الأصول.
حرم المأمور : اللى موش عارف الأصول نعرفه، إنما أنت يعنى مطمنة على المية؟.
وهكذا نتعرف على جوانب شخصية حرم المأمور المتغطرسة وسعيها للحصول على الهدايا من الفلاحين والأعيان بأى وسيلة :
المأمور : طولى بالك ... والنبى حتفرقيه وتبقى تقولى جوزى المأمور قال .. مين اللى بعت الفاكهة دى ؟
حرم المأمور : جماعة الهباشة بعتوا لنا قفصين موز وقفص تفاح ... نسيت أقول لك عديلة هانم عايزة خدامة.
المأمور : خدامة ! .. أنا بقيت جايب لها ييجى عشرة فى شهر واحد وما ينفعوش .. دى طويلة .. دى قصيرة .. دى عرجة .. دى عوجة .
حرم المأمور : (مقاطعة) .. لا موش لها، دى لواحدة صاحبتها.
المأمور : نجيب يا ستى .. حاضر .
حرم المأمور : والزبدة ؟
المأمور : أنا موصى عليها ... نص قنطار موش كده ؟ كلها يومين والعمدة يكون لمهم.
المأمور : هو طبعاً عنده تفتيش الخاصة .. والفلاحين هناك جناحتهم مكسورة.
حرم المأمور : ده راجل صلالى ... القنطار اللى جابه لخالى طلع ناقص رطلين
وهكذا يتضح الظلم الاجتماعى الواقع على الفلاحين من قبل المأمور وزوجته، وبمساعدة العمدة يأخذون رزق الفلاحين من أجل إطعام المأمور وأسرته، وخال زوجته ومعارفه، بل أكثر من ذلك تتباهى زوجة المأمور بمكانة زوجها، وتسعى إلى أن تزوج ابنتها نادية من الضابط سعيد الذى يرفض هذه الزيجة، كما تتباهى بأنها سوف تحتف هذا العام بالمولد النبوى، وتمر التشريفة من أمام منزلها إعلاناً عن مكانتها الاجتماعية التى لا تدانيها مكانة أية أمرأة أخرى، خاصة زوجة وكيل النيابة، إلا أن هذا لا يحدث:
حرم المأمور : اتفضلوا بقا يا ستات فى البلكونة .. باين التشريفة قربت.
(تقوم نبوية وأم عبد الواحد، وتقوم حرم المأمور فتقف حسنية وفوزية ونادية).
حرم المأمور : اتفضلوا .
(تدخل الخادمة لاهثة .. يتوقف الجميع)
الخادمة : التشريفة عند بيت وكيل النيابة ... والزغاريط طالعة من البيت.
ويشترك فى هذا الظلم الاجتماعى المأمور وزوجته ومعه بعض من أعوانه، وكذلك الخواجة المنافق الخبيث، ومعه الطبيب المنافق الذى ينسحب من الساحة إذا استشعر الخطر، ثم يعو بعد أن تهدأ الأجواء، أما عن العمدة فتتضح ملامح شخصيته وجوانبها، فهو الرجل الذى لا يعرف إلا الظلم والرشوة والفساد، وبعد أن تقع جريمة قتل يكون هو القاتل فيها، يتحايل ليزج بإنسان مظلوم لأنه رفض أن يبيع أرضهن ومن خلال هذا الموقف تتبلور لنا أبعاد هذه الشخصية.
المعاون : (بإنزعاج) : خير يا سعادة البيه ؟
المأمور : خير إزاى ! .. اسمع .. إشارة من عند عمدة المحروسة .. حضر إلينا بالدوار المدعو عبد الحميد غزال شقيق المتهم الأول واعترف لنا بأنه هو الذى قتل محفوظ، وصار إرساله مقبوضاً عليه للنيابة.
المعاون : يا نهار أسود .
المأمور : اتنين متهمين معترفين على قتل واحد ؟ أدى عمدة المحروسة الله يخرب بيته .. اتنين متهمين معترفين .. رحنا فى داهية يا حضرة المعاون .
بعد فشل عمدة المحروسة فى الزج بعبد الحميد فى السجن، وبعد أن أرشد على السلاح المزيف، وبعد أن أحضر الشهود وبرأته النيابة، لا يجد أمامه إلا أن يلفق التهمة إلى عبد الحميد ليزج به هو وأخوه فى لمان طره .
يسود الظلم والقهر أجواء المسرحية، فالعمدة والمأمور والمعاون وأعوانهم يظلمون، ووكيل النيابة يحافظ على العدل ويتصدى لظلم المأمور والعمدة الواقع على الفلاحين، والضابط سعيد يقف إلى جوار وكيل النيابة، وتنتهى القضية الاجتماعية هنا بزوال الظلم عن المحروسة، وذلك بعد أن نقلوا المأمور إلى خارجها، إلا أن وكيل النيابة الذى تكاتف عليه الجميع نقل أيضاً، وكذلك الضابط سعيد ينقل إلى نقطة الزاوية داخل المركز.
تتبلور جوانب القضية التى تعكس الظلم الاجتماعى الواضح فى استغلال السادة لمالكى الأراضى الزراعية من صغار الفلاحين، ومحاولة إجبارهم على التنازل عن أراضيهم بالقوة وإلا يزج بهم فى السجون، هذا ما فعله بعض الفلاحين الذين رفضوا بيع أراضيهم للشركة:
عبد الحميد : فضل كام راجل فى البلد ما رضيوش يبيعوا أرضهم ... حنفى وعوضين ومبروك ومحفوظ وأنا وأخويا عبد المجيد.
الضابط : انتو ما بعتوش ؟
عبد المجيد : نبيع إزاى يا سعادة البيه ! ... ده حتى بياخدوا الفدان بالتراب ... وبعد الواحد ما كان صاحب ملك يلاقى نفسه ثانى يوم نفر عندهم.
وهكذا يعلم الضابط سعيد أبعاد الموضوع من عبد المجيد ، ولماذا يصر العمدة على الزج بهما فى السجن، وبالفعل ينجح المأمور والعمدة والمعاون فى ضياع جهود الخير والانتصار عليهم انتصار الظلم والقوة والسطان:
المعاون : وزير الداخلية أصدر قرار باعتقالهم فى جبل الطور .. اللى كلمنى كان علشان كده.
عبد الحميد وعبد المجيد : جبل الطور ؟!
المعاون : (جرس) يا نمرة واحد .
(يدخل عسكرى).
المعاون : حط الحديد فى أيديهم ... وخلى بالك دول خطرين ... رايحين الطور .. تصبح على خير يا سعيد أفندى.
(يتقدم العسكرى فيضع يده على الشقيقين، وأثناء ذلك يسدل الستار).
ويرفض وكيل النيابة هذا الظلم ويتصدى له، وكذلك الضابط سعيد، إلا أن المؤلف يقوى من أبعاد الظلم الاجتماعى بأن يجعل صوت الظلم ينتصر لقدرتهم وامتلاكهم مقاليد السلطة والقوة.
إن هذه المسرحية وغيرها من أعماله المسرحية التى تصور القضية الاجتماعية، والتى كتبها فى مرحلة الستينيات " تجسد لنا مجموعة من النماذج البشرية تتنوع استجابتهم للأحداث المحيطة بهم، وتختلف مواقعهم باختلاف أوضاعهم الطبقية والاجتماعية.
إن مسرحية المحروسة تعد نموذجاً لأعمال سعد الدين وهبة التى كتبها فى مرحلة الستينيات، والتى ركزت جميعاً، وبشكل مباشر، على رصد القضية الاجتماعية، وما أصاب مجتمعنا من تغيير، إذ اعتمد على رصد التطورات والتغييرات التى حدثت فى المجتمع عقب ثورة 1952م- كما سبق الذكر – ساعياً من خلال مسرحيات هذه المرحلة إلى رصد الواقع الاجتماعى بصراعاته، ورصد التحولات الاجتماعية على المستويين المادى والقيمى، ويشمل هذا الرصد الريف والمدينة معاً، وطرق حياة الطبقات المختلفة.
هذا إلى جانب تركيزه الواضح على رصد الصراع الطبقى بين القديم والجديد محاولاً من خلال كل ذلك أن يحرر الإنسان من الفقر والظلم والاستغلال كل هذا يؤكد، وبشكل مباشر، أن مسرحه فى هذه المرحلة لم يكتف قط بالكشف عن مساوئ الواقع الاجتماعى، ولم يحفل بتقديم الحلول، وإنما اكتفى بالتعرية والإدانة، وترك هذه أثره على نهايات المسرحيات، فأضفى عليه جواً من الهدوء النسبى على الرغم من قتامة الواقع.
إن سعد الدين وهبة – وكما سيتضح فيما بعد – تأثر كثيراً فى مسرحه، وفى أسلوب معالجته لقضاياه الاجتماعية، بمسرح هنريك إبسن وبرنارد شو وتشيخوف، وهو ما جعل الدكتور سمير سرحان يصف مسرحياته ومسرحيات نعمان عاشور بقوله " إن هذه المسرحيات جمعت بين أسلوب المسرح الواقعى الاجتماعى الحديث من خلال بناء واقعى يعتمد على العرض فالأزمة فالانفراج، ومن خلال موضوع معاصر وشخصيات معاصرة.
الإطار الدرامى لمسرحية " المحروسة ".
يعد مسرح سعد الدين وهبة مسرحاً واقعياً من حيث الشكل والمضمون، يعكس فى مراحل متتالية صيغاً عديدة، فنراه فى أعماله المسرحية الأولى يركز على الدراما الواقعية بصيغتها الانتقادية، كما تمثل هذا فى مسرحياته : كفر البطيخ والمحروسة والسبنسة ، ففى مسرحيته " المحروسة " محل التحليل ، يسعى المؤلف لكى يعرى الواقع الاجتماعى الذى تحياه القرية المصرية، وكذا المدينة، معتمداً فى ذلك على استخدام تكنيك مسرح القضية الذى " ظهر فى فرنسا فى النصف الثانى من القرن الماضى، واستخدم شكلاً متطوراً على يد إبسن فى مسرحه الاجتماعى".
ويترتب على استخدام هذا التكنيك أن يركز المؤلف على القضية الاجتماعية ويسعى من خلال استخدام تكنيك المناقشة إلى تقليب " القضية الاجتماعية على وجوهها المختلفة دون اعتبار لتطور الحدث الدرامى من خلال أفعال الشخصية وليس أقوالها ".
وتكنيك القضية يعتمد على عرض القضية ومناقشتها من جميع جوانبها فى محاولة منق بل الشخصيات أن تتخذ كل شخصية موقفاً حيال القضية المطروحة يترتب عليه بطبيعة الحال أن تكون مع أو ضد ، وهو ما يخلق حالة من المعارك الجدلية، ويحدث فى بعض الأحيان حالة من الكوميديا الفكرية والحركية، وهو ما نجده يحدث فى مسرح برنارد شو وتشيخوف.
على أننا نرى أن البناء الواقعى فى مسرح سعد الدين وهبة الواقعى الاجتماعى قد لجأ فى بعض عناصره الفنية، وخاصة فيما يتعلق بملامح بناء شخصياته – على سبيل المثال – إلى استخدام شخصيات نمطية لا تتمتع بأى ملامح ذاتية أو نفسية خاصة بها حيث لا نجد البطل وكذا الشخصيات المتفردة، فالبطل يفقد مكانته فى المسرحية الاجتماعية، ويصبح المجموع هو البطل.
فكل شخصية تمثل نموذجاً ينتمى إلى شريحة اجتماعية معينة، وهو ما جعل النقاد يصفون شخصيات سعد الدين وهبة، وكذا نعمان عاشور، بأنها " شخصيات جاهزة ثابتة تتوزع أدوار الخير والشر فيما بينها، كما أنها لا تخلو من شخصية المضحك الساخر، ومن خلال هذه الشخصيات النمطية قدم سعد الدين وهبة مسرحه مسرح حالة عامة – على نحو ما رأينا من قبل فى مسرح نعمان عاشور – رسم من خلالها الكاتب صورة لمجتمعنا الماضى بما فيه من ظلم وفساد.
فكل شخصية من شخصيات المسرحية: الشيخ منصور وعبده المدرس والعمدة ووكيل النيابة وضابط الشرطة وباقى الشخصيات لا تتنوع، ولكنها تقدم ذلك النمط الذى يجعلنا ننشغل بقضيته ولا ننشغل به هو.
جانب آخر تعكسه المسرحية، وهو ما يتمثل فى لغة الحوار الواقعى الذى جاء قريباً جداً من لغة الحياة اليومية، إلا أنه مع ذلك لم يسهم فى تطور الحدث الدرامى أو إظهار جوانب تفرد كل شخصية، بل وجدنا أنفسنا من خلال حوار الشخصيات، وكأن كل شخصية انشغلت بتقديم نفسها دون الاهتمام بالشخصية الأخرى " فكل فلاح يروى لنا حكايته وقضيته، وتلقى الأسئلة تلو الأسئلة، وتأتى الإجابات دون أن نرى أهمية للأسئلة التى تطرح، فلا تدفع تطور الحدث الدرامى بقدر ما تعرقله، كذلك فإن حرص المؤلف على تقليد طبائع وملامح وإفيهات حوار الفلاحين مما شغله عن ضرورة أن يراعى درامية الحوار، وليس نمطيته ووجوده، كما هو فى الحياة.
جانب آخر وأخير أود أن أوضحه فى أعمال سعد الدين وهبة عامة اتضح فى هذه المسرحية، وهو ظهور روح الفكاهة مما يجعلنا نجد أنفسنا أمام أعمال مسرحية تذكرنا بأعمال تشيخوف وبرنارد شو، إلا أنها تعكس فى ظاهرها المرح والفكاهة، إلا أنها تتضمن فى بواطنها روح المرارة والحزن.
أحذية الدكتور طه حسين والقضية الاجتماعية فى مسرح السبعينات:
يعتقد بعض النقاد والدارسين أن المسرح المصرى فى السبعينات لم يكن كتب سعد الدين وهبة عدداً من مسرحيات الفصل الواحد فى مرحلة السبعينات وبدايات الثمانينيات تمحورت جميعها أو أغلبها على وجه التحديد حول رصد التحولات التى أصابت مجتمعنا المصرى موزعة بين مسرحيات تعكس القضية الاجتماعية، وأخرى تعكس القضية السياسية.
إلا أن " الثيمات الأساسية اجتماعية فى تركيباتها الشكلية، بينما تمتد على أبعاد مختلفة من أعماقها أعصاب سياسية قوية، وهذه الواقعية السياسية معالجة علاجاً مسرحياً فنياً مما يذكرنا بمسرح برنارد شو : السياسى المناور، والناقد الساخر، والفنان الهادف.
ومما سبق نستطيع القول إن مسرحية " أحذية الدكتور طه حسين " التى كتبها سعد الدين وهبة فى عام 1977م ، ورصد من خلالها التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التى أصابت بنية المجتمع المصرى فى مرحلة ما بعد السبعينيات إنما تعد مرآة صادقة بها نجح المؤلف فى رصد القضية الاجتماعية التى تراجع فيها الصراع الطبقى المتمثل فى الإقطاعى بالمفهوم التقليدى والفلاح، والعامل فى المصنع، وطرحت نموذجاً جديداً بين طبقة الانفتاحيين بكل فئاتهم وبين جميع طوائف الشعب بمن فيهم من مثقفين ومفكرين وعمال وزراع.
وهنا تتكشف لنا مقدرة سعد الدين وهبة فى الاقتراب من قضايا المجتمع المصرى ورصدها معتمداً فى ذلك على الرأى الذى يقول : إنه لابد على الكاتب المسرحى إن أراد الصدق أن " يستوحى مادة مسرحياته ومضمونها الدرامى من ظروف المجتمع الذى يعيش داخله، ويتأثر بأحواله وملابساته أثناء قيامه بعملية الخلق الفنى، إذ أن الكاتب هو الضمير الواعى لمجتمعه.
ولابد أن يبلور وجدانه، ويضع يده على نقاط الضعف والقوة، ويرى ما لا يراه الشخص العادى.
يطرح سعد الدين وهبة فى هذه المسرحية " أحذية الدكتور طه حسين" قضية اجتماعية تأخذ أبعاداً جديدة، حيث إنه لا يقدم – كما سبق وذكرت – الصراع الطبقى أو الظلم الاجتماعى المباشر الواقع على الفلاح أو العامل، ولا يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل مباشر كما هو حال أعماله المسرحية السابقة، بل نجده فى هذه المرحلة يعرض لما أصاب المجتمع المصرى فى مرحلة السبعيينات، فقد اشترى الحاج رمضان هذا الدكان منذ حرب سنة 1956م، وهو يعمل به بقالاً منذ عشرين سنة، واليوم يفكر فى بيع المحل بعد أن أدرك أن البقالة لم تعد تدر عليه الريح.
وتتفتح أبعاد القضية وتتضح عندما نعلم أن سعيد، كاتب وشاعر وقصاص أراد أن يشترى هذا الدكان ويحوله إلى مكتبة، وبعد أن ينصحه الحاج رمضان بالبحث عن عمل آخر، كما يتضح فى الحوار التالى:
الحاج : مكتبة أيه يا أستاذ بس ... مش تشوف شغلانه توكل عيش ولا يعنى حضرتك مش شايف الناس ماشية إزاى .
غير أن سعيد يصر على تحقيق حلم حياته فى مكتبة يقرأ فيها، ويبيع فيها الكتب التى يقدر عليها، بينما على النقيض نجد الحاج يقرر بعد أن يبيع الدكان أن يشارك فى نايت كلوب ليحقق الربح والمكسب السريع، ويرى أنه بحاجة إلى الفرفشة فى ظل ظهور النفط وتغير كثير من أوضاع المجتمع، لذا يقرر ذلك صراحة:
الحاج : آه لو عرفت مكاسب النايت كلوب دى ..
سعيد : فعلاً أنا باسمع أنها بتكسب كثير قوى.
الحاج : زمان كانوا أبهاتنا يقولوا ع القطن الدهب الأبيض، دلوقت فيه الدهب الأسود.
سعيد : أسود .
الحاج : أمال ... الجاز يا أستاذ.
سعيد : آه ... البترول.
الحاج : أمال ... أنا تعبت خلاص وقرفت من باكو شاى ... خمسين درهم جبنة بيضة ... بشلن زيتون واتوصى . خلاص من حقى أشوف الورق أبو مدنة وأبو كبش أو سبع، وكل أنواع الورق اللى يساوى .
ومما سبق نستطيع أن نتلمس التغيير الذى أصاب مجتمعنا المصرى فى أعقاب الانفتاح الاقتصادى، حيث يتابع المسرح رصد حركة التغيير، فالمسرح هو " النموذج الفنى للمجتمع الذى تحركه ديناميات التحول من ثقافة إلى أخرى والانتقال من المحافظة إلى التفتح والصراع بين طبقة تجر أذيال هزيمتها وأخرى تستشرف واقعها الجديد.
إن الحاج رمضان استجاب لموجات التغيير التى مر بها المجتمع، وأصر على ضرورة الانتقال والتدرج من طبقة العاملين والبقالين وأصحاب المهن البسيطة إلى أصحاب المهن التى تدر عليهم الربح دون جهد أو علم، فمجال الفن لا يحتاج إلى شئ أكثر من وجود المال الذى يزداد ويتضخم دون جهد .
ومن ناحية ثانية يبدأ سعد الدين وهبة فى تجسيد الجانب الأخر من قضيته الاجتماعية التى يعرضها فى هذه المسرحية، وأقصد بها تراجع قيمة العلم والعلماء والمثقفين، إنها أمور لا تدر على الإنسان الربح، بل أكثر من ذلك هى مضيعة للمال كما يتضح فى هذا الحوار الذى يدور بين الحاج رمضان وسعيد :
الحاج : بس فك كده واسمع كلامى شوف حاجة تانية غير المكتبات دى علشان ما تندمش.
سعيد : والله يا معلم أنا طول عمرى باحلم بالحكاية دى .. أنا فاضل لى خمس سنين خدمة فى الحكومة، سويت معاشى واستبدلت جزء منه، وخلاص عاوز أكمل حياتى فى مكتبة هادية كده، وأبيع كتب، وأقرأ ، وأعيش وسط الكتب.
إن الحاج رمضان وبمقاييسه الاقتصادية الجديدة ورؤيته لمكانة الثقافة فى المجتمع يشفق على سعيد من ضياع ماله فى مشروع لن يكسب منه، وتنتهى القضية بأن يساوم الحاج رمضان سعيد ويبلغه أن راقصة عرضت عليه ضعف المبلغ الذى عرضه، وبالفعل يتراجع سعيد أمام طوفان المال المتدفق من الراقصة، ويقرر عدم شراء المحل، وعندها يقول الحاج :
الحاج : مش قلت لحضرتك راجل ذوق معتبر إنما حكاية الكتب ... اسمع يا شيخ ربنا لازم أراد بيك خير ... يمكن كنت حتضيع القرشين فى تجارة مش نافعة.
ويدور حوار بين سعيد وكيكى الفنانة يعلم منه ما آلت إليه أحوال الفن والثقافة فى المجتمع:
سعيد : حضرتك بتشتغلى فى الفن ... إيه اللى بخليكى تفتحى محل جزم.
كيكى : هو ممنوع.
سعيد : لا ... مش ممنوع، إنما يعنى تفتحى كازينو نايت كلوب ... حاجة زى دى..
كيكى : لو كانت مش بتكسب ما كنتش تبقى كثير كده .
سعيد : هى ظاهرة أنا مش فاهمها أبداً.
كيكى : جرب.
سعيد : أجرب أيه.
كيكى : سيبك م الكتب واشتغل فى الجزم وحنشوف .
وهكذا ينجح سعد الدين وهبة فى رصد تراجع الكثير من القيم الإيجابية الخاصة بمجتمعنا، القيم الثقافية والاجتماعية التى تراجعت أمام قيمة الانفتاح والكسب دون الاهتمام بما آلت إليه أحوال المجتمع، إن القضية هنا لا تعد قضية إجتماعية شخصية، بل هى قضية المجتمع ككل، وبذلك يحقق سعد الدين وهبة مقولة إريك بنتلى بأن " الكاتب الدرامى فى أعمق معانيه أقل اهتماماً بالفرد منه بالمجتمع، وقد قال كارل ماركس : " إن الإنسان هو مجموع علاقاته بالآخرين " وبهذا تكون روح الكاتب المسرحى أصلاً ماركسية، وأن يتناول المجتمع على نحو العائلة بدلاً من الطبقة، فبدلاً من أن يرسم المسرحى صوراً شخصية سكونية كما يفعل الرسام فإنه يقدم حركية العلاقات الإنسانية ".
إن سعد الدين وهبة يقرر فى هذه المسرحية أن الغلبة أصبحت لهذه الطبقة الاجتماعية الجديدة التى تملكت زمام الأمور ومقاليدها، وبالفعل ينقاد هذا المثقف والقصاص والمؤلف لكى يقر بهذه الحقيقة، ويقبل أن يعمل مدير دعاية لها، ويقبل أن يسمى محل الأحذية هذا باسم الدكتور طه حسين، بل يفكر لها فى فتح أجنحة داخل المحل ليبيع فيها شباشب وقباقيب للحكيم والعقاد، ويتضح هذا فى الحوار التالى:
سعيد : يا سلام .. أيه الأفكار العظيمة دى .. تصورى .. إنتى بتعملى انقلاب حقيقى ثورة كيكى: فى الجزم.
سعيد : فى الجزم وفى الأدب وفى الفن وفى كل حاجة، أحذية الدكتور طه حسين وشباشب توفيق الحكيم شئ ما حصلش ...
كيكى : ما قلت لك مدير الدعاية بتاع المحل .. وما رضيتش.
سعيد : يا مدام الموقف اتغير دلوقت خالص، إذا كانت أحذية طه حسين وشباشيب توفيق الحكيم اشتغل قوى ...
كيكى : وحتعمل فى الكتب بتاعتك أيه ...
سعيد : حرميها فى النيل ...
كيكى : خسارة ... هاتها نلف فيها الجزم ...
سعيد : معقول برضه ...
إن ما أصاب المجتمع المصرى من تغيير فى قيمه ومبادئه لهو أمر انعكس على طبيعة الأعمال المسرحية التى عرضت لهذا التحول، فجاءت القضية الاجتماعية فى هذه المسرحية خير برهان على رصد هذه التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية مما ترتب عليه تراجع طبقة ووصول طبقة جديدة بقيم جديدة إلى أعلى الهرم الإجتماعى، وهو ما يأتى متفقاً مع مقولة أرنولد هاوزر من أن " العصور الكبرى للتراجيديا هى تلك التى تحدث فيها قلاقل اجتماعية، وتفقد فيها طبقة حاكمة سلطتها ونفوذها فجأة ".
الإطار الدرامى لمسرحية أحذية الدكتور طه حسين
لم يختلف تكنيك الكتابة عند سعد الدين وهبة فى هذه المسرحية عن مسرحياته الأخرى، فها هو يستمر فى نهج المسرحية الواقعية التى تقدم قضية اجتماعية تأخذ الشخصيات على عاتقها مهمة تفنيد جوانبها وتحليل أبعادها ومناقشتها من خلال الاعتماد على شخصيات مسرحية نمطية كثيراً ما استعان بمثلها فى جميع مسرحياته السابقة، وكذا الحوا القريب جداً من الواقع المعيشى الذى يغرق نفسه فى بعض الأحيان باستخدام جمل مغرقة فى السوقية من أجل الوصول إلى هدفه، وهو الاقتراب من واقع المجتمع.
إلا أننا لا ننسى أن سعد الدين وهبة هنا لم يسع من خلال مسرحيته هذه، وبعد أن فند أبعاد القضية الإجتماعية، إلى الثورة على الواقع الاجتماعى بغية تغييره، بل هو يقر الواقع الاجتماعى ليظهر كما لو أنه قد يئس من محاولة التغيير والتبديل إلى الغد الأفضل، فيجعل الراقصة تنتصر بقيمها على سعيد وأمثاله من المثقفين الساعين إلى المحافظة على بقاء قيم المجتمع المختلفة من أجل الغد.
جانب آخر أود أن أوضحه يتعلق بروح الفكاهة التى سيطرت عليه فى مسرحياته الأولى سرعان ما تتراجع هنا وتقل مساحتها، حيث سيطرت عليه وعلى أعماله روح الحزن والضيق مما وصلت إليه أحوال مجتمعنا المصرى، وكذا الحال فى مسرحنا، وهو يصر على العودة بالكوميديا إلى دورها وهدفها الذى سعى إلى تحقيقه فى مسرحياته الأولى، والتى سعت إلى استبقاء قدر من التقدير والاحترام من قبل الجمهور المثقف للكوميديا فهو هنا يعرض قضية فى أسلوب جاد وحاد يجعلنا لا نستشعر ونتفاعل مع روح الفكاهة التى تظهر فى حوار شخصياته.
مع تحيات أ.د أحمد صقر – جامعة الإسكندرية.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,720,520,056
- قضايا العولمة الثقافية وموقفنا منها
- العولمة الثقافية
- النقد النسائي (النسوي)
- نظرية العرض المسرحي في المسرح العرائسي للطفل
- تاريخية العولمة والقوي التي دفعت العالم إلي التغيير
- الارشادات المسرحية في مسرحية الزفاف الدامي للكاتب الاسباني ل ...
- البيئة العربية في مسرح لوركا الاسباني
- المسرح بين التجريب والعولمة
- في النقد التطبيقي ..مسرح نصرة المرأة
- سينوجرافيا المسرح ..المرجعية النظرية للعرض المسرحي
- آلية التلقي في المسرح ..دراسة في النقد الأدبي والمسرحي
- المسرح وتحديات العولمة
- الأسرة في المسرح الأمريكي المعاصر


المزيد.....




- بالفيديو..أشهر 10 أفلام كارتون من إنتاج «والت ديزني».. «سنو ...
- فيلم ?The Hobbit? يتصدر إيرادات السينما بأمريكا الشمالية
- ذكرى زكى طليمات.. صانع المسرح ومؤسس جمعية «الحمير»
- مشاهير فى «الكلابوش»..أهم 10 فنانين اتهموا في قضايا النصب.. ...
- كاريكاتير
- كاريكاتير
- بالصور..الدورة السابعة لملتقى «الأقصر للتصوير».. «الصين» ضيف ...
- تقييّم أداء طلبة 260 مدرسة في -اللغة العربية- مارس المقبل
- وزير الثقافة تفتح باب دعم مشاريع 2015
- 24 ديسمبر.. فتح المظاريف الفنية لتنفيذ الحديقة العامة بطيبة ...


المزيد.....

- قراءة فلسفية لدستويفسكي / هشام غصيب
- نار البراءة / محمود شاهين
- غوايات شيطانية. سهرة مع ابليس. ملحمة نثرية شعرية غنائية . ال ... / محمود شاهين
- جيل دولوز و لحظة البدء: تفكير الفلسفة في السينما / سمير الزغبي
- موتي وقط لوسيان / محمود شاهين
- النهر المقدس / محمود شاهين
- رسائل عشق إلى ميلينا. نثر وشعر . الرسائل كاملة / محمود شاهين
- جورج بشنار خالق -فويتسك- / غوث زرقي
- فلسفة المشهد وجماليات التعذيب في مؤلف - المراقبة والمعاقبة- ... / سمير الزغبي
- ماكبث النص الكامل النهائي / أفنان القاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد صقر - القضية الاجتماعية في المسرح المصري (سعد الدين وهبة نموذجا )