أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أنور نجم الدين - الكومونة والسوفييتات -7 : ثورتي البرجوازية والبروليتارية الروسية















المزيد.....


الكومونة والسوفييتات -7 : ثورتي البرجوازية والبروليتارية الروسية


أنور نجم الدين

الحوار المتمدن-العدد: 3206 - 2010 / 12 / 5 - 10:43
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الثورة البرجوازية الروسية:

لو بدأنا بإعادة النظر من تاريخ روسيا وممثليها التاريخييين للحركة الديمقراطية البرجوازية لرأينا أن تاريخ هذه الحركة قديمٌ قِدَمَ انتفاضة نبلاء الليبراليين البرجوازيين في عام 1825م، فتاريخ هذه الانتفاضة يعود إلى تاريخ التمردات والانتفاضات العسكرية للديمقراطيين الروس في الربع الأول من القرن التاسع عشر، فبصورة متواقتة تقريبًا مع التطور البرجوازي الأوروبي وانفتاح أوروبا التجاري على العالم، وأثرها على روسيا في القرن التاسع عشر -أي جر روسيا إلى السوق الرأسمالية العالمية الحديثة وربط شروط تطورها المحلية بشروط التطور الدولية، والنهوض النهائي للبرجوازية الصناعية إزاء بقايا العلاقات القديمة وركودها التي كانت تعيق التطور اللاحق لرأس المال- انطلقت الحركة البرجوازية الروسية، والتحقت بالمسيرة التاريخية التي كانت تُعَبِّر عن إنهاء الحياة الإقطاعية القديمة، والانضمام إلى المبادئ التي أعلنها عصر التنوير الأوروبي، فاعتبارًا من عام 1816م تشكلت جمعيات سياسية سرية في مدينة موسكو وبطرسبورغ، وانتشرت فروعها إلى أوكرانيا وغيرها من الأماكن أيضًا. وكان الهدف من تشكيل هذه الجمعيات هو نشر أفكار ليبرالية، وإصلاح إدارة الدولة، وتحسين وضع الفلاحين، وتحريض ضباط الجيش في الإطاحة بالحكم الملكي، والمطالبة بتشكيل حكومة مؤقتة مع إصدار دستور يَحْظَى المواطنون بموجبه بالحقوق المتساوية، وحرية الصحافة، وإلغاء الخدمة العسكرية العامة، وتعيين المسؤولين في الدولة بعد انتخابهم من قبل الشعب، فبتأثير أفكار أوروبا الحرة، والصدى البعيدة لأفكار الثورة البرجوازية الفرنسية، ومن ثم الحروب النابليونية، انتشرت الأفكار الليبرالية الإصلاحية والمطالبة بإلغاء القنانة في روسيا في الربع الأول من القرن التاسع عشر.

وهكذا، فالصيرورة التاريخية هذه قد خلقت مسبقًا حركة تاريخية تُمَثِّل في الأساس العالم الحديث بالمعنى البرجوازي للكلمة، فأعلنت البرجوازية في الربع الأول من القرن التاسع عشر أهدافها في وجه العالم أجمع. فالقيصرية لم تَبْقَ بعد ذلك التاريخ مُمَثِّلا للطبقة القديمة الإقطاعية، بل أصبحت ممثلا للطبقة الحديثة أيضًا، ألا وهي البرجوازية.
فالضباط العسكريون المتأثرون بأفكار أوروبا الحرة، قادوا أُولَى الانتفاضات ذات الطابع الديمقراطي البرجوازي منذ بداية القرن التاسع عشر.
وكانت هذه الحركة بطبيعتها ذات ميول للدفاع عن مصالح الفلاحيين نظرًا لطبيعتها البرجوازية، وكان أغلبية الجنود في الجيش ينتمون أيضًا إلى الفلاحين.

وهكذا، فكان الأمر يتعلق بالتحرر من العلاقات الإقطاعية القديمة، فالمنتج إذًا كان على عتبة التحرر لا من أجل الأرض، أي الانتقال من العبد إلى القن، بل من أجل العمل -العمل الحر. فالصيرورة التاريخية هذه كانت تتعلق بخلق العامل الحر -حر من السيد ومن الأرض- والمجرد من كل شيء -حر من الملكية- فالمنتج كان يتحول إلى العامل، الكائن الذي يعيش سلفًا في علاقة اللاملكية، ويجابه نتاج إنتاجه بوصفه ملكًا للغير، أي إنه يَظْهر بوصفه ملكية غريبة عنه، أي اللاملكية بالنسبة له.

وهكذا، كان الهدف المنشود لدى هذه الجمعيات هو إسقاط الملكية القيصرية واستعاضتها بنظام برجوازي جمهوري، وبتأثير حرب عام 1812م، وحملات روسيا العسكرية على الدول الأخرى، تدهورت الوضع الداخلي، وانطلقت أخيرًا انتفاضة 14 سبتمبر 1825م بقيادة نبلاء الليبراليون في يوم تولي الحكم القيصري من قبل الإمبراطور الجديد نيقولاي الأول. وشهدت العاصمة الروسية القديمة بطرسبورغ في هذا العام أول انتفاضة موجهة ضد العالم القديم، عالم الاقطاعية. وبعد مقاومة بطولية، باءت الانتفاضة في النهاية بالفشل التام بعد مقتل أكثر من 1200 شخصًا، ثم إلقاء القبض على 650 عسكريًّا ومئات من المشاركين في الثورة، واصدار الحكم عليهم بالإعدام أو السجن أو النفي إلى سيبريا مع زوجاتهم وإجبارهم على الأعمال الشاقة. وبعد هذه الانتفاضة أطلق على المشاركين فيها اسم (ثوار ديسمبر).

وهكذا، فيعتبر فشل ثورة عام 1825 الروسية، فشل السيادة السياسية الرسمية للبرجوازية. ولكن لا يعني هذا توقف التاريخ، والتقدم البرجوازي، والتطور الصناعي، وإعادة الإنتاج الاجتماعي بموجبه، ومن ثم التجمع البروليتاري في المعامل في المدن الروسية الكبيرة مثل بطرسبورغ، وموسكو، ودخول البروليتاريا حياتها التعاونية في العمل. الأمر الذي كان يدفع التاريخ بصورة طبيعية نحو ثورة جديدة، تختلف أهدافها اختلافًا تاريخيًّا كبيرًا عن ثورة عام 1825م. فبعد هذا التاريخ، أي هذه التحولات التاريخية الاجتماعية، وإعادة تنظيم المجتمع اعتبارًا من العائلة، ومرورًا بالإنتاج، وانتهاءً بالدولة، فلم يكن ممكنًا بعد، انطلاق أية ثورة جديدة في روسيا، دون ارتداء لباس بروليتاري، وبالفعل انطلقت ثورة جديدة في عام 1905م، وطرحت لغزًا لم يفهمه أي سياسي من السياسيين الروس في ذلك الوقت: السوفييتات! فالقيادات المثقفة، وخاصة الاشتراكيين - الديمقراطيين، كانوا لا يزالون يحلمون بتحقيق أهداف البرجوازية لثورة عام 1825 البرجوازية، بل وأقل منها بكثير.

ثورة السوفييتات عام 1905:

خلال قرنين من التطور الصناعي والتجاري الأوروبي، وإعادة تنظيم الحياة الاجتماعية من جديد، قد تمت عملية انحلال علاقة التبعية للأسياد والأرض في الكثير من الدول الصناعية العريقة، بحيث أصبح القن في النهاية (قنًّا) حرًّا، أي منفصلا عن السيد والأرض. وهذه العملية لم تكن سوى التحرر من عنصرين أساسيين من عناصر العمل: نزع العامل من الملكية بصورة تامة، وتمركز وسائل عيشه لدى الرأسمالي! والآن يجد العامل شرط وجوده -بقائه بوصفه عاملا- لدى الغير، فالرأسمالي هو الذي يملك وسيلة بقاء العامل، فالعامل منفصل سلفًا عن وسائل عيشه. كما أن بقاء الطرف الآخر -الرأسمالي- أيضًا يتوقف على بقاء العامل، فالطرفان يُعَبِّران عن علاقة تتكامل فقط من خلال روابطهما ببعضهما البعض في العمل. لذلك فقد أصبح بقاء هذه العلاقة التي تسمى في النهاية العمل المأجور، شرط بقاء المجتمع السياسي مع كائنه السياسي.

وهكذا، فبموجب تطور يجري بصورة مستقلة عن إرادة الأفراد، والطبقات الاجتماعية، والدولة، ظهر أخيرًا شرط انحلال علاقات التبعية في العمل أيضًا، فانحلال علاقة التبعية للسيد والأرض، يعني بالضبط تكوين شرط الانحلال النهائي للسيادة في العمل، فالمنتج الجديد -العامل- يستطيع الآن أن يعلن صراحة أنه ما دام وجوده يتوقف على وجود الرأسمالي، فالقضاء على الرأسمالي وسيادته، يعني بالضرورة القضاء على العامل نفسه والسيادة أيضًا بالمعنى التاريخي للعبارة لا بالمعنى القنِّي، فالعبد تحرر من سيده وأصبح قنًّا، كما وأن القنَّ تحرر من الأرض وأصبح عاملا. فالصيرورة التاريخية إذًا للمجتمعات الطبقية -العبودية، الإقطاعية، الرأسمالية، لم تكن إلى هذا الحين سوى تجديد سيادة الإنسان على الإنسان في العمل، حيث لم تكن هذه الصيرورة سوى تغير اسم المنتج وسيد العمل.

وهكذا، فيكمن السر التاريخي في قضية الانتقال من المجتمع الطبقي إلى المجتمع اللاطبقي، أي من السيادة إلى اللاسيادة، في انحلال علاقات التبعية للعمل.
والآن هناك طبقة مكلفة تاريخيًّا ويمكنها إدعاء إنهاء التبعية في العمل لا خلق علاقات تبعية جديدة، لأنها لا تملك الوسائل الإنتاجية، ولا تحتكر وسائل عيش الآخرين، فهي بالأحرى لا تحتاج تبعية الآخرين لها في العمل، فهي لا تحتاج السيادة على المجتمع إذًا.
وفي هذا يكمن سر إعلان هذا المنتج الجديد -البروليتاريا، القضاء على الطبقات والسيادة الطبقية في المجتمع. فالكومونة أو السوفييتات إذًا، لم تكن صدفة تاريخية أو خطأ ارتكبتها البروليتاريا، بل إنها جاءت نتيجة لتطور الأشياء ذاتها، فالمجتمع لم يقبل بعد أي ثورة سوى الثورة على العلاقات التبعية -السيادة والخضوع.

واذا رجعنا إلى ثورة السوفييتات الروسية عام 1905م، فسنرَى أنها لم تكن سوى الصدى البعيد لهذه العلاقات الجديدة في مستوى المجتمع الدولي والمحلي أيضًا، فقد كانت ثورة تعبر عن الحياة الكومونية التي تمارسها البروليتاريا بصورة مسبقة في علاقات العمل التعاونية. ومثلما خلفت ثورات البرجوازية الأوروبية أثرها على روسيا البرجوازية، فخلفت ثورات البروليتارية الأوروبية أيضًا -وبالذات ثورة كومونة عام 1871م- أثرها العميق على الثورة الروسية الجديدة، فثورة السوفييتات كانت تعبر عن هدف لم يكن بإمكان التاريخ طرحه في الثورة الروسية الأولى عام 1825م. ولا يمكننا الاتفاق مع الاشتراكيين - الديمقراطيين في تعريف هذه الثورة بثورة برجوازية، ففشل ثورة عام 1825م، يعني ترك التاريخ أمر الانقلاب الاجتماعي اللاحق، للطبقة الجديدة: البروليتاريا! فالهدف الليبرالي للثورة، كان ينتمي إلى الماضي، إلى ثورة القرن التاسع عشر الروسي لا ثورة القرن العشرين، فمثلما كان هناك 80 سنة بين الثورة البرجوازية الفرنسية وثورتها الكومونية، فكان أيضًا هناك 80 سنة بالضبط بين الثورة البرجوازية الروسية غير المنتصرة وثورتها السوفيتية –الثورة المجالسية.
فروسيا القرن العشرين لم تكن روسيا القرن التاسع عشر، لذلك فبقدر ما كان من غير الممكن أن يطرح التاريخ في روسيا ثورة بروليتاريَّة في القرن التاسع عشر، بقدر ما كان من غير الممكن أيضًا أن يطرح التاريح ثورة برجوازية في القرن العشرين، فالهدف الذي طرحه الثورة الروسية في عام 1825م كان نفس الهدف الاجتماعي لثورة عام 1789 الفرنسية، كما كان الهدف المنشود لدى ثورة السوفييتات عام 1905م، هو نفس هدف ثورة الكومونة عام 1871م. وإذا كانت القوى الاجتماعية الأساسية لثورة القرن التاسع عشر هي النبلاء والفلاحين، فكانت القوى الأساسية لثورة القرن العشرين الروسية، هي البروليتاريين المدينيين والبروليتاريين الريفيين. فالبروليتاريا هي التي طرحت هذه المرة أهدافها الاجتماعية، وإذا كان الجنود المنخرطين في النضال في القرن التاسع عشر، يمثلون في خلفيتهم الاجتماعية مصالح الفلاحين التاريخية، فجنود القرن العشرين كانوا يمثلون بطبيعتهم الاجتماعية، مصالح الطبقة البروليتارية الحديثة. لذلك فكان لا بد للأول أن يصبح دعامة اجتماعية لثورة تمثلها النبلاء الليبراليين، أصحاب الملكية، والثاني أن يصبح دعامة اجتماعية لثورة سوفيتية.
فهذه المرة لم تمثل الثورة إلا مصالح المعدمين، الأغلبية الساحقة من المجتمع المديني، فإن إضراب عمال السكك الحديدية في عام 1905، وشل الحياة التجارية وحركة الجيش في نفس الوقت في روسيا، كان من فعل البروليتاريين المدينيين.
ونتيجة لهذه التطورات التاريخية الجديدة وُلِدَتْ حركةٌ جديدةٌ في تاريخ روسيا، غريبةٌ بأهداف وتفكير ساسة الاشتراكيين - الديمقراطيين بالذات، فالجنود والبحارة قاموا بتشكيل منظمة اجتماعية جديدة وتوحيدها في سوفييتات نواب العمال دون أن يعرف السياسيون عنها شيئًا. فجعلت الثورة السوفيتية –الثورة المجالسية- من الحرية الاجتماعية أمرًا واقعًا دون أخذ الموافقة من الدولة القيصرية، وأصبحت الاجتماعات والمناقشات العلنية بين العمال والفلاحين والجنود والموظفين والحرفيين، أمرًا علنيًّا لا يحتاج موافقةً قانونية ولا حكومة جمهورية. وفي الدوامة التاريخية للنضال البروليتاري، تشكلت السوفييتات، ثم جمعيات المندوبين عن جميع المصانع، وعلى نفس الشكل الذي أنتجتها الكومونة الباريسية بل وأقوى منها. وعلى عكس لينين الذي يقول: "قد أخذت سوفييتات نواب العمال في بعض مدن روسيا تضطلع أكثر فأكثر بدور الحكومة الثورية المؤقتة – لينين"، أو "كانت الثورة الروسية عام 1905 ثورة برجوازية ديمقراطية – لينين"، فقامت السوفييتات بمحاولة تنظيم المجتمع من جديد على شكل باريسي، فروسيا القرن العشرين ومدنها الصناعية الكبيرة تتقدم وتكتسب شيئًا فشيئًا تركيبًا اجتماعيًّا شبيهًا بالتركيب الباريسي للكومونة. لذلك فإن ثورة السوفييتات تتقدم بخطوة على ثورة الكومونة في انتشارها السريع في البلاد، ففي خريف عام 1905، وبتأثير ثورة المدن البروليتارية، انتشرت الاضرابات، والمظاهرات، والانتفاضات الفلاحية في عموم البلاد، وقام المنتفضون بالقضاء على العقارات الكبيرة للنبلاء، والاستيلاء وتوزيع وسائل المعيشة على الفلاحين. ففي الثورة الأولى -عام 1825م- عبَّر الفلاحون عن مطامحهم في مطامح نبلاء الليبراليين البرجوازيين: الجمهورية! أما في الثورة الثانية، ثورة السوفييتات البروليتارية، فقد قام الفلاحون بالاستيلاء على ملكية النبلاء. فالسوفييتات إذًا كانت تتخطى الحدود الباريسية للكومونة في استقطابها الطبقي.

وهكذا، فإن كل ما فَعَلَتْهُ الطبقاتُ المضطهدة في الأزمنة الغابرة، كما في القرن التاسع عشر في روسيا أيضًا، لم يكن سوى رغبة تاريخية للتحرر من قيود أسيادهم، وهذه الرغبة ستكون في النهاية رغبة لا تاريخية للتحرر من السيادة، فتحرر العبيد ثم الأرقاء لا يعني في آخر المطاف سوى الوصول إلى عمال أحرار، وهم بهذا المعنى لم يحققوا شيئًا سوى تغيير علاقتهم بالعمل والسيادة، أي سيد العمل.
أما وصولهم إلى نوعٍ جديد، نوعٍ تاريخي خاص من المنتج، نوعٍ مجردٍ من الملكية، يعني وصولهم في النهاية إلى الشروط التاريخية التي تتحقق فيها الرغبة اللاتاريخية للعبيد والأرقاء، أي التحرر بالذات من السيادة -من سيد العمل، فإن علاقة العامل الحر بالعمل، يعني بالتحديد علاقته بالميل التاريخي لتلاشي العمل المنسلب بالذات، العمل الخاضع للسيادة -الدولة.

"وهكذا، فبينما كان كل ما يريده الأرقاء الآبقون هوأن يكونوا أحرارًا في تطوير وتأكيد شروطهم الحياتية التي كانت قائمة سلفًا، ولكنهم لم يتوصلوا آخر الأمر سوى إلى العمل الحر، فإن البروليتاريين ملزمون، إذ أرادوا ان يؤكدوا أنفسهم على أنهم أفراد، بأن يلغوا شرط وجودهم بالذات حتى ذلك الحين (هذا الشرط الذي كان فضلا عن ذلك شرط كل المجتمع حتى الوقت الراهن)، ألا وهو العمل. وهكذا يجدون أنفسهم في موقف المعارضة المباشرة للشكل الذي اختاره حتى ذلك الحين الأفراد الذين يتشكل المجتمع منهم من أجل التعبير عن أنفسهم تعبيرًا جماعيًّا، يعني في موقف المعارضة مع الدولة، ولذا فإنه لا بد لهم، كي يؤكدوا أنفسهم كأفراد، من أن يطيحوا بهذه الدولة" (ماركس، الأيديولوجية الألمانية).

وهكذا، فقضية الانتقال إلى الشيوعية تتلخص بالضبط من قضية قضاء البروليتاريا على الطبقات جميعًا لا البرجوازية وحدها، فإن المسألة هنا ليست مسألة تحرير العمل إنما التحرر من العمل وسيده، ليست هي سيادة البروليتاريا إنما هي إلغاء السيادة بالذات، ليست هي ايجاد تشكيلة سياسية بروليتارية جديدة تسمى "الجمهورية الاشتراكية" إنما القضاء على الحياة السياسية، فالمسألة هي بكل اختصار تحرر السيد والمسود معًا وفي آن واحد من علاقة منسلبة -من الاستلاب، تحرر جانبي العمل المغترب معًا وفي آن واحد. وليس هذا الطرح حلما من الأحلام، أو التفلسف، بل هو تأكيدٌ فقط على ما قامت به البروليتاريا في ثورتي الكومونة عام 1871 الفرنسية والسوفييتات عام 1905 الروسية.
وأثبتت هذه الثورات أن الدولة يجب أن تخلي مكانها لجماعية واقعية لكي يصبح بمقدور الإنسان المساهمة الفعلية في حياته الجماعية، وتنظيم مجتمعه بوصفه سيدًا لنتاج إنتاجه الخاص.
ولكن لا تصبح الواقعة هذه حقيقة ثابتة غير قابلة للهزيمة ما لم يتكامل الاستقطاب الطبقي في المستوى الوطني لصالح طبقة البروليتاريا المدينية.
أما تطورها فيتوقف على الاستقطاب الطبقي في المستوى الأممي، فالطبقات الريفية بطبيعتها الاجتماعية، وحتى تكوين حياتهم الجغرافية، مثل الفلاحين مثلا، يكافحون بصورة مبعثرة، ومتفرقة، وغير منظمة بالمقارنة مع الطبقات المدينية المنخرطة في العمل الصناعي، فهم لذلك لا يشكلون أي انتظام طبقي يناسب انتظام الطبقات المدينية. الأمر الذي سيقضي في النهاية على التوازن الطبقي لصالح الطبقة الحاكمة. ففي كل الثورات، وثورة الكومونة أيضًا، كان السبب التاريخي الأساسي في الهزائم يعود إلى عدم الاستقطاب الطبقي على المستوى الوطنى، فقوى الفلاحين كانت دائمًا تنهي العملية الثورية لصالح أعدائهم الاجتماعيين، ففي ثورة الكومونة لم يتقدم الفلاحون قيد أُنْمُلَة نحو الأهداف المعلنة من قبل البروليتاريين الباريسيين، ولم يكن للفلاحين أية استجابة لتنظيم أنفسهم في الكومونات الإنتاجية في القرى الفرنسية مثل باريس، ولم تصبح بالأحرى ثورة الكومونة ثورة وطنية شاملة تشارك فيها المدن والقرى في مستوى الثورة الباريسية. فلذلك كان مصيرها محكوما عليه بالفشل.
هكذا كان مصير ثورة السوفييتات أيضًا، فلقد بلغت ثورة السوفييتات قمة تطورها في ديسمبر عام 1905 في مدينة موسكو. فالآلاف من العمال قاموا بالهجمات المتكررة على القوى العسكرية للدولة خلال 9 أيام على التوالي. ولم يكن لأي حزب من الأحزاب السياسية أي إسهام رسمي في الثورة البروليتارية الروسية. بل كان كل الأحزاب عبارة عن مجموعات متفرجة صغيرة من المثقفين ليس لديهم أي إتصال فعلي بالعمال، وهم ليسوا أحزابًا منعزلة عن الثورة فحسب، بل قاموا علنًا بمحاربة أهدافها حين سنحت الفرصة بالنسبة إليهم فيما بين الموجتين الثوريتين الأولى 1905 والثانية 1917، فقد كانوا يكررون مثل الببغاء أهداف وشعارات ثورة 1825 البرجوازية، بل كانت طلباتهم أقل من طلبات ثورة 1825 البرجوازية، الثورة التي مر عليها قرابة قرن في ذلك الوقت. وكما أثبت التاريخ، فلم تتجاوز الاشتراكية - الديمقراطية الروسية بكتلتيها المناشفة والبلاشفة، الهدف المنشود لدى الثورة البرجوازية التي أعلنها النبلاء الليبراليون في عام 1825م إلا في شكل خليط من الأفكار البرجوازية والاشتراكية التي استعارتها الاشتراكية - الديمقراطية الروسية من أوروبا ونقلتها إلى الحركة البروليتارية الروسية، فهم كانوا يلحقون أوروبا في أفكارها وتجاربها البرجوازية لا أوروبا في تجاربها الكومونية، وقد كانوا يقفون بهذا المعنى ضد ثورة السوفييتات البروليتارية ويلحقون بأهداف الأرياف - الفلاحين، ففي إجلالها الخرافي للثورة البرجوازية، قامت الاشتراكية - الديمقراطية الروسية بتوجيه البروليتاريا نحو أهداف الديمقراطية، فالاشتراكية - الديمقراطية -الأوروبية كالروسية- كانت تعيق دائمًا مجرى تطور الثورة البروليتارية وفرض شعاراتهم الحزبية الخاصة على حركتها، وفي منافسة بعضهم البعض، فكانوا يحولون الحركة الواقعية إلى استعراض سياسي لإبراز قواهم الحزبية في روسيا، وهم بهذا المعنى استخدموا كل قواهم لشل الثورة وتشويه أهدافها الكومونية، فما بين ثورتي السوفييتات، كرست الاشتراكية - الديمقراطية، وباء قاتل انتشر بعد الثورة الكومونية ومن خلال منظمة مثقفي الأممية الثانية، كل جهودها لجلب البروليتاريا وراء أهدافها البرلمانية الخاصة وإمتزاج مصالح البروليتاريين مع مصلحة الدولة القيصرية تارة، والحكومة المؤقتة تارة أخرى، أي اقتسام السلطة مع البرجوازية باسم الكادحين، البروليتاريا والفلاحين، فلذلك فهم لم يتوجهوا إلى الشغيلة فيما بين الموجتين الثوريتين 1905 م و1917م، إلا في شكل أحزاب برجوازية برلمانية.

بين ثورتي السوفييتات 1905م و1917م:

في إعادة التنظيم الاجتماعي للمجتمع الروسي في المدن وعلى نمط المجتمع الباريسي عام 1871م، ولدت ثورة جديدة في عام 1905م لا يمكنها أن تمثل سوى مصلحة الطبقة المدينية الأكثر عددًا في المجتمع المديني: البروليتاريا! فلم تختلف المدن الروسية في بداية القرن العشرين عن مدن أواسط القرن التاسع عشر الأوروبية، فكل ثورة في روسيا كان لا بد أن تعبر عن مصلحة تاريخية تسود فيها مصلحة طبقة غير متملكة ومنخرطة سلفًا في حياة تعاونية في العمل المصنعي. لذلك فلم يكن ممكنًا طرح أي هدف تاريخي سوى السوفييتات -المجالس العمالية، الادارة الذاتية للمنتجين- فكانت السوفييتات ذات هدف كوموني في منهجها التاريخي، فلا يمكن لأي طبقة طرح هذا المطلب التاريخي -السوفييتات- غير الطبقة التي تنظم سلفًا أعمالها في شكل تعاوني. لذلك ففي الأيام الأولى للثورة ظهرت التناقض الجذري بين هدف السوفييتات وهدف الاشتراكية - الديمقراطية الروسية، فكانت السوفييتات لدى الاشتراكية - الديمقراطية ثورة برجوازية لا بروليتارية، فساسة الاشتراكيين - الديمقراطيين لم يقفوا يومًا بجانب البروليتاريا في ثورتها، بل والمصيبة الأساسية في الحركة البروليتارية كانت وجود هؤلاء السياسيين المثقفين الذين يعتبرون أنفسهم عقل الثورات ولكن دون أن يفهمون شيئا من الثورات سوى السلطة العزيزة ومناصبها الرابحة لديهم، فلدى الاشتراكية - الديمقراطية، كان النضج التاريخي للثورة يعني بكل بساطة نضجا أيديولوجيا، فالبرجوازية يجب فرض سيادتها على السلطة قبل أن تفكر البروليتاريا بثورتها. ولدى لينين مثلا، فالبروليتاريا "تخطو الخطوة الأولى نحو أهدافها بالوسيلة الممكنة الوحيدة، أي بطريق الجمهورية الديمقراطية – لينين".

هذه هي تصورات اشتراكية - ديمقراطية عن الثورة البروليتارية، فكأن الثورة خط فكري وسياسي متسلسل، لا يمكن لأحدهما أن يسبق الآخر مهما كان من التطور التاريخي للصناعة والصراعات الاجتماعية التي تدور حولها، فالبروليتاريا حسب هذا التفكير، لا يمكنها فهم الملكية الجماعية، دون مرورها المسبق بالديمقراطية البرجوازية. لذلك فلم ترَ الاشتراكية - الديمقراطية ثورة السوفييتات إلا من عين برجوازية، فثورة السوفييتات كانت ثورة برجوازية حسب لينين مثلا. كما لم تحدد الاشتراكية - الديمقراطية موقفها من الثورات على العموم إلا من وجهة نظر الإصلاحات، لذلك فهي لم تتملص من نشاطاتها البرلمانية أبدًا، فما بين ثورتي السوفييتات مثلا توجهت الاشتراكية - الديمقراطية، المصيبة التاريخية للبروليتاريا، نحو مجلس الدوما القيصرية، فبدل استخلاص دروس الثورة، والبدء مما بعد هذه الدروس، شاركت الاشتراكية - الديمقراطية الروسية دون خجل في الحكومة التي قتلت الآلاف من البروليتاريين في ثورة السوفييتات عام 1905م، وبكل اعتزاز، ودون أي خجل يقول لينين: "استخدمت البلاشفة بنجاح ربما يكون أكبر من نجاح أي حزب آخر في العالم، إذ إننا ظفرنا بكل مقاعد العمال في الدوما الرابع من عام 1912 إلى عام 1914 - لينين".

وما كانت الدوما؟
لم تكن دوما الدولة سوى مؤسسة تمثيلية عقدتها القيصرية الروسية للسيطرة على آخر بقايا الثورة المجالسية وبمشاركة ما يسمى بممثلي العمال أنفسهم، أي الاشتراكية - الديمقراطية، مصيبة نازلة لا من السماء إلى الأرض بل من وسط الإنتلجنسيا إلى البروليتاريا. وفيما بين ثورتي السوفييتات بدأ الإنتلجنسيا علنًا بمحاربة مبادئ الكومونة وقال زعيم البلاشفة صراحة: لا يختلف مفهوم الكومونة عن مفهوم الحكومة الثورية، وتناضل الاشتراكية - الديمقراطية في سبيل حكومة ثورية مؤقتة، والهدف هو تحقيق برنامج الحد الأدنى (لينين، خطتا الاشتراكية - الديمقراطية في الثورة الديمقراطية). وبعد انتهاء فترة الهدنة الطبقية فيما بين الثورتين، وإعلان البروليتاريا من جديد ثورة السوفييتات في شباط عام 1917م، توجهت الاشتراكية - الديمقراطية من جديد الى صناديق الانتخابات والمشاركة في المجلس التأسيسي للحكومة البرجوازية الجديدة بدل المشاركة في السوفييتات وتطوير الاتجاه التاريخي للثورة.
Email: anwar.nori@gmail.com

يتبع





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,307,790
- بولندة عام 1980: ثورة الكومونة من جديد!
- الكومونة والسوفييتات -6
- ثورة السوفييتات الهنغارية عام 1956
- الكومونة والسوفييتات -5
- الكومونة والسوفييتات -4
- الكومونة والسوفييتات -3
- الكومونة والسوفييتات -2
- الكومونة والسوفييتات -1
- جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 3) خرافات جديدة في الاقتصاد الس ...
- جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 2) خرافة انهيار الاشتراكية
- جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 1) خرافة عودة لينين
- نظام لينين نظام العمل المأجور: 3- التخطيط الشيوعي للإنتاج
- نظام لينين نظام العمل المأجور: 2- كيف يجري التوزيع في الإنتا ...
- نظام لينين نظام العمل المأجور: 1- طبيعة الاقتصاد السُّوفيتي
- لينين: تراجيديا السوفيتية!
- نظام لينين نظام تايلوري -2
- نظام لينين نظام تايلوري -1
- الاتحاد السوفيتي في ضوء قانون القيمة
- الاتحاد السوفيتي السابق: كيف نبحث أسباب انهياره؟
- الدين بين المادية الألمانية والمادية الإنجليزية -3


المزيد.....




- تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 1
- عودة المتظاهرين إلى شوارع الجزائر وسقف المطالب يرتفع
- عودة المتظاهرين إلى شوارع الجزائر وسقف المطالب يرتفع
- الأخضر رابحي يكشف سبب غياب القيادة في الحراك الشعبي الجزائري ...
- خالدة جرّار : ما كان ينبغي لبعض قوي اليسار أن تشارك في الحكو ...
- آلاف المتظاهرين يحتجون في شوارع العاصمة الجزائرية وسط غياب ا ...
- وفد الديمقراطية إلى العراق يجري مباحثات مع «تحالف سائرون»
- برئاسة الأمين العام للحزب وفد عن حزب التقدم والاشتراكية في ...
- النموذج الفلاحي الأمريكي: “حركة فلاحين بدون أرض”
- المحتجون في السودان: سنعلن مجلسا حاكما


المزيد.....

- حول نظرية الحزب في الماركسية اللينينية / برهان القاسمي
- حان الوقت لإعادة بناء أممية العمال والشعوب / سمير أمين
- سمير أمين: في نقد حلم انكسر   / عصام الخفاجي
- متابعات عالمية و عربية - نظرة شيوعية ثوريّة (2)- (2017 - 201 ... / شادي الشماوي
- اليسار في مصر: حدوده وآفاقه في عالم 2011 / علي الرجّال
- كوبا وخلافة فيديل كاسترو / أندريس أوبينهيمر
- من الثورة الثقافية البروليتارية الصينية الكبرى النص الأول / الشرارة
- أهم المعيقات أمام بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين / النهج الديمقراطي
- نقد لرؤى انتهازية معاصرة عن الدولة / الحزب الشيوعي اليوناني
- استنتاجات من استراتيجية الحزب الشيوعي اليوناني في عقد 1940 ف ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أنور نجم الدين - الكومونة والسوفييتات -7 : ثورتي البرجوازية والبروليتارية الروسية