أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - علي أوعسري - في نقد إسقاط ما يجري في تونس ومصر من أحداث على الواقع المغربي















المزيد.....

في نقد إسقاط ما يجري في تونس ومصر من أحداث على الواقع المغربي


علي أوعسري

الحوار المتمدن-العدد: 3268 - 2011 / 2 / 5 - 00:01
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


أرخى توالي الأحداث التاريخية الكبرى التي عرفتها تونس، وتعرفها مصر حاليا، بضلاله الكثيفة على النقاش السياسوي والاعلاموي بالمغرب، ذلك أن هذه الأحداث، اظافة الى أحداث مخيم أكديم ازيك، ما فتئت تغذي نقاشا أبعد ما يكون الى الاستجابة لحاجيات البلاد الأساسية، وعلى رأسها المسألة الاجتماعية والثقافية والديمقراطية. في غياب أي نقاش موضوعي وصريح لمثل هذه الإشكالات المجتمعية المطروحة اليوم بقوة على بلادنا، ها نحن نعيش حلقة جديدة-قديمة في مسلسل إيديولوجي طويل – على شاكلة المسلسلات المكسيكية الذائعة الصيت - تتغيا طمس النقاش المجتمعي الحقيقي والاستعاضة عنه بربط الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي والوطني بما يجري، حسب أبطال هذا المسلسل، من تطور للأحداث ب"العالم العربي" والمغرب العربي" وتداعياتها على الوضع الداخلي "القطري بتعبير الإيديولوجية القومية"".
المتتبع للنقاش السياسوي والاعلاموي الدائر عبر الصحف الوطنية ذات التوجه العروبي لن يجتهد أكثر في تبيان خلفية وأدوات هذا النقاش المستعر اليوم بالمغرب... يستبطن هذا النقاش تقاطبا واصطفافا واضحين بين من يعتبرون أن المغرب كيان عضوي من هذا "المغرب العربي" ومن هذا "العالم العربي"، وبالتالي فهو لن يشكل الاستثناء أمام هذه الموجة العتية من الحركات الاجتماعية الاحتجاجية الثورية، وبين من يعتبرون أن المغرب، وهو دائما بحسب هؤلاء كيان عضوي من هذا "العالم العربي"، يشكل استثناءا في نظامه السياسي وفي عمق وعراقة الدولة المغربية التي هي، بالمناسبة، تشكل الاستثناء التاريخي الوحيد، إن شئنا القول في هذا "العالم العربي" الذي لم تظهر فيه إرهاصات الدولة بمفهومها الحديث، إلا بعد الاستقلالات الشكلية التي حصلت عليها هذه الدول في القرن الماضي.
وإذا تركنا جانبا تلك الثلة من "الصحافة المستقلة"، جريدة أخبار اليوم المغرب نموذجا، التي تزعم وتؤيد فكرة اجتياح هذه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية للمغرب نظرا لكونها تشكل الأقلية في هذا التقاطب، إذا تركنا هذه الثلة جانبا فيبدو منطقيا التركيز على هذا التكتل، من القوى اليسارية "الوطنية" والاسلاموية ذات التوجه العروبي القومي، في محاولة لقراءة خطاب مكونات هذا التكتل ومواقفها مما يجري حاليا في تونس ومصر وإسقاطه على الحالة المغربية ...
ثم إن هذه القراء ة التي نحن بصددها تتغيا، من بين ما تتغياه، إبراز ذلك الخط التعسفي الناظم في هذه الخطابات بين ما يجري من أحداث في هذه الدول وبين مسألة الديمقراطية، أو قل إن شئت الدقة الانتقال الديمقراطي، بالمغرب. وقبل الدخول في تفاصيل هذا الربط الميكانيكي اللاتاريخي المثالي الذي يقيمه هؤلاء، لا بد لنا من الاشارة الى أنه وبعد مدة من غياب مفهوم الانتقال الديمقراطي عن النقاش العمومي، وهو غياب فيه نقاش كبير، ها هي هذه القوى تستعير هذه الأحداث في محاولة منها لفتح نقاش سياسوي واعلاموي وارادوي حول الحاجة الى هذا "الانتقال الديمقراطي"، المغيب منذ مدة، والذي أضحى بحاجة لمزيد من الجرعات الإصلاحية حتى يؤول الى نهايته المفترضة والقصوى، وهي بحسب البعض من هذه القوى إرساء نظام الملكية البرلمانية.
في هذا السياق الدقيق يجري هذا النقاش. وفي هذا السياق بالضبط آن لنا أن نطرح بعض الأفكار للمناقشة، ونحن نعلم علم اليقين أن مثل هذه الأفكار لن ولم يسمح لها بالنشر في الصحف المغربية ذات التوجه العروبي، سواء الحزبية منها أو المستقلة، وهذا ما عودتنا عليه للأسف هذه الصحف التي لا تقبل بالرأي والرأي الأخر، رغم ادعائها وتبنيها لهذا الشعار الكبير عليها. كيف يمكن إذن لهذه الصحف أن تطالب المزيد من الإصلاحات والحريات والديمقراطية وهي لا تقبل بالاختلاف وبحرية التعبير وبالديمقراطية!.. فاقد الشيء لا يعطيه.. علمتنا التجربة أن الدولة المغربية – ورغم العديد من ملاحظاتنا عليها – أقرب ما تكون ديمقراطية ومستجيبة لنبض الشارع من هذه التنظيمات الحزبية والنقابية والإعلامية التي تراها تطالب بالديمقراطية والحريات والإصلاح في وقت تمارس فيه عكس ما تدعيه.
حينما كنا نناضل في إطار حركة الدكاترة المعطلين (2002-2007)، كانت الدولة آنذاك قد عملت على المغادرة الطوعية في محاولة منها التخلص من العديد من الموظفين، وكان ذلك الظرف صعبا، حيث أن الدولة لم تكن ترغب في المزيد من التوظيف... ليس الأهم هو رصد تلك المرحلة لكن المهم هو الإفصاح هنا عن مواقف العديد من التنظيمات الحزبية والإعلامية والنقابية التي تولت آنذاك مهام الدفاع عن موقف الدولة في عدم القدرة على التوظيف. شاءت الظروف أن تتقوى تلك الحركة الاحتجاجية وتنتزع لها مكاسب هامة لازالت مفاعيلها سارية الى اليوم.
أما على المستوى السياسي والحقوقي، فيمكن القول وبدون الدخول في تفاصيل الأمور أن تجربة "العدالة الانتقالية" ممثلة في هيأة الانصاف والمصالحة، وإعادة الاعتبار للقضية الأمازيغية، لم تحقق الأهداف الاستراتيجية الكبرى في تحقيق الديمقراطية والحريات بسبب من تردد مواقف القوى السياسية وخاصة اليسارية "الوطنية" من هذه القضايا، وليس الى الدولة التي ما كان لها لتمنح – وهذا قانون الصراع والتاريخ – في ظل ميزان قوى مختل لصالحها أكثر مما منحته.
إن هؤلاء الذين اقتنعوا بالأمس ببعض الكراسي وتخلوا عن قضايا الشعب المغربي، تراهم اليوم يتحينون فرصة ما يجري بتونس ومصر ليقولوا أن البلاد في حاجة ماسة للإصلاحات. السؤال الإشكالي-المفصلي هنا هو ما مضمون هذه الإصلاحات? وما تأثير هكذا إصلاحات على قضايا وطنية إستراتيجية ومنها القضية الأمازيغية والعدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة بين المغاربة وفقا لمبدأ الكفاءة وخدمة الصالح العام? ألم يحن الوقت بعد لتفكيك تلك الطغمة من آل الفاسي الفهري الذين يستولون على كل مفاصل الدولة المغربية!.. إذا كان الإصلاح سيبقي على هؤلاء في مواقعهم باسم "الوطنية" فنحن ضد هذه الإصلاحات...
وكما أكدنا على ذلك مرارا، وقبل هذه الأحداث، فان المغرب في حاجة الى حكومة وحدة وطنية تضم كافة مكونات الشعب المغربي للتأسيس لمرحلة انتقالية، ليست على شاكلة ذلك الانتقال الديمقراطي الذي حمل فئة معينة الى السلطة وحمل معه العديد من الأزمات للشعب المغربي. إن المرحلة الانتقالية التي نتوخاها ينبغي أن تسفر عن إصلاحات دستورية صريحة من كل القضايا المطروحة، أي أن يكون من بين نتائجها المباشرة دسترة الأمازيغية لغة وطنية وفتح مصالحة وطنية كبرى مع مجموع فئات الشعب المغربي التي كانت ضحية السياسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية واللغوية المعتمدة منذ الاستقلال الى اليوم.
لقد أكدنا في مقالات سابقة وقبل ظهور أية إرهاصات أولية لهذه الأحداث (مخيم أكديم ازيك، تونس، مصر والبقية ستأتي..) أن دول الشرق الأوسط كلها آيلة للسقوط بسبب من أزمة ذلك الترابط العضوي التاريخي الذي حصل فيها بين الحزب الحاكم الممثل للطغمة البرجوازية المالية الاحتكارية والدولة الاستبدادية، حتى أن انهيار الحزب، وهو ما كان متوقعا بسبب من حدة الصراع الطبقي الكوني في عصر العولمة وبسبب من الحتمية التاريخية التي تحكم مآلات هذا الصراع، يعني اتوماتيكيا انهيار الدولة... لقد كشف التاريخ هذه الحقيقة في كل الأنظمة الشمولية لعل أخرها ما جرى في تونس وما يجري في مصر، ولعل أبرزها ما وقع في العراق.
فالدولة التي من المفترض أنها الحاضنة الوطنية للمجتمع ومؤسساته، باعتبارها غاية الغايات حسب الفيلسوف العظيم هيغل، تنهار بانهيار الحزب الحاكم، أو قل للدقة بانهيار الزعيم الأبدي للحزب.... هذه هي المأساة التاريخية التي حاول ويحاول أصحاب هذا التكتل العروبي جر بلادنا إليها، سابقا لما كانوا مصممين على إقامة أنموذجهم العروبي/الاسلاموي الشمولي في الحكم بتعاون من قوى قومية واسلاموية ويسارية مشرقية، واليوم من حيث لا يدرون وهم يقيمون تماثلات لا تاريخية بين المغرب و"العالم العربي".
إن الدولة في المغرب، من حيث هي دولة تاريخية، اتخذت أشكالا متعددة، لا نرى المجال ملائما للتدقيق فيها هنا، ومن حيث هي كذلك فهي لها عراقتها وأصالتها وتطورها الخاص بها، لا تشابه فيه مع تطور الدول المشرقية التي رأت النور في ظل المرحلة الكولونيالية وعلى اثر انهيار الخلافة العثمانية وتقسيم سايس-بيكو. وإذا كانت القومية العربية في سياق تشكلها التاريخي جاءت كرد فعل على ذلك التقسيم وكرغبة من بعض البرجوازيات العربية الأخذة في التشكل والنمو عند نهاية القرن التاسع عشر في التخلص من الخلافة العثمانية التي فيها تهيمن القومية التركية، إذا كان ذلك كله حقائق تاريخية فما الدافع الذي يدفعنا نحن في المغرب الى تبني الإيديولوجية القومية العربية، ونحن لم نكن يوما تحت وصاية العثمانيين، ولا كانت لنا مشاكل مع اليهود والمسيحيين عكس ما كان يجري بالمشرق من صراعات دينية ومذهبية وصليبية!... ثم فيما سينفع هذا التباكي على القومية العربية وهي متهالكة ومتهافتة اليوم بعد أن صار ذلك التقسيم واقعا تاريخيا لا سبيل لتجاوزه?!... بمعنى مكثف ما الدافع لمثل هذا النقاش السياسوي والاعلاموي الذي لا يناقش الواقع المغربي إلا من زاوية النظر العروبية? والحال أن المغرب كدولة وكمجتمع ظل تاريخيا منفصلا ومستقلا عن كل هذه الخلافات المشرقية في طابعها الاسلامي القديم وفي طابعها العروبي والاسلاموي الحديث... أليس هذا إساءة للوطن باسم الوطنية والقومية والاسلاموية?...
إن الحقيقة التاريخية الأولى، والتي لا غبار عليها، أن المغرب ليس بلدا عربيا وفقط، انه بلد من حيث جغرافيته إفريقي متوسطي ومن حيث مكوناته أمازيغي في الأساس وإفريقي وعربي ويهودي. إن هذا التعدد الذي حال دون أن يسقط المغرب تاريخيا في قبضة الخلافة المشرقية بشتى تلاوينها هو نفسه الذي يحول دون تحقيق رغبات هذا التكتل العروبي في إلحاق المغرب بالمشرق ومشاكل هذا "العالم العربي"... أما الحقيقة التاريخية الثانية فهي أن تعاقب الدول في المغرب كانت تتخلله فترات ومراحل السيبة وليس ما يسمى حربا أهلية. إن الفرق هنا كبير جدا بين السيبة والحرب الأهلية، ذلك أن السيبة تجد أسسها الموضوعية في غياب سلطة مركزية قوية وفي حاضنتها القبلية باعتبارها بنية اجتماعية وتاريخية وسوسيولوجية ضلت قائمة في بلادنا الى اليوم، وفي حاجتها الاقتصادية في المرعى والكلأ... أما الحرب الأهلية فهي حرب مدنية، تجد أسسها في تناقض المصالح بين تنظيمات حزبية ومدنية وثقافية وعشائرية ومذهبية تتنازع السلطة في ضل ضعف أو غياب سلطة الدولة وليس الدولة ككل.
انطلاقا من هذه الحقائق التاريخية والسوسيولوجية، أمكن لنا القول أن المغرب لن يكون مسرحا لمثل ما يجري اليوم في تونس ومصر واليمن. إن استمرار الدولة في المغرب، في عراقتها وتطورها، مسألة حيوية للمجتمع المغربي، ونحن هنا لا نخفي قناعتنا الراسخة، والتي توصلنا إليها بعد نقضنا للعديد من القناعات السابقة، في كون استمرار تطور الدولة المغربية - في عراقتها وفي أفق صيرورتها دولة مدنية تعترف بكامل الحقوق المدنية والاجتماعية والدينية والثقافية المتعارف عليها دوليا في هذه المرحلة التاريخية من تطور البشرية – يستلزم استمرار وتطوير النظام الملكي بالمغرب الذي حال في مراحل تاريخية معينة دون استنباط الأنموذج القومي في شكليه الناصري والبعثي ببلادنا. هذا فضل الأمازيغية علينا، وهو فضل لا ننكره، فمنذ أن بدأنا ننشغل ونشتغل بالقضية الأمازيغية نجدنا في كل مرة في حاجة الى الانغماس في هذا التراث المغربي ذي الأصول الأمازيغية العميقة، وكل محاولة للانغماس في هذا التراث المغربي المتميز لا تزيدنا إلا قناعة بوهم وإيديولوجية الخطاب القومي، سواء في شقه اليساري أو الليبرالي، وكذلك الاسلاموي.
لا يمكن لهذين الخطابين (القومي والاسلاموي) أن يناقشا مشاكل وواقع المغرب إلا في ارتباط بالمشرق، وهذه مأساة فعلا. ففي الآونة الأخيرة التأم في بلادنا مؤتمر الاحزاب العربية، وهو مؤتمر من مجاميع عروبية، وكان من بين ما "تفضلت" به هذه المجاميع أنها تعترف للمغرب بوحدة ترابه الوطنية، وفي تلك المجاميع نفر من حماس وحزب الله قيل إنهم مع الوحدة الترابية المغربية!...هل ننتظر من حماس – وهي من انفصلت ببضع كلمترات مربع من أراضي فلسطين حتى قبل التحرير- أن تدعم الوحدة الترابية للمغرب! وهل ننتظر من حزب الله الشيعي الذي يتغيا إقامة جمهورية على شاكلة نظام الملالي في لبنان أن يدعم الوحدة الترابية للمغرب!.. كان أمرا سخيفا حقا أن يطلع علينا بعض مريدي التيار العروبي في المغرب بهذه "الانجازات العظيمة" التي "تحققت" بفضلهم لقضية الوحدة الترابية.... لكن قمة السخافة أنه لم يجرأ مؤتمر هذه المجاميع على إصدار أية مواقف صريحة مما كان يجري آنذاك في تونس من أحداث ثورية كبرى، لقد انتظر هذا المؤتمر الى أن انهار نظام بنعلي فصدر موقفا "تاريخيا" في طرد حزب التجمع الدستوري الديمقراطي التونسي من عضويته.
بالعودة الى النقاش الدائر وطنيا، نسجل أن جريدة الاتحاد الاشتراكي دأبت على تبيان "الخصوصية" المغربية ودور القوى "الوطنية" في بناء هذا النموذج الخاص الذي ما إن يمنح بعض الإصلاحات السياسية والدستورية – بحسب القيمين على هذه الجريدة - حتى يسترجع فيه هذا الانتقال الديمقراطي المنحصر مسيره نحو الديمقراطية ولم لا نحو البرلمانية الديمقراطية. الحقيقة أن مثل هذه المواقف هي خارجة عن الفعل السياسي التاريخي، فهي تحاول عبثا اللحاق بالأحداث والاستفادة منها إن أمكن؛ وحتى نوضح بدقة ما قلناه في فقرة سابقة من هذا المقال فان الاتحاد الاشتراكي كان مسئولا رئيسا عن فشل ما يسميه الانتقال الديمقراطي، بل ساهم في عدم وصول بعض القضايا الأساسية الانتقالية الى أهدافها الاستراتيجية. خروجه اليوم بهذا الخطاب لن يفيده في شيء ولن يفيد المجتمع في شيء... الأمور تغيرت كونيا ومن لا يزال يمتح من إيديولوجيات قومية وكذا من وطنية الثلاثينيات لن يقدم شيئا للجماهير الشعبية... هذا ما وعته الجماهير جيدا في تونس ومصر فهبت الى الشارع في حركة اجتماعية تاريخية تجاوزت كل الدوغمائيات التنظيمية الحزبية والدينية والنقابية المحنطة.
أما من يتابع افتتاحيات جريدة التجديد فسيقف عند تأويلات أصولية لهذه الأحداث الجارية في جوارنا "العربي والإسلامي"... لا يتوانى السيد الخلفي عن التأكيد على "خطر" النموذج التونسي، أو قل للدقة نموذج بنعلي في تونس، على المغرب، حيث يؤكد على وجود مشروع حزبي سلطوي استئصالي بالمغرب في إشارة الى الأصالة والمعاصرة. من موقعنا كملاحظ غير منظم في أية جهة، على الأقل لم نر في إطار هذا المشروع السلطوي أية ممارسة إرهابية من قبيل الاغتيال السياسي الذي مارسه الإسلاميون في سبعينات وتسعينيات القرن الماضي في المغرب... ثم ما ذا قدم هؤلاء الإسلامويون للديمقراطية في المغرب حتى يخرجوا علينا اليوم في لبوس المدافعين عنها?!.... أليسوا هم أول المستفيدين منها!... ألم يصلوا الى مؤسسات الدولة من مجالس بلدية وبرلمان دون عناء، وأحيانا بتوافق مع الداخلية التي مافتئت تحدد لهم نسب المشاركة مسبقا! أليس هذا مكافأة لهم من النظام/المخزن على ما أسدوه له من خدمة في محاربة الوعي النقدي العقلاني والحداثي?... ألم ينشأ هذا المشروع الاسلاموي برعاية من السلطة وطنيا وبرعاية أمريكية دوليا في ظروف تاريخية كانت فيها الرأسمالية الأمريكية في حاجة الى قوى الإسلام السياسي لمحاصرة الحركة الاجتماعية والسياسية التقدمية! لكن أليس غريبا أن يتحالف اليوم أعداء الأمس من إسلاميين ويساريين عروبيين وقوميين في تكتل يحاول درء "الخطر" الذي تشكله القضية الأمازيغية على مصالح هذا التكتل المعيق للانتقال الفعلي الى الديمقراطية? ....
هذا هو جوهر النقاش الذي ينبغي أن نتطارحه اليوم وخاصة في العلاقة بالانتقال الديمقراطي من حيث هو عملية تاريخية ينبغي أن تحقق التغيير على كافة المستويات وخاصة الاجتماعية والثقافية منها في أفق تحقيق مصالحة تاريخية للمغرب وللمغاربة مع تراثهم وأصولهم التي يحاول هذا التكتل طمسها لصالح ربط المغرب بالمشرق في إطار من أوهام إيديولوجية من قبيل "العالم العربي"، "المغرب العربي" و"الوطن العربي".
فيما يخص هذا الانتقال الديمقراطي الذي يقال، حسب هؤلاء، أنه في حاجة الى تعميق مساره في ظل التطورات الجارية في تونس ومصر، أفلا يعقل أن ننظر ولو قليلا في مسببات انحصار هذا الانتقال قبل النظر في تعميقه? ... إن انحسار هذا الانتقال الديمقراطي يجد أسسه الموضوعية والتاريخية في استرايجية وإيديولوجيا الحركة الوطنية، في تيارها اليساري تحديدا، والذي لم يكن يرى في الانتقال الديمقراطي سوى انتقاله الى السلطة في إطار ما سمي التناوب التوافقي....
لقد جرى فصل من هذا الانتقال بعيدا عن الواقع المغربي وبعيدا عن الجماهير الشعبية في تعدد قضاياها وانشغالاتها وآمالها. بمعنى آخر كان هذا الانتقال انتقالا الى السلطة لنخب يسار الحركة الوطنية على المستوى الاجتماعي والثقافي والسياسي الخاص بها كفئة برجوازية صغيرة. أما قضايا الشعب وعلى رأسها القضية الأمازيغية فقد جرى تغييبها إلا ما استطاعت إليه الحركة الثقافية الأمازيغية من سبيل... على أن ما تحقق من مكاسب ضئيلة لم يكن يحضا بدعم هذه القوى السياسية التي أخذت على عاتقها انجاز الانتقال الديمقراطي.
في الأخير لا بد من الاشارة الى أن قناعتنا بتميز التجربة المغربية ومحاولاتنا المريرة في تبيان ذلك التخالف بينها وبين تجارب دول عربية أخرى، لا يوازيه سوى دعمنا اللامشروط لشعوب هذه الدول في التحرر والتقدم والنماء وفي القضاء على كل الدكتاتوريات، ليس من منطلق كونها عربية، بل من منطلق إيماننا العميق أن مثل هذه الثورات المجيدة التي تقودها الشعوب المضطهدة، بنتائجها ومفاعيلها الاستراتيجية، هي ملك لكل الإنسانية جمعاء، وهي كذلك قفزات تاريخية كبرى تتعدى ذلك الإطار/القالب الضيق (العروبي والاسلاموي) الذي تحاول بعض القوى أن تفرضه على مثل هذه الثورات الإنسانية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,649,279
- في جديد و تعقد ما يجرى في تونس من أحداث
- في السؤال الثقافي: بخصوص تنامي وتيرة الدعوات والبيانات الثقا ...
- قراءة مركبة في أحداث العيون: رهانات وتحديات ما بعد مخيم أكدي ...
- بين تقرير اللجنة الأممية حول التمييز العنصري ومزاعم اختراق إ ...
- سؤال السياسة اليوم
- في المسألة اللغوية: أو الايدولوجيا في المسألة اللغوية
- توضيحات أخرى بخصوص ملف دكاترة قطاع التعليم المدرسي
- مخاطر الشعبوية وهي في قلب البرلمان: استقالة الرميد نموذجا
- توضيحات بخصوص تطورات ومآل ملف دكاترة قطاع التعليم المدرسي
- -فعاليات- الشعب المغربي في خيمة القذافي
- تبعثر الحقل الاجتماعي وأزمة علاقة النقابي والسياسي
- مأزق الوزارة في ملف الدكاترة العاملين بقطاع التعليم المدرسي
- مأزق المأسسة في ضل غياب حوار اجتماعي وسياسي وثقافي شامل
- تأملات في مفهوم الطبقة الوسطى
- مناقشة في بعض أفكار الجابري حول إصلاح التعليم والمسألة اللغو ...
- أفكار للمساهمة في تسوية وضعية الدكاترة العاملين بقطاع التربي ...
- بيان المنضمة الديمقراطية للتعليم بخصوص الاضراب الوطني لدكاتر ...
- تسوية وضعية الدكاترة العاملين بقطاع التربية الوطنية: أفكار ل ...
- في عدم أهلية العدالة والتنمية للدعوة إلى تشكيل جبهة وطنية لل ...
- حركة -مالي- والحاجة الى حوار عقلاني حول الحريات الفردية


المزيد.....




- رئاسيات تونس.. نسبة التصويت تقل عن النصف والشباب يقاطعون
- ترامب: ننتظر تحقيق السعودية للرد على المعتدي على حقولها النف ...
- ترامب يكذب وزير خارجيته بشأن استعداده للقاء الرئيس الإيراني ...
- ترامب حول الهجمات على منشآت سعودية: -مستعدون- لكننا ننتظر تق ...
- بعمر 108 أعوام.. لم يمنعه سنه من التصويت في الانتخابات التون ...
- من هو قيس سعيّد "زلزال" الانتخابات الرئاسية التونس ...
- من هو قيس سعيّد "زلزال" الانتخابات الرئاسية التونس ...
- بعد هجمات السعودية… ما هي الدرونز وكيف تعمل
- رئاسية تونس... إقبال ضعيف أغلبه لكبار السن
- بعد هجمات السعودية... ترامب يسمح بالسحب من مخزون النفط الاست ...


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - علي أوعسري - في نقد إسقاط ما يجري في تونس ومصر من أحداث على الواقع المغربي