أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم العبودي - مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ ؟! (1/3)















المزيد.....

مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ ؟! (1/3)


جاسم العبودي
الحوار المتمدن-العدد: 3212 - 2010 / 12 / 11 - 15:26
المحور: الادب والفن
    


مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ ؟! (1/3)
الدكتور جاسم العبودي

رباه! لماذا أصبح قدر بغداد إذا غادرتها نكبة، حلتها فتنة هوجاء ؟!. لا تتعجل عزيزي القارئ فتتهمنني بالتشاؤم. لقد عدَّ الأندلسيون طليطلةَ قاعدة عظيمة لموسطة الأندلس وخط دفاعي عمّا تحتها، لذا كان لإستردادها من قبل الأسبان عام 478|1085، ألم عميق في ذاكرة أبنائها، حيث اعتبروه إنذاراً لسقوط البقية، وبهذا قال شاعرهم ابن العسّال:
يا أهل أندلس حُثّوا مَطِيَّكمُ فما المُقامُ بها إلا منَ الغلطِ
الثوبُ يُنسلُ من أطرافه وأرى ثوبَ الجزيرةِ منسولا من الوسط
ونحنُ بينَ عَدُوٍّ لا يفارقنا كيفَ الحياة مع الحيّاتِ في سفط
ومنذ ذلك الحين وألسنة العرب وأقلامهم تلهجُ بالضياع بدلا من الوحدة، والتصفيقِ لأشباه الشياطين؛ والشعب على أيديهم يعرى ويجوع، بدلا من زرع الإنتفاضة والثورة، والتنبؤ بالمصير المشؤوم المحبط للآمال مكان بثّ العزيمة فينا، حتى كأنه فرمان أبدي عاهدوا التأريخ على دفعه له أينما كانوا. لنسمع من أستراليا شاعرنا الكبير يحيى السماوي:
"آه .. كم أندلس أخرى ستضيع، وكم سفينة حلم ستضل الطريق إلى سواحل اليقظة، إن لم يعقد الرأس الألفة مع السواعد. لا تحتاج القدس إلى عشرات الفيالق، بقدر ما تحتاج إلى صلاح دين أيوبي واحد. هذا ما قالته قرطبة وهي ترثي فردوسها الأندلسي، نادبة صقر قريش ".
ولكن شاعرنا عاد وانتفض بعد إحتلال العراق في قصيدة معبرة ثائرة بعنوان "إرحلوا عن وطني"، وقد احتلت المرتبة الثالثة من بين 119 نصاً أدبياً ترجمتها في كتابي (حب ووطن) الذي صدر باللغتين العربية والأسبانية في مدريد عام 2007 ، لـ 85 شاعرا وكاتبا؛ 70 منهم عراقياً و 11 عربياً و 5 أسبان.. ومنها:
"نحن لا نستبدلُ الخنزير بالذئب | ولا الطاعون بالسل | وموتاً بالجُذامْ | فارحلوا عن وطني. |من قبل أن ينتفض النخلُ العراقي | ويستلّ سيوف الإنتقامْ"..
مرة سمعتُ من إذاعة لندن الشاعر المصري فاروق شُوشة يتغنّى بصوته الرخيم بجزء من "مرثية جديدة إلى قرطبة"، من ديوان (فاكهة الماضي) للعلاّق تتدافع فيها صور حاضر بغداد التي تقبع في ذهن الشاعر، وليس ماضي قرطبة:
"نهضت غيمةٌ | غادرت خيمةَ النوم | حشد من الأنبياء | يتوجهون في طلل | ويغطون بالدمع مئذنة شاطبة | ورأيت بلادا تجاهد ألا تضيع | شممت أريج منائرها المـتربة | وتملكني هاجس | تلك بيروت أم قرطبة".
هذا ما كان من مصير قرطبة بالأمس... وصدِّقني لا أحد بضمير حيّ يـتـجرأ ليلوّح أن بغداد ينتظرها نفس المصير، ما دامت في حضن دجلة، ويرعاها أبناؤها الغيارى.
نعلم أن الصراصير قد جَرثَمتْ بنادر قمحنا، واجتاحت الجرذان رياض حريتنا، لكن سنُغنِّي لها حتى آخر نجمة في السماء.. ولكن ربما تسافر معك الطِّيرة في مركب واحد فَتُعدى، كما حدث لشاعرنا صاحب الصوت السيمفوني صلاح نيازي؛ وهو - من بين آلاف الموريسكيين الجدد - يحمل أعصاب وجراح وطنه بكبرياء أكبر من الجزيرة العربية، إلى عاصمة قرارات الحصار؛ لندن، حين يقول:

"تطيرتُ حقا وملأتْ قلبي الهواجس
كأن العراق انتقل فجأة إلى مكان مجهول
أو ابتلعه بحر، ورحل"

ما جرى بين الأمين (808-813) والمأمون (813-833) كان بعضا من نقم فتنة السلطة. ترى ... ماذا جنت منها بغداد ؟. لقد هبَّتْ عليها سموم عاصفة الصحراء - والتأريخ يعيد نفسه - فاغتصبتِ الربيعَ من قصورها، وقُتِل وشُرِّدَ أهلها، وحلَّ الخراب فيها، وطُمِست طرقُها، وهُجِرَت مساجدُها، فأثارت قرائح أبنائها كعبد الملك الورَّاق رافضا أن تعيش في العتمة قائلا:
مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ ألم تكوني زمانا قرَّة العَينِ
ألمَْ يكنْ فيك قومٌ كان مسكَنُهُم وكانَ قربُهُمُ زيناً منَ الزَّيْنِ
صاحَ الغرابُ بِهِمْ بالبينِ فافترقوا ماذا لقِيتِ بهمْ من لوعة البين

وتبارى الشعراء على خطب وِدِّها، عندما كانت تضمهم كالطفل إلى صدرها،كعمارة بن عقيل:
أعاينتَ في طُولٍ منَ الأرضِ والعَرضِ كبغدادَ داراً إنّها جَنَّةُ الأرضِ
صفا العيشُ في بغدادَ واخضَرَّ عُودُهُ وعيشُ سِواها غيرُ صافٍ ولا غضّ

وهذا ابن أبي الزوائد؛ أحد شعراء المدينة المنورة، كان قد زار بغداد زمن المهدي، فقرصته براغيثٌ تسللتْ إليها من الكلاب المستوردة، فاستلَّ خنجرَهُ على بلدةٍ دوَّختْ مُعجمَ البلدان:
فَنَحُكُّ الجلودَ طوراً فَتَدْمَى ونَحُكُّ الصـدورَ والأفْخَاذا
فسقى اللهُ طَيْـبَةَ الوَبْلَ سَحًّا وسَقَى الكرْخَ والصَّراةَ الرَّذاذَا

آه..!، لقد نسيتم أو تناسيتم قوله تعالى: "فأرْسَلنا عليهِم الطُّوَفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكبَروا وكانوا قوماً مجرمينَ"؟.
يا قمر الزمان ... لم أضع رأسي في حضن كَرِخِكِ الحنون، من زمان !. فكيف .. وقد درَّسُونا ألاّ نكونَ رجالا ؟.
"يا تلاميذ غزة |علّمونا | بعض ما عندكم | فنحن نسينا |علمونا | بأن نكون رجالا | فلدينا الرجال | صاروا عجينا" .
ولكِ في أختك القدس عبرة، وقد "مر المسيح [فيها] عابرا | بغصن زيتون ووجه شاحب منحوت | من حجر الياقوت". أيضيركما الحصار والأسر ؟!، البركة في فك المقاطعة ورفع الحصار عن أشباه "الخول" في تل أبيب !!.
"لن يبقى عربي واحد إن بقيت حالتنا هذي الحالة|بين حكومات الكسبة |القدس عروس عروبتكم| فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها| ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب| لصرخات بكارتها| أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة ؟ | إن حظيرة خنـزير أطهر من أطهركم" .

"يا سيدة النساء ... لا تظني، عندما أغني.. بأني فرحان.. فأنني أموت كالعصفور.. إن لم أغنِّ لك، يا سيدة النساء". وإن عادَ كلامنا تعبث به الخادمات المستوردات في غسل الصحون، وقول الحق من الفقر انتحر، تبقين - يا بغداد - صامدة تقضّينَ مضاجع مغتصبي شمسك؛ من أحفاد الشيطان وسَفَّاحِي العصر:
كالشمسِ في كَبِدِ السماءِ محلُّها وشعاعُها في سائـرِ الآفـاقِ

آه.. ألـم تكنْ قُـبَّةَ مُلْكٍ كأنّ النجومَ تُصغي إليها بأسرها؟!. واليوم كل شيء عندنا مستعار حتى وجوهنا !.
ألم يكن بالأمس فيها شيوخٌ ما نَـملُّ حديثَهُم، يَفِيدُونَنا من علمهم ؟ .. لا يهم فقد تعودنا على سنين جفاف الإبداع.
فهل حقاً تناثرَ عِقْدُهم على أطباق حضارة التعب، عفوا، الغرب؟! .. لا ضيرَ أننا غرباء في داخل أو خارج أوطاننا.
إنّ حبنا لكِ - يا سيدتي - كمن لا يقدر أن يهرب من يوم القيامة. سنمتصُّ لك من كل المنافي رحيق "الأمان"، ونعاهدك أن صغيراتنا سيوزعن "خبز العباس"، حتى لا يقتلوا فينا ابتسامة الوطن. ما لساعات حدائقك متوقفة، والعالم الآخر سيغزو الكوكب الأحمر ؟!. ما لمصابيح بيوتك عليلة ؟!. حقا حرَّم الأذلاء ألا تزورك الكهرباء إلا ساعتين في اليوم ؟، لا يهمُّ، فوجهك القمري يكفي أبناءك ضياء.. هيا رغم أنف كيد الشامتين بها، نردد فيها قول البهاء زهير:
بلادٌ متى ما جِئتَهَا جئتَ جَنَّـةً لِعَينَيك منها كلّ ما شئتَ رِضوانُ
ولمّـا زوجنا السيد فتيل النفط من الآنسة المصونة فتنة ابنة السلطة، دفعنا لهما مهراً غالياً، ليس لوليهما السلطان فحسب، وإنما لكلبه المسؤول عن أمن البلاد، فتخرّبت بيوتنا، وأصبحت في بيتك محدود الإقامة، رغم أنفك، وإن شئت فاشطب اسمك من سبورة العرب السوداء، لأن قانون سلاطيننا "وصلة مطاط"، "يُفَرفِشُ" فيها غلمان كافور. وهكذا تسوَّدت وجوهنا؛ وهي طاحنة قد عفَّستها الغربة والرعب، وتبقين أنت سواء في الأمام أو في الخلف بين النجوم:
"هكذا، من بلد إلى بلدٍ
أفـتِّـشُ بين النجوم عن بنات نعش،
وأقول إذن من هنا العراق.
في البلد الغريب أسيرُ إلى الأمام ورأسي إلى الخلف،
ما جدوى أن تسيرَ إلى الأمام ورأسك إلى الخلف"

يا سيدتي (بغداد).. حين نخرجُ كل صباح، نخطُّ على حيطان المدارس المهدَّمة، وننـثرُ في مياه الفُراتين نشيد السماوات:
يا إبليس.."فاخْرُجْ مِنْها فَإنِّـكَ رَجيمٌ، وإنَّ عليكَ اللَّعْنَةَ إلى يوم الدِّين".
أيُّها الناس هذا وذاك عدّوي وعدّوكم فلا يُـخْرِجَنَّـكم من الجنة فتشقوا. قولي لهم بكل كبرياء.. يا أحياء العالم: أنا بغداد أخت الشرفاء، فلا تشنقوا طيوري لـنـزقِ الطغاة مرّاتٍ.. ومرّات، ومزقوا حصار الشياطين.
لا.. ولن يفلحوا أن يقلعوا الثورة من أوراقك، لأنِّي علقتُ لكِ حِرزا أخضر من الجَوادَينِ، يحميك من العين.
ولا تحزني.. فقلوب الأحرار معك، واسمعي ما قاله أحد ملوك الكلمة بعد اغتيالِ إحدى بناتك بلقيس
"كنتُ أعرفُ أنها سوف تُقتَلْ..
ففيها تَجَسَّدَتْ حضارةُ ما بينَ النهرينْ
ونحنُ متخلِّفونْ..
هي مقامٌ بغداديٌّ رائعْ..
ونحنُ لا نسمعْ..
هي قصيدةٌ عـبَّاسيَّةْ..
ونحنُ لا نقرأْ..
هي فصلٌ من ملحمة جَلْجَامِشْ
ونحنُ أُمّيون...
كان حبُّها العراقيُّ
له طعمُ الورد.. وطعمُ الجَمر..
وكانَ إذا فاضَ في موسم الربيعْ
كَسَرَ جميعَ السُّدُودْ..
وكسَّرني عشرين ألفَ قطعَـهْ..
أسستُ معها في 5 آذار 1962
أوَّلَ مدرسةٍ للعشق في بغدادْ
وعندما سقطت بلقيس في 15/12/1981
استقال المعلمون والمعلماتْ
وهرب التلاميذْ
وتأجَّلَتْ دراسةُ الحبّ.. إلى أجلٍ غيرِ مُسَمّى".
"عندما كنت أشاهد فيلم تايتانيك كنت أرى فيه، من خلال دموعي، مشهد العراق في لجة الكارثة الهوجاء، لكن الفرق بين السفينـتين أن قبطان التايتانيك كان يتراكض كالمجنون لإنقاذها، بينما سفينـتنا المـثقوبة يزيدها القبطان وحاشيته غرقا"





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,842,640,643
- ذِبّانَهْ
- لماذا يحجم العراقيون عن المطالبة بحقوقهم ؟
- أمام أنظارالبرلمان العراقي الجديد: 11- مطاليب الشعب - (الجزء ...
- أمام أنظارالنواب الجدد: 4- رواتب الرئاسات
- أمام أنظارالنواب الجدد: 3 -فضيحة الرواتب
- أمام أنظارالنواب الجدد: 2- الميزانية وخط الفقر والأرامل والي ...
- أمام أنظارالنواب الجُدُد: 1- الثقافة الوظيفية في العراق
- فؤاد معصوم والإستخفاف برأي الشعب العراقي والدستور
- إنتفاضة الكهرباء والقمصان الزرق تتحول إلى إنتفاضة كبرى
- قصة قصيرة بعنوان -مستشفى متنقل-
- هل تراجعت السعودية عن شطب ديونها على العراق ؟
- الحكمة والحلم.. يا أمير الكويت .. ولا تدعِ البُغاث يستنسر
- خمس دبابات وخمسة قضاة يا سيد أوباما
- تقديم كتاب ابن فضل العمري (الرد على -الشهب الثاقبة لابن سعيد ...


المزيد.....




- صفعة جديدة للبوليساريو بعد تجديد اتفاقية الصيد بين المغرب وا ...
- صناعة الغيتار بأيدي طلاب الموسيقى
- الإعلان عن محتويات -تابوت الإسكندرية الغامض-
- رئيس الحكومة: يتعين على الإدارات المعنية ضمان حسن استقبال مغ ...
- كيم كاردشيان تجني 5 ملايين دولار في 5 دقائق فقط! (صورة)
- بالفيديو والصور... موسيقى الشارع تجد طريقها إلى دمشق وشباب ي ...
- العثماني: تعميم التعليم الأولي ورش وطني طموح
- دعوة مخزية من عضوي كونغرس لاستجواب مترجمة ترامب
- زوج معجبة يبطش بالممثل التركي نجات إشلر ليس غيرة منه وإنما.. ...
- طلبة في جامعة مانشستر يمحون قصيدة للشاعر الإنجليزي كيبلينغ ي ...


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جاسم العبودي - مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعينِ ؟! (1/3)