أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - يوسف محسن - الحزب الاسلامي العراقي : الارث التاريخي ، صدام الهويات الاصولية والمسألة الديمقراطية






















المزيد.....

الحزب الاسلامي العراقي : الارث التاريخي ، صدام الهويات الاصولية والمسألة الديمقراطية



يوسف محسن
الحوار المتمدن-العدد: 3227 - 2010 / 12 / 26 - 19:10
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


جماعات الاسلام السياسي
يتسم تاريخ جماعات الاسلام السياسي في العراق بالغموض، فضلاً عن الانقسامات والتشققات المتعددة التي تعرضت لها هذه الجماعات والحركات، والتنظيمات نتيجة المواقف المتباينة سواء كانت السياسية او اللاهوتية، وكذلك شدة القمع السياسي منذ ستينيات القرن
الماضي، فضلا عن ذلك لم يصدر حتى الان أي جهد علمي يؤرخ تاريخ الحركات الاسلامية المعاصرة في العراق(1) كجزء من الحقل السياسي والثقافي والتاريخي عبر قراءة التاريخ الايديولوجي والسياسي لهذه التنظيمات والحركات والجماعات الدينية ضمن الفضاء الكلي للمجتمع العراقي.


اخوان المسلمين في العراق


(للتعرف على نشوء الحركات الاسلامية السنية في العراق يتطلب الأمرالعودة الى بدايات القرن العشرين وعشية الحرب العالمية الاولى حيث كانت غالبية المجتمع العراقي تندرج ضمن اربع فئات: 1- البيروقراطية ورجال الجيش. 2- ممثلي ونواب الحكومة المركزية نواب وممثلو الحكومة المركزية. 3- علماء الدين. 4- الطرق المتصوفة)(2) وفي هذا الفضاء المجتمعي هيمنة العلماء الدينيين على الحياة الفكرية والثقافية بالمشاركة مع ممثلي النظام إذ كانوا اقوى المنافحين عن الوضع القائم، فضلاً عن ذلك كانت الدوائر الدينية، تتصف بالجمود والتقليد وتفتقر الى الاجتهاد، ادى هذا الوضع الى نمو وهيمنة التدين الشعبي، مع تواصل التدخل البريطاني في العراق وتحوله الى استعمار، افضى الى انهيار المؤسسات الاجتماعية التقليدية، (طرق المتصوفة، الدوائر الدينية المحلية) وكان آخر مظاهر النظام الاجتماعي التقليدي المقاوم للهيمنة الكولونيالية هي (ثورة العشرين)، حيث تحالف علماء الشيعة والسنة معاً في تلك المرحلة ضد الخطر المشترك، لكنهم افتقدوا الاطار الاسلامي البديل لبناء مجتمع متطور في العالم الحديث(3).
بالتزامن مع نشوء الدولة العراقية الحديثة في ظل الانتداب البريطاني العام 1921 والتي تألفت من الولايات العثمانية الثلاث ولاية بغداد، ولاية الموصل، ولاية البصرة، اذ كان العراق الحديث هو ثمرة جهود ادارتين كولونيالتين اولاً: دولة التحديث العثماني التي تبلورت بعد ظهور التنظيمات السياسية، واقرار دستور تركيا الفتاة العام 1908. ثانياً: الانتداب البريطاني(4).
اصيبت الجماعات الدينية الاسلامية خلال هذه الفترة بالخمول حتى حقبة الاربعينيات من القرن الماضي والتي مثلت الارضية الخصبة لنمو الاحزاب الدينية وذلك نتيجة (اختلال التوازن في الحكومة الملكية اولاً: نتيجة لوفاة فيصل في العام 1933 وتبؤ غازي غير المؤهل سياسياً. ثانيا:ً لارتقاء ضباط الجيش من الطبقتين المتوسطة والمتوسطة الدنيا في الفترة المدة 1936- 1941 الى موقع الاستقلالية السياسية وبعد تسلم الوصي عبدالاله بالتحالف مع نوري السعيد ورؤساء العشائر وكبار ملاك الاراضي دفة الحكم من العائلة الهاشمية، اصبح كل طرف منهم في بحاجة الى الآخر حينها لم يعد الجيش مصدراً للثقة، وفي الفترة 1946- 1958 كان التاج الملكي واكبر المشايخ والاغوات وملاكي المدن قد توحدوا في مابينهم، اذ صار يتهددهم جميعاً نمو انتلجستيا مغرقة في اليسارية او بالوطنية متحالفة مع الجماهير الحضرية)(5) فضلاً عن ذلك تميزت هذه الفترة يبتسارع النموالرأسمالي الذي عبر عن حاجة موضوعية للانتقال من الانتاج المجزأو المبعثر الى الانتاج الكبير في ظل عجز آليات التراكم عن توفير شروط هذا الانتقال، وكانت تقود هذا المشروع التحديثي البرجوازية الوطنية، او ممثلوا البرجوازية الصغيرة، وتمظهر هذا التطور الرأسمالي عبر الصراع مع العلاقات الاقطاعية، اذ ابدى حاملها الاجتماعي مقاومة ضارية سلفية دينية في شكلها الايديولوجي ضد هذا المشروع التحديثي ( قانون الاصلاح الزراعي، ودستور الجمهورية العراقية ، 1958 وقانون الاحوال المدنية لسنة 1959)(6).
وشهدت تلك الفترة تنامي نشاط هذا القسم من المؤسسة الدينية او بعض رموزها البارزة بجانبيها السني والشيعي تصدر الفتاوي بتحريم الشيوعية وتحظر على اتباعها ومريديها التعامل مع الشيوعيين بما في ذلك علاقات الزواج وصدرت الفتاوي التي تحرم اخذ اراضي كبار الملاكين المصادرة بموجب قانون الاصلاح الزراعي.


ظهور الشيخ الديني

لعبت الشخصية المحورية الشيخ محمد محمود الصواف والذي اكمل دراسته الشرعية في جامعة الازهر، وتأثر بافكار الامام حسن البنا مؤسس وزعيم الاخوان المسلمين في مصر دوراً فاعلاً في التبشير بافكار الجماعة في العراق، اذ اسهمت مرحلة الدراسة 1939- 1947 في تكوين وعيه السياسي والديني وصقل مواهبه في الخطابة والاتصال بالرأي العام (كانت موجه الفكر العلماني قد بدأت تهز العراق منذ العشرينيات من القرن الماضي وقد استقر العلماء المسلمين لمواجهتها وتأسيس العديد من الجمعيات الاسلامية الصغيرة مثل (جمعية الهداية الاسلامية) (جمعية التربية الاسلامية)، (جمعية الاداب الاسلامية)، كان لبعض من هذه الجمعيات مطبوعات ودوريات ولها ايضاً لقاءاتها الشهرية او مؤتمراتها السنوية وبعض ذلك كان يعقد في المناسبات الاسلامية المهمة كذكرى المولد النبوي الشريف او الهجرة)(7). فضلاً عن ذلك فقد تم علمنة النظام التعليمي في العراق بإشراف ساطع الحصري. وهو رائد القومية العلمانية، وله تأثير اساسي في استبعاد المضامين الدينية من مناهج ونظم المدارس العراقية الحديثة في الربع الاول من القرن العشرين (اما العامل الاخر في بروز الحركة الاسلامية في العراق فهو الخطر الناجم عن الهجرة اليهودية الى فلسطين، والتي توجت فيما بعد بقيام دولة اسرائيل واعتبر الصواف ان معركة العرب والمسلمين مع الصهيونية العالمية هي في الحقيقة معركة الانسانية، وساهم في تأسيس (جمعية انقاذ فلسطين) ولعب الصواف دوراً قيادياً في نشاطاتها واعمالها، كان تصور الصواف لجماعة (الاخوان المسلمين) انها حركة شاملة وليست جمعية دينية، حيث وجد ان هذه الجمعيات تفتقر الى التخطيط الستراتيجي، وكان مسرح الاحداث معد، في الثلاثينيات من القرن الماضي عندما اسس الصواف مع شخصيتين مرموقتين هما عبدالرحمن السيد محمد وعبدالرحمن محمود عبدالرحيم (جمعية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) وقد اراد الصواف ان يسمى جمعيته (الاخوان المسلمين) لكن الحكومة رفضت السماح بهذا الاسم على اساس انه اسم لجمعية اخرى في مصر)(8) التقى الصواف الشيخ امجد الزهاوي ابرز علماء السنة بالعراق وكان الزهاوي فقيهاً تقليدياًَ تقياً واصبح بدوره مرشداً روحياً لمنظمة الصواف الجديدة (الاخوة الاسلامية) ولكون الزهاوي كردياً فقد انتشرت الحركة في المناطق الكردية والعربية على السواء.
بدأت الحركة في تأسيس مواردها المالية الذاتية اللازمة لتمويل مناشطها وبرامجها من دون الحاجة للموارد البديلة، فاشترت بناية ضخمة في مركز العاصمة بغداد، كما اسسوا مكاتب لفروعهم في المدن العراقية الرئيسة. وفي 1952، اصدر الاخوان المسلمون مطبوعتهم الشهرية ، وكان الصواف رئيساً للتحرير، وقد حدد لها خمسة اهداف: 1) غرس الايمان الصحيح في قلوب ابناء الامة(2) تقديم الاسلام الى العالم كنظام عالمي شامل، (3) تعزيز التضامن وملء الفجوات بين قطاعات المجتمع المسلم(4) التصدي للتغريب والغزو الفكري(5) دعوة المسلمين الى امتلاك القوة و جميع الوسائل المؤدية لها، تناولت المجلة الجديدة موضوعات الاسلام كنظام عالمي، وانتقادات لاعضاء البرلمان، وموقف الاسلام من المنظمات الدولية والسياسة العالمية، وقضية فلسطين، والمسائل التربوية والروحية.
جاءت عضوية الاخوان العراقيين في المقام الاول من الشرائح الاجتماعية التي تفتقد الى التواصل مع النخبة العلمانية المتنفذة، وكانت متداخلة في السياسة العراقية منذ عشرينيات هذا القرن. كانت الفئة الاولى والاهم من الاعضاء هم المدرسون الذين كانوا طلاب الصواف في كلية الشريعة(9) ثم اصبحوا بدورهم مدرسين للتربية الاسلامية في مدارس العراق. ومع مطلع الخمسينيات، ازدادت العضوية باطراد، كان معظم الاعضاء من طلاب الثانويات والجامعات، اضافة الى المحامين والاطباء والبيروقراطية الوسطى والدنيا. سعى الصواف كذلك للتواصل مع القوات المسلحة وتصادق مع عدد من ضباط الجيش الملتزمين اسلامياً، ومع انهم لم يمروا بالبرامج التربوية للاخوان المسلمين، فقد كانوا متمتعين بالروح الاسلامية فكراً وسلوكاً، وعلى الرغم من رغم قناعته بان معظم الضباط قد تعلمنوا، فانه قد شجع خريجي الثانويات على الالتحاق بالاكاديمية العسكرية، وبناء على تشجيعه، التحق بالاكاديمية العسكرية في عام واحد 20 طالباً من الاخوان المسلمين.
نتيجة للجهود الحثيثة في الدعوة والتجنيد، وفي بضع سنين، اصبحت الحركة ناشطة ومتواجدة في معظم المدن التي يغلب عليها التسنن، بما في ذلك بغداد وكركوك واربيل والسليمانية وزاخو ودهوك والرمادي والبصرة والزبير والموصل وتكريت وسامراء. لم يقتصر نشاط الصواف على المدن الرئيسة، ففي كل خميس، كان يرسل على في الاقل عشرة طلاب من الجامعات لزيارة القرى في الريف، حيث يقضون ليلتهم هناك، ويقيمون مناسك صلاة الجمعة من خطابة واقامة وتوجيه، وان لم يكن هناك مسجد، يقومون هم بانشائه، ولو كان ذلك من الطين، ركز الصواف اهتمامه على كل جميع قطاعات المجتمع العراقي، فقد كان يلتقي العمال مرتين اسبوعياً ليحاضرهم عن الاسلام وعن قيمة العمل في حياة الامة، وكذلك شجع المهندسين والاطباء على تأسيس نقاباتهم المهنية المتخصصة، ونشر دعوته في صفوفهم، كانت القاعدة الاساسية للاخوان المسلمين بالعراق في المحيط السني العربي، وذلك لان القوة الدافعة لنشاطاتهم تركزت في بغداد والموصل، وهما مركز ثقل التسنن في العراق. لكن ذلك لا يعني ان الحركة كانت سنية حصراً، فقد كان هناك بعض الاعضاء الشيعة كذلك، وان لم يكونوا كثيرين، كان الصواف يدعو الى المبادئ الاسلامية العامة، وكانت له قناعة قوية بجهود التقريب بين السنة والشيعة(10).
(لم يكن عمل الاخوان في العراق عملاً منظماً يرتكز الى مجموعة مبادئ مسبوكة في اطار تنظيري او ايديولوجي واضح المعالم والاهداف ويفتقد الى برنامج سياسي يسعى الى تحقيقه، رغم ان التجمع جعل من الدين قاعدة دعوية لانطلاقه، حيث تجري نشاطته تحت شعار (القرآن دستورنا) لذا نرى ان نشاط هذا التجمع لم يزد على التقليد الذي حكمته ردود الافعال على نشاطات القوميين العرب والشيوعيين)(11).


ولادة حزب سياسي

من خلال السرد التاريخي نتبين ان الاخوان المسلمين في العراق ومنذ ظهورهم في حقبة الاربعينيات من القرن الماضي كحركة سياسية عملوا تحت اسماء متعددة (جمعية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) وجمعية (الاخوة الاسلامية)، وبعد الاطاحة بالنظام الملكي 1958 وتأسيس الجمهورية العراقية، انتقد الصواف النظام الجديد بعد ان وجد ان هذا النظام يعج بالعناصر الشيوعية المعادية للدين.
فضلاً عن ذلك (ان حكم عبدالكريم قاسم (1958- 1962) ادى الى اضعاف الروابط الطائفية والمحلية للحكم السني وكان قاسم ينحدر من عائلة مختلطة سنية/ شيعية وهو على العموم عراقي المنظور مما عرضه لهجمات الناصريين والبعثيين والاسلاميين، جمع من حوله المثقفين والتكنوقراط من اليساريين وذوي النزعة الوطنية العراقية لدمجهم في دوائر الدولة ما حفلت به هذه الفترة من محاولات انقلابات وخصومة وحملات قمع، فانها تعد مع ذلك اخصب الفترات انفتاحاً وتنوعاً ايديولوجياً في تاريخ العراق الحديث وفي هذه الفترات بالتحديد واجهت سلطة القبائل والعشائر والطوائف اقوى التحديات لها في صورة سياسات، قانون الاصلاح الزراعي، واصلاح قانون الاحوال الشخصية ونهوض النشاط السياسي والايديولوجي وقد استثار ذلك ردود فعل قوية مقاومة وهي في الغالبية قومية عربية ودخلت القوى التقليدية الاسلامية ساحة المقاومة
وبسبب عدم تحفظ الصواف وميل شخصيتة الى التحكم مع افتقاده القدرة على بناء تنظيم، هيكلي قوي، ادخلت الحركات الاسلامية في ازمة تنظيمية خطيرة، كانت تلك الازمة جديدة على العقل العراقي المسلم، وتتناول طريقة العمل التنظيمي في المجتمع المدني الحديث، كان العلماء هم العمود الفقري للمجتمع التقليدي، ولكن هل يستطيعون الان تقديم قيادة مشدودة الى طرائقهم التقليدية نفسها في الماضي؟ كان كثير من شخصيات الجماعة، الذين تلقوا تعليماً حديثا، يفضلون ان يترك الصواف القيادة وان يتيح الفرصة للاخرين، واصبحت هذه النظرة اكثر قوة عندما اعتقل في اذار/ مارس 1959، وازداد الضغط عليه باطراد في الشهور الستة التالية، باتجاه ذلك، ولدى اطلاق سراحه من المعتقل، اقتنع بوجوب مغادرة البلاد، لكنه لم يتخل عن موقعه في القيادة واستمر متمسكاً به، حتى اضطر مجلس شورى الجماعة ان يرسل له اخطاراً باعفائه من القيادة (19).
بعد صدور قانون الجمعيات رقم 1 لسنة 1960 قدم اخوان المسلمين في العراق طلبا لاجازة حزب باسم الحزب الاسلامي العراقي وقد ارفق مع الطلب منهاج الحزب الذي بين ان (غاية الحزب تطبيق احكام الاسلام تطبيقاً كاملاً وشاملاً لجميع شؤون الحياة وامور الافراد والدولة ومحاربة جميع الافكار والمفاهيم الالحادية(15)، وقد رفض طلب التأسيس من قبل وزارة الداخلية والتي استندت في رفضها الى المادية الرابعة من قانون الجمعيات وذلك لتعارض اغراض الجمعية او الحزب مع استقلال البلاد ووحدتها الوطنية مع النظام الجمهوري ومتطلبات الحكم الديمقراطي اعترض المؤسسون على قرار الرفض لدى الهيئة العامة لمحكمة تمييز العراق، وقد نقضت الهيئة قرار وزير الداخلية والتي وضحت ان منهاج الحزب الاسلامي العراقي لا يتعارض مع النهج الديمقراطي او المبادئ التي قامت عليها الجمهورية، وان اهداف الحزب واضحة بتعاليم الاسلام ونظامه وتنسجم مع الدستور المؤقت(16).
ويبين د. عبدالفتاح علي البوتاتي ان الحزب عقد مؤتمره الاول في 29 تموز 1960 وانتخب عبدالرزاق السامرائي رئيساُ للحزب الا ان الحكومة تراجعت عن اجازة الحزب وسحبت اجازته في اذار 1961، لاسباب اهمها:
1. لم يكن للاخوان المسملين تاريخ نضالي في العهد الملكي (1921- 1958)، حتى ان رئيس الحكومة عبدالكريم قاسم قال عن قادتهم: (اين كانوا في العهد الملكي اننا لم نسمع بنضالهم من اجل حرية العراق وتخليصه من الظلم)(17).
2. كان قادة ثورة 14 تموز 1958 ينظرون الى الاخوان المسلمين وقادتهم وكأنهم من بقايا العهد الملكي البائدالمباد، فقد كان رئيسهم الشيخ محمد محمود الصواف يعمل علناً في الاذاعة العراقية وعلى صلة بالملك فيصل الثاني وبالقصر الملكي، اما الشيخ امجد الزهاوي رئيس واجهة الاخوان (جمعية الاخوة الاسلامية) خلال مدة اجازتها (ايلول 1949- ايلول 1954) فكان على صلة قوية برئيس وزراء العراق الاسبق نوري السعيد الذي عرف بعداءئه الشديد للحركة الوطنية، ومن الجدير بالذكر ان الصواف والزهاوي غادرا العراق بعد اقل من سنة على قيام ثورة 14 تموز، واخذ الصواف يعمل وبالتنسيق مع سلطات الجمهورية العربية المتحدة (مصر و سورية) على اسقاط نظام الحكم الجمهوري في العراق.
3. والاهم من هذا وذاك، ان الاخوان المسلمين تحالفوا بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 مع القوى القومية العربية المعارضة للثورة، لاسيما مع حزب البعث في معاداة نظام حكم عبدالكريم قاسم، حتى انهم دخلوا مع البعثيين في جبهة باسم (التحالف القومي – الديني) في الموصل، وتعاونوا معهم في الانقلاب العسكري الفاشل الذي قاده العقيد الركن عبدالوهاب الشواف في الموصل في 8 اذار 1959، وبعد فشل ذلك الانقلاب اخذوا يمولون عمليات الاغتيالات السياسية التي طالت الشيوعيين و(البارتيين) في الموصل وكركوك وبغداد ودخلت الحركة مرحلة العمل السري ان الرئيس العراقي عبدالسلام عارف حاول اشراكهم في السلطة، لكن الموقف السلبي اتجاه المشاركة في الحكم قد ترسخ واصبح منهجاً للحزب خاصةلاسيما انه قد تزامن مع محنة الحركة في مصر مع نظام عبدالناصر الذي كان يساند عارف.


عصر التيه

بعد هذه الفترة تراوح نشاط الحزب الاسلامي العراقي بين السر والعلن حتى جاءه انقلاب 1968 حيث تفرد حزب البعث العراقي بالسلطة وحظر جميع النشاطات السياسية،.
بدأت الدولة القومية البعثية بتخطي الشكل التقليدي وصياغة تشكيلة جديدة تنسجم مع التأطيرات القانونية والوظائفية للايديولوجية البعثية حيث تم دمج مؤسسة الحزب وجهاز الدولة بكيان واحد يرمز للهيمنة السياسية والمالية متزامناً من تفكك وانهيار الزعامة القومية الناصرية وارتفاع اسعار البترول 1973 (نتيجة ازمة الطاقة)، شكلت الدولة البعثية نظاماً مركزياً صارماً يستند الى شبكة معقدة من الروابط القبلية والجيش ومؤسسات الشرطة والامن الوطني.
هذا المسار التاريخي ادى الى ازمة تكوين طبقة البرجوازية الوطنية العراقية وصعود الفئات الريفية بايديولوجيتها القومية الرثة التي تتسم بالنزعات الشوفينية مما انتج بناء دولة شمولية تلغي الاختلاف والتعددية وتمارس العنف والاقصاء والتهميش للجماعات الدينية والقومية،.
ان ظهور الدولة الشمولية القومية في احد اطوار التاريخ السياسي للمجتمع العراقي كان نتيجة لازمة تشكل نظام البنى الاجتماعية التاريخية ومحيط جغرافية – سياسي ضاغط اضافة الى طبيعة نظام الدولة المهيمن انذاك حيث ولدت هذه الدولة من رحم الوسط القومي العلماني تقوم بنيتها الايديولوجية على حاكمية الحزب الواحد ونزعة الاستبداد والتفرد والاحتكار لآليات العنف والعدوان الشوفينية القومية واستنصار (مؤسسة العشيرة والجماعات الطائفية)، تمكن النموذج البعثي للدولة في صوره الاولى ان يهيمن ويحقق السيطرة الشاملة على المجالين الاقتصادي والسياسي وبسبب ازمة تكوين الدولة الوطنية العراقية خلال عشرينيات القرن الماضي لم يستطع المجتمع العراقي ان يبلور تنظيماً مؤسساتياً/ سياسياً قادراً على تحجيم بواكير الدولة الشمولية يضاف الى ذلك ضعف القطاع الخاص وهشاشة الطبقة البرجوازية الوطنية العراقية وعدم وضوح مشروعها الفكري والطبقي التي كان من الممكن ان تحول دون تضخيم الدولة البعثية اقتصادياً وسياسياً.(18).
استطاع البعث العراقي الاستيلاء على ثروات المجتمع واتسعت السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والفكرية بعد عسكرة المجتمع ودمج الاجهزة السياسية والامنية في جهاز الدولة خلال حقبة الثمانينيات من القرن الماضي وهي خطوات لهندسة تاريخية الدولة الكليانية القومية رافقها ظهور النزعات العدوانية العسكرية بعد اطلاق اول مغامرة عسكرية ادت الى تحجيم خطط التنمية الوطنية والثقافة وتكريس هيمنة الدولة على الفضاءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستخدام سياسة الاقصاء والاستبعاد واحتكار الدولة. فقد تم تصفية ابرز قيادات الحزب الاسلامي العراقي واعدام مجموعة كبيرة من الضباط الاسلاميين، مما ادى الى حل الحزب ومغادرة مجموعة من كوادره الى خارج العراق حتى العالم 1991 حيث اعلنت القيادة عن نفسها في المهجر ومن ابرزهم الدكتور اسامة التكريتي والمهندس اياد السامرائي ونتيجة لضعف الدولة البعثية في تلك الحقبة وتآكل دورها الاقتصادي والسياسي والرقابي فظهرت موجة من التدين اخذت طريقها عبر سبل الوعظ والارشاد والخدمات الاجتماعية والتنظيم الجماعي والجمعيات الخيرية وقد وصف الاستاذ اياد السامرائي تلك المرحلة بقوله: (عملنا كان محكوماً بالقبضة الامنية القوية للنظام، ولذلك كان الاسلاميون عموماً يسعون الى ايجاد منافذ ومجالات متعددة لنشاطهم، كُلاً في ساحته التي يرى في نفسه القدرة على العمل فيها، ولذلك شهدنا خلال السنوات الاخيرة نشاطاً واضحاً للاسلاميين في داخل العراق، ولكنه كان ذا طابع دعوي يركز على بناء الايمان والسلوك القويم والفكر النير، واعتبار ذلك احد الوسائل المهمة في التصدي غير المباشر للنظام، من خلال ايجاد عوامل ذاتية داخل الفرد للرفض مبنية على قناعات ايمانية اسلامية. لذلك تعددت درجات عملنا في مواقعنا المختلفة، سواء داخل العراق او خارجه، بمقدار ما نجد من ظروف مناسبة او تطويع الظروف لخدمة مشروعنا). مجلة المجتمع/19- 4- 2003.
في حين يبين د. اسامة التكريتي خلال حوار مع الجزيرة الفضائية بتاريخ 14/ 5/ 2003 (ان النظام البعثي في العراق كان يسعى الى اقامت نظام علماني ماركسي ليس له دين وجاء ليجتث جذور الاسلام، ولكننا بفضل الله تعالى استطعنا من خلال المساجد والمحاضرات والجامعات ومن خلال مواعظنا والادبيات التي نهربها الى الداخل وتطبع بطريقة الفوتو كوبير، استطعنا ان نهزم الفكر البعثي وتحول صدام من الحالة التي كان عليها في محاربة الاسلام الى حالة جديدة صار ينافق الاسلام وتحول من دائرة الكفر الى دائرة النفاق).



تفكك الدولة الاستبدادية وصدام الهويات السياسية


تقويض الدولة الاستبدادية البعثية العام 2003 وتفكيك مؤسسات الهيمنة السياسية ادى الى سلسلة من المتغيرات الجوهرية في بنية الدولة العراقية والعقد الاجتماعي للجماعات السياسية وظهور قوى اجتماعية وسياسية ودينية جديدة على مسرح التاريخية العراقية وتوزيعات في النسق الاقتصادي. وشكلت انتخابات 2005 اول منعطف في تاريخ العراق السياسي رافقها ظهور صيرورات من التمركز حول الهويات الفرعية الطوائفية والقومية والاثنية ودخول هذا التمزق المجتمعي الى الحيز السياسي ، ان هذا الانبعاث الهوياتي له مبرراته التاريخية والسوسيولوجية الا انه لم يؤدّ الى فتح النقاش بين النخب السياسية والثقافية والفكرية العراقية بشأن ماهية الهوية العراقية وجدل الهويات الفرعية وذلك بسبب العجز السياسي لهذه الجماعات، و لم تقدم النخب العراقية اجابات واضحة بشأن نظام العقد الاجتماعي وتتحايل على سؤال الهوية والذي سيشكل مقدمة لصدام الهويات الطائفية داخل الجسم السياسي للدولة العراقية حيث ان التغيرات لم تمس النواة الصلبة والمتماسكة للبنى المؤسساتية (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية) ولم تخرج (بنية الدولة) عن النسق القبلي، العشائري والجماعات القرابية والنخب التقليدية والجماعات الطائفية في توزيعات السلطة. ان هذه التوزيعات تمت تحت ضغط ديناميكيات التشكيلات القومية والدينية للمجتمع العراقي ما ادى الى نمو العنف الجماعي الذي تشكل كنزاعات طائفية نتيجة تكريس هذه المركبات بوصفها مرجعيات مطلقة لدى الجماعات السياسية العراقية وظهور مكونين/ الدين الشيعي/ الدين السني وهما صياغتان للنسق السياسي. شكلا ازمة بنيوية مستديمة في حقل السلطة(19).
يطرح المفكر فالح عبدالجبار موضوعين اساسيين عن الولاءات والحراك السياسي داخل بنية المجتمع العراقي مابعد 2003:
الموضوع الاول: تعتمد الولاءات والحراك السياسي على ما يسميه علماء الاجتماع (التفكير النمطي) المؤلف من جملة قوالب جاهزة، يقينية، مقطوعة في الاغلب عن الواقع تخلط خلط عشوائي بين تخيلات وتحيزات وتشوهات فكرية متعددة المشارب.
الموضوع الثاني: يعتمد الحراك السياسي على الولاءات التقليدية الطائفية، العشيرة، الزعيم السياسي او القبلي. حيث وقع منتجو الخطاب السياسي العراقي في (الوهم الايديولوجي) القائل بان تماثل الدولة والمؤسسات التمثيلية مع تركيبة هويات المجتمع لكون هذه التركيبة تمثل اصالة المجتمع التخيلي والمخترع سياسياً من هذه الجماعات. لذا يفتقد الخطاب السياسي العراقي منذ 2003 الى آليات من التمركز والثبات حول نواة صلبة في الهوية السياسية اذ تسود شبكة من الهويات الفرعية والتفرد في المخيلة الايديولوجية وانبعاث الطوائف والقوميات والاثنيات، ادى الى تعميق الانقسامات المذهبية والمجتمعية وكشف هذا الوضع التاريخي عن شعبية الحركات الاسلامية الراديكالية السياسية مقابل ضعف شديد للتيارات الليبرالية والعلمانية وازمة تأسيسية لحركات التنوير تعود هذه المسألة الى التشظي الشديد للمرجعيات السياسية والفكرية للجماعات العراقية، تتراوح بين التعايش والنزاع نتيجة للعنف والقهر المنظم الذي مارسته الدولة التوتاليتارية منذ ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع العراقي. لذا فان هذه الجماعات الفسيفسائية تبحث عن اساطير مرجعية او خرافات سياسية وطقوس لاستعادت رأس مالها الرمزي الذي امتصته الدولة الشمولية القومانية العراقية (20). فقد تم بناء الدولة العراقية الحديثة مابعد العام 2003 وفقاً لمفاتيح (اثني/ ديني) وابعاد كامل للقوى الاجتماعية والسياسية هذه التركيبة ادت الى (اثننة السياسة العراقية) واشتغال نمط من الترابطات البنيوية الاساسية تمثل نقيض كامل لبلورة هوية وطنية جماعوية عراقية. فقد تم استبدال الديمقراطية التمثيلية بالديمقراطية التوافقية واعتماد المحاصصة الطائفية والعرقية والتي تمثل تجاوز على اهم تأسيسات الدولة الحديثة التي توصف كحاضنة لكل المواطنين وتعطل الحراك السياسي واستبدال الممارسات السياسية بالعنف. ما ادت الى تفعيل الفوارق الثقافية او اللغوية والدينية بين الجماعات العراقية ودفعت هذه الجماعات الى البحث عن التمايزات والرأسمال الرمزي وبناء كانتونات طائفية تصل حد تفكك بنية الدولة.
حيث شكل تجذر الولاءات الطائفية والدينية في النموذج العراقي بعد العام 2003 نمط من التشظي في الخطوط العرقية والمذهبية وتم استخدام هذه الانقسامات في الهويات الطائفية/ الدينية كأداة حشد وتعبئة سياسية.هنا نصل الى تأطيرات معرفية لمفهوم الدين الشيعي/ الدين السني فقد تشكلت هذه الاديان عبر التاريخية الاسلامية كجماعات سياسية اولاً لها انظمتها الفقهية ومعتقداتها الخاصة وتمايزاتها في شبكة الرموز والكاريزمات والتفرعات اللاهوتية والصور الدينية والمنظومات المقدسة والمقولات الايديولوجية المطلقة.
وقد شكل المجال الجيوبولوتيكي العراقي مجالاً واسعاً لانتاج واعادة انتاج تراكمات الرأسمال الاصولي داخل الاديان (سني/ شيعي) عبر احلال مشاريع وهمية ثقافوية سلفية محدودة الافاق. وبناءات مثيولوجية يقوم لاهوتها السياسي على نظام مستند الى لتأويل العالم كنموذج نهائي. نظام مغلق يتسلح دائماً بادوات المناعة ضد قرارات الواقع الاجتماعي وتصورات اصولية. ويعود هذا الظهور (الاديان الاصولية الطائفية) الى اسباب متعددة.
اولاً: وجود مخزون تاريخي ضخم قائم على تمثلات تاريخية ودينية او يتم اختراعها في حالة عدم وجودها وانغلاق هذه الجماعات على بنى معرفية دوغمائية اضافة الى وجود ايديولوجيات خلافية.
ثانياً: ازمة الهوية التي تعصف بالمجتمعات المتحولة تاريخياً ووقوع المجتمع بين هويتين التباسيتين هوية سياسية لم تتبلور وهوية دينية متكونة ومتبلورة قادرة على اعادة انتاج نظام الفروقات(21).
ثالثاً: توظيف الرأسمالي الرمزي للجماعات الدينية (الافكار، العقائد، التقاليد) التي تشكل محرك للتوترات المستديمة واحتكار الحقيقة السياسية والدينية والتحول الذي يصاحب بنية الطوائف الدينية وتحولها من هويات فرعية الى مؤسسات دينية متكاملة.
رابعاً: ان كل جماعة دينية (شيعية/ سنية) اخذت تشكل سردياتها الانثربولوجية المتكاملة وكتلة المفاهيم والمقولات الخاصة بها.
فدفع الجماعات العراقية الاصولية الدينية (الشيعية/ السنية) الى عمليات عنف وجرائم واعمال وحشية وتفجير السيارات وتمييز اثني وعرقي وديني وتطهير واسع النطاق وتهجير قسري لتغير المجال الديموغرافي وحصول انهيار وانزلاق في النظام الرمزي والدخول في استيهامات تخيلية للتلاعب بالهويات الدينية وخلخلت نظام القيم الاجتماعية وادى هذا الصدام الى نقل الصراعات السياسية والتوازنات الهشة للطوائف والاثنيات الى الحقل الديني المقدس، هذا الحقل الشائك والمعقد والمشبع بالتفاصيل. شكل المولدات الاساسية لتمزق الهوية في العراق. حيث تتداخل في هذا الحقل تمثيلات الطائفية السياسية والدينية مع عناصر المعرفة الاسطورية وسلطة الكاريزم والثقافات الشعبوية التي تمثل احدى الاستعارات الاكثر اتساقاً في التكوينات المجتمعية العراقي لاقنعة الصراعات السياسية.
لماذا تم تفجير اكبر خزان للاساطير الما قبل تاريخية واعادة انتاج الظاهرة الاصولية داخل الصيرورات الطائفية العراقية وتحولها الى اديان مغلقة واستنفار الطاقة التخيلية للمنظومات السياسية والسرديات الفقهية، الارث الديني، الطبقات السفلى من تركيبات الجماعات الدينية الاصولية؟ ما مدى الارتباط بين ظهور النزعات الطائفية والانبعاثات الاصولية والنصوص السياسية والدينية والايديولوجية للجماعات العراقية وقيام صدام الهويات الاصولية الدينية العراقية على تقنيات ومؤسسات وتركيبات اجتماعية واقتصادية وسياسية؟ وهل ادت البنية الايديولوجية الطائفية لدستور 2005 دوراً في اتساع ظاهرة الحرب الاهلية والتشظي السياسي للمجتمع العراقي؟


الحزب الاسلامي العراقي

(اسفر سقوط نظام البعث في العام 2003 عن نهاية الدولة البوليسية ورقابتها على المؤسسات الاجتماعية، وانتهت معها رعاية الدولة لهذه المؤسسات دفعة واحدة. وبهذا المعنى جرى تحرير جميع المؤسسات الاجتماعية القديمة والجديدة والحركات الاجتماعية المنبثقة عنها تحريراً مزدوجاً ازاح الرقابة البوليسية التي كانت جاثمة عليها من جهة، لكنه حرمها من رعاية الدولة ايضاً من جهة اخرى. وفتحت السياسة الانتقالية التي اطلقتها الولايات المتحدة في اعقاب ذلك، الساحة لمنافسات اجتماعية/ سياسية واقتصادية وثقافية بين الجماعات الرئيسة (اياً كان تعريف هذه الجماعات) وداخلها ايضاً. ولكنها دمرت ايضاً رعاية الدولة التي كانت شريان الحياة للقبائل المحددة، ولجميع الفئات الوسطى، سواء المعتمدة على الراتب ام الملكية. وادى هذا الوضع الى ابراز الدين في مركز الصدارة فيما انزلت القبائل والطبقات الوسطى الى الدرك الاسفل. وتعين على هذه الاخيرة (القبيلة، والطبقات الوسطى) ان تسبح مع تيار الدين بوصفه الاداة الاكثر فاعلية الا رأس بالحراك الاجتماعي والسياسي في النظام الجديد بالرغم من انها لم تتخل تماما عن محاولاتها للعمل باستقلالية ايضاً. وهكذا في (المرحلة الاولى من الانتقال بدأت تتبلور سياسة الهويات الكبرى وسط الجماعات الشيعية والسنية لتلحق بالهويات الاثنية الكبرى التي سبقتها عند الكرد والتركمان والكلد-آشوريين في التسعينيات.
عندما بدأ تكوين الدولة الجديدة (بناء المؤسسات السياسية: حكومة انتقالية، جيش، شرطة، قضاء، سلطة تشريعية انتقالية) وبناء الامة (توزيع مواقع النفوذ والموارد)، بادرت القوى السياسية الى بناء كتلها الطائفية واخذت هذه الكتل تتزاحم فيما بينها لتحصل على اكبر قسط ممكن في مواقع السلطة والموارد، وسعت الى ضمان تمثيلها تمثيلاً نسبياً في مجلس الحكم (تموز 2003- حزيران 2004) وفي كتابة قانون ادارة الدولة المؤقت (اذار 2004). وفي الحكومة الانتقالية برأسة اياد علاوي التي كانت نسخة عن مجلس الحكم. في مجال تكوين الدولة اذ اقبل متنافسون اخرون ايضاً على السلطة والمؤسسات الادارية الوليدة ولكن على غرار مماثل. وجرى عد الجماعات الطائفية على انها تمثيل ديمغرافي واعتبار الوزن الديمغرافي على انه تعبير عن ديمقراطية. واكتسبت المحاصصة النسبية في الادارة والشرطة والجيش وغيرها من الاجهزة اهمية بالغة في السياسة الطائفية. كان شعار الكرد الفدرالية وشعار الشيعة مساواة الديمغرافية بالديمقراطية (كون الشيعة غالبية السكان) وشعار السنة العودة الى السلطة في اطار هذه الكتل الكبرى كانت العناوين الطائفية ووحدة المكون ذي العلاقة تعتبر وسيلة مؤكدة للوصول الى مواقع السلطة وتوزيع الثروة الوطنية توزيعاً عادلاً او احتكاراً جديداً. وكان الاستقطاب الشيعي – السني والمواجهة بين الاثنين في مركز سياسة الهوية الجديد، بحكم ثقلهما السكاني. وبرزت هذه الهوية بقوة حتى انها طغت على جميع الهويات الحديثة والاولية (القرابية) الاخرى. ويتبدى هذا بشكل ساطع في نشوء الكتل الانتخابية الكبرى التي ظهرت في الانتخابات التأسيسية الاولى والانتخابات العامة الثانية في كانون الثاني وكانون الاولى 2005 على التوالي. ولكن الشرائح المتعددة داخل كل طائفة حيث كانت القبيلة والعشيرة والمدينة – العائلة والطبقة تشكل عناصر اساسية، لم تضعف قط. وعندما احتدمت المنافسات الكبرى على تحديد شكل النظام السياسي وارساء ركائز التوزيع الجديد للسلطة والموارد، في الانتخابات وكتابة الدستور، عادت الهويات الصغرى الى الظهور بقوة حتى انها حطمت واجهة الوحدة الكلية للمكونات المنفردة بصرف النظر عن الحرب الطائفية اللامدنية بين الشيعة والسنة في عام 2006. وعملت الهويات الاخرى من دون الطائفية ممثلاًَ بالقبيلة والمدينة والعائلة او الطبقة، على تفجير الطوائف والاثنيات في صراعات داخلية شيعية – شيعية وسنية – سنية وتركمانية – تركمانية والى حد ما كردية – كردية، عنيفة او (ناعمة) مخترقة حدود الامتثال والاتفاق(22). ونتيجة لهذه التركيبة السياسية شكل مفهوم (الديمقراطية) حجر الزاوية في هذه الخطابات السياسية حيث وقع منتجو هذا الخطاب في الوهم القائل بان الديمقراطية تعني تماثل الدولة او المؤسسة التمثيلية مع تركيبة المجتمع لكون هذه التركيبة تمثل اصالة المجتمع العراقي (المخترع سياسياً) من قبل هذه الجماعات. هذه الخطابات السياسية تفتقد الى صيرورات التمركز حول نواة حقيقية. وتم اعادة هيكلتها عبر آليات الهويات والاصالة والتفرد في (المخيلة) الايديولوجية مما ادى الى تمركزات حول (طوائف، قوميات، اعراق، اثنيات) وتوترات سياسية للجماعات المقصية والمهمشة عن الدورة السياسية او الشراكة في السلطة/ الثروة.
ان هذا الفضاء السياسي الذي تشكل من مزيج فسيفسائي أي انتاج مجتمع يعاني ازمة تكوين البنى الاجتماعية والاقتصادية والتشظي الشديد والتمركز حول هويات ومرجعيات سياسية وفكرية تتراوح بين التعايش والنزاع ونتيجة للعنف المنظم والقهر الذي مارسته الدولة التوتاليتارية منذ ستينيات القرن الماضي داخل المجتمع العراقي حيث كانت هذه الجماعات الفسيفسائية تبحث عن اسطورة مرجعية او طقس مشترك يمثل اعادة انتاج للرأسمال الرمزي للدولة الوطنية العراقية بعد الانهيار الكلي ، اذ ان هذا الانهيار العاجل للدولة حدد الفشل الاخير لها.
اما الاسلام السني (فقد توزع عقائدياً على عدة اصناف وجماعات وهم السلفيون الغرباء من المنتمين الى تنظيم القاعدة والسلفيون المحلية بزعامة عبدالله الجنابي، والاسلاميون القوميون بزعامة حارث الضاري، اما الحزب الاسلامي فبقي متأرجحاً بين العنف والمشاركة السياسية). واسفر تراجع دور البعث في العمل المسلح و انتقال قيادة العنف المسلح الى السلفيين، الغرباء منهم والمحليين. وادى هذا التغيير في القيادة تدريجياً الى نشوء صراع بين ايديولوجيا السلفيين الاصولية المتشددة وايديولوجيا القرابة والعصبيات المحلية مقترنة بالوطنية والبراغماتية. وفي النهاية حدث انشقاق بين الاسلام المؤسسي السني غير الرسمي والجماعات السياسية. في هذا المجال السياسي جاءت مشاركة الحزب الاسلامي العراقي في العملية السياسية وذلك (لملء الفراغ السياسي والمشاركة مع بقية الاحزاب في القرارات السياسية المصيرية ولاسيما ان العراق قد انتقل من الطغيان الى الاحتلال وقد تمر قوانين وتتغير اوضاع ولا يكون للصوت الاسلامي الاصيل ذي التجربة الطويلة موقف حيوي في كل ذلك(23).
اصدرت الامانة العامة للحزب الاسلامي العراقي البيان الاول وتحديد اهداف الحزب في المرحلة الراهنة:
1. الاسلام نظام شامل للحياة، صالح لكل زمان ومكان، يحفظ الحقوق ويصون الحريات.
2. نؤمن بان الانسان قيمة كبرى في الشريعة الاسلامية يجب ان يصان وجوده ويحافظ على حريته ضمن المفاهيم الاسلامية.
3. التعاون التام مع القوى الدينية والسياسية المؤثرة في رسم مستقبل العراق والعمل المشروع لانهاء الاحتلال وترسيخ الاستقلال لشعبنا المتحضر الذي يعد من مؤسسي هيئة الامم المتحدة الاوائل.
4. العمل على محاربة الاستبداد والانفرادية والغاء الاخر، وتربية جميع افراد المجتمع على هذه المفاهيم.
5. العمل على احداث وعي اسلامي رشيد معتدل ومتوازن مع اصول الاسلام وحركة العصر بعيداً عن الانغلاق والتطرف والغلو الذي لا يناسب مع كون الاسلام صالحاً لكل زمان ومكان ورحمة للعالمين.
6. اقرار سيادة العدل لكي يطمئن على حياته ودينه واولاده وامواله ومستقبله. بعيداً عن مظاهر التفرقة والخصومة باقامة نظام قضائي اسلامي نظيف ومستقل.
7. اقامة الحياة السياسية على مبادئ الحرية المنضبطة على الصدق والصراحة والتعددية في اطار العمل المشترك والتداول السلمي للسلطة لتحقيق المصالح الحقيقية لامتنا وحقها في الاختيار الحر لممثليها في المجالس البلدية والنيابية ومؤسسات الدولة الاخرى.
8. العمل على تربية اجيال شعبنا على الاخلاق الفاضلة المنبثقة من تعاليم اسلامنا الحنيف لبناء مجتمع عامل فاضل قوي سعيد.
9. بذل اقصى الجهود في اعادة اعمار العراق وبنيته التحتية الحضارية والثقافية منها والعلمية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها بالتعاون مع المخلصين لبلدان العزيز كافة.
10. اقرار الحقوق الثقافية والسياسية للقوميات الرئيسة وبقية الاقليات والطوائف الاخرى التي يتكون منها المجتمع العراقي الموحد، واختيار من يمثلهم في المجالس الرسمية والشعبية، والاقليمية العامة.
11. دعم مؤسسات المجتمع المدني والعمل من خلالها لصالح المجتمع.
12. التأكد على تربية الفرد العراقي على المسؤولية الاجتماعية، واحترام ممتلكات الفرد والدولة، والايمان بان العمل الجاد لخدمة المجتمع.
13. يتحمل الحزب مسؤولية الحكم والاشتراك فيه بالوسائل اذا رأى في ذلك مصلحة الشعب ووحدة البلاد والحفاظ في امته.
14. يؤمن الحزب بمبادئ العدال الاجتماعية والقضاء على سوء توزيع الثروات بتطبيق النظام الاقتصادي الاسلامي القائم على اساس الكفاية والتكافل الاجتماعي وانهاء حالة الفقر في البلاد.
15. واخيراً وليس اخراً ندعو ابناء وطننا العزيز باخلاص الى مصالح وطنية قائمة على اساس الاخوة والمحبة، بعيدة عن التفرق العرقية والطائفية بين ابناء شعبنا العراقي المظلوم، وتجاوز ماسي المرحلة الماضي لبناء عراق مؤمن جديد يستطيع ان يقوم بدوره الحضاري لخدمة الانسانية.
وقد طرح الحزب الاسلامي العراقي نفسه بوصفه حزب سياسي يتبنى المقاومة السياسية وغير المسلحة ويقول د. محسن عبدالحميد: (نحن اخترنا طريق المقاومة السلمية، ونرى ذلك في الحزب مع بقية اطياف العراق، فرص كبيرة عن طريق المقاومة السلمية والمعارضة السلمية والحوار السلمي والمناقشة السلمية).


البنية الايديولوجية للحزب الاسلامي العراقي

تتشكل البنية الايديولوجية للحزب الاسلامي العراقي من سلسلة من البيانات والمواقف والتصريحات والحوارات والوثائق السياسية الصادرة عن المؤتمر الاول للحزب العام 1960، نتيجة لعصر التيه (العمل السري) والذي استمر قرابة نصف قرن والتغيرات التي حصلت في طبيعة العمل السياسي في العالم العربي والاسلامي، والتغيرات التي حصلت في الحقل السياسي العراقي فقد جرت تغيرات في المكونات الايديولوجية للحزب الاسلامي العراقي عبر مشاركته في الدولة العراقية الحديثة مابعد 2003 والانفتاح على مختلف مكونات النسيج السياسي العراقي والموازنة بين الالتزامات السياسية والخلفية الاسلامية والعمل ضمن تنظيم سياسي وايديولوجية محددة يقوم على نشر افكار دينية – سياسية حصرياً، ومن اقامت الدولة الاسلامية في ستينيات القرن الماضي الى ايجاد خطوط لبرنامج سياسي براغماتي واقعي، يشكل الدين اداة للتبرير والتشريع الايديولوجي، ولم يعد مفهوم تأسيس الدولة الاسلامية وارد في برامجه الانتخابية او مشروعه السياسي الحديث، في حين تكونت هذه البنية الايديولوجية مابعد العام 2003 من مجموعة من البيانات والتصريحات فضلاً عن المشروع السياسي والبرنامج الانتخابي للعام 2005، والتأصيل الشرعي لمشاركة الحزب الاسلامي العراقي في العملية السياسية والتأصيل الشرعي لموقف الحزب الاسلامي من مسودة الدستور. سيتم عرض هذه المكونات الايديولوجية كخطوط عريضة مع اخضاع احدهما للتفحص النقدي.
ان فهم الحزب للاسلام فهم عام شامل ويتناول جميع نواحي الحياة من اقتصادية وسياسية واجتماعية وقانونية ، والحزب يفهم الاسلام بوصفة عبادة و تشريع وحكم ونظاماً وقوة اسلوب وفلسفة لها اصولها واهداف خاصة بها أي فكرة او فلسفة سواء كانت ديمقراطية او اشتراكية او شيوعية،لانها اسلامية لذا نصت المادة الثانية من منهاج الحزب على ان غاية الحزب هي تطبيق احكام الاسلام تطبيقاً كاملاً وشاملاً لجميع شؤون الحياة وامور الافراد والدولة (التقرير السياسي للمؤتمر الاول للحزب الاسلامي العراقي 1960).
يقدم المشروع السياسي للحزب الاسلامي العراقي على ان الحزب الاسلامي العراقي (يستند فكرة وسلوكه الى عقيدة الاسلام النقية الصافية كما جاءت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، ويستلم المعاني السامية للدين الحنيف في صياغة مشروعه السياسي ليلبي تطلعات كل العراقيين بلا استثناء.
كما يحتوي المشروع السياسي على اهداف متعددة منها تحرير العراق من الاحتلال وازالة اثاره وتعزيز استقلاله ومقاومة كل اشكال التبعية الاجنبية وبناء الوحدة الوطنية العراقية والدولة وبناء الانسان بناء سليما وفق هدى الاسلام وتعزيز القيم والمبادئ الاسلامية في المجتمع حيث يرى الحزب ان الاسلام (غاب عن بناء الدولة والمجتمع عقوداً طويلة، وهو يمثل الاساس الفكري والقيمي للنهضة المباركة، وفضلاً عن ذلك يرى الحزب الاسلامي العراقي اهمية قيام مشروع اسلامي اصلاحي تربوي وسياسي شامل في المجتمع). وقد ورد في التأصيل الشرعي لموقف الحزب الاسلامي العراقي من مسودة الدستور (ان الحزب الاسلامي العراقي يعمل في الساحة العراقية من اجل حل قضايا البلد سياسياً واجتماعياً واقتصادياً من المنظور الاسلامي، يستند الى الوحي الالهي المتمثل بالكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة وعمله محكوم بنصوص هذين الاصلين مع مراعاة مبدأ الموازنة بين المصالح والمقاصد.


مفهوم الاسلام والممارسة السياسية

ان هذه النصوص المقتبسة من ادبيات الحزب الاسلامي العراقي مابعد العام 2003، تمثل احد النماذج السائدة في الاوساط السياسية والدينية العراقية ، فهي تتحدث بآليات مطلقة خارج البنية التاريخية للقانون والتي تحكم العقد الاجتماعي والسياسي للجماعات المكونة للمجتمع العراقي، ان قراءة هذه النصوص للوصول الى نمط المعرفة السياسية التي يتضمنها، مسألة ذات اهمية. حيث ان كلمة (الاسلام) (الوحي الالهي) (المنظور الاسلامي) (الاسلام النقي) تمثل مركز العلة في البنية الايديولوجية انها وبشكل خفي تحقق انزلاق الفكر من صعيد التحليل العلمي الى صعيد التضليل الايديولوجي، ليس هناك مأخذ على مفهوم (الاسلام) بحد ذاته بشرط ان يتحدد منذ البدء ضمن القضاء الفكري والسياسي والتاريخي وانما المأخذ على استخدام معين وعدم الفصل بين (الاسلام التاريخي) و(الاسلام التخيلي) واخضاع هذا الاستخدام للتفحص والكشف عن آليات التلاعب الايديولوجي داخل تأطيرات الاسلام التاريخي ، اقصد الاسلام الانثربولوجي (الممارس) كمنظومة عقائدية توجد كتلة من التمايزات اللاهوتية والسياسية والقانونية، اما العودة الى الوحي الالهي كممارسة سياسية، وهو نظام الانظمة المعرفية الاسلامية يعني الوقوع في فخ ميتافيزيقي لانتاج واعادة انتاج الاشكاليات الفكرية والفلسفية والسياسية والاقتصادية التي رافقت هذه الانماط المتعددة والمتباينة من (الاسلاميات التاريخية).
أي اسلام في فكر الحزب الاسلامي العراقي؟
هل هو اسلام القرون الوسطى؟ ام الاسلام الحديث ام عملية ترقيع؟ ام العودة الى القرآن والذي هو نتاج نظام معرفي معين ورؤية للعالم تشكلت ابان القرن السابع الميلادي؟
كيف يتم تحويل النصوص المقدسة والنصوص شيهة شبه المقدسة (السنة) والتي تنتمي الى وضعيات اجتماعية – اقتصادية وداخل تحديدات مادية تاريخية الى تمثيلات سياسية وتشريعية واقتصادية واصلاحية؟
ان الخطاب الايديولوجي للحزب الاسلامي العراقي يؤكد على اسلامية النص وليس اسلام التاريخ، أي الفصل التام بين النصوص التأسيسية الاولى وفي الكتاب المقدس والسنة والتجارب التاريخية، وهو يهدف الى ادانة التجارب التاريخية باعتبارها كانت خارج النص. هذا الفصل/ التميز يقع في مفارقة مع النصوص التأسيسية بوصفها نصوص خارج التاريخ ولا تحمل في بنيتها بصمات التاريخ الثقافي او اللغوي او الفلسفي ان (اسلامية النص) تؤدي الى تحطيم الخطاب التأسيسي والدخول في عملية ادلجة. وذلك ان الحزب الاسلامي العراقي يدمج بين (الاسلام) كدين ومنظومة قيم وحلول للمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمؤسسة الدنيوية (الدولة) أي خاضع لعلاقات الهيمنة، فضلاً عن ذلك اخضاع التنظيم السياسي للمجتمع لغايات دينية رغم انه استطاع في العام 2003 ومابعد ان يعقلن دين الطائفة لصالح وعي سياسي متقدم ويعيد بناء العلاقة بين دين الطائفة والمشروع المجتمعي التعددي.


المشاركة في العملية السياسية

ينطلق التأصيل الشرعي لمشاركة الحزب الاسلامي العراقي في العملية السياسية(25) (في حكم غير اسلامي) عبر سلسلة من الادلة النقلية والعقلية واقوال المفسرين والادلة الاجتماعية وفتاوي العلماء في مراعاة المصلحة العامة. وذلك ان ( العمل السياسي اسلوب من اساليب التغيير المطروحة على صعيد العمل الاسلامي المعاصر، ويراد به السعي الى تكوين الاحزاب او المشاركة فيها، او الاشتراك في البرلمانات ومجالس الشورى، وغيرها من المؤسسات السياسية للدولة. مع ما يستتبعه من التحالفات المؤقتة مع بعض القوى السياسية الاخرى، بغية التمكين لشريعة الله من خلال هذه المواقع، او تحصيل بعض المصالح الشرعية للمسلمين، ومنع او تخفيف بعض المظالم الواقعة عليهم. وهو يدور في فلك الموازنة بين المصالح والمفاسد. وتختلف فيه الفتوى باختلاف الزمان والمكان والاحوال. وهو كغيره من الاعمال لابد لمشروعيته من ضوابط يتعين التزامها، ومحاذير يتعين اجتنابها حتى تمضي اعماله على سنن الرشد.)
( ان فتوى رفض المشاركة السياسية في ظل المحتل تحتاج الى مراجعة ونظر في مآلاتها حتى تكون محققة للمصالح، خاصةلاسيما ان اخراج المحتل لا يمكن ان يتم بين ليلة وضحاها بل قد يستغرق سنوات، وقد لا يختلف العقلاء انه لا يمكن تعطيل مصالح المسلمين المعتبرة شرعاً حتى يتم اخراج المحتل، يقول ابن تيمية: (بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاها اقام الظلم، حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها ودفع اكثره باحتمال ايسره كان ذلك حسناً مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ماهو اشد منها جيداً)(1).
( ان تغيير الباطل والمنكر لا يتحقق بمقاطعة اهل الباطل، وترك الساحة خالية لهم، بل لابد من الدخول الى المعترك ومنافسة اهل الباطل ومقارعتهم بالحجة والدليل والسياسة والحكمة، خاصة اذا كانت القوة والسطوة لاهل الباطل.)
اسباب اختيار بعض الاسلاميين للمقاومة السياسية
يرى التأصيل الشرعي للحزب الاسلامي العراقي ان التحديات التي تواجه بلدنا اليوم هي في جلها تحديات سياسية، ولعله من المفيد هنا ان نذكر هذه التحديات ونحاول ان نصنفها:
1. الاحتلال: وهو تحد عسكري، واعلامي ومنهجي وتعليمي واقتصادي ومن ثم فهو سياسي ايضاً.
2. التجزئة، وهي تحد سياسي.
3. المشروع الشعوبي(التوسعي) الذي تمثله بعض دول الجوار، وهو تحد سياسي.
4. مشروع ثأري اصفر يقصد تفتيت قوة العراق وتتبناه ايضاً بعض دول الجوار، وهو تحد سياسي.
5. الطائفية: وهي تحد سياسي.
6. العلمانية اللادينية والتمكين لها، وهي تحد سياسي.
7. العولمة والتغريب، وهي تحد سياسي.
ان التكوين الطائفي والقومي في بلادنا يعد السبب الاول في اختيار البعض للمقاومة السياسية، ذلك ان غالبية الاكراد لا يعدونه احتلالاً اصلاً، او اذا بدأت المقاومة بصورة واسعة فهي فرصة كبيرة لساستهم لاعلان الانفصال. اما الشيعة فقد اتخذوا قرارهم بعدم القتال وقال بعضهم: (أن خطأنا في عام 1920 اننا قمنا بالثورة – وهذا الكلام ليس دقيقاً – وأخذ السنة الحكم، فلندعهم يقاتلون الان ونأخذ الحكم نحن) وهذا النفس الطائفي حقيقة واقعة، فنحن لا نقبل ان نقاتل سنين وسنين وغيرنا يسيس البلاد ويثبت برنامجه، حتى اذا انهكت القوى سعى الجميع الى صلح غير عادل.
• وكذلك فان موازين القوى لها اثر اخر، ولا نقصد فقط فرق القوة المحتلة عن المقاومة، وانما نقصد ايضاً دول الجوار ومدى تدخلها وموازين القوى العالمية وقوى الضغط الدولي.
• اضف الى ذلك نفسية ابن البلد التي ضعفت واهتزت وهي اصلح ما تكون لمدة من الزمن لترجع الى اتزانها وعزتها(26).


التمثيل السياسي للجماعات السنية

نتيجة لتبني مبدأ التمثيل الطائفي في عراق مابعد 2003 واقصاء جميع انواع التمثيل السياسي اصبحت (السلطة) و(الصلاحية) التي يمتلكها (التمثيل السياسي) مستمدة من المجموعات الطائفية الناخبة، وقد انقسمت الاحزاب السياسية في العراق الى اتجاهات دينية/ سياسية، الاحزاب الشيعية/ الاحزاب السنية) وخلال انتخابات 2005 تشكلت جبهة التوافق العراقية من ثلاث جماعات سنية وهي الحزب الاسلامي العراقي برئاسة محسن عبدالحميد، اخواني معتدل والمجلس العام لاهل العراق بقيادة عدنان الدليمي (اتجاه محافظ) ومجلس الحوار الوطني ويضم في صفوفه مجموعة من الاحزاب بزعامة خلف العليان (بعثي، سلفي) وقد استطاعت هذه الكتلة الحصول على 45 مقعد في مجلس النواب، تعاني هذه الكتلة السنية من انقسامات ونزاعات ضارية بشأن التمثيل الديني – السياسي للمكونات السنية و لاسيما بعد ظهور فاعلين جديد في الساحة السياسية السنية العام 2007 – 2008 (مجالس الصحوات) العشائرية والتي لعبت دوراً في طرد تنظيم القاعدة من المنطقة الغربية والتي سوف تشكل على المدى المستقبلي وفي اجواء التنافس السني/ السني تهديداً لنفوذ الحزب الاسلامي العراقي، هذه العملية من الصراع هي جزء من ديناميكية المحاصصة السياسية والتي انتقلت الى داخل الجماعات الطائفية للصراع على المشاركة والتمثيل السياسيين داخل الحكومة المركزية وعودة (للعشائر) في لعب دور كبير في المجال السياسي المستقل.
بدأ الصراع اولاً: بين هيئة علماء المسلمين وهي اكثر الجماعات السنية راديكالية وجهادية والاتجاه الاخواني (الحزب الاسلامي العراقي) الذي يؤمن بالمشاركة السياسية والتعددية، فضلاً عن الطرد الذي تعرض له الحزب الاسلامي العراقي في محافظة الانبار والموصل من قبل جماعة الصحوات وكذلك دخول (ديوان الوقف السني) مفاعيل الصراع السياسي ضد (هيئة علماء العراق) والتي تدعم المكون الجهاد، لكون ديوان الوقف السني يدعم الممثلين العشائريين وجماعات الصحوات.
ان هذا الصراع الضاري على التمثيل السياسي/ الديني والذي وصل الى مرحلة القتل والتهديد بالتصفيات الجسدية، الغرض منه ازاحة مكونات التمثيل الديني/ الطائفي لصالح التمثيل القبلي/ العشائري.
اما موقع الحزب الاسلامي العراقي في هذا الصراع وخاصة بعد ظاهرة الانشقاقات والتصدعات داخل الحزب الاسلامي العراقي وخروج بعض الشخصيات من الحزب (حاجم الحسني ومحمود المشهداني واخيراً الهاشمي،) يدلل على هشاشة التنظيم الاخواني في العراق وتدهور وتآكل القاعدة الشعبية للحزب، وقد ظهر ذلك في انتخابات مجالس المحافظات (الانبار، الموصل، ديالى) بعد ان احتكر تمثيل المكون السني خلال السنوات الاربعة الماضية وصعود قوة مجالس الصحوات.


المسألة الديمقراطية والجماعات الاسلامية

تحت وطأة المشروع الاميركي تحاول الانتلجستيا العراقية الاسلامية ايجاد توافق وتماثل بين الاسلام/ الديمقراطية، ان قراءة آليات التحول في الخطاب السياسي لهذه الجماعات يكشف ان هذا المتغير ليس له علاقة بمشروع بناء الدولة الديمقراطية وانما السعي الى حيازة سلطة سياسية عن طريق الانتخابات أي دعم مشروع سياسي عبر استنفار الهويات الطائفية القومية والدينية والاثنية. لكون الحركات السياسية في المجتمعات الطرفية تقوم دائماً باعادة انتاج الاستخدام الايديولوجي للمعنى المقدس وذلك عبر ايجاد صيغ توافقية بين البنى السياسية والبنى الدينية وتقديم قراءة براغماتية للنصوص الدينية. فقد استخدمت الحركات الدينية السياسية الاسلامية ابان انتخابات 2005 شعارات وعبارات ذات منحى ديني تنتمي الى عالم مابعد الطبيعة وهذا يناقض اسس الديمقراطية. ولم تتم اعادة تشكيل الهوية العراقية. او ايجاد المجال السياسي للديمقراطية بما ينسجم مع هذه الهوية عبر خيارات دستورية او رمزية او سياسية او قانونية تحدد العلاقة بين الدين والدولة لاحداث تكيفات في البنية الايديولوجية والسياسية لخطابات التيارات الاسلامية وتجاوز العقلية الاقصائية التي تتسم بها هذه التيارات فقد عملت هذه التيارات الدينية السياسية على (تسييس الدين وتديين السياسة) مما يعطي دليل على ان هذه الجماعات تفتقد لمفاهيم الدولة الحديثة وفكرة القانون المدني، لذا فان ازالة سحر العالم عن الواقع المجتمعي العراقي هو للكشف عن البؤس الدنيوي للحركات السياسية الدينية والتي تحاول بطرق متعددة الربط بين المقدس والمدنس السياسي واعادة تأهيل مفهوم الديمقراطية وتأسيس عناصره في المجتمع العراقي بعد ان خضع لجملة من التصورات والاختلاطات المعرفية والمعاني المتناقضة ان الديمقراطية كتشكيل مجتمعي وممارسة تقوم اولاً على اختيار ثقافي لصالح العقلانية في حين نرى المجتمع العراقي يتمركز حول هويات سياسية اقلوية تعيد اكتشاف القيم البدائية الما قبل الدولة وتعاني من الرفض المستمر للاخر الثقافي والسياسي والديني تحت تأثيرات الهوس الاسطوري للاصوليات الدينية والسياسية.
اذ ان الديمقراطية ظاهرة ديناميكية لا تعمل داخل جهازها المفاهيمي والمعرفي ولا تشتغل ضمن انساقها بالتصنيفات والتمايزات الطبقية او الجنسوية او الاثنية او القومية او الطائفية وانما تأخذ الوجود الموضوعي (الفرد) حجر الزاوية، اما في الاسلام فان فكرة الفرد دائماً مسبوقة بالانتماء الى الامة او الجماعة هذا الفرق بين الاسلام كمنظومة دينية/ اقتصادية والديمقراطية نظام وتمثلات يتأسس على مفهوم الفردانية اذ يلخص مجمل هذه التعقيدات في البنى والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والانظمة الثقافية كون الاسلام نظام سياسي يكرس حقوق الجماعة الدينية مما يؤدي الى الانزلاق نحو انساق التوتاليتارية السلطوية التي تقوم على استقالة المجتمع ككل، هذه المقولة تشكل الفضاء التاريخي والعقدي والعقل السياسي المقدس في حين تعود الفردانية في المجتمعات الغربية بجذورها الانكلو-سكسونية الى حركات الاصلاح الدينية وظهور الملكية وعلاقات التنافس في المجتمع البرجوازي، وعصر فلسفة الانوار ومفهومها للعقلانية الذي يفترض ان تحكم ممارسات الانسان الفرد/ الحر في جميع مجالات الحياة الاجتماعية شريطة ان يتمتع هذا الانسان الفرد بتجربة مزدوجة تخص مجال المبادرة الاقتصادية من جانب، وحرية التبادل في السوق المادية والرمزية وحرية عقد العمل والخيارات السياسية.
فضلاً عن مخرجات فكرة السيادة، اذ ان التأويل المسيحي لمقتضيات العنصر الدنيوي قد ارتضته البروتستانتية والبيوريتانية والاقرار بشرعية التصويت على اساس القانون الذي اودعه الرب قلوب مخلوقاته. بما يثبت ان فكرة السيادة الالهية لا تحول بالضرورة دون ان يمارس الانسان سيادته، وان سياق الممارسة الاجتماعية والسياسية هو الذي يقرب الحجج التيولوجية من مفهوم الديمقراطية او يبعدها، اما في الاسلام فان مفهوم السيادة الكاملة لـ (الله) واستحالت السيادة للبشر ما يمكن تصوره والاعتقاد به، الامر الذي طالما قدم في معرض رفض النموذج الغربي للديمقراطية في العالم الاسلامي. اما مسألة التعددية والاختلاف والتنوع في الانظمة الفلسفية والسياسية والاقتصادية والثقافية داخل الانموذج الغربي للديمقراطية يتناقض مع الانموذج الاسلامي القائم على وحدة الامة والجماعة الاسلامية والهوية الدينية الكلية الثابتة.
ان الجماعات الدينية الاسلامية تطرح موضوع الديمقراطية ضمن التأطيرات الميتافيزقية/ المتعالية أي خارج حقل التاريخ بوصف الديمقراطية آلية اجرائية لتنظيم وتحويل السلطة في المجتمع وبالتالي يمكن الجمع بين الاسلام والديمقراطية عبر التجيش والتلاعب بالمعنى المقدس لصالح الضرورات ووضعه ضمن صيرورات الاجابة ليشكل حضورا مستمرا ضمن مشاغل المجتمع وداخل بنية الشروط الاجتماعية والاقتصادية. واسلمة الديمقراطية وادخالها ضمن الفضاء المفاهيمي للاسلام، يمنح الاسلام وظيفة تمجيدية لاضفاء الصفة الدينية وقد وصف هذه الاشكالية المفكر شايغان (ان الاسلام هو الذين يفكر ان يدخل في التاريخ ليقاتل الكفرة أي الفكرويات المنافسة، هكذا يقع الدين في فخ مكر العقل) فالدين حيث يريد الوقوف ضد الغرب انما يتغربن.
ان القراءات الاسلامية/ الدينية تنكر التاريخ كلياَ وتخترق الثوابت النصية لمنطوق النص المقدس لتكرس فكرة مسبقة عن تفويض الجماعات البشرية في حين ان الدين (الاسلام) ينبذ فكرة التفويض لان (الله) الاسلامي لم يفوض أي سلطة لاحد لذا لم تتشكل في (الاسلاميات التاريخية) سلطة دينية مكتملة وتلك نتيجة منطقية لهذا الوضع المعرفي وفي المقابل كان الانموذج الغربي للديمقراطية قائم على فكرة التفويض والتي تشكل بنية محورية في الفكر الغربي والثقافة المسيحية.هذه الانساق المعرفية (الفردية، السيادة، التعددية، التفويض) تلعب ادواراً مؤسساتية في الممارسة السياسية في نبذ الديمقراطية كمفهوم وممارسة داخل المجال الاسلامي مما ادى الى قيام الانتلجستيا الاسلامية بتعديلات جوهرية تمس البنية الاركولوجيا للديمقراطية واحداث انماط شعبوية والترويج بنسخ من الديمقراطية الاسلامية.
اسهاماً بالجدل بشأن المسألة الديمقراطية وارتباطها بالمنظومة الايديولوجية للحزب الاسلامي العراقي يتطلب طرح شبكة من التبادلات الفكرية والسياسية. هو، هل تتفق المنظومة السياسية – الدينية للحزب الاسلامي العراقي مع مجموعة القيم والفلسفة الديمقراطية؟ (التعددية السياسية، الدينية، احترام الحقوق المدنية للمواطنين الموقف من المرأة، التداول السلمي للسلطة السياسية).
فضلاً عن ذلك في حالة دخول الحزب الاسلامي العراقي الى السلطة السياسية في العراق هل يطبق برامجه السياسية، تطبيق الشريعة الاسلامية، المجتمع الاسلامي وهو نمط من التمكين السياسي؟ ام يطبق العقد الاجتماعي العراقي (الدستور الدائم لعام 2005)؟
وهل استطاع الحزب الاسلامي العراقي من اعادة انتاج المعرفة الدينية وبلورة نظام فكري ورؤية للعالم تستمد سيرورتها السياسية من الفلسفة الديمقراطية بشأن المقدس/ الانسان/ العالم وصياغة تحديدات جديدة للعلاقة بين الانسان/ الرب والانسان/ الانسان عبر نظام حقوقي وقانوني؟
وهل تمكن الحزب الاسلامي العراقي من استبعاد أي فاعل تاريخي مفارق وتحرير العقلانية من كل تبعية للاهوت الديني سواء كان مفارق للانسان او محايثاً والاعتراف بان الناس هم صانعوا التاريخ، فضلاً عن ذلك اعتماد تعدد مصادر التشريع بوصفها مصدر ديناميكية العملية السياسية والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية حيث ان تكريس رأس مال رمزي اعتقادي كتمثلات دستورية يمكن ان يغذي التمزق والفوضى داخل العالم الواقعي العراقي؟
قضية المرأة ومكانتها في النظام الثقافي البيطرياركي الديني الم تتناقض مع العناصر الراديكالية في فلسفة الديمقراطية فضلاً عن تناقضاً مع حقوق الانسان؟ الم يمارس القهر والتصنيف والتمييز ضد المرأة وفق شرعية دينية في الشهادة والمواريث والحقوق المدنية؟ اشكالية الفرد/ الجماعة اللتان لم يتم حسمهما في الدين الاسلامي؟
ماهو موقف الدين/ الاسلام/ من الاخر الديني والسياسي والجنسي والعرقي؟ واخيراً لابد من التساؤل عن ماهي الديمقراطية في الحيز الثقافي الديني.للحزب الاسلامي العراقي؟
وهل يؤمن الحزب الاسلامي العراقي بالديمقراطية في هيكليته التنظيمية؟ حيث نرى ان الاصول الايديولوجية للحزب الاسلامي العراقي ومشاريعه كلية، اطلاقية، وذات جذور الهية غير وضعية، حسب منطوق برامجه السياسية ويعد ان السياسية تندرج في ذات الدين ونظامه المعرفي. حيث تكتشف التداخل بين المجالات الاقتصادية والدينية والسياسية محكومة (بأحكام الاسلام وتطبق على امور الافراد والدولة).
ان الحزب الاسلامي العراقي لم يصل حتى الان الى فكرة العقد الاجتماعي والتي تمثل العتبة الاولى للديمقراطية وتؤدي الى نتيجتين اساسيتين، وهما العلاقة الوثيقة بين مسألة الحرية الشخصية ومسألة السلطة واضفاء الرهان السياسي على موضوع السيادة البشرية. فالديمقراطية والتي لم يرد ذكرها في الادبيات السياسية للحزب الاسلامي العراقي تعرف بوصفها آلية سياسية للوصول الى السلطة السياسية والتمكين (ويعطي الكثير من الفرص التي تستطيع من خلالها ادارة الصراع وجعل كفة الرجحان للمسلمين بعون الله فهو يتح لنا ان نعمل في العلن وان يكون لنا صحف ومجلات وكتب ومنابر اعلامية واذاعة وتلفزيون تنطق كلها باسم الاسلام وترفع صوت الاسلام). وهنا يكتشف مثقفو الحزب الاسلامي (سحر الديمقراطية) بوصفه آليات للوصول الى السلطة السياسية والعودة الى الارث الثقافي والديني لتجاوز اخفاقات تشكيل الدولة واعادة انتاج مفهوم الشورى كنسق استعاري رمزي او تماثلي مع مفهوم الديمقراطية (ومن هنا نستطيع ان نفهم معنى الالحاح على ربط الديمقراطية وهي مفهوم حديث بالشورى ورفض استخدام المصطلحات الغربية عندما يمكن استبدالها بسهولة بمصطلحات عربية موروثة او ذات معنى دلالي اسلامي حيث تتمكن الرغبة في استهلاك الحداثة وتأهيلها ثقافياً. وهنا يكمن مأزق البنية المعرفية للانتلجستيا الاسلامية في البحث عن تحوير للديمقراطية كمفهوم وممارسة وايجاد صيغة اسلامية تقوم على عزلة عن السياق المجتمعي التاريخي حيث ان النظام المعرفي الاسلامي مسكون دائماً بهاجس التأصيل واعادة انتاج المفاهيم الغربية الشاغلة في الانظمة المعرفية عبر ايجاد حقل مقاربات في المرجعيات الدينية والروايات والاساطير والخطابات التاريخية الخرافية ثم موضعة هذه المصطلحات داخل هذا النظام واضفاء الشرعية عليها.
وهذا يعود الى ان الخطاب الاسلامي يعاني من فراغاً معرفياً في نظامه المقولاتي والمفاهيمي ويحلل الطيب البكوش الاشكالية اللسانية للمفهومين الثنائيين ديمقراطية/ شورى عبر المنظومة الرمزية التاريخية ويرى ان النصوص المعتمدة بالنسبة الى مفهوم الشورى داخل الاحزاب الاسلامية ليست نصوص حقوق الانسان وانما هي نصوص سياسية يتم داخلها استبدال مفهوم ديمقراطية بلفظ شورى الذي له بعد ديني ذو صلة بالميراث الاسلامي حيث تجري هذه العملية لجعل مفهوم الديمقراطية اسلامي مع الرفض الكامل للغرب المسيحي وتوصيف الديمقراطية بانها بدعة مفروضة وهكذا تتم عملية مرور رفض الاخر الثقافي والسياسي والتاريخي عبر رفض (النظام المفاهيمي المقولاتي) او الشفرة الرمزية حيث ان هذين المفهومين الديمقراطية/ شورى ينتميان الى بنيتين سياسيتين وثقافيتين وفكرتين مختلفتين ولهما حقلهما الابستمولوجي ومعجمهما السياسي الصرفي الاشتقاقي ولا يشتركان في النظام السيميائي فهما لا يتماثلان ولا يتطابقان، فالديمقراطية مفهوم يحيل الى سلطة الغالبية بينما تحيل الشورى الى النص الديني وسلطته في (الخاصة من القوم) ويحتوي على شفرة مشحونة بالرمزية الدينية ويستعمل كوسيلة للايحاء المتحكم بالتعبئة السياسية وهنا يهيمن الجانب السيمائي على الدليل اللساني من حيث التصور الثقافي.
اذ ان العقل السياسي العربي اسس مفهوم الشورى اعتماداً على كلمات داخل النص المقدس تفيد معنى التشاور وتعود مرجعيتها الى تقاليد سياسية قبلية وهي جزء من البنية الاجتماعية والاقتصادية السياسية في المجتمعات القبلية. كما ان مفهوم الشورى يطمس القوة السياسية ويؤكد التطابق التلقائي بين التاريخ والمجتمع والسلطة هذه النزعة ماهي في الواقع الا وسيلة لترجمة فكرة الوحدة المجتمعية، هذا النوع من التنظيم ينبذ بطبيعة الحال اية تعددية سياسية ويستبقي تعددية الطوائف الدينية حيث ان اكثر اطروحات الانتلجستيا الاسلامية حول الشورى كمفهوم ومؤسسة سياسية كلاسيكية تخيلية لم يرتبط بالتراكم المعرفي حول طبيعة الدول السياسية في الاسلام، ان اعادة انتاج واستثمار هذا المفهوم يقع تحت ضغط الاسئلة السياسية داخل المجتمعات التي تحاول البحث عن ذاتها الثقافية والسياسية في عالم متحول.


العملية الدستورية

بعد تشكيل مجلس الحكم الانتقالي في العام 2003 عين المجلس نخبة دستورية تحضيرية مؤلفة من اثني عشر من الشيعة وخمسة من السنة وخمسة من الكرد وتركماني واحد واشوري واحد، ادت هذه العملية الى استقطابات حادة داخل المجتمع العراقي، في العام 2004 وبعد صدور قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية الى ردود افعال قوية من هيئة علماء المسلمين السنية، وفي 31/ كانون الثاني/ 2005 اجرت العملية الانتخابية وقد اظهرت بروز كتلتين هما التحالف الكردي 75 مقعدا والائتلاف العراقي الموحد الشيعي 140 مقعدا وقائمة الوسط جماعة اياد علاوي 40 مقعدا اما التكوينات السياسية الممثلة للاقليات الدينية فقد كانت مهمشة، ورغم ان هذه الانتخابات كانت على درجة من الشرعية ولكنها كانت تعاني من فجوتين واضحتين هما غياب كتلة وسطية معتدلة واختلال تمثيل الجماعات السنية.
مارست الدبلوماسية البريطانية والاميركية ضغوطات لحل مشكلة التمثيل السني وتمت اعادة تسمية اللجنة الدستورية بـ (هيئة التفاوض الدستوري) وضمت واحد وسبعون عضواً، ثمانية وعشرين من الائتلاف الشيعي، خمسة عشر من التحالف الكردي وثمانية من القائمة العراقية وخمسة من الاقليات وخمسة عشر من السنة ورغم تنوع القوى السنية المشاركة في كتابة الدستور فقد كانت موحدة في معارضتها لاجتثاث البعث وللامركزية وتوزيع الموارد والفدرالية غير الاثنية انقسمت الكتلة السنية الى جماعات اسلامية معتدلة وجناح بعثي اصولي كان الاول اكثر ميلاً لانتزاع اكبر قدر من التنازلات لتعديل مسودة الدستور (الحزب الاسلامي العراقي) اما الجناح الثاني فكان يريد تعطيل العملية السياسية، ايدت معظم الحركات والجماعات السنية المشاركة في كتابة الدستور فكرة تطبيق الشريعة وقانون محافظ للاحوال الشخصية. وقد اصدر الحزب الاسلامي العراقي البيان المرقم (97) حول مسودة الدستور، بين فيه اعتراضات الحزب على الفقرات الدستورية المتعلقة بوحدة وعروبة العراق واستخدام اللغة العربية ومنح الجنسية العراقية وقضية اجتثاث البعث. دخل الحزب الاسلامي والقوى التي صارت تعرف باسم: المغيبون وتضم اهل السنة (تم اعادة التسمية باهل العراق) بقيادة عدنان الدليمي والحزب الاسلامي بقيادة محسن عبدالحميد ومجلس الحوار الوطني بقيادة صالح المطلك وهيئة علماء المسلمين في حوارات تمخضت عن ادخال التعديل الجوهري الاتي على مسودة الدستور:
اولاً: يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من اعضاءه تكون ممثلة للمكونات الرئيسة في المجتمع العراقي، مهمتها تقديم تقرير الى مجلس النواب، خلال مدة لا تتجاوز اربعة اشهر، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن اجراءها على الدستور، وتحل بعد البت في مقترحاتها.
ثانياً: تعرض التعديلات المقترحة من قبل اللجنة دفعة واحدة على مجلس النواب للتصويت عليها، وتعد مقرة بموافقة الغالبية المطلقة لعدد اعضاء المجلس.
ثالثاً: تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب وفق لما ورد في البند (ثانياً) من هذه المادة على الشعب للاستفتاء عليها خلال مدة لا تزيد عن شهرين من تاريخ اقرار التعديل في مجلس النواب.
رابعاً: يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً، بموافقة اغلبية المصوتين، واذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات او اكثر.
خامساً: يستثنى العمل بالمادة (122) (المتعلقة بتعديل الدستور) من الدستور، ويعاد العمل بموجبها بعد البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة.
فضلاً عن ذلك اصدر الحزب الاسلامي العراقي التأصيل الشرعي لموقف الحزب الاسلامي العراقي حول مسودة الدستور، حيث ينطلق التأصيل الشرعي من الحقل البراغماتي وذلك بان السياسة فن الممكن وهي ادارة شؤون الناس ومصالحهم، مقدم على ما سواها من اولويات القبول والرفض عند التعامل مع مخالف او عدو والجلوس على طاولة فيها سجال. معتمداً على الادلة النقلية والاجتهادية وتفسير العلماء في قبول التصويت على الدستور.


هوامش. مصادر. ايضاحات
1. كتاب لاهوت السياسية، الاحزاب والحركات الدينية في العراق د. رشيد خيون الصادر ضمن دراسات عراقية، الطبعة الاولى 2009 يقدم ثبت بالاحزاب والحركات والتنظيمات الدينية السياسية في العراق.
2. نشوء الحركة الاسلامية السنية المعاصرة في العراق /طارق حمدي الاعظمي الموقع الالكتروني اسلام اون لاين.
3. نشوء الحركة الاسلامية/ مصدر مذكور.
4. المجتمع العراقي حفريات سوسيولوجية في الاثنيات والطوائف والطبقات/ مجموعة مؤلفين الطبعة الاولى 2006 بغداد – بيروت منشورات معهد الدراسات الستراتيجية.
5. المجتمع العراقي هويات سيوسيولوجية في الانسان والطوائف والطبقات.
6. بنية الوعي الديني والتطور الرأسمالي/ فالح عبدالجبار مركز الابحاث والدراسات – نيقوسيا – الطبعة الاولى 1990/ ص70.
7. نشوء الحركة الاسلامية السنية المعاصرة/ مصدر مذكور.
8. نشوء الحركة الاسلامية السنية المعاصرة/ مصدر مذكور.
9. في حوار مع الاستاذ الدكتور نعمان عبدالرزاق السامرائي يقول: (ابتداء ببيئة سامراء كانت بيئة عشائرية محافظة وفيها مدرسة دينية اسسها السلطان عبدالحميد وكنا في المتوسطة نتردد عليهم ونصلي معهم فامر طبيعي عندما يفتح شباك وهو كلية الشريعة لم نكن نعرفها ونراها، كان الشيخ (محمد محمود الصواف) قد انهى دراسته التي تعادل الماجستير وعاد وعين اول استاذ في الكلية ورأينا فيه شاباً متدفقاً متحمساً يتكلم ويخطب مرتجلاً ويخرج في المظاهرات فكان شيء غير مألوف بالنسبة لنا، فقد الفنا مشايخ غالباً ما يكونون في سن كبير ويتحركون حركة محسوبة فهذا اثر فينا وفي الشارع وانفجرت قضية فلسطين حينها فكنا نحن اشبه بالوقود ننزل الى المظاهرات يومياً واندمجنا فيها اندماج كبير وكان اغلب الطلبة يسيرون فيها والشيخ الصواف يتقدمهم ويخطب بحماسة قل نظيرها فهو جاء في وقت مناسب حقيقة الامر). موقع الحزب الاسلامي العراقي.
10. نشوء الحركة الاسلامية السنية المعاصرة في العراق/ طارق الاعظمي يقول ان ( الاحياء الاسلامي ) الذي استهله الاخوان المسلمين اولى استجابات الاسلام لتحديات واشكاليات العالم الحديث، لكنها استجابة صادرة من داخل الاطار الجديد للمجتمع المدني الحديث. وبهذا الاعتبار، تميزت حركة (الاخوان المسلمين) تميزاً واضحاً عن حركات القرن الثالث عشر الاصلاحية التي اسهمت فيها اسرة الالوسي. وتبعاً لذلك، ظهرت حركة الاخوان في العراق، وتطورت كاستجابة لانحطاط البعد الفكري والبعد السياسي للاسلام. وخلافاً لعدد من النظريات التي حاولت ان تفسر قيام الاحياء الاسلامي كرد فعل على النكسة العربية في 1967، او بتحديد اكثر، كنتيجة لانحدار وتراجع الاتجاه القومي العربي، تظل حركة الاحياء الاسلامي التي استهلها الاخوان المسلمون استجابة طبيعية لانحطاط دور ونفوذ الاسلام في الشؤون العامة. ورغم انطلاق حركة الاخوان في العراق من قاعدة يغلب عليها التسنن، فان الاخوان العراقيين لم يترددوا في التصدي للنظام العلماني (السني). تنقض هذه الحقيقة بوضوح ما ذهب اليه بعض الباحثين من ان الحركة الاسلامية بالعراق لم تكن سوى رد فعل شيعي ضد استفراد السنة بدوائر الحكم وصناعة القرار، أي انها حركة احتجاج اغلبية شيعية بالعراق موجهة ضد النظام البعثي المتمركز حول الاقلية السنية العربية. تقود هذه المقولات الى ان الحركة الاسلامية بالعراق ليست سوى احياء شيعي بمنطلقات طائفية مجردة. على العكس من ذلك، ان بدايات حركة الاحياء الاسلامي بالعراق كانت في المحيط السني، وفي ظل نظام سياسي يهيمن عليه السنة. وهذا بدوره يقودنا الى ان الاهتمام بالانحطاط الاسلامي كان هو المنطلق والدافع الحقيقي وراء ذلك الاحياء. بل ان الحركة الاسلامية لشيعة العراق التي بدأت اواخر الخمسينيات لم تنطلق من دوافع طائفية، فمهمتها الرئيسة انذاك كانت التصدي للموجة الشيوعية التي اجتاحت جنوب العراق. لكن مع مرور الوقت وتواصل قمع نظام البعث للشيعة، بدأ بعض المراقبين يستشرعون بعض التوجهات الطائفية في خطاب الحركة الاسلامية الشيعية، والذي كان رد فعل على قسوة البعث القمعي. يجدر الاهتمام كذلك بدور العلماء في ظاهرة الاحياء الاسلامي. لقد كان الصواف اول (عالم تقليدي) بالعراق يتحول الى (ناشط) فعال في مشروع الاحياء الاسلامي بعد ان شهد التحديات الكبيرة التي يمثلها العالم الحديث والدولة الحديثة.
11. الاخوان المسلمين في العراق/ سامي البدري موقع الحوار المتمدن.
12. لم تشكل جماعة اخوان المسلمين في العراق تيار اسوة بالاخوان المسلمين الام في مصر، فضلاً عن ذلك ان جماعة اخوان المسلمين في العراق لم تلعب دوراً سياسياً راديكالياً كتيار في التاريخية العراقية وكانت محصورة في المناطق الحضرية حيث بقيت على هامش الاحداث، قد يكون لسبب ظهور الحزب القومي البعثي العراقي الذي استحوذ على المكونات السنية ودمج بين اولدية والقومية والاسلامية السنية. او يمكن دراسة هذه المسألة داخل آليات الهيمنة السياسية والطائفية حيث يرى جان بيير لو يزار ان الدولة العراقية الحديثة العام 1921 تشكلت من اجماع نوعين من العلاقات.
الاولى: هي الهيمنة الطائفية السنية على الشيعة.
الثانية: هي علاقات الهيمنة الاثنية للعرب على الاكراد.
هذه علاقات الهيمنة محجوبة من قبل نظام سياسي مابعد كولونيالي. ابتكار قومي ولم ترد أي اشارة للسنة او الشيعة في الادبيات السياسية او الدساتير العراقية، حيث بقيت هاتان الكلمتان طي الكتمان والخفاء، وهكذا كمنت داخل تصور هوية الدولة العراقية قواعد تميز وتصنيف، حيث ان اخوان المسلمين او أي حزب سياسي – ديني سني هو جزء من اليات الهيمنة، وكذلك جزء من مكونات الايديولوجية القومية وتثبت ذلك مخالفات اخوان المسلمين مع الجماعات القومية في حقبة الستينيات لاسقاط عبدالكريم قاسم.
13. المجتمع العراقي، حفريات سوسيولوجية مصدر مذكور.
14. نشوء الحركة الاسلامية السنية/ مصدر مذكور.
15. الحزب الاسلامي العراقي: مرحلة التأسيس/ د. محسن عبدالحميد بغداد 2003.
- ذكريات ومواقف/ وليد الاعظمي/ مطبعة نور دجلة 2005.
- تاريخ نشأة الحزب الاسلامي العراقي/ كاظم المشايخي/ بغداد 2005.
16. بعد ان رفضت وزارة الداخلية اجازة الحزب الاسلامي ميز قرار الرفض وفيما يأتي نص القرار:
الجمهورية العراقية
رئاسة محكمة التمييز العراق
بغداد
رقم الاضبارة/ 21/ حزب اسلامي
العدد: 5
التاريخ: 26/ 4/ 1960
تشكلت محكمة التمييز العراق بتاريخ 26/ 4/ 1960 بهيئتها العامة المؤلفة برئاسة السيد محمود الخالصي والاعضاء السادة عبدالهادي الظاهر ومحمد شفيق العاني ومحمد فهمي الجراح وعارف علي اصغر ونوري العمري وعبدالحميد كبة ومحمد محمود القشطيني ومحمد رشاد عارف وكامل الخطيب والمأذونين بالقضاء باسم الشعب واصدرت القرار الاتي:
قدم السيد نعمان عبدالرزاق ورفاقه طلباً الى وزارة الداخلية لتأسيس حزب سياسي بأسم (الحزب الاسلامي العراقي) وان وزارة الداخلية قررت في 27/ 3/ 1960 وبرقم ش/ ج/ 914 رفض الطلب فميز السيد نعمان ورفاقه القرار المذكور فجلبت محكمة التمييز اوراق الدعوة وتفرعاتها كافة لاجراء التدقيقات عليها فوردت الاضبارة في 25/ 4/ 1960.
ولدى التدقيق والمداولة من قبل الهيئة العامة وجد من محاضر التحقيق المرفوعة من الجهات المختصة انه ليس هنالك مانع بقدر ما يتعلق الامر بتلك الجهات من منح الاعضاء المؤسسين اجازة وعند التدقيق قرار الرفض وجد ان حيثيات ذلك القرار لا ينطبق على المواد التي اشار اليها قانون الجمعيات رقم 1 لسنة 1960 فقد جاء في منهاج الحزب ما يؤدي الهدف الى تركيز الاستقلال الوطني ووحدة البلاد والعمل الى جمع الشمل ومحاربة كل ما يؤدي الى التفرقة كما ان الاسلام نفسه يؤيد النظام الجمهوري في الحكم وهو (الشورى في الحكم ولابد من ان يقيموه) ولا يمكن اعتبار اهداف الحزب سرية بعد وضوح منهاجه كما ان من اهداف الحزب نفسه رعاية النظام العام وترصين قواعد الادب التي يستقر بها المجتمع وهذه الجهات المذكورة اعلاه هي ما نظمتها المادة الرابعة من القانون المذكور وانسجمت مع اهداف ومنهج الحزب. ان منهاج الحزب سجل على نفسه العمل بتعاليم الاسلام ونظمه ومعالجة مشاكل الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية اما انها تخضع لنصوص واجتهاد وهي بمجموعها يمكن ان تعالج وبعقلية لا يقال فيها انها لا تماشي روح العصر وبعد وجود الاجتهاد والاخذ بقواعد المصالح المرسلة وقاعدة ما راها المسلمون حسناً فهو عند الله حسن لذلك يعتقد ان افق التشريع الاسلامي في سعة للاستنباط وجعله مناطق للحكم فيما يفيد المجتمع. وحيث لم يثبت الحزب المذكور ايضاً في منهاجه ما يثبت وجود علاقة في الخارج او لمؤسسة لذلك يعتبر رفض الطلب بتأسيس الحزب جاء مخالفاً للقانون وعليه قرر نقضه واعادته لوزارة الداخلية واعتبار الحزب المذكور مجازاً وفق الاصول والقانون وصدر بالاكثرية بتاريخ 26/ 4/ 1960.
الكاتب الاول لمحكمة تمييز العراق/ بغداد.
تعليق: كما ان منهاج الحزب منسجم مع الدستور المؤقت الذي صرح بان دين الدولة الرسمي الاسلامي.
موقع الحزب الاسلامي العراقي على الشبكة العالمية للمعلومات.
17. رسالة رئيس الحزب من سجنه الى المرجع الاعلى السيد الحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الثلاثاء/ 2/ 1961
سماحة آية الله الحكيم ادامه الله..
وبعد ارجوا ان تكونوا وسائر المسلمين بخير وعز وجزاكم الله افضل الجزاء عن الاسلام واهله وابقاكم حماة تذودون عنه وترفعون رايته انه سميع مجيب
سيدي الكريم لا يخفاكم حال العراق وما الا اليه على يد رجل فقد نعمة العقل ولم يفرق بين الحق والباطل واسرف حتى لم يعد ينفع معه نصح ناصح او موعظة واعظ وانا لله وانا اليه راجعون.
ومما نشاهده ونحسه ولا نعتقد ببقاء هذا الرجل ولكن مستقبل هذا البلد المظلوم ومستقبل الاسلام فيه امسى مجهولاً وما لم يكن للعناصر الاسلامية من اثر اليوم فلن يكون لها شيء في المستقبل وان نفكر في غد الاسلام اكثر مما نفكر في يومه فلا زالت الشيوعية معشعشة في البلد شاخصة باعينه نحو روسيا وقد نبتت نبتة جديدة حملت عن الشيوعية كفرها بالاسلام مع روح مسيحية تبشيرية، ويضاف لهذا وذاك عنصرية عمياء وتعصب مقيت وهؤلاء ورثة الشيوعية وان لم يحملوا اسمها واعتقد ان لدى الشيخ الساعدي (فك الله اسره) الشيء الكثير عن هذه الطائفة او الحزب فان لم يقم علماء الاسلام ويرفعوا اصواتهم ضد الطاغوت ويؤيدهم الشباب المسلمين فسوف يكون مستقبل الاسلام في العراق لا يسره اهله واننا نريد من مقامكم عمل شيء ولو باصدار بيان او ما اشبه حسب رأيكم ونحن بعد هذه لا تهمنا ان بقينا في سجننا ام اطلقنا فالمهم عندنا هو الاسلام ومستقبل الاسلام ورأينا كيف اهمل الاسلام في ثورة تموز قد طلب اخواننا علماء الشمال ان نكتب لسماحتكم في هذا الامر عسى ان تفعلوا ما فيه الخير للاسلام والمسلمين وانتم تعلمون جيداً ان هذا الطاغية لا يمكن ان يؤثر عليه احد سواكم وسوى بيانات اخوانكم العلماء فعسى ان تعملوا شيئاً لمستقبل الاسلام والمسلمين والله لا يضيع اجر من احسن عملاً والسلام منا.
ولدكم نعمان عبدالرزاق السامرائي
سجن السراي
بغداد 2/ 2/ 1961
موقع الحزب الاسلامي العراقي على الشبكة العالمية للمعلومات
18. كتاب الحاكم العسكري العام 633 في 16/ 3/ 1961 حول حل الحزب الاسلامي، لما كان الدين الاسلامي هو دين الدولة الرسمي، وان تأليف حزب اسلامي لا يفيد الدين الاسلامي الحنيف على الوجه الاكمل بل يجعله في مستوى الاحزاب، ولما كنا نعتقد ان الدين له من القداسة والمنزلة ما يسمو ويرقى الى اعلى الدرجات، ولاعتقادنا ان الجمعيات الدينية بامكانها اداء الخدمة الصادقة للدين وتتلقى العون (...) من منابع نقية لذلك واستناداً الى الصلاحية المخولة لنا بموجب الفقرة (8) من المادة الرابعة عشرة من مرسوم الادارة العراقية المرقم (18) لسنة 1935، قررنا حل الحزب الاسلامي العراقي، يرجى الايعاز الى الدوائر المختصة لاتخاذ ما يقتضي لتنفيذ ذلك، انتهت يرجى اتخاذ ما يلزم لهذا الصدد.
19. الصدامية لم توفر الشروط الاجتماعية لقيام دولة بالمعنى السياسي وانها دولة تنكرية وادوات قمع وهيمنة ايديولوجية شعبوية تحتوي على خليط مثير للدهشة من الاحكام المسبقة القوماتية والفرضيات بصدد تشييد تصميم نظام من القيم لتحديد هوية وتمثل احد التقنيات في الرؤية الثقافية العراقية.
حيث تم بناء الخطاب الشعبوي الصدامي داخل الثقافة العراقية كمفهوم هوياتي تداولي يتداخل في مجال النصوص المعرفية والسياسية واصبحت آليات (الحشد داخل الحشد) و(الزحف المقدس) جزءاً من السيرورات الاجتماعية للجماعات السياسية العراقية وهذا يعود الى ان الحقل الثقافي العراقي يتميز بفقدان الميراث الفلسفي وانعدام سيادة القانونية والتعددية الاجتماعية والفكرية مما مثل العامل المساعد على تفكك الوحدات المجتمعية وتحولها الى جماهيرات هائجة تركن الى خطاب انفعالي تحشدي موجه للعاطفة او المخيال الجماعي.
20 . يقول احمد محمد الراشد في كتاب ( نقض المنطق السلمي ) الطرف السني حرمه صدام من فرص الانتظام والنشاط السياسي المستقل، وحجر عليه، وحصر القضية في حزب البعث فقط، والبعثي لا يتربى سياسياً، لان القرارات بيد صدام وحده، والحزبي تابع منفذ فقط وعليه الطاعة العمياء، فلم تنشأ لذلك زعامات لها خبرة، واذا حازتها فهي بعثية ولا تصلح لقيادة اهل السنة في مرحلة مابعد صدام بسبب الممارسات الدكتاتورية والمخابراتية لكل الكتلة البعثية، وكان مما زاد من تجفيف منابع الخبرة السنية منذ اول حكم البعث ان الحركة الاسلامية تعرضت لمحنة واعتقالات وضرر فقررت قيادتها في العراق تجميد العمل التنظيمي من اجل تخفيف المحنة والرقابة المخابراتية، وطال التجميد بسبب استمرار وتيرة سياسة القبضة الحديدية التي مارسها صدام، فضمرت خبرة الدعاة السياسية تدريجياً وانطلقوا بعد الغزو من مستوى يقرب من الصفر على الرغم من استعداداتهم الفكرية ومحاسنهم الدينية، فكان ذلك من الاسباب القوية في حرمان اهل السنة من الزعامات يوم حاجتهم لها لمقابلة الاحزاب الطائفية بعد الاحتلال.
21.ان نظام التنضيد الاجتماعي للمجتمع العراقي يأخذ بالفكر التقليدي بعيداً عن مشاكل التراتبية الاجتماعية، اذ يتألف المجتمع العراقي من مجموعات فسيفسائية معزولة (دينية، طائفية، قومية) (المسلمون فوق المسيحيين واليهود والصابئة وهرميات دينية حيث السنة فوق المسيحيين واليهود والصابئة وهرميات طائفية حيث السنة فوق الشيعة). اذ ان هذه الفسيفسائية المضادة لتكوينات البنية المجتمعية العراقية شكلت خاصية مستديمة لنمو الاستبداد السياسي الطائفي وانتج عن ذلك تمزق الهويات وعدم تبلور معارضة متكاملة ومتسقة فضلاً عن هيمنة الاقلية الطائفية. اذ ان المجتمع العراقي تشكل من دمج مجموعات بشرية وتركيبات خيالية وبشكل قسري اذ نكتشف هشاشة هذا الترقيع البشري حتى في مجال الخرائط الجغرافية الطائفية فالمجتمع العراقي ينقسم الى مجموعات طائفية قومية اثنية متمركزة حول هويات مغلقة ادت هذه البنية من التكوين الى عجز الطبقات الاجتماعية العراقية عن التبلور كنواة سياسية اذ تعاني الطبقة البرجوازية الوطنية العراقية من ازمة تكوين مزمنة وانهيار الطبقة الوسطى وتفت الطبقة العاملة العراقية وتحول الافراد السياسيين الى نمط من الولاءات والتوجهات المقدسة ادى الى حضور الطائفية السياسية كوعي وسلوك ومحرك اولي للتاريخ.
22.استخدام الدين لممارسات سياسية واقتصادية وثقافية لاغراض الهيمنة ويحتوي هذا المفهوم على سلسلة من التصنيفات المعرفية والمؤسساتية وانظمة القيم. فالموقع الديني السياسي للجماعات الشيعية اخذ صفة معارضة مستديمة لجماعات سنية مركزية تأقلمت مع تخطيطات هوية الدولة ووظفت المكتشفات الايديولوجية في التجربة التاريخية، هذه الوضعية التاريخية فرضت على الجماعات الشيعية البحث عن تعويضات خارج التاريخ الواقعي العياني والذي هو ليس مجال تاريخ الديني الشيعي او وجوده الموضوعي وانما هو تاريخ جماعات افتراضية اخذت تحذف عناصر هذا التاريخ لتحيله الى دلالات ومعنى وميثولوجيات وسلطة اسطورة وفي صيغ مستديمة لهذا النسق المزخرف حيث استطاع الدين الشيعي ايجاد مخرجاً تعويضياً معبراً عن رفض الدولة والانسحاب الكلي من المشاركة السياسية خوفاً على قداسة الاسطورة من الدنس الايديولوجي فضلاً عن ذلك كان الدين الشيعي يعاني من الطرد المستمر خارج التاريخ امتداداً من عصر الفقهاء حتى عصر الفتاوى المعاصرة والاحاديث السياسية التي تتخذ مفهوم الروافض والولاءات المزدوجة السياسية والدينية موضوعاً لها.
23.مقال للباحث فالح عبدالجبار منشور في صحيفة الصباح الجديد العدد في.
20. البيان الاول لعودة الحزب الى الحياة العلنية السياسية موقع الحزب الاسلامي العراقي على الشبكة الدولية .
21. يقع بعض الباحثين داخل فخ استشراقي، تعميمي، واحكام جاهزة فمن خلال تحليل التاريخ الايديولوجي نجد ان الحزب الاسلامي العراقي لم يطرح مفهوم الحاكمية في منظومته الايديولوجية، ولم يشكل تيار راديكالي داخل الدولة الوطنية العراقية او طرح مفهوم جاهلية المجتمع، ويعود مفهوم الحاكمية الى مؤسس الجماعات الاسلامية الباكستانية ابو علي المودودي والذي لم يمارس تأثيره على الجماعات الاسلامية العراقية، وانما هذا المفهوم طرح من قبل الاسلامي الجهادي وضمن نسق سياسي متكامل من التفكير واعتماد العنف كوسيلة للتغير السياسي واسلامة المجتمع والدولة ورفض المشاركة السياسية الشرعية، في حين الحزب الاسلامي العراقي ومنذ عهد الجماعات الاخوانية يميل الى الاعتدال وعدم اللجوء الى العنف او تكفير الاخر واعتماد العمل السياسي العلني فضلاً عن اهتمامه بالجانب الدعوي والتربوي والاخلاقي.
22. التاصيل الشرعي لمشاركة الحزب الاسلامي العراقي في العملية السياسية/ لجنة الحزب الاسلامي العراقي للافتاء الشرعي
- استخدام مفهوم الدين الشيعي/ الدين السني لضرورات سوسيولوجية، هذا الاستخدام لا يحمل في طياته أي نزعة نابية، وانما لكونهما يشكلان ايديولوجيا تفارق واضح في الحقل السياسي والبنى اللاهوتية وآليات التصنيف والهيمنة والتمثيل.
العودة الى كتاب الباحث حسن العلوي (الشيعة والدولة القومي) حيث يحتوي على سرديات تاريخية وثقافية موغلة في التفاصيل حول العلاقة الدموية الاقصائية بين شيعة العراق والدولة القومية.
ان تأسيسات جيش المهدي – فيلق عمر... والجيوش الاسلامية الاخرى تلعب في الحقل الدلالي الاكثر سخونة وخطورة وخاصة عندما يتم استنفار المخزون التاريخي او اعادة انتاج الاسم الدلالي في ستراتيجية توازنات وتوسيع دائرة العنف الطائفي وفي الرهانات السياسية الواقعية لتوليد القوة.
الدين الشيعي/ الدين السني احتكر مسوغات الشرعية السياسية ما ادى الى ظهور جماعات خيالية متجانسة ذات طبيعة عصابية تختزل العالم في ثنائيات مانوية شرسة وداخل لعبة الستراتيجيات السياسية والتماثل مع ايديولوجيات خلاصية انقاذية. فقد تم تحويل اسماء الطوائف في الحقل الثقافي العراقي من هوية دينية الى دين الطائفة السياسي عبر استنفار الطبقات السفلى من التراثيات وصراع المذاهب وجعله جزءاً من الحياة اليومية والتداولات الثقافية والاجتماعية والسياسية وتمت ممارسة النفي والتطهير والقتل والتمثيل الذي يجد استعداداته التراكمية في البنى الذهنية الخاصة بالمجتمع العراقي. والذي هو نتاج حقيقة طويلة من التحلل الطبقي وضعف الثقافة المجتمعية وازمة المنظومة القيمية ويعاني من الطبيعة الهشة للنسيج الاجتماعي والاقتصادي بسبب التكوين الريعي بالاضافة الى مفاعيل تفكك علاقات الانتاج الاجتماعي المزمن وانهيار بنية التمدن وتغلب الميول والنزعات الوحشية الاجرامية في السياسة العراقية اما النخبة العراقية الراهنة والتي هي وليدة الهوس الفوضوي والخمول السياسي والركود تفتقد للمشروع الفكري او الثقافي او الاقتصادي او المجتمعي ولا تمتلك الحلول والمخارج العقلانية للوصول الى تسويات.
23. بعد خروجه من الهيئة الشرعية العليا للأفتاء في الحزب الاسلامي العراقي. اصدر الشيخ عبدالمنعم صالح العلي العزي، واسمه الحركي محمد احمد الراشد. وهو داعية اسلامي وابرز قيادات اخوان المسلمين في العراق، كتاب (نقض المنطق السلمي) يتركز مضمون الكتاب وحمولاته الايديولوجية على نقض مشاركة الاسلاميين السنة في العملية السياسية وعد الجهاد فرض وفرصة وتعتمد آليات النقض على الادلة الفقهية والعرفية والمنطقية.بقول :
المفروض في العملية السياسية الاسلامية الحالية في العراق ان تكون هي الوكيلة، وان تتعامل بالحسنى مع الكتلة الجهادية، وان لا تزعم احتكار العمل، بل تفتح باباً يوحد عملها مع المكاتب السياسية للمنظمات الجهادية ويتطور الى عملية نهي سلمي عن منكر الاستعمار، ومنكر الحكومة الطائفية، ومنكر الميليشيات الحزبية التي اسرفت في القتل، ومنكر التدخل الايراني، ومنكر الانفصال وتقسيم العراق، ومنكر الاتفاقية الامنية، ومنكر التلاعب بالامتيازات النفطية، ولكن العملية السياسية مشت على استحياء امام هذه المنكرات الغليضة، وقال البرلمانيون فيها قولاً ليناً مختصراً، بل كانوا الى السكوت اقرب، ولم يؤججوها كقضايا ساخنة بما يناسب الافساد الحاصل منها في عالم الواقع، وانما حصل تعايش تدريجي معها، واكتفاء العتاب او رجاء او ايماء، وكان الاداء بارداً ومن ثم كانت خيبة الامل والنقد التضعيفي وذهاب بعض المجاهدين الى حدة انكرناها عليهم، لما نعلم من اخلاص رجال العملية السياسية. ولكن اصل الملاحظات الغاضبة صحيح، لان رفع الصوت كان هو الاليق، وكنا ننتظر لعلعة فكرية تسند لعلعة الرصاص وتوازيها وترفع وتيرتها، ولكن الحروف كانت هامسة، وانا نفسي كنت قد كتبت في تاريخ العملية السياسية، ونظرت الى انها ضرورة يمليها واقع العراق المعقد المنقسم مذهبياً وقومياً، ولكني كنت امل من رجالها الصلابة والجرأة وكمال الصراحة، وان تثير زوابع في وجه انواع المنكر كلها، فلما رأيت الرخاوة توقفت، وعندما لمست بوادر ترويج المنطق اللين وزهدهم بالجهاد ادركت ان المجموعة السياسية تسير في الطريق الخطأ، وانه لابد من نفضت وتبديل رجال وتصحيح المسار. وكان من الممكن التعايش مع المنطق السلمي واحتماله املاً في الاصلاح والتبديل الرفيق من خلال الموعظة الحسنة، ولكن بلوغ رجال العملية السلمية الى اعتقاد صواب التوقيع على الاتفاقية الامنية على الرغم من كل اسواءها ينبغي ان يدفع الى موقف جديد للدعوى الاسلامية في العراقي، وانطلاقاً من الشعور بازالة الحرج يجب ان تلجأ الحركة الاسلامية في العراق الى الاعلان عن وجودها ومحاولتها تمثيل الاصالة الدعوية وابراز نموذج جديد فعال للعملية السياسية، وكان سكوتها الطويل هو من باب سد ذريعة الاختلاف وتعدد الاسماء والصيحات، ورأت ان تشارك من مكمن خلفي بعد ان سارع الحزبيون الاسلاميون في النزول الى الساحة بعد حصول الغزو الاميركي مباشر، وانا اعلم علم اليقين ان ذلك لم يكن بتوجيه قيادة الحركة، ولكن ظروف التحويل الكبير رجحت السكوت وبلع القضية حرصاً على وحدة الموقف الاسلامي.
ان النقطة الجوهرية تدعونا الى التشديد في احياء معاني الجهاد ونصرة المجاهدين العراقيين ودعمهم واسنادهم بكل انواع الاسناد، فان جيل الجهاد العراقي المعاصر المبارك ضد اميركا يراد له ان يعضد ويخدم جيل الجهاد الفلسطيني السائر في خطوات تصاعدية ميمونة، فان اسرائيل قد اقترب يومها، وترهقها مشاكلها والهجرة العكسية منها وفساد حاكميها، والعودة القرآني يؤكد ان تكون الغلبة لنا ان شاء الله وان نجوس خلال ديارهم، ويكون وعداً مفعولا، والذي عنده ايمان عميق بالله هو على يقين من قرب حصول ذلك، والدعوى الاسلامية في كل مكان تتقدم في تحشيد انصارها والتبشير بافكارها، وهي حثيثة السير نحو التمكين باذن الله، والقيادة الدعوية في العراق عليها ان توقن ان مهمتها كبيرة، وان جهاد الاميركان هو واجبها الاصغر الذي يدربها على الجهاد الاكبر في فلسطين وتحرير القدس، والتأمل التخطيطي الموزون بالفهم المنهجي يقزد الى الجزم بان هذا هو الوقت المضبوط الصحيح لنزول الحركة الاسلامية الى الساحة السياسية، توافقاً مع الاحاسيس الرافضة للاتفاقية الامنية، وكون الدعاة تحت تأنيب الورع الذي تربوا عليه واستيلاء الشك عليهم من صواب مزعوم في التوقيع على الاتفاقية، وتوازياً مع الموجة الجديدة في التدين وعمران المساجد ورجوع الناس الى الله تعالى، وبامكان التربية الوسطية الاصيلة الصميمة اعادة روح التضحية والتجرد والبذل الى هؤلاء الناس الذين تعبوا من عنف الرد الاميركي والطائفي فتأففوا وفاهو بهذر المرهقين ثم عادوا الى اصالتهم بعد قسط الراحة، والاستنتاج الاخير اليوم لدى كل عاقل فاحص لتطور الاحداث: ان الجهاد هو الحل الوحيد، كأمر رباني، ومفاد منطقي عقلاني، وان الجثمة الاميركية اذا طالت فستهلك الحرث والنسل، وهي قد اهلكته في السنوات الخمس واثناء الحصار، ولكن تجهز على البقية الباقية.
نقد المنطق السلمي/ محمد احمد الراشد
موقع: http://www.alrashed-onlane.com/
الويب/ http://www.alrewak.nwt
- موقع الجزيرة الفضائية، حوار مع د. محسن عبدالحميد
اسلاميو العراق وعلاقتهم بالاخوان
12/ 9/ 2003
احمد منصور: يعني لو طلب (غارنر او (بريمر) اللقاء بك هل ستقبل وستجلس معهم؟ هل ستقبلون انتم كأسلاميين سنة تمثلون القوة المفترض انها القوى الاكبر على الساحة العراقية بالجلوس معهم والتفاوض معهم؟
د. اسامة التكريتي: اخي احمد احنا ليس لدينا عقدة في ان نجلس مع احد ابن تيمية ذهب الى المغول وجلس معهم لكي يحاورهم، وكانوا كفار، وغزوا البلاد، فلما اراد ان يسخر منه قائد التتار وقال: ياشيخ لو طلبتنا جئناك ولم تجثم نفسك عناء المجيء، قال: لا عليك، فان موسى وهو افضل مني جاء فرعون وهو اشر منك. احنا بالنسبة لنا اللقاء ليس لدينا فيه عقدة ولا مشكلة، لكننا ماهي ثمرات اللقاء؟
- فرهاد ابراهيم، الطائفية والسياسة في العالم العربي.
نموذج الشيعة في العراق ط 1/ القاهرة
مكتبة مدبولي 1996ص 310.
- موقع الحزب الاسلامي العراق على شبكة المعلومات العالمية.
www.iraqiparty.com
يرى السامرائي الامين العام للحزب الاسلامي ان الدولة الاسلامية التي يريدها الحزب في تصوره (دولة اسلامية حضارية ديمقراطية، حقوق المواطن فيها متاحة، حقوق الاخر فيها متاحة، مبنية على مجموعات، نتكلم عن ان الحاكمية لله، هذا صحيح باعتبار ان مصدر التشريع هو الاسلام، ولكن في نفس الوقت نتكلم على اعتبار ان السلطة هي للشعب).
ليس لدينا عقدة في قضية المرأة، نحن حقيقة يعني خصوصاً بعد ان خرجنا من العراق وجدنا انفسنا في عافية من هذه العقدة الى حد كبير، ولكن لا ندعي ان المرأة توازي الرجل في اداءها في حزبنا، انما لنا مجموعة من الناس يعملن وخصوصاً في العمل الاسلامي العراقي الذي يخدم.. ونقيم كثير من المسائل التي تعود على العراقيين وعلى داخل على العراق بنوع من معاونة ومساعدة فضلاً عن معارض ومسائل في المدارس نقيمها من اجل اظهار قضية العراق، وتبيان وضع الشعب العراقي، واهمية التركيز على قضية الحصار وما الى ذلك، نساءنا وبناتنا كلهم يقمن بهذا المجهود، واما عن احتلالهم مناصب فهذه قضية احيلها الى الفقهاء لانني اخشى ان..
احمد منصور (مقاطعاً):
هما لسه مقالوش حاجة فيها ولا ايه؟
د. اسامة التكريتي:
لا هم قالوا فيها واظن ان عمل المرأة في أي ميدان من الميادين سوى الولاية الكبرى..
موقع الجزيرة الفضائية- الاسلاميون في العراق تاريخ الحلقة 2/ 2/ 2000.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,385,359,426
- الاميركيون يسعون دوما الى عسكرة الحلول السياسية في العراق
- اعادة انتاج الحركات العلمانية مرتبط بتطور الحاضنة الفكرية وا ...
- احمد القبانجي : الاصلاح الديني معناه ايجاد قراءة بشرية للدين ...
- الباحث الكردي خالد سليمان : تعميم الفضاء المدني في المجتمع ا ...
- الايديولوجيا واليوتوبيا كمخيلة ثقافية
- الهيمنة الذكورية كبنية سوسيو – ثقافية
- الثقافة/ الهوية/ الثروة
- اعادة انتاج سؤال الديمقراطية العراقية
- المفكر ميثم الجنابي : في فتح النقاش والجدل بشأن الظاهره الصد ...
- العنف الرمزي جوهر الايديولوجيات الشمولية
- المفكر ميثم الجنابي : في فتح النقاش والجدل بشأن الظاهره الصد ...
- المفكر ميثم الجنابي : في فتح النقاش والجدل بشأن الظاهره الصد ...
- الجسد بوصفة سؤال سلطة المعرفة
- التس المفاهيم معرفيا ( الاسلام / الحداثة )
- داريوش شايغان: مكر الحداثة
- آريون وساميون ثنائية العناية الالهية
- ايقونة اوباما
- دائرة التخارج اصلاح ديني ام اصلاح سياسي ؟
- الحركات العلمانية في العراق
- الاخفاق في صناعة سرديات الذاكرة المؤسسة للمخيال السياسي العر ...


المزيد.....


- تشوهات في نقد الفكر الديني / حميد كشكولي
- الناس يولدون أحراراً، ولكنهم يستعبدون أينما ذهبوا. / عدلي جندي
- العلمانية المؤمنة / أحمد التاوتي
- محمد عابد الجابري.. ومسألة العلمانية / عبد الإله إصباح
- أيهما أولى بالنقد: المسيحية أم الإسلام؟ / نضال نعيسة
- سقوط الامم(1) / عصام شعبان عامر
- صراع الجبة والجنز وازدواجية الفرد العراقي / سامر الاديب
- تغمْط حقي ظالما ولوى يدي / جابر السوداني
- الشيخ القرضاوي والصحوة الإسلامية في الحجاب / مصطفى محمد غريب
- أتنويرٌ هذا أم تبشير يا سيدة وفاء سلطان ؟ / وليد مهدي


المزيد.....

- وفاة مواطن وإصابة 4 باشتباكات المسلمين والمسيحيين بالخصوص
- بالفيديو.. الحلقة 11 من «البرنامج» لـ «باسم يوسف»
- حوار مع مجاهد البوسيفي : المسلمون في هولندا ... الإسلام الري ...
- انجي أفلاطون (مصر)
- اتفاق بين «الديمقراطي» و«الإسلامية» على الوزارة
- فلسطينيو الداخل يحذرون من الإرهاب اليهودي
- المسيحيون يحيون الجمعة العظيمة بالسير على درب الآلام في القد ...
- الإخوان يقطعون طريق حلوان بالحواجز الحديدية
- الإخوان يقطعون طريق حلوان بالحواجز الحديدية
- بالعودة إلى مساجلة ... حلب وكسب / سامر فرنجيّة


المزيد.....

- مالك بارودي - خرافات إسلامية / مالك بارودي
- دية ما يتلفه الحيوان- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية 3 -10 / كامل النجار
- مشروع الورقة السياسيَّة المقدَّم للمؤتمر التأسيسيّ ل«اتِّحاد ... / اتحاد الشيوعيين الأردنيين
- الإسلام نسخة منتحلة من اليهودية / كامل النجار
- مالك بارودي - الإسلام دين شرك ووثنيّة / مالك بارودي
- حول مقولة كارل ماركس -الدين أفيون الشعوب- / مجيد البلوشي
- مدينة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام والعلم / برويز أمير علي بهائي بيود
- مشروع تثقيف القرية المصرية / سامح عسكر
- تأريض الإسلام ج2 الشيطان والإنسان / زاغروس آمدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - يوسف محسن - الحزب الاسلامي العراقي : الارث التاريخي ، صدام الهويات الاصولية والمسألة الديمقراطية